وصل فاروق المنزل الخاص بشقيقه ليلًا. وجد مديحة بالفعل جالسة في انتظاره، والجمود يبدو فوق ملامح وجهها. قطب جبينه في تعجب ودهشة، لا يعلم ما الذي حدث لتجلس في انتظاره هكذا. توجه جالسًا بجانبها بشموخ، غمغم متسائلًا بجدية وضيق: "إيه اللي حاصل يا مديحة؟ إيه اللي خلاكي تجيبيني بليل كدة وقاعدة مستنياني كدة ليه؟ مصمصت شفتيها بضيق هي الأخرى، وردت عليه بغضب ووحدة: "يعني مش عارف يا فاروق؟ شوف المحروس ابنك عمل إيه، ولا مش عارف؟
استمع إلى حديثها بدهشة، مضيق عينيه وأردف متسائلًا مرة أخرى بعدم فهم وتعجب: "ابني!! قصدك جواد؟ ماله عمل إيه؟! تمتمت تخبره بتهكم ساخر وعدم رضا: "أيوه يا أخويا، هو جواد، هو فيه غيره مثلًا. شوف الأستاذ اللي هيتجوز بنت... تكدت تتحدث وتواصل حديثها لتخبره عما فعله، لكنه قطعها صائحًا بغضب ووحدة: "أنتِ أكيد مش مقعداني القعدة دي وجايباني بليل عشان تتكلمي عن جواد، وكل دة موداش بنتك الحفلة والهبل دة؟
تبقي اتجننتي فعلًا يا مديحة." رفعت شفتها إلى الأعلى وردت عليه مردفة بجدية ومكر شيطاني: "لأ يا فاروق، مش عشان كدة بس. الغندور ابنك ماله ومال رنيم؟ ابنك عينه منها، ولا تكونش مش عارف؟ تلاقيه هو والسنورة مراتك مخبيين عليك. أنا ملاحظة بقالي فترة وعارفا وساكتة، بس زودها أوي النهاردة. فاروق، جواد لـ أروى ومفيش غير كدة، أنتَ سامعني؟ غير كدة هقلب الدنيا كلها، وأنتَ عارف إني أعملها عادي وأقدر أوي كمان، مجرد ما أقول بـ...
هدر باسمها بعنف وغضب يمنعها من مواصلة حديثها الذي ليس له داعي: "مــديــحـــة.." وقف بغضب شديد، شاعرًا بالدماء تغلي بداخل عروقه مما استمع إليه ومن تهديدها له أيضًا. غمغم متحدثًا بغضب صارم ولهجة مشددة: "اعرفي أنتِ بتقولي إيه ولمين. أنا فاروق الهواري، محدش يقدر يقف قدامي. واللي يقف بدوسه مهما كان. مش أنتِ اللي هتهدديني خالص، أوعي عقلك يخونك بحاجة غير كدة. أما ابني، فأنا هعرف وأتصرف إذا كان الكلام الفارغ دة صح."
انكمشت على ذاتها بخوف من تحوله المباغت، لكنها حاولت ألا تظهر رهبتها منه، فتحدثت بتحدي ومكر: "لأ مش هسكت يا فاروق. أنا مغلطتش بقولك إيه، ابنك هو اللي غلطان وباصص لحاجة مستحيلة من سابع المستحيلات كمان. وشوف جليلة مراتك، تلاقيها هي اللي مشجعاه. روح اتصرف معاهم هما، مش أنا." هدر بها بعنف غاضب، وقد برزت عروقه والدماء تغلي بداخلهم مما يشعر به: "خـلاص خـلاص يا مـديـحة، بقول مش عاوز أسمع كلمة كمان، أحسنلك."
شعر بالغضب مما يستمع إليه. نـعـم، هو الآن غاضب بضراوة. لم يرد عليها بكلمة أخرى، بل اتخذ الصمت سبيلًا معها. رامقًا إياها بنظرات مصوبة نحوها كالسهام الحادة تخترقها لتخرسها تمامًا. هب واقفًا بشموخ يملؤه الغضب، وسار نحو الخارج بخطى واسعة غاضبة، ناهيًا لتلك الجلسة معها التي جعلته بتلك الحالة الشديدة الغضب.
لم تحزن وتنزعج من ذهابه إلى المنزل تلك المرة مثلما تنزعج دومًا عندما يذهب. بل تلك المرة ابتسمت بسعادة فرحة بفعلتها الخبيثة التي تشبهها، معبرة عن نواياها الحقيقية. فحديثها سيقلب منزل "فاروق الهواري" رأسًا على عقب. تعلمه جيدًا، لن يصمت بعدما استمع إلى كلماتها السامة كالأفعى.
في مكان آخر لم يعلم أحد عنه شيئ، مكان شبه مهجور لا يوجد به أحد سوى عصام ومعه شخص آخر يقف أمامه بملامح حادة غاضبة، لم يعلمه أحد يدعى "محسن"، الذي هدر بغضب وصوت عالٍ: "لأ بقولك إيه يا عصام، أنا عاوز فلوسي. مش أنا يا أخويا اللي يتضحك عليا من واحد زيك. دة أنتَ بريالة يلا، على كل واحدة وفيك الصفات الـ*ـ*ـة كلها. هات الفلوس يا عصام وبلاش أنا تعاديني."
ضرب الطاولة بقدمه بعنف، أحاط بها عن مكانها. وهب واقفًا قبالته بغضب، يرد عليه مغمغمًا بضيق: "ولا أنا يا محسن هيتضحك عليا. وفلوس؟ قولت ملكش عندي حاجة في البت الأخيرة دي اللي أنتَ بتقول عليها دي. مرضيتش وأنتَ عارف، يبقى أجيبلك حقك على إيه وأنا مخدتش حاجة." أسرع مقتربًا منه بغضب عارم أعماه، ماسكًا إياه من ياقة قميصه ولكمه بقوة غاضبة في وجهه، هادرًا به بلوعة وعصبية:
"لأ بقولك إيه، أنا عاوز فلوسي اللي دفعتها للناس عشان يجيبوها. أنتَ اللي طلعت أي كلام وخايب، معرفتش تتشطر عليها. هلم وسا*ـ*ـك أنا بقى، هات فلوسي يا عصام." مرر لسانه على شفتيه الرفيعة مبتسمًا ببرود ليخفي وجعه، وأسرع يرد له اللكمة أقوى بغضب وتحدث يرد عليه بمكر منتصرًا: "بقولك إيه، أنتَ مش هتقدر تعمل حاجة أصلًا وأنتَ عارف أنا مين. وفلوس ملكش عندي حاجة، وكل اللي بينا انتهى خلاص، خلصنا."
القاه بقوة وعنف إلى الخلف، أسقطه أرضًا. ثم أخذ يطالعه منتصرًا بشماتة. بينما الآخر نهض وظل يطالعه بمكر. هو ليس أبله حتى يصمت ويتنازل عن حقه. سيأخذ مصاريه رغمًا عنه، مقررًا فعل أي شيء ليسترد حقه. عاد فاروق إلى منزله، لكنه دلف بوجه غاضب مكهف وسار بخطوات واسعة متجهًا نحو غرفة جواد مباشرة من دون أن يتحدث مع أي أحد.
قطبت جليلة حاجبيها بدهشة، وقد تسرب القلق إلى قلبها من هيئة زوجها الغير مبشرة بالخير. وأسرعت تحاول أن تلحقه بخطوات شبه راكضة لتصل إليه، متمتمة باسمه بقلق وضعف: "فاروق.. يا فاروق استنى، في إيه؟ أنتَ رايح فين كدة؟ لم يرد عليها وكأنه لم تحدثه، بل ضرب باب غرفة جواد بقدمه بقوة يفتحه. فصرخت باندهاش تحاول توقفه، متمتمة بقلق: "فاروق اهدي يا فاروق، هو في إيه؟ جواد نايم اهو قدامك، مالك؟
رمقها بحدة وأعين غاضبة آخرستها تمامًا وجعلتها تبكي خوفًا مما سيفعله. تعلمه عندما يغضب لا يرى أمامه؛ لذلك فضلت الصمت حتى لا تثير غضبه ويزداد. استيقظ جواد بعد ما فعله والده. فتح عينيه ونهض سريعًا عندما رأى والدته تبكي بصمت. أسرع مقتربًا منها متسائلًا بقلق: "إيه دة يا ماما؟ في إيه مالك؟ أنتِ بتعيطي كدة ليه؟
كان لم يفهم شيئًا مما يحدث حوله، فقد كان نائمًا. لكن قبل أن تتحدث والدته، كان فاروق قد تحدث هو بصرامة جاذبًا إياه من ذراعه ليقف أمامه وهدر به بعنف وغضب: "بقولك إيه، سيبك من أمك دلوقتي وركز معايا. أنا سايبك براحتك، قولت تدخل شرطة ومش هتشتغل معايا، سيبتك وأنا محتاجلك. أروى بنت عمك عاوز أجوزهالك وأنت رافض برضو، بسيبك لكن أنـ.." وقف أمامه بغضب هو الآخر وجذب ذراعه منه بعصبية، مغمغمًا بعدها بتهكم ساخرًا:
"آه قول كدة بقى، الحوار دة كله والدخلة دي عشان بنت أخوك. بقولك أنا أروى زي أختي ومش هشوفها غير كدة. وبعدين مالك زعلان إني دخلت شرطة، كاني متعلمتش خالص؟ وأن كان البعد بينا، فأنتَ اللي بعيد مش أنا. بس أنا مش عيل ولا بت قدامك هتغصبها على الجواز. أروى زيها زي سما." رد عليه متسائلًا بنبرة مشددة حادة، رامقًا إياه بنظرات مشتعلة بالغضب المتواجد بداخله: "ولما أروى زي أختك ومش عاوز تتغصب، رنيم بقى دي إيه؟
مالك ومال رنيم يا جواد؟ ابتلع ريقه بتوتر، وعينيه أسرعت نحو والدته التي كانت خائفة بشدة تخشى رد فعل فاروق وسؤاله الذي بالطبع يتبعه العديد. لكنه اخفى توتره بمهارة، مدعي عدم الفهم، متخذًا الجدية والحزم سبيلان له في الرد على سؤال والده الماكر: "رنيم.. مالها رنيم؟ هو إيه اللي أنتَ بتقوله دة وإيه مالي ومالها؟ هو أنا بشوفها أصلًا؟ أنتَ عاوز إيه دلوقتي عشان أنا مش فاضي وأنتَ بتتكلم في حاجة مش مهمة."
ضرب بيده بقوة فوق الخزانة التي كانت بجانبه، ممسكًا به من أطراف تيشيرته بغضب وهتف صائحًا بلهجة مشددة حازمة، والغضب قد أعماه: "بقولك إيه، لم نفسك. أنا مش عيل قدامك عشان تضحك عليا. هسألك لأخر مرة، إيه بينك وبين البت دي؟ عينك منها ولا إيه؟
ظل كما هو يقف أمامه من دون رد فعل، لكن عينيه تشتعل بغضب كالجمرات المشتعلة، يرمقه بنظرات حادة غاضبة. لكن جليلة لم تتحمل رؤية ذلك المشهد المؤلم لقلبها المقطع لأنياطه. أسرعت تتشبث في ذراع فاروق الممسك بابنها، متمتمة بخفوت ونبرة باكية حزينة: "فـاروق خلاص سيبه، سيبه يا فاروق كفاية كدة. جواد معملش حاجة ولا بينه وبينها حاجة، دي متجوزة، أنتَ واعي للي بتقوله؟ كفاية بقى.."
تركه بعد ذلك ووجه بصره نحوها، رامقًا إياها بنظرات حادة غاضبة تخترق جسدها، وهدر بها بعنف: "بلاش تستهبلي عليا يا جليلة. أنتِ عارفة كل حاجة بينه وبين البت الـ*ـ*ـة دي، فبلاش تعمليهم عليا. من امتى وأنتِ كدة؟ من امتى؟ ولا عشان تداري عليه." التقطت أنفاسها بصوت مرتفع مجهد مما يحدث حولها بين ابنها وزوجها، تعلم أن كل ذلك سيعود على علاقتهما بالسلب وستزداد سوءًا. لكنها أسرعت ترد عليه بتوتر، لعلها تنجح في إنهاء تلك المشاجرة:
"يا فاروق مفيش حاجة، مين اللي قالك الكلام دة؟ مفيش حاجة صدقني. وهو بيقولك أنه مفيش حاجة، بعدين دة مبيروحش هناك أصلًا غير لما أنتَ بتصمم أنه يروح عشان أروى. هيبص لمرات ابن عمه اللي هو زي أخوه؟ أنتَ بتقول إيه بس." لم يعط لحديثها أي أهمية وتعامل كأنه لم يستمع إلى ما تتفوه به. عاود بصره نحو جواد وغمغم متسائلًا بحدة حازمة: "آخر مرة بسألك اهو، بينك إيه وبينها؟
هي و*ـ*ـة ومش معترضة، لكن أنتَ لأ يا جواد، تفضل فاهم أنها لأ. عينك اللي منها دي وعاوزاها تقفلها خالص، سامع اللي بقوله؟ البت الـ*ـ*ـة متنفعش عشان عصام أول حاجة، وتاني حاجة مش شبهك دي *ـ*ـ*ـة مش دي اللي تليق بـجواد الهواري."
انتفخت أوداجه غضبًا من حديثه عنها بتلك الطريقة المهينة، يسبها بألفاظ لا تليق بها من دون أن تفعل شيئ. هي ليست كما يقول عنها، بل هي شئ مختلف، كل ما بها يختلف عن الجميع. عينيها البنية، خصلات شعرها، ملامحها الجذابة الفريدة، وابتسامتها التي لم يراها سوى بضع مرات، لكنها كانت كافية على الإنهاء بقلبه تمامًا.
يعلم أن تفكيره بها خطأ، لكنه لن يستطع أن يمنع ذاته وعقله. عقله الذي عندما يود أن يفرح يتذكرها، وعندما يريد أن يأخذ راحة مما يحدث حوله يتذكرها. هي بالنسبة له كإكسير من السعادة، لكنه حُرم منها. سعادة بداخله ليس من حقه. والأسوأ أن والده هو السبب الرئيسي الذي جعله يُحرم منها عندما قام بزواج ابن عمه منها. تنهد بحزن ووقف قبالته بغضب، يطالعه بعينيه الغاضبتين كالصقر. وغمغم بحدة جادة تمامًا ولهجة حازمة مشددة يملأها الغضب:
"أنا قولتلك أن مفيش بيني وبينها حاجة، أنتَ اللي عامل حوار على الفاضي وعمال تسأل أسئلة مش فاهم، أنتَ جايبها منين؟ وبعدين هي محترمة وأنتَ عارف كدة كويس، فبلاش تتكلم عليها عشان عندك سما أختي. لكن لو عليا أنا مفيش بيني وبينها حاجة ولا ببصلها، وأعتقد خلصنا كدة." سار والده نحو الخارج بغضب، وأسرعت جليلة تلحق به مرة أخرى، متمتمة باسمه بخفوت محاولة أن تستوقفه: "يا فاروق خلاص استنى، خلاص محصلش حاجة اهو، أنتَ عاوز إيه طيب؟
وجدته متوجهًا نحو الباب الرئيسي للذهاب من دون أن يلتفت نحوها ولا يهتم لأي كلمة تتفوهها، فتمتمت متسائلة بدهشة متعجبة: "إيه دة يا فاروق؟ أنتَ رايح فين؟ أنتَ لسة جاي؟! التفت نحوها بغضب عارم ورد مردفًا بقسوة والغضب يملؤه: "رايح في داهية من وشه. خليكي أنتِ معاه، طبطبي عليه وبوظيه أكتر ما هو بايظ ومش نافع في حاجة."
تعلم أنه قاسٍ في التعامل مع جواد، لكنها لم تعتاد على قسوته عليها. دائمًا يحدثها بهدوء، لأول مرة يتعامل معها بتلك الطريقة القاسية الحادة، فتمتمت ترد عليه بحزن: "بس ابنك مش فاشل يا فاروق ولا مش نافع زي ما بتقول. ابنك ناجح ومفيش حد زيه وناجح لوحده بعيد عن الكل، والكل عارف كدة. أنتَ الوحيد اللي مش راضي تقتنع بكدة." رد عليها بحدة غاضبة، يوليها ظهره مستعدًا للذهاب: "اهو عندك، خليهولك. أوعي يا جليلة، اعملي اللي يعجبك معاه."
تركها وسار نحو الخارج مبرطمًا بغضب شديد، بينما هي جلست فوق أقرب مقعد وجدته بتعب، تتمنى أن علاقة ابنها ووالده تتحسن بدلاً من أنها محطمة هكذا. بعد بضع دقائق صعدت نحو غرفة جواد مرة أخرى، مقتربة منه وهو جالس فوق الفراش، تحدثت مردفة بحنان وهدوء: "متزعلش يا جواد، هو تلاقيه متعصب أو حد لاحظ حاجة لما كنت هناك فقاله. متزعلش نفسك أنتَ وخلاص، موضوع واتقفل." أومأ لها برأسه أمامًا، ممسكًا يدها التي كانت على كتفه، يقبلها بهدوء،
وتمتم بخفوت: "خلاص يا أمي، روحي بس وأنا هقوم أجهز وأمشي كدة كدة." طبعت قبلة حانية فوق جبهتها بحنان قبل أن تذهب تاركة إياه، فظل هو جالسًا يفكر بعصبية فيما فعله والده. نهض متوجهًا نحو المرحاض وبدأ يعد ذاته للذهاب، مرتديًا قميصًا من اللون الأبيض وبنطال أسود اللون يتناسب مع هيئته. وجد باب غرفته يدق، فهتف بهدوء سامحًا لمن يدق أن يدلف: "ادخلي يا ماما." لم تكن والدته تلك المرة، بل كانت سما شقيقته التي
هتفت بمرح مبتسمة أمامه: "إيه يا عم جواد، هو مفيش غير ماما خلاص ونسيت سما حبيبتك الغلبانة؟ بطلت تيجي تقعد معايا حتى." اقترب يحتضنها بحنان، ورد عليها مردفًا بهدوء: "لأ طبعًا، هو أنا أقدر؟ ياروح جواد أنتِ بس ياستي، الحوار كله في الشغل اللي خد وقت أخوكي خالص، بس هعوضك. أظبط الدنيا بس وهاخدك أعوضك بخروجة ما حصلتش." ابتسمت بهدوء لحنانه عليها وتحدثت مردفة بسعادة: "ماشي، أما نشوف يا جواد باشا، هتدلعني امتى؟
اديني مستنية اهو." أومأ لها برأسه أمامًا، مغمغمًا يسألها بهدوء واهتمام: "هتشوفي ياستي. المهم، أنتِ عاملة إيه؟ ردت مجيبة عليه بمرح مبتسمة بهدوء على علاقتها مع شقيقها: "ما أنا كويسة أهو قدامك وزي الفل كمان. شوية هبقى أروح بكرة عند مرات عمك وأقعد أنا وأروى شوية." حاول أن يمنع ذاته من التساؤل، لكنه لم ينجح. عقله قد أبى وقلبه رفض الخضوع إليه تلك المرة، فاردف متسائلًا عنها باهتمام، ووميض من السعادة يلتمع داخل عينيه:
"أنتِ لما بتروحي هناك بتشوفي رنيم صح؟ قصدي يعني شوفيها عاملة إيه وكدة؟ دي لسة مسقطة وكانت زعلانة." رمقته بدهشة من حديثه الغير منطقي المباغت وقطبت جبينها متعجبة. ثم تمتمت ترد عليه بذهول: "لأ، هي على طول بتبقى في أوضتها فوق، لا عمري شفتها لما روحت، مش بتنزل حتى للأكل. بعدين هو في إيه؟ ماهو أكيد الكلام اللي قاله بابا مش صح. دي مرات عصام، هو آه جوازهم كان غلط، مكنش ينفع يتجوزها، بس هي مراته برضه."
تنهد بصوت عالٍ مسموع، وحاول أن يتحكم في ذاته ويرد عليها بحذر حتى لا تفهم حقيقة مشاعره: "أنا بسأل عادي. واكيد كلام أبوكي مش صح. أنا لما روحت آخر مرة يا سما، كانت تعبانة وزعلانة عشان الحمل اللي سقط واعصابها بايظة خالص. فعشان كدة بسأل عادي. ما أنتِ بتروحي دايما هناك، لا عمري سألت ولا قولت حاجة. بس بقولك المرة دي من باب الذوق والأنسانية، مش كلام أبوكي خالص. أنتِ تعرفي عن أخوكي كدة."
كان يبرر لها حتى لا تفهم شيئًا من حقيقة مشاعره. يود أن يصرخ على الجميع ويخبرهم أنه يحبها، نعم يحبها وقلبه يهواها، ولم يرى غيرها. يحبها من قبل تتزوج من عصام. لم ينظر لزوجة ابن عمه كما قال والده. هو يحبها من قبل أن تتزوج ومن قبل أن يراها عصام. عصام هو مَن أخذ حبيبته وحبيبة قلبه وروحه. وفي النهاية يظنون أنه هو المخطئ وهي ليس من حقه. ابتسمت سما واحتضنته مجددًا، ثم تحدثت بهدوء:
"خلاص ياعم جواد، ماشي. أنا هبقى أطلعلها وأشوفها وأتطمن عليها." احتضنها ثم قبل جبهتها بحنان أخوي، متحدثًا بتعقل وجدية: "ماشي، خلي بالك من نفسك ويلا عشان تلحقي ترجعي. وابقي شوفي ماما وأنتِ نازلة عشان كانت زعلانة شوية، أبوكي شد عليها المرة دي." طمأنته عنها مبتسمة بهدوء: "متخافش عليها، هي كويسة. لسة كانت قاعدة معايا بس طلعت تنام."
ربت فوق ظهرها بحنو ونهض متوجهًا نحو الخارج بخطوات واسعة، يخفي غضبه ومشاعره وكل شيئ بداخله ليظهر قناع الجدية والبرود كما يفعل دومًا. بينما داخل غرفته كانت سما لازالت جالسة كما هي، تحدثت مردفة بينها وبين ذاتها بتوتر: "واضح أن بابا معاه حق وشكل جواد فيه حاجة جواه لرنيم. بس دة كدة بابا مش هيسكت." دعت ربها بفؤاد قلق متوتر، أن تتحسن علاقة والدها بشقيقها ولا تسوء عن ذلك. يكفي ما يحدث بينهما إلى الآن.
كانت تبحث كالمجنونة التي فقدت عقلها. لما لا، فهي معه فقدت روحها وحياتها بأكملها. قلبها وعقلها، كل شيئ مميز بها قد نهاه هو بأفعاله معها. تُعامل كالدمية بين يديه، يفعل بها ما يشاء، يسحق روحها أسفل قدميه بلا رحمة منه أو من أي أحد في الحياة. عندما تمردت مقررة أن تبتعد عنه وتنهي عذابها، استخدم أساليبه الماكرة المريضة ليجعلها تخضع أسفل قدمه مجددًا، متلذذًا لرؤية آلامها وعذابها، دموعها وصرخاتها، قهرها وضعفها.
يفرح كونه بفرض سيطرته على أحد. شعوره بالنقص من الجميع يملؤه عندما يعذبها بيده ويرى خوفها منه. الرعب الذي يجتاحها ما أن تستمع إلى خطواته مقتربة من الغرفة، خضوعها مذلولة أسفل قدميه. هو مريض بكل تأكيد، لكنه بدلاً من أن يعالجونه جلبوها ليفعل ما يريده بها مبتعدًا عنهم. هي لم تر شخصًا جيدًا في تلك العائلة. تلك العائلة كاللعنة. تكره اليوم الذي دلفت شركة الهواري للعمل بها، لأنه كان ذلك اليوم بداية اللعنة الحقيقية لحياتها التي تبدلت تمامًا.
لا أحد يعاملها برفق وحنو سواه هو فقط. هو مَن يتعامل معها مراعيًا أنها إنسانة لديها مشاعر وتشعر مثلها مثل الجميع. نعم، تقصده هو بعينه، جواد الهواري. في أثناء بحثها داخل الغرفة التي تبدل حالها رأسًا على عقب، وليتها وجدت ما تريده في النهاية. جلست أرضًا باكية بقهر وضعف، واضعة يدها فوق صدغيها بتعب حقيقي، متمتمة بضيق وحزن: "امال شايلها فين؟ إيه دة؟ هتجنن بجد."
كادت تنهض لتبحث مجددًا، لكن ولسوء حظها التعيس وجدت مَن يفتح باب الغرفة عليها. وجدته هو قد عاد. ارتبكت كثيرًا حيث أنها أسقطت ما كانت تمسكه بيدها من الخوف والأرتباك اللذان أصابنها لعودته ورؤيته لما تفعل. كان استمع لآخر كلمات تمتمت بها قبل دلوفه الغرفة، فاقترب منها بخطوات غاضبة يجذبها نحوه، ضاغطًا فوق خصرها بقوة شديدة ألمتها جعلتها تتأوه بألم مغمضة عينيها. لكنه لم يهتم لأمرها، بل تحدث بهمس فحيح كالأفعى
وأنفاسه الحارة تلفح عنقها: "تؤتؤ يا رنيم، كدة هتضايقيني عليكي. مش هتلاقيها كدة كدة بس في عقاب عشان بتدوري في حاجتي يا ***." شعرت أن أنفاسه كالنيران الملتهبة التي تحرقها. تكره اقترابه منها لكنها لم تستطع. ارتعشت بين يديه بخوف عندما وجدته يرفع يده عاليًا. أسرعت مغمضة عينيها تاركة ذاتها له لتنال عقابها كما يقول. بالفعل، صفعة قوية هوت فوق وجنتها جعلتها تصرخ بألم، متمتة بخفوت وضعف شديد والدموع تسيل فوق وجنتيها:
"بـ… بلاش ضرب… بـلاش انهاردة يا عصام، كفاية والله ما هعمل حاجة بس.. بـ… بلاش ضرب." ضحك بصخب وجاءها رده عليها بصفعة أقوى مما تلقتها جعلت الدماء تسيل من وجهها، تحدث بمكر: "ماهو مش هينفع يا رنيم، أنتِ اتعودتي على كدة خلاص، ولازم اللي زيك يتضرب."
القاها أرضًا بقوة جعلت رأسها ترتطم بقوة. زحفت الى خلف عندما وجدته يقترب منها، لكنه أسرع يجذبها من ساقها يثبتها أرضًا وبدأ في ضربها تحت سماعه لصرخاتها المرتفعة بألم. كانت تحاول الفرار من أسفله لكنه كان محكم قبضته فوق شعرها، كاد يقتعله بين يديه. بعد مرور بعض الوقت الذي مرّ عليها كالسنوات، كانت لازالت تبكي وهي ملقاه أرضًا بعدما تركها وذهب مرة أخرى.
زحفت أرضًا حتى دلفت إلى المرحاض تحت المياه لعلها تخفض من ألمها كعادتها اليومية على يده. أغمضت عينيها متخيلة صورته بكره شديد، مقررة أن تنفذ تلك الفكرة المتواجدة بداخلها لتثأر لذاتها وتأخذ حقها منه ومن تلك العائلة التي تذبحها كل يوم بلا شفقة أو رحمة من أي شخص هنا. بعد مرور أسبوع…
داخل مكان مهجور يقف عصام معه تلك الفتاة التي كان يريدها من قبل. كانت مقيدة وملقاة فوق الفراش المتواجد في منتصف الغرفة المهجورة. اقترب منها ماسكًا بخصلاتها بهدوء وتمتم متحدثًا بخبث: "كل دة عشان تيجي، بس في الأخر جبتك برضو، مش عصام الهواري اللي واحدة تقوله لأ. دة انا عاوزك من ساعة ما كنتي في الحفلة وشوفتك، فاكرة الحفلة." ضغط فوق خصلاتها بقوة لكنها لم تصمت، بل رمقته بكره وتحدثت بقوة وتحدي: "وأنت هتقدر عليا أصلًا؟
أنتَ شكلك مش عارف أنا مين، تمارا حسين الشافعي، واكيد عارف كويس عيلتي تقدر تعمل فيك إيه." لم يهتم لحديثها، بل اقترب منها وبدأ يقبلها بقسوة عنوة عنها، يفعل بها أسوأ شيئ ممكن أن تتعرض له أي فتاة في حياتها. ارتفع صوت صراخها وبكاءها، لكن كان ذلك يرضيه، لم يزعجه. فهي قد تفوقت عليه من قبل، اليوم هو كسرها تمامًا. حاولت تبتعد عنه لكنه كان محكم قيدها، فاسرعت تضربه بقوة وجنون بقدمها أسفل بطنه.
ابتعد عنها متألمًا، شاعرًا بالغضب يجتاح كل ذرة منها، بدأ يسبها ويضربها بجنون: "يا *** يا ***، محدش هيشيلك تحت ايدي، حتى عيلتك كلها مش هتقدر تعمل حاجة." ظل يضربها بقوة وغضب شديد يعميه، لا يرى أي شيئ أمامه. لم يتوقف عما يفعله حتى عندما رآها تسيل في دماءها مما فعله بها ومغمضة عينيها. رآها كالجثة الهامدة أمامه بعدما كانت تعافر معه.
حاول أن يوقظها بشتى الطرق المختلفة، لكن بلا جدوى. من الواضح أنه قـ ـتلها. نعم، هي ماتت على يده. وقف لا يعلم ماذا يفعل. قام بالاتصال على بعض الرجال الذين يعملون معه بعدما تأكد من موتها. وقف أمامهم بتوتر، متنهدًا بصوت مسموع، وتمتم بنبرة آمرة حادة: "حالا الجثة دي تتشال من هنا ومش عاوز مخلوق يعرف حرف عن اللي حصل، ولا حتى فاروق بيه. واللي عاوزينه هتاخدوه، مفهوم." شدد على كلمته الأخيرة بحدة، فهموا بجدية:
"تمام يا عصام بيه، محدش هيعرف حاجة." اسرعوا نحو الفتاة وبدأوا يفكون القيود التي كانت حول يديها، وبدأوا بدفنها، يخفون جثتها بعملية ومهارة شديدة وكأنها ليست المرة الأولى لفعل ذلك الأمر. كانت رنيم واقفة في الحديقة الخاصة بالمنزل، لكن لفت انتباهها ذلك الأمر الهام حيث أنها رأت شخصًا ما لم تعلمه يدور حول المنزل، مستغلًا عدم وجود بعض الأمن الذي يقف دومًا أمام المنزل. أسرعت تسير نحوه مقتربة منه وتحدثت متسائلة بحدة:
"أنتَ مين أنتَ، وعاوز إيه هنا؟ أنا شايفاك عمال تلف." بدا الإرتباك فوق ذلك الشخص، لكنه تمتم بمكر يغمره، مبتسمًا لها بخبث شديد: "أنتِ رنيم مرات عصام الهواري، أكيد؟ كادت ترد عليه، لكنه ألقى نظرة سريعة عليها من أعلاها إلى أدناها، رأى حالتها ووجود بعض آثار الضرب فوق وجهها. فاسترد حديثه بشماتة ووحدة:
"آه مراته من غير ما تردي، ماهو باين عليكي اهو. بس كويس إنك شوفتيني. عاوزك تعرفيه بقى إني محسن، وجيت لغاية هنا، وإن حقي مش هسيبه. لو فيها موتي مش هسكت. تعرفي تقوليله كدة؟ طالعته بدهشة من طريقة تحدثه معها، لكنها تمتمت متسائلة بعد أن لمعت فكرة ماكرة داخل عقلها: "وأنتَ حق إيه اللي عاوزه عشان أوصله الكلام دة كله؟ رد عليها متحدثًا بتبجح وغضب يعميه تمامًا:
"فلوسي… فلوسي اللي عاوز ياكلها عليا، بس أنا مش هسكت. قوليله كدة، مش أنا اللي هتاكل. دة أنا مستعد أقـ ـتله فيها وأروح في داهية ولا أني أسيب حقي." وزعت عليه نظراتها من أعلاه إلى أدناه، مضيقة عينيها عليه مستنكرة طريقته بضراوة، مردفة بسخرية لاذعة: "للدرجة دي؟! أومأ براسه أمامًا، ورد يجيبها بغضب حاد:
"آه وأكتر. مش أنا اللي هسيبهله حقي. لأ دي فلوسي. عرفي جوزك إني بتكلم جد وجد أوي كمان، وهو عارف أنا أقدر أعمل إيه كويس. دة أنا أروح فيه الـ*ـ*ـان." اسرعت متحدثة بمكر والغضب يعميها هي الأخرى بعدما تأكدت من استعداده لتنفيذ ما تريده وكرهه لعصام حقًا. نيران الانتقام أعمتها عن الحق. ما يحدث لها على يد تلك العائلة جعلها تريد أن تفعل أي شيئ لتأخذ حقها وحق طفلها: "واللي يديك فلوسك اللي عند جوزي واديك الضعف كمان."
رد عليها مسرعًا بلهفة وطمع: "يبقى أعمله اللي عاوزه كله بس أخد الفلوس." تحولت نبرته إلى أخرى متسائلة بعدم فهم: "بس أنتِ إيه الغرض اللي عاوزاه عشان تدفعي مكان جوزك والضعف كمان؟ تعالى دوغري على طول." أومأت برأسها أمامًا بكيد وكره شديد يغمرها ويملأ قلبها الذي قد تحطم تمامًا وتحول إلى أشد مراحل القسوة: "آه خلينا دوغري، عاوزك تقـ ـتله."
طالعها بعدم فهم متسائلًا بنظراته الممتلئة بالخبث والشر يوزعهما عليها، فأسرعت توضح له مقصدها بقسوة والكره يملأ قلبها: "أيوه، عاوزك تقـ ـتل جوزي عصام." يتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!