كان المحامي يقوم بجميع الإجراءات لخروجها ونيل حريتها بعدما أنهت ما يقارب شهرًا كاملًا مقيدة تُعاقب على شيء لم تفعله. تنفست بصعداء، مرتسمًا فوق شفتيها ابتسامة خفيفة تزين وجهها الشاحب الذي كان الحزن يملأ كل أنش به.
كان عقلها شاردًا يفكر فيما ستفعله في حياتها القادمة بعد خروجها من هنا، ولا زالت غير مصدقة أنها قد نالت براءتها وحريتها معًا، لكن حريتها الحقيقية قد نالتها بموته، نعم بموت عصام تلك هي الحرية الحقيقية، سينتهي عذابها وجحيمها.
تستطيع أن تقول حقًا أن سجنها قد انتهى، ستفعل كل شيء كما تريد هي، تضحك تبكي، تفرح تحزن، كل شيء ستفعله متى تحب، لن يعود ما يمنعها ويشعرها بمرارة الأيام، تلك الغصة القوية التي كانت متواجدة دومًا في قلبها قد انتهت حقًا! هل حقًا انتهت؟! لم تصدق ما حدث، هل كل ذلك الألم انتهى؟ لكن إن كان الألم انتهى فندباته لازالت في قلبها وروحها وجسدها المشوه على يده.
هناك العديد من الجروح لن تُشفى مهما مر عليها الوقت، وذكريات لن تُمحى، عامان كاملان كانا بمثابة حياتها بأكملها، ذكريات حزينة تسيطر على عقلها لا تعلم كيف ستُفقدها حتى تستطيع العيش في أمان بلا حزن ووجع. أهم شيء تود فعله هو الابتعاد عن عائلة زوجها، تلك العائلة التي عانت كثيرًا بسببها، لكن نظرات مديحة لها قبل تركها للقاعة غير مبشرة بالخير، بل كانت تطالعها بغضب معترضة في حكم البراءة التي نالت عليه، متوعدة لها بشر ومكر يشبهها.
نفضت كل ذلك من عقلها الآن فهذا ليس وقته، وتمتمت بهدوء تشكر المحامي الذي وقف معها: "بجد أنا متشكرة جدًا لحضرتك، مش عارفة أقولك إيه على وقوفك معايا." ابتسم المحامي بهدوء وأجابها بعملية ومهارة بعد إنهاء جميع عمله وإجراءاته القانونية لها:
"لا طبعًا يا مدام رنيم متقوليش كده، أنا معملتش حاجة زيادة عن واجبي، لو لازم تشكري حد فهو جواد باشا، هو اللي عمل كل حاجة وهو اللي راح مكان جريمة وقدر يعرف مكان الكاميرا دي اللي كانت مستخبية في مكان سري، هو كمان اللي أقنعني أمسك القضية، عمل كل حاجة بصراحة وكان واثق إنك بريئة، مبروك ليكي يا مدام رنيم." صُدمت من حديثه، هل حقًا جواد فعل كل ذلك لأجلها؟! لكن مهلًا، كيف فعل ذلك؟!
كيف وهو بذاته كان يعلم أنها قاتلة ويود قتلها، كان يتعامل معاها بحدة وجمود ويريد حق ابن عمه منها!! شعرت أنها كالتائهة، هي مهما فعلت لن تستطع فهم شخصية جواد، لكن بالرغم من كل ذلك لازال معلقًا في قلبها بجميع طباعه التي لن ترى مثلها من قبل. تساءلت بدهشة وعدم فهم حتى الآن: -طـ... طب هي إزاي الشرطة ولا النيابة ملقتش الكاميرا دي؟ أجابها المحامي بعملية جادة:
-الكاميرا كانت في مكان صعب حد يلاقيه، وكمان هما بالنسبة لهم انتي المتهمة وفي شهود عليكي فاتعاملوا على الأساس ده. وعلى فكرة جواد باشا مسكني القضية قبل ما يلاقي دليل البراءة، هو فعلًا كان عارف أنك بريئة. علمت أنها خرجت بأعجوبة بسبب جواد الذي فعل كل شيء لأجلها، رغم عدم اعترافها له بالحقيقة وكذبها عليه، إلا أنه وقف معها حتى خرجت في النهاية. تفاجأت به كان يقف ينتظرها. اقترب منهما مغمغمًا بعملية جادة للمحامي:
-خلاص كده كله تمام؟ أومأ برأسه إمامًا وأجابه محافظًا على نبرته العملية هو الآخر أمامه: -أيوة كده تقدر تتفضل مع مدام رنيم. كانت واقفة كالبلهاء لا تفهم ما يدور أمامها، وتساؤلاتها قد ازدادت، لكنها ستنتظر حتى تحصل على جميع إجاباته. وجدته يشكر المحامي بهدوء متزن والثقة شديدة في نبرته: -شكرًا كده خلاص تقدر تتفضل. تطلع نحو رنيم مشيرًا لها بيده صوب الأمام لتذهب مردفًا بجدية مشددًا فوق كل حرف يتفوه به: -يلا نمشي يا رنيم.
قطبت جبينها وسارت بصمت معه حتى وصلت نحو سيارته فتوقفت متسائلة بذهشة متعجبة لما يفعله: -استنى كده هو أنت موديني على فين ولا عاوز مني إيه؟ مش خلاص على كده يا جواد باشا ولا إيه؟ وزع نظراته الحادة عليها اخترقتها وأجابها بحدة وغضب منها متذكرًا كذبها عليه: -بقولك إيه اركبي واخلصي خلينا نمشي. شعرت بالخوف عنوة عنها وتمتمت بقلق مبتعدة عنه لبضع خطوات متوقعة الأسوأ كعادة حياتها التي بلا حظ تمامًا: -نـ...
نمشي إيه بقولك إيه ابعد عني، شكرًا عاللي عملته وخلاص، وأعتقد عرفت إني ما عملتش حاجة لابن عمك، هو اللي عملي وضربني، سيبني في حالي أنت وعيلتك دي كلها. فقد السيطرة على ذاته فصاح بها بعنف غاضبًا: -بقولك إيه اتعدلي عشان ما أعصّبش عليكي، مش كفاية أنك كدبتي عليا كان ممكن تروحي فيها بسبب كدبك، استفادتي إيه؟
كان يتحدث هكذا لخوفه عليها، فلو لم يظن ببراءتها وأنها لن تستطع فعل شيء هكذا، وسار مستمعًا إلى قلبه باحثًا عن دليل براءتها لكانت الآن حصلت على حكم الإعدام بدلًا من براءتها وحريتها، كيف لها أن تكذب في أمر هكذا؟! اجتمعت الدموع بضعف داخل مقلتيها، لم تعتاد منه على التعامل معها بتلك الطريقة، لكنها حاولت الثبات أمامه وأجابته ببرود:
-ملكش دعوة بيا، ما كنتش ساعدتني أصلًا، بعدين أنا ما كدبتش، أنا لو كنت أقدر أعملها كنت هعملها فعلًا. وبقولك إيه سيبني أمشي وابعد عني. قبل أن تستمع إلى رده ذهبت مبتعدة عنه لبعض الخطوات، فأسرع هو قابضًا فوق يدها بعنف مانعًا إياها من الذهاب وغمغم بعصبية حادة: -بلاش جنان، تعالي اركبي واخلصي يلا عشان نروح وتلحقي ترتاحي شوية. طالعته مترددة بخوف يبدو عليها وتمتمت بضعف وعقلها يصور لها العديد من المشاهد المرعبة التي
تنتظرها عند عودتها معه: -بـ... بس أنا مش عاوزة أروح معاك، مش عاوزة أرجع تاني في العيلة دي. لا مش عاوزة عشان خاطري أنا خلاص هبعد ومحدش هيشوف وشي تاني. جملتها الأخيرة ألمته بشدة جعلت قلبه يعتصر بداخله، تود الابتعاد حقًا؟ كيف له سيعيش من دون رؤيتها؟ لن يستطع بالطبع وسيموت اشتياقًا وعشقًا لها، لكنه يريد راحتها حتى وإن كانت لن تتطابق معه، لذلك غمغم متسائلًا بهدوء: -طب عاوزة تروحي فين؟ أوديكي عند أهلك؟
حركت رأسها مسرعة نافية بخوف، لا تريد رؤيتهم مرة أخرى في حياتها فتمتمت بخفوت: -لـ... لا لا بلاش أهلي عشان خاطري مش عاوزاهم، وديني أي حتة بس أهلي لأ. طالع رؤيتها بحزن عالمًا بتخليهم عنها ووقوفهم ضدها دومًا من دون اهتمام لها ولمشاعرها، لذلك غمغم يرد عليها متعقلًا باتزان: -طب بصي هو أبويا كان قايل إني أجيبك على هناك، فأنت تعالي شوفي الدنيا أسبوع ولا حاجة، ما ارتحتيش أو في حاجة ابقي امشي، وأهي فترة كويسة أشوفلك فيها شقة.
لم تقوَ على الرفض لأنها بالفعل ليس لديها مكان تعيش فيه. أغمضت عينيها بقوة وسارت معه بضعف وقلة حيلة تفعل مثلما أخبرها. قاد سيارته متجهًا نحو المنزل مبتسمًا بهدوء على وجودها معه، محاولًا أيضًا التحكم في انفعالاته التي ستكشفه بالطبع. كان من حين إلى آخر يتطلع نحوها يدقق بها وبملامحها المجهدة، يود أن يضمها ويربت فوق قلبها الحزين، يخبرها أنه لن يتركها مهما حدث.
ترجلت من السيارة وسارت بجانبه بتوتر فطالعها بهدوء يطمئنها، لكنها ما أن دلفت حتى وجدت مديحة تقترب منها تطالعها بنظرات غاضبة حادة والشرر يتطاير من عينيها كالسهام النارية، أسرعت تقف خلف جواد بخوف مما ستفعله بها. تمتمت بجمود وغضب عارم مشددة فوق كل حرف تتفوه به بحدة: -أنتي فاكرة أنها خلصت؟ لا بتحلمي، مش هسيبك غير لما اللي قـتل ابني يجي، غير كده مليش دعوة.
وقف جواد أمامها يمنعها من رؤية زوجة عمه ونظراتها الحادة المرعبة مغمغمًا بجدية صارمة: -في إيه يا مرات عمي؟ ما خلاص رنيم طلع ملهاش دعوة وكل اللي فات كان كذب. رمقته بغضب وعدم رضا من حديثه ودفاعه عنها، وتحدثت مردفة بعصبية: -لا دي كدابة أنا مش هصدق أنها بريئة غير لما اللي قـتل ابني يجي، أوعى كده يا جواد أنت أوعى من قدامها.
حاولت أن تمسك شعرها حتى تستطيع ضربها، لكنها وجدت جواد يقف لها كالحاجز يمنعها من الوصول لها قائلًا بغضب هو الآخر من زوجة عمه ذات فكر محدود ولازالت تراها قاتلة رغم إثبات براءتها ولازال لم يعلم أحد أنه هو من أثبتها: -إيه يا مرات عمي هو إيه اللي كدابة؟ ما أنتي شوفتي القاضي قال إيه وهي ما عملتش حاجة. صاحت أمامه بعصبية حادة متذمرة على حديثه: -يعني إيه هتسيب حق ابن عمك اللي راح بسببها؟
كاد يرد عليها لكنه تفاجأ الجميع بصوت فاروق الحاد الجهوري الذي أخرس الجميع: -بس خلاص يا مديحة، البت فعلًا ما عملتش حاجة. وأنتي يا جليلة خدي جهزيلها أوضة، الأوضة اللي جنب سما. صمتت مديحة على مضض بعدم رضا متنفسة بصعداء وغضب تحاول التحكم به، بينما جليلة فبالفعل اقتربت من رنيم التي كانت لازالت خائفة من نظرات مديحة التي اخترقتها وكأنها ترسل لها من خلالها بعض الرسائل الحادة المشفرة.
ربتت جليلة فوق كتفها بحنان مطالعة إياها بشفقة لحالتها الخائفة من مديحة وتمتمت بهدوء: -تعالي يا حبيبتي يلا اطلعي عشان ترتاحي. تطلعت نحو جواد بخوف فأومأ لها يشجعها على الذهاب مع والدته. سارت معها بخطوات بطيئة حتى دلفت الغرفة التي أشار لها فاروق بحديثه. ابتسمت جليلة بهدوء تحدثت به محاولة أن تخفف من توترها: -نورتي الأوضة والبيت كله يا حبيبتي، الحمد لله أن ربنا ظهر الحق. ما تزعليش من مديحة ده ابنها برضه.
أومأت لها إلى الأمام برأسها شاعرة بالارتياح من التحدث مع جليلة التي تتعامل معها بهدوء وحنان تفتقده طيلة حياتها ردت عليها بتوتر: -والله يا طنط أنا ما عملتش حاجة، أنا مظلومة والحمد لله أن ربنا وقف معايا. اعتلى ثغرها بسمة حنونة حتى تجعلها تهدأ قليلًا:
-الحمد لله يا حبيبتي، إحنا عارفين أنك ما عملتيش حاجة وإلا ما كانش فاروق قال أنك تقعدي هنا، ده مبلغ جواد من بعد الحكم وكان هيستناكي بس قولنا نحاول نهدي مديحة شوية. هسيبك ترتاحي براحتك. كانت ستذهب لكن استوقفها صوت رنيم الهامس باسمها بخجل: -معلش يا طنط بس... بس ممكن أي هدوم ليا لأن مش معايا. همهمت ترد عليها باتزان وهدوء: -بس كده عيني، معلش نسيت أنا دقيقة وهتبقى عندك.
دلفت سريعًا غرفة ابنتها وأحضرت لها فستان طويل من اللون الأسود ليتناسب مع الظروف التي يمرون بها ودلفت أعطته لها سريعًا: -أهو يا حبيبتي ارتاحي وهبعتلك أكل عشان ما تتعبيش. تركتها في الغرفة وخرجت بهدوء وجدت جواد أمامها متسائلًا باهتمام وقلق عليها: -إيه يا ماما بقت أحسن؟ طالعته بعدم رضا مردفة بجدية تامة:
-جواد مينفعش خالص اللي بتعمله، ولا هي عشان خدت براءة أنت ما صدقت، روح شوف وراك إيه، أنت هتسببلها مشاكل وشايف مرات عمك مش طايقاها، دي سكتت عشان أبوك.
رأى أنها محقة في حديثها لذلك اقتنع به وسار متوجهًا نحو غرفته ليرتاح قليلًا متذكرًا مقابلته الأخيرة بالمحامي وكان حصل بها على ذلك الدليل الهام. لم يصدق أنه استمع إلى قلبه وساعدها بدون علم أحد، جعل الحقيقة تظهر للجميع ليس لقلبه فقط، أنهى الشك باليقين وتأكد من حقيقتها النقية رغم كذبها عليها واعترافها له، لكن قلبه كان يمنعه ويحارب عقله دومًا ويمنعه من تصديق حديثها.
عشقها كالنبضات داخل قلبه، ثابت لم يتوقف سوى بموته، لم يتخيل أنه من الممكن أن يعشق فتاة مثلما يعشقها، لكنها تختلف عن الجميع يراها كالشمس الساطعة ولا يوجد لها شبيه، يتمنى أن يعود ويرى ابتسامتها مرة أخرى كما كانت، لكن هل روحها ستعود إليها من الأساس حتى تبتسم؟!
هم قد سلبوا منها روحها ليس ابتسامتها فقط، كانت تعلم أن موته سيجعلها ترتاح لكنها اكتشفت العكس لا يوجد اختلاف بين موته وحياته في النهاية هي انطفأت وانتهى بريقها تمامًا. *** داخل مكتب فاروق كانت يجلس مع مديحة المعترضة على وجود رنيم معهم. غمغمت معترضة بغضب رافضة ما يتفوه به: -إيه اللي عملته ده يا فاروق؟ أنت عارف عملت إيه؟ إزاي تقول أنها تقعد هنا بدل ما ترميها زي الكـلاب؟ ضرب سطح المكتب بعصبية هادرًا بها بعنف لاعنًا
اندفاعها في الأمور: -وبعد كده يا مديحة؟ بعد ما أعمل كده تروح تفضح ابنك وتقول اللي كان بيعمله واسم العيلة يتبهدل، هتبقى مرتاحة كده؟ صمتت مبتسمة بمكر بعدما فهمت ما يدور بداخله ولما جعلها تظل هنا تحت أنظاره، فهدأت قليلًا مردفة بمكر: -آه أنا فهمتك، بس أنا مش هستحمل أشوف البت دي قدامي، شوف حاجة تانية غير قعادها هنا. لم يهتم بحديثها مغمغمًا بحدة مشددة أخرستها:
-لا تانية ولا تالتة، ركزي دلوقتي مش عاوزين فضايح لينا والبت دي ملهاش دعوة بموت عصام فسيبيها هنا تحت عيني أحسن. طالعته بشك مستنكرة حديثه وتساءلت بعدم فهم ومكر: -يعني إيه ملهاش دعوة بموت عصام؟ أنت عارف مين اللي موته يا فاروق؟! هب واقفًا بعصبية والدماء غلت بداخله بعد استماعه لسؤالها: -إيه أنتي اتجننتي؟ شوفي جرا لعقلك إيه يا مديحة؟ واطلعي بقى عشان مش فاضي دلوقتي.
رمقته بغضب هي الأخرى عالمة أنه يخفي شيء ما عليها في أمر قـتل عصام لذلك تمتمت بعصبية وعدم تصديق: -ماشي يا فاروق بس خليك فاكر أن اللي راح ده عصام الهواري زيه زي جواد ابنك اللي بتأمنله في مستقبله وهو ولا مهتم ولا عاوز حاجة ماشي ورا أمه وكلامها. صاح بها بحدة أخرستها بعدما ازدادت من غضبه وتعكير مزاجه:
-مديحة بلاش الشغل ده عشان عارفه وفاهمه كويس مش عيل أنا هيتضحك عليه بكلمتين. اطلعي وسيبيني عشان مش فاضي وبدل ما أنتي شاغلة بالك بجليلة خلي أروى تكلم جواد عشان اللي حصل آخر مرة بينهم. ثارت بغضب ماكر يشبه قلبها والغيرة اشتعلت في قلبها تاركة الأمر الحقيقي الذي كانت تتحدث به: -وأنا هشغل بالي بجليلة ليه؟ دي هتبقى حماة بنتي أنا بس بتكلم عشان هي فعلًا اللي مقوية جواد وبعداه عن أروى، أنت عارف أنه مش بيسمع غير ليها.
أنهت حديثها وخرجت تاركة إياه بعصبية، بينما هو جلس يفكر بعمق فيما سيفعله. وجد جليلة تدلف المكتب متسائلة بهدوء: -فاضي عشان عاوزة أتكلم معاك؟ أشار لها بيده حتى تجلس ليستمع ما تريده منه متمتمًا بجدية: -قولي يا جليلة في إيه؟ جلست أمامه بتوتر مردفة بخفوت خوفًا من أن تثير غضبه: -عاوزاك تكلم مديحة تهدى على رنيم شوية، البنت تعبانة أوي يا فاروق وهي باين أنها مش هتسكت بس حرام، هي زي سما ومعـ.. زجرها بعنف لتصمت
عن حديثها الذي لم يعجبه: -جليلة هي مين دي اللي زي سما؟ فوقي سما بنتك مش زيها ولا عمرها هتطول، بعدين أنا كده كده قولت الكلام ده لمديحة من غير ما تقولي. تعجبت لأمره من تعامله المدهش مع رنيم، هو دومًا لا يطيقها كيف وصى مديحة عليها؟! لكنها لم تعقب على حديثه، فمن الواضح أنه في حالة مزاجية غير جيدة، لذلك خرجت في صمت من دون أن تتحدث معه في شيء آخر. *** بعد مرور يومين...
نزلت رنيم من غرفتها في منزل فاروق الهواري بعد إصرار جليلة لنزولها أسفل معهم في ذلك المنزل الذي ضم جميع أفراد عائلة الهواري. كان الجميع مجتمعًا حول مائدة الطعام ما عدا جواد الذي كان في عمله للآن. سارت بخطوات بطيئة متعثرة تخشى الاجتماع معهم في مكان واحد، كانت ستهرب مرة أخرى إلى غرفتها لكن جليلة أسرعت تتفوه باسمها بهدوء مبتسمة تحثها على الجلوس معهم: "تعالي يا رنيم، يلا يا حبيبتي مستنياكي."
أشارت لها نحو المكان الذي كان أمامها فتوجهت رنيم بخوف من نظرات مديحة وابنتها الحادة المخترقة إياها كالسهام، جعلت خوفها وتوترها يزداد. باغتتها مديحة بسؤالها الحاد ولهجتها الصارمة القاسية معها: "أنتِ إيه اللي نزلك من فوق؟ أشارت مسرعة بسبابتها نحو جليلة مردفة بخفوت وقلق: "طـ... طنط جليلة والله هي اللي قالت لي أنزل هنا عشان آكل معاكم." عقبت بسخرية على حديثها متطلعة نحو جليلة بعدم رضا: "طنط... طنط إيه أنتِ هتنسي نفسك؟
دي بالنسبة لك جليلة هانم مبقاش ناقص غيرك اللي ينسى نفسه." تدخلت جليلة بهدوء متزن بعدما شعرت بتوترها وخوفها: "آه يا مديحة أنا اللي نزلتها، بعدين تقول اللي هي عايزاه براحتها." طريقة جليلة المدللة الهادئة لم تعجب فاروق ومديحة وأروى التي كانت تستشيط غضبًا، فجليلة اتخذت موقفًا ضدها بعد فعلتها مع جواد وكذبها، فهل من الممكن أن تتعامل معها بصرامة متجاهلة إياها وتتعامل مع رنيم هكذا؟!
صاحت أروى بها بغضب وغيرة والشر يتطاير من عينيها كقلبها الملئ بالحقد والكره لرنيم: "لا بقول لك إيه اتعدلي كده أحسن لك ومتنسيش نفسك يا بت أنتِ، أنتِ هنا مش أكتر ولا أقل من خدامة، فوقي كده وقومي من قدامي وإياكِ تنسي نفسك وأشوفك قاعدة معانا ثاني، أنتِ فاهمة؟ ظلت رنيم جالسة بالصمت من دون أن تعترض أو تنفذ ما طلبته منها أروى، فغمغمت مديحة بصرامة حادة والغضب يبدو فوق ملامحها: "ما تقومي يا بت، ما سمعتيش اللي أروى قالت لك إيه؟
ولا أنتِ فاكرة عشان عصام راح محدش هيعرف يلمك؟ قومي يلا." نهضت رنيم بالفعل مسرعة نحو غرفتها بخطوات شبه راكضة باكية من إهانتها أمام الجميع، لكنها قليلة الحيلة أمامهم، لو تجد مَن تستند عليه ويدعمها ستقف وترد على الجميع بشجاعة بلا خوف وتردد، ستنال حقها، لكنها إذا فعلت ذلك سينتقمون منها من دون أن تجد مَن يدافع عنها، وكأنها فريسة سقطت بين أيديهم.
مسحت دموعها بحزن ملتقطة أنفاسها بصوت مرتفع بعدما أغلقت باب غرفتها بإحكام خلفها، وظلت تبكي بدون وعي منها، تبكي على كل شيء يحدث لها، لا تمتلك سوى البكاء ولم تستطع فعل شيء سواه، ظلت تلعن حظها وضعفها أمامهم، لكن الأمر في الحقيقة لم يكن ضعفًا منها، بل هو أشياء متعددة: قلة حيلتها، وعدم وجود أمان لها، نفوذهم التي بلا حدود ويستطيعون فعل ما يريدون بها في أي وقت.
جلست مديحة كما كانت متناولة طعامها ببرود وكأنها لم تفعل شيئًا في تلك المسكينة، تمتمت جليلة بحزن معترضة على فعلة مديحة وابنتها: "مينفعش كده يا مديحة حرام، البنت ما عملتش حاجة وشكلها تعبان، اتعاملي معاها براحة عن كده، وأنتِ كمان يا أروى دي مرات أخوكي الله يرحمه يعني زي أختك." اعتلت ضحكات أروى بغرور ساخرة من كلمتها الأخيرة: "أختي هي مين دي اللي أختي يا طنط؟ ضحكتيني والله."
تدخلت مديحة مسرعة تساند ابنتها كما تفعل دومًا حتى جعلتها مثلها، تشبهها في العديد من الصفات، وإنسانة كمديحة جاحدة القلب لم يوجد بها صفة واحدة جيدة: "إيه يا جليلة اللي مينفعش؟ هو اللي بتقوليه واللي بتعمليه ده مع البت، البت دي مش كويسة لو عاملتيها كده هتتمادى، حرباية أنا عارفاها، بلاش حنيتك عليها، كفاية قعدها هنا معانا، كمان هتدلعيها." كادت تعترض بعدم اقتناع لكن أسرع فاروق مغمغمًا بلهجة مشددة حازمة ينهي
ذلك النقاش الذي لا يريده: "خلاص يا جليلة مديحة عارفة بتتعامل إزاي وأدرى بطريقتها، سيبها تعاملها براحتها." لم توافقه الرأي وغمغمت معترضة على حديثه هو الآخر التي بعمرها لم تقتنع به: "كلام إيه ده يا فاروق أنت بتقول إيه؟ إيه بتتعامل إزاي دي؟ ما هي إنسانة زيها زينا ومن العيلة دي كمان." رمقها بغضب مغمغمًا بحدة غاضبة أخرستها: "ما خلاص يا جليلة قلت، هي قصة هتقعدي تتكلمي فيها؟ كملي أكلك."
صمتت بالفعل وأكملت طعامها بعدم شهية حزينة على أمر تلك الفتاة ومعاملة الجميع لها القاسية. *** في الصباح.. دلفت رنيم المكتب الخاص بفاروق شاعرة بتوتر شديد حابسة أنفاسها خوفًا من حديثه، هو أرسل إليها عاملة في المنزل تخبرها أنه يريدها. وقفت أمامه بصمت منتظرة استماعها لحديثه شاعرة بثقل كبير في قلبها، لكنها وجدته يواصل ما يفعله من دون أن يعطِ لوجودها أمامه أي اهتمام، حمحمت متسائلة بخجل وخوف محاولة لفت انتباهه
ليخبرها عما يريده معها: "فـ... فاروق بيه حضرتك عـ... عايز مني حاجة؟ طال صمته مرة أخرى بطريقة أدهشتها، لكنه باغتها بنهوضه مقتربًا منها يدور حولها بطريقة غير مفهومة، لكنها أسرعت تضع يدها فوق وجهها بخوف بحركة لا إرادية اعتادت عليها ظنًا منه أنه سيضربها مثلما كان يحدث معها دومًا من عصام. اعتلى ثغره ابتسامة من فعلتها عالمًا جيدًا أن ذلك نتيجة أفعال عصام معها، لكنه لم يبالِ بشيء بل أخيرًا تخلى عن صمته متحدثًا
بنبرة حادة حازمة: "آه عايز أتكلم معاكِ في حاجة مهمة تفضلي فاكراها أحسن لك." أومأت برأسها في صمت وعيناها تطالعه متسائلة عن ذلك الأمر الهام الذي أحضرها لأجله ويود بسببها التحدث معها للمرة الأولى في حياتها. هي دومًا تهابه وتخشى التحدث معه في أي شيء، تراه شخصًا صارمًا جادًا تخاف من التعامل معه أو إخباره عن شيء. تابع حديثه بجدية تامة مشددة يملأها الوعيد:
"شوفي أنتِ أي حاجة عصام كان بيعملها معاكِ تنسيها ولا كأنها حصلت من الأساس، عصام قدام الكل شخص عادي ومفيش حاجة وهتفضلي قاعدة هنا كمان." أومأت تؤكد حديثه حتى تجعله لا يفعل لها شيئًا، تعلم جيدًا أنه يستطيع فعل أي شيء يريده: "حـ... حاضر والله مش هتكلم كلمة واحدة عليه بـ... بس أنا مش عايزة... مش عايزة أقعد هنا أنا محتاجة أمشي." باغتها بسؤاله الساخر المقلل من شأنها متعمدًا إهانتها: "هتمشي تروحي فين؟
وهو أنتِ لاقية مكان يلمك؟ بعدين أنتِ فاكراني باخد رأيك؟ أنا بعرفك وقعدك هنا عشان أنتِ مرات عصام الهواري مش على آخر الزمن واحدة زيك هتفضحنا." ابتلعت تلك الغصة القوية التي تشكلت في حلقها من إهانتها وتمتمت بضعف خافت: "أ... أنا والله ما هتكلم ولا هفتح بوقي خالص بس أنا ممكن أقعد في أي مكان غير هنا مش هقدر." لم يبالِ بحديثها بل غمغم بوعيد حاد أخافها وجعلها ترتعش من نبرته معها:
"بس خلي بالك لو عرفت إن لكِ يد في موت عصام حتى لو بمجرد تفكير فكرتيه للحظة واحدة مش هرحمك، وأنتِ متعرفيش فاروق الهواري يقدر يعمل إيه؟ ارتعشت بخوف شديد من نبرته تخشى علمه باتفاقها مع محسن التي تراجعت عنه، وحتى الآن تظن أنه من قتل عصام وحاول أن يجعلها هي القاتلة خاصة أنه اختفى تمامًا بعد الحادثة وكأن ليس له أثر. لكنها حاولت التماسك وتوقف فكرها حتى لا يظن بها وصمتت بخوف، فأشار لها بسبابته متعاليًا بفخر:
"خلاص كده باين رسالتي وصلت لكِ، اطلعي على أوضتك." سارت مسرعة من أمامه هاربة من نظراته التي تجعل الرعب يملأ قلبها، تشعر أنه يعلم كل ما كانت تود فعله من نظراته الحادة لها. *** بعد مرور أسبوعين... في المساء كان جواد قد عاد للتو من عمله بعد غياب دام لأسبوعين، كان جميع مَن في المنزل قد غفا ما عدا رنيم التي كانت تقف في المطبخ تنظف بعض الصحون. تفاجأت عندما رأته يدلف المطبخ، ابتسمت بخفوت ما أن رأته وتمتمت بهدوء:
"حمد لله على سلامتك أخيرًا جيت." بادلها ابتسامتها هو الآخر مغمغمًا بمرح يمازحها: "كنتِ خايفة عليَّ ولا إيه؟ شعرت بالخجل من سؤاله المباغت لها وأسرعت تبعد عينيها عنه بضعف متمتمة بصوت خافت متلعثم: "لـ... لأ لأ مش كده بس عشان طنط جليلة والدتك كانت بتقول إنك وحشتها وعايزة تشوفك." ابتسم على ارتباكها البادي عليها وأردف بعتاب: "بقى كده مش خايفة عليَّ؟ ده أنا ممكن أموت حتى."
ردت عليه بلهفة شديدة شاعرة بنغزة قوية في قلبها متخيلة حديثه إذا حدث فحينها ستموت هي الأخرى حقًا: "بعد الشر يا جواد ما تقولش كده، بعد الشر أنا بخاف عليك بـ... بس بس، يعني قصدي أن طنط كانت مستنياك ترجع. تساءلت مرة أخرى مسرعة قبل أن يتحدث، محاولة أن تنهي ذلك الحديث الذي سيأخذ منحنى آخر بينهما: اطلع أوضتك ارتاح أنت، إيه اللي جابك على المطبخ؟ أجابها بهدوء بعدما جذب مقعد يجلس فوقه:
كنت فاكر ماما هي اللي في المطبخ، فكنت عاوز أشرب قهوة عشان دماغي وجعاني. استنكرت طلبه معقدة حاجبيها بدهشة: قهوة بليل!! أومأ لها برأسه أمامًا مغمغمًا بمرح لم يظهر سوى معها هي فقط، هي الوحيدة القادرة على تحويل جواد الجاد الصارم مع الجميع إلى ذلك العاشق الولهان المتيم في عشقها مهما حاول إخفاءه: ده هي ما تحلاش غير بليل مع الحبايب وحياة عنيكي دول، بس يلا ماما نامت مليش نصيب. تمتمت مسرعة قبل أن ينهض ويتوجه نحو غرفته:
لأ استنى أنا هعملهالك، هو أنا كان عصام بيقولي دايمًا إنها وحشة وبيرميها بس انت جرب لو ما عجبتكش سيبها واطلع نام يبقى ملكش نصيب فعلًا. تذكرت عندما كان ذلك المختل يلقي القهوة الساخنة عليها ويسبها بأبشع الألفاظ التي اعتادت عليها منه، لكن حمقاء هي، تظن لن يحب شيئًا فعلته لأجل بالطبع سيعشقه كعشقها. لكنه باغتها بسؤاله القوي الغير المتوقع:
عشان كده دلقها عليكي يوم الحادثة وكان بيضربك، كان إيه السبب يا رنيم وهو بيعمل كده دايمًا ولا إيه؟ خشيت من حديثه متذكرة تهديد فاروق لها فأجابته متلعثمة بتوتر وخوف: لـ... لا طبعًا دي... دي كانت خناقة عادية وكبرت بينا بس عادي مفيش حاجة لأ وأول مرة يضربني. سألها بعدم اقتناع عالمًا بكذبها، لكنه لم يستطع فهم شيء: متأكدة من كلامك ده؟ أومأت برأسها أمامًا بخوف من أن يكشف الأمر، وبدأت تعد له القهوة مسرعة بعناية
شديدة ووضعتها أمامه بهدوء: اتفضل أهي القهوة. أشار لها لتجلس أمامه فجلست منتظرة استماعها لما يريده، فغمغم معتذرًا بهدوء وندم عن معاملته لها الفترة الماضية وظنه في قتلها لعصام: رنيم أنا آسف على اللي حصل لما كنتي محبوسة، بس عصام زي أخويا فكانت أعصابي بايظة وما عرفتش أنا باعمل إيه وكمان؟ كل مرة يتفوه بها باسمها يسلبها عقلها إلى دنيا أخرى كانت تحلم بها زمان والآن هي مجرد ذكرى وحلم لم تستطع تحقيقه، ردت عليه بهدوء:
لأ عادي مفيش حاجة خلاص كفاية وقوفك جنبي وأنك ساعدتني وأنت السبب في خروجي من هناك. عليها يعاتبها بحزن خفيف: بس أنتي غلطتي لما كدبتي عليا وقولتيلي إنك قتلتيه، مش فاهم ليه عملتي كده، كنت بأسألك لغاية آخر لحظة نفسي إنك تثقي فيا وتحكيلي الحقيقة. حاولت أن تبرر له موقفها بتعقل شارحة له الأمر كما كانت ترى:
طريقتك معايا حسستني إنك مش هتصدقني وكمان أعصابي كانت تعبانة مش عارفة أفكر حتى بقيت مرة واحدة قاتلة وخاينة كمان، وبعدين أنا بأثق فيك والله يا جواد. كان متفهمًا تمامًا لحديثها لذلك دعمها بهدوء وخلف حديثه العديد من المشاعر الفياضة التي تكفيه لسنوات قادمة:
أنا عمري ما ها أكدبك، بعدين ده أنا صدقت نظرة عينك مش ها أصدق كلامك، أنا بس اللي عصبني إنك حاولتي تقتلي نفسك وكمان سألتك بعد ما عرفت الحقيقة وبرضو كدبتي عليا، بعدين كلنا كانت أعصابنا تعبانة. طالعته بامتنان شاكرة إياه بصدق لوقوفه بجانبها وتصديقه لها رغم كذبها: شكرًا يا جواد باشا شكرًا. عقب بمرح متذمرًا بعدم رضا لكلمتها: رجعنا لباشا دي تاني هو في قسم؟ ده احنا في المطبخ أهو.
ضحكت بهدوء ضحكة ولا أروع طربت أذنيه كأنه استمع إلى ألحان أغنية موسيقية لكنها كانت أحلى من كل شيء لا يجد شيء يصف به ضحكتها الخلابة. وضع فنجان القهوة فوق المنضدة بعدما أنهاه متمتمًا بهدوء: تسلم إيدك بجد القهوة حلوة أوي. طالعته متسائلة بعدم تصديق تريده يؤكد حديثه بصدق: بتهزر صح؟ عجبتك القهوة بتاعتي بجد!؟ أومأ مؤكدًا حديثه بابتسامة هادئة تزين ثغره: والله حلوة أوي زيك تسلم إيدك تعمليلي واحدة كمان وأشربها عشان تصدقي.
نهضت من أمامه بخجل بعدما توردت وجنتيها باللون الأحمر متمتمة بتلعثم خافت: لـ.. لا لأ خلاص اطلع ارتاح بقى. بدأت تنظف الفنجان مسرعة لتهرب من أمام عينيه عندما رأته لازال جالسًا في مكانه لم ينهض فأسرعت هي هاربة من أمامه بخجل شاعرة بالسعادة لأول مرة، نعم قد مر على قلبها بعض اللحظات السعيدة القليلة في تلك الدقائق التي جلستها معه.
كان يمدحها ويمدح كل ما تفعله، نظراته تخبرها بالعديد والعديد التي علمته جيدًا لكنها ادعت عدم فهمه محاولة إنقاذ ذاتها وعقلها من ذلك الحلم المستحيل قبل سحق روحها في دوامة أخرى مستحيلة ستكون نهايتها الحزن لها.
بينما جواد فقد ابتسم هو الآخر بسعادة وظل طول ليله يفكر بها، ملامحها الجميلة الهادئة، ابتساماتها الساحرة وضحكتها المميزة، كل ذلك لن يذهب عن باله ولو لوهلة واحدة فقط، يحلم هو الآخر العديد من الأحلام عالمًا بمدى صعوبة بل استحالة تحقيقها. *** بعد مرور أسبوعين... كانت رنيم جالسة تتحدث مع سما بهدوء فتطلعت أروى إليها بغيظ والحقد يملأ قلبها لذلك صاحت بها بغضب متكبرة عليها:
أنتي قاعدة هنا معانا بتعملي إيه قومي شوفي أي زفت اعمليه، اللي زيك ما يقعدش معانا. طالعتها رنيم بضيق محاولة التحكم في انفعالاتها لا تود أن تتشاجر معها لكنها أيضًا ملت من الصمت لذلك أجابتها بهدوء مقتضب: أنا قاعدة مع سما بنتكلم أنا وهي. نهضت أروى بغيظ مقتربة منها والشرر يتطاير من عينيها تلك الماكرة الخبيثة التي تود أن تصبح أفضل من الجميع جذبتها ضاغطة فوق ذراعها بقوة غارزة أظافرها به وصاحت بحدة:
أنتي كمان بتردي عليا يا زبالة أنتي ما تفوقي ولا نسيتي أصلك يا*** مكناش بنسمعلك نفس. تألمت رنيم من ضراوة قبضتها حاولت أن تجعلها تتركها إلا أنها كانت محكمة القبض عليها بحقد فتمتمت بضعف متألمة: سيبي إيدي وابعدي عني أنا أصلًا ما كلمتكيش أنتي بتكلم مع سما. أسرعت سما تتدخل في الأمر بقلق محاولة مع أروى لتجعلها تهدأ وتتركها: خلاص يا أروى سيبيها هي ما عملتش حاجة وأنا اللي قولتلها تنزل.
لم تهتم بحديثها بل ظلت تضغط فوق ذراعها أكثر بقوة ضارية فصرخت رنيم متألمة ودفعتها بقوة هي الأخرى إلى الخلف حتى تتركها بعدما وجدت بعض الدماء تسيل من ذراعها بسبب قبضتها الحادة وأظافرها الغارزة بذراعها فوقعت أروى أرضًا تحت أنظار مديحة التي دلفت للتو وجدت رنيم تدفع ابنتها أرضًا. أسرعت مقتربة منها جاذبة إياها من شعرها بقوة وغل وضربتها بعنف: يا وسـ*ـة بتمدي إيدك عليها أنتي اتجننتي ولا نسيتي نفسك.
ظلت رنيم تبكي بألم محاولة الدفاع عن ذاتها تحت سيل الضربات المسددة إليها بقوة من مديحة. حاولت جليلة وسما التدخل حتى تجعلها تتركها: مديحة خلاص يا حبيبتي ما كانش قصدها سيبيها أحسن تموت في إيدك. لم تهتم بحديثها بل ظلت تستكمل ضربها لها بعنف وقوة غير مبالية بالدماء التي تسيل منها أثر ضرباتها القوية بقدمها ويديها.
في ذلك الوقت دلف جواد الذي عاد للتو مستمعًا إلى صراخ رنيم الذي يعلمه جيدًا ولج مسرعًا بقلق وتفاجأ مما يراه وجد زوجة عمه تضرب رنيم بقوة تصفعها بعنف وتركلها بقوة بعدما انتهت من قص بعض الخصلات في شعرها رأى والدته وشقيقته يحاولون الدفاع عنها لكن باءت محاولتهما بالفشل. وجد أيضًا أروى تجلس تطالع ما يحدث بتشفٍّ واستمتاع تشاهد ما يحدث بتسلية وفرح دفعتها مديحة أسفل قدم ابنتها وهي لازالت قابضة فوق شعرها بقوة وتمتمت
بحدة صارمة مهينة لها: اعتذري لها يلا يا *بالة وما ترفعيش نفسك تاني دي ستك أنتي واحدة خدامة تحت رجلها. وجد أروى تدفعها بقدمها بقوة إلى الخلف في بطنها مبتسمة بغرور وتشفٍّ فلم يتحمل رؤية ما يحدث لها أمامه فقد السيطرة على ذاته وتوجه مسرعًا نحوهم بغضب يدفع زوجة عمه الممسكة بها ليجعلها تتركها صائحًا بها بغضب: إيه اللي بتعمليه ده؟ إزاي تعملي فيها كده ده جنان. طالع أروى بغضب متابعًا حديثه بغضب أعماه غير مبالي لأي شخص حوله:
وأنتي إيه اللي بتعمليه ده؟ أنتي إزاي كده معندكيش قلب ولا رحمة؟ أنا مش هاسكت على اللي عملتوه ده ومش هايعدي. أسرع يساعدها على النهوض من فوق الأرض بغضب وهي شاعرة أن قدميها لم تعد تتحملها، تمتمت مديحة بغضب وعصبية بعدما رأت رد فعل جواد الحاد معها هي وابنتها: أنت اللي مالك وبتدخل ليه؟ هو حد كلمك؟ دي كانت مرات ابني وقاعدة هنا شفقة، يعني أعمل أنا فيها اللي يعجبني حتى لو هاموتها ملكش إنك تتدخل بينا. اعترض
على حديثها بحدة عارمة: يعني إيه لأ مالي؟ ومالي أوي كمان وكلامك ده مش صح هي مش قاعدة شفقة، وبعدين ليا الحق أتدخل عشان رنيم تخصني. تعجبت من حديث رمقته بذهول متسائلة بعدم فهم معقدة حاجبيها: تخصك!! إيه اللي تخصك؟ ومالك بتتكلم كده ليه أنت ملكش دعوة بيها يا جواد. في لحظة غاضبة فقد بها عقله والتحكم في ذاته رد عليها بغضب متبجحًا بحدة: تخصني عشان رنيم مراتي.
صعق الجميع بحديثه الذي ألقاه عليهم بطريقة مباغتة فاجأت جميع الحاضرين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!