الفصل 24 | من 25 فصل

رواية لهيب الروح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم هدير دودو

المشاهدات
19
كلمة
6,267
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

وصل جواد المنزل ما أن علم بما حدث لزوجته، خائفًا عليها وعلى ابنه القادم. يعلم ماذا ستشعر إذا فقدته مرة أخرى، فهو رأى حالتها من قبل عند خسارتها لطفلها الأول، لا يريد أن يجعلها تشعر بذلك الشعور مرة أخرى، وتدهور صحتها وحالتها النفسية. كان قلقًا هو الآخر على ابنه، متلهفًا لرؤيته، يخشى أن يصيبه شيء بعدما علم بوجوده.

صعد مسرعًا بخطوات واسعة شبه راكضة متجهًا نحو غرفته ما أن وصل، يشعر أن الطريق لغرفته طال. هو يريد أن يصل إليها مسرعًا ليراها ويطمئن عليها، يود أن يجعلها تشعر بالأمان بوجوده بجانبها.

كان الجميع مجتمعًا في غرفتها بصحبة الطبيب. تبكي جليلة وتدعو ربها أن يكون حفيدها بخير هو ووالدته، هي تريد أن تحمله بين ذراعيها وتراه يكبر أمام عينيها بسعادة، شاعرة بابتهاجها حولها. وسما أيضًا تقف بوجه حزين شاحب، تود الاطمئنان على رنيم وطفلها، متمنية من ربها أن يكونا بخير.

بينما مديحة، تلك الشيـطـانة المتسببة في كل ذلك، تقف مبتسمة، ترى نتيجة فعلتها، متمنية الحصول على النتيجة التي تتمناها، وما هي سوى فقدانها لذلك الطفل الذي جعلهم يتمسكون بها. يجب أن تـقـتـله لتستطيع أن توطد علاقة ابنتها بـ جواد من جديد. ولج جواد الغرفة، وجد الطبيب مازال يفحصها، فغمغم متسائلًا بقلق ولهفة: -إيه يا دكتور طمني، هي كويسة صح؟

تابع فحصه لها باهتمام شديد، ثم التفت نحو جواد القلق بضراوة، وغمغم يطمئنه بعملية ومهارة، ويمليه بعض التعليمات الهامة للحفاظ على صحتها: -متقلقش، المدام كويسة والحمدلله الحمل بخير. هي بس محتاجة راحة وممنوع الحركة تمامًا، وتنتظم في الأكل والأدوية، لأن صحتها ضعيفة شوية.

تنهد بارتياح، شاكرًا ربه على وجودها هي وطفلهما بخير، بالرغم مما حدث الذي لم يفهمه للآن. عندما حدثته سما، كانت تهتف ببعض الكلمات المتلعثمة، والذي لم يستطع فهمها عن وجود بعض السيدات في المنزل وقيامهن بضربها بقوة. لم يستطع أن يستكمل حديثها وعمله، وانهلع قلبه خوفًا عليها. حاول أن يسيطر على ذاته قليلًا، وشكر الطبيب بهدوء بعدما تناول منه تلك الورقة المدون بها أدويتها: -شكرًا يا دكتور، معلش تعبنا حضرتك معانا.

سار معه يوصله إلى الأسفل، مبتسمًا بهدوء مطمئنًا بعدما شعر بارتياح كبير لاطمئنانه عليها. احتضنت والدته سما بسعادة، وظلت تحمد ربها، وكل منهما مبتسم لسلامة رنيم وطفلها القادم، متحاشية النظر نحو مديحة المتسببة في حزنها، كأنها لم تقف معهم في الغرفة. هي لا تود أن تتذكر خيانة زوجها، لكن عنوة عنها، عندما تراها تتذكر أنه فعلها وخانها معها، تتذكر جرح قلبها الكبير الذي لن يُشفى.

كانت مديحة تشعر بالغضب الشديد وخيبة الأمل بعد فشل مخططها الذي لم تستطع أن تكرره. الدماء كانت تغلي بداخلها، تود أن تذهب هي وتضربها لتفقدها الطفل بذاتها، لكنها لم تستطع أن تقف تشاهد الأمر بنيران مشتعلة غضبًا، بكره. شاعرة لأول مرة بتحدي القدر لمخططاتها السامة، معلنًا عن اقتراب نهايتها، لكنها لن تدعها تأتي بتلك الطريقة، هي لن تنتهي سوى بعد أن تحصل على كل ما تتمناه في حياتها وفنتها في تنفيذه بصبر طويل.

عاد جواد الغرفة مرة أخرى، تمتمت جليلة بهدوء وتعقل، مبتسمة عندما شعرت بسعادته: -خليك يا حبيبي جنبها وابقى طمنا عليها. هسيبك ترتاح دلوقتي ونتكلم بعدين. أومأ برأسه أمامًا، فأشارت للجميع أن يخرج، غالبة الباب خلفها بهدوء. توجه يجلس بجانب رنيم التي بدأت تستعيد وعيها وتفتح عينيها بضعف، واضعة يدها فوق رأسها، متأوهة بتعب وآنين خافت مجهد. أسرع يحتضنها بشدة، ملتقطًا أنفاسه بصعداء وارتياح كبير بعد علمه أنها بخير: -أنتي كويسة؟

حاسة بإيه؟ إيه اللي تعبك؟ دفعته بقوة إلى الخلف، منكمشة على ذاتها، مبتعدة عنه بضعف، مرتعشة، وتمتمت بخفوت، واضعة يدها فوق بطنها، وأجهشت في بكاء مرير: -ا… ابني.. ابني.. ليه كدة. حاول أن يجعلها تطمئن وتهدأ قليلًا، خوفًا من أن يحدث لها شيء، مغمغمًا بهدوء وتعقل: -اهدي، هو كويس، انتي كويسة والحمل كويس الحمدلله.

تنهدت بارتياح، مبتسمة من بين دموعها الحزينة، ممررة يدها بحنان فوق بطنها. اقترب مرة أخرى، وكاد يقبلها بشغف ويحتضنها لينعم من اقترابها ويجعل قلبه يرتاح قليلًا بوجودها معه، لكنها صاحت مسرعة بضعف تستوقفه، تمنعه من الاقتراب منها هي وطفلها، والخوف قد ملأ قلبها: -ا… ابعد عـ… عني، ابعد عني عـ… عاوز تقتله ليه؟ حرام عليك، ابعد عني يا جواد، دة ابنك. ابتعد عنها، وطالعها مذهولًا بصدمة وعدم تصديق لاستماعه لحديثها الصاعق،

وتمتم بدهشة: -إيه الجنان ده؟ انتي تصدقي أن أنا هعمل كدة في ابني؟ وبعدين لو عاوز أعملها، هجيب حد يضربك. انتي شايفاني كدة؟ شايفة أن ممكن أأذيكي بجد. تطلعت بعينيها بعيدًا بعدما رأت نظراته المصوبة عليها بحزن وصدمة، وتمتمت بضعف من بين دموعها، وهي تفكر في حديثه قليلًا:

-أنا معرفش، معرفش حاجة. أنا بس عاوزة ابني وتطلقني. أنت زيك زي ابن عمك، وأنا مش هسمح أن ابني التاني يتقتل على إيد أبوه. أنا كنت نازلة أشوفك بعد ما بعتلي واحدة من هنا تقولي أنك عاوزني. انزعج من حديثها، لكنه يعلم أنه عنوة عنها، خاصة بعد معرفته أنها نزلت لأجل رؤيته، فعاتبها بحنان، محتضنًا إياها بضراوة، مشددًا عليها بعدما شعر بحزنها وقهرتها: -أنتِ شايفة أني زيه؟ أنا زي عصام؟

مش أنا اللي أعمل كدة، ولا عمري هفكر أعملها. اللي عمل كدة هحاسبه، وعمري ما هسيبه. طبع قبلة هادئة فوق كفها بحنان، وجلس بجانبها ليجعلها تهدأ قليلًا. طالعته بتوتر، والدموع تلتمع في عينيها بضعف، متمتمة بخفوت، ولازالت قلقة، لم تستطع أن تطمئن له خوفًا من أن يتكرر ما حدث لها من قبل: -أ… أنتَ مش هتأذيني صح؟ ولا هتأذي ابننا. أومأ برأسه أمامًا بثقة، يطمئنها بحنان، مؤكدًا ما تردفه:

-عمري… عمري ما هقدر أعمل حاجة تأذيكم. أنا قلبي كان هيقف لما عرفت اللي حصل. صمت لوهلة، وتابع حديثه بغضب شديد، متذكرًا ما رآه وعلمه عن ابن عمه الذي آذاها بشدة: -أنا مش زيه، ولا عمري هبقى زيه. أنا بحبك بجد، وعمري ما حبيت واحدة غيرك. وابني اللي منك دة، أنا عاوزه أكتر مانتي عاوزاه. أنا غيره يا رنيم. رمقته بتوتر، معقدة حاجبيها بذهول، متعجبة ما يقوله، وتمتمت بضعف خافت: -أ… أنت عرفت هو كان بيعمل إيه؟

أومأ برأسه أمامًا بثقة، وعاتبها بهدوء حتى لا يزعجها، مراعيًا حالتها الصحية: -آه عرفت، بس كان المفروض أنتي بنفسك تعرفيني وتثقي فيا، عشان أنا جوزك. تطلعت أرضًا بضعف، بعدما تجمعت الدموع داخل مقلتيها، لاعنة خوفها الذي منعها من معرفته ومشاركته لحزنها. هي كانت تتمنى أن تخبر، لكن خوفها كان يمنعها دومًا، فتمتمت بخفوت: -أ… أنا معـ… معملتش كدة عشان خايفة عليك يا جواد، والله. قطب جبينه بعدم فهم، وطالعها بدهشة، متسائلًا بذهول:

-خايفة عليا أنا؟ إزاي؟ احكيلي يا رنيم، أنا لسة عاوز أسمع منك. ليه وافقتي عليه وأنتي بتحبيني أنا؟ سألها ذلك السؤال الذي دومًا يأتي في عقله طوال فترة زواجها، السؤال اللعين الذي أرهقه بضراوة وأنهك قلبه العاشق لها. تنهدت بصوت مرتفع، محاولة تشجيع ذاتها، وأخبرته بالحقيقة السوداء لحياتها. كانت تتحدث بضعف ونبرة متلعثمة خافتة:

-لـ… لأ يا جواد، أنا موافقتش والله. بس فاروق بيه هو اللي عمل كدة، هو اللي جوزني للمريض دة عشان يبعدني عنك، ودفع لأهلي مبلغ محترم هو ومديحة هانم، فرموني ليه؟

وهو اللي هددني أني مقولكش حاجة بعد ما عصام مات، وإلا هيأذيك. بس عصام كان وحش… وحش اوي يا جواد، شوفت كل أنواع العذاب على إيده، حتى ابني هـ… هو اللي موته بإيده، نزله بطريقة بشعة أوي. وكان عاوز الدكتور يشيلى الرحم، لولا أن قاله مبخلفش. كان الكلمة والنفس بحساب، وكلهم كانوا بيتفرجوا عليه وهو بيموتني. هو مؤذي أوي، أنا عمري ما هسامحه. أنا اتمنيت الموت على إيده، هو كان بيقتلني في كل لحظة، كنت بكره وجوده، بترعب منه.

كان جواد يشعر بالضيق من نبرتها المقهورة بضعف، وملامحها الممتعضة وهي تتذكر آلامها وذكرياتها الحزينة المحفورة بداخلها، مصطحبة معها دموعها التي آلمته. لكن هناك أيضًا جزء كبير يود معرفته، هي أخبرته أن والده هو المتسبب في تلك الزيجة، كيف فعلها؟! وهل كان يعلم بحبه لها؟! هل تسبب في حزنه ووجعه بإرادته؟ سألها مرة أخرى بتعجب تام: -انتي متأكدة أن بابا هو السبب في الجوازة دي؟

شعرت بحزنه المتواجد في نبرته، فربتت فوق يده بحنان، ابتسم ابتسامة مريرة أمامها، وجذبها داخل حضنه يضمها بشدة، ثم أشار لها أن تواصل حديثها، بعدما سألها سؤال هام يود أيضًا معرفته: -وانتي اتفقتي مع محسن دة بجد؟ دة معاه مسجلات لصوتك بجد. أومأت برأسها أمامًا بضعف، مقررة أن تخبره بالحقيقة كاملة، بعدما آتت إليها تلك الفرصة الذهبية وتخلصت من خوفها، كما كانت تتمنى، فأجابته بصوت متحشرج باكٍ:

-ا… أيوه اتفقت معاه، بس دة بعد ما قتل ابني. قتله من غير رحمة، فضل يموتني ضرب لحد ما قتله. كنت بتذل ليه عشان يرحمني، بوست إيده، وبرضو موته قدامي. التقطت أنفاسها بصوت مرتفع من بين شفتيها بضعف مرتعشة، وهي تتذكر هيئتها الذليلة أسفل قدمه، متوددة إليه حتى يعفو عنها ويترك طفلها يأتي إلى الحياة، لكنه لم يبالي ولم يهتم بها. تمتمت بضعف خافت:

-هـ… هو قالي أن ا… اللي زيي مينفعش تبقى أم. أنا كنت هبقى أم كويسة والله، وهتشوف أنت بنفسك، بس هو قال كدة. أنا اتفقت مع محسن بعد ما موت ابني، مقدرتش أشوفه عايش براحته، وقتل ابني، هو قتلني أنا من زمان، بس ابني لأ. بعدها أنا قولت لمحسن لأ، أنا مش زيه. قولتله يلغي كل حاجة، بس هو صمم يعملها عشان الفلوس، معرفش ليه، جابها فيا أنا بس، أنا قولتله لأ والله.

شدد من احتضانه عليها، بعدما شعر بمدى حزنها وضعفها، مربتًا فوق ظهرها بحنان، طابعًا قبلة رقيقة حانية فوق جبهتها وكفها، ليجعلها تشعر بوجوده الآمن، وأخبرها بحنان عاشق متيم بها:

-أنا معاكي وهفضل معاكي. من ساعة ما عيني دي شافت عنيكي، وهي خلت قلبي ميختارش غيرهم. هتبقي أحلى أم في الدنيا كلها، وابننا الجاي هتربيه أحسن تربية. واللي عمل كدة، أنا مش هسيبه، بس وغلاوتك في قلبي، وحياة عنيكي دول، مانا اللي عملتها، ولا عمري فكرت فيها. أنا بس قولت كدة في الأول من صدمتي باللي محسن قاله. ابتسمت بحنان لحنانه عليها، الذي يظهره دومًا قبل حبه لها. لكنه قرر أن يخبرها بالحقيقة التي علمها بجدية وهدوء تام،

وهو لازال يحتضنها: -مش محسن اللي قتله. الواد دة كان محجوز في المستشفى بسبب خناقة مع حد. هو بس بيقولك كدة عشان تخافي وتدفعيله. اللي قتل عصام ورحمى منه، بعد اللي عرفته دة كله، عيلة بنت، وهو كان بيعذبها زي ما بيعمل، موتها. فهما خدوا حقها بموته. أنا عرفت كل دة، وهما حاليًا بيتحقق معاهم، عشان كدة كنت برة.

لا تعلم لماذا لم تفرح بمعرفتها للقاتل وعطفهم معهم، لأن تلك هي العائلة كما يجب أن تكون. قارنتهم بعائلتها الذين دومًا يسلمونها له بعد هروبها منه، يشاهدون علامات عذابه في كل أنحاء عليها، ولم يهتموا بكل ذلك. لا يهمهم شيء سوى الحصول على المال مقابل أي شيء. شعر جواد بها، فرفع وجهها نحوه، ملتقطًا شفتيها بعشق ضارٍ بحنان، وأخبرها بحب هادئ: -أنا جنبك ومعاكي، وابننا الجاي هيتربى على إيد أحسن أم. وده عشان هو محظوظ أوي.

ابتسمت بسعادة شديدة، تخفق في قلبها الحزين، لكنه يشعر بالسعادة على يده هو فقط. سألته بفرحة: -بـ.. بجد يا جـواد؟ هبقى أم كويسة ليه؟ أكد حديثها بثقة تامة، وهو لازال يوزع قبلات متفرقة فوق وجهها وعنقها بشغف: -مفيش أم هتبقى أحسن منك. وضعت ذراعيها حول عنقه بسعادة، تبادله قبلاته وعشقه، لكنها استوقفته عندما شعرت بما يريده، وتمتمت بقلق لأجل الحفاظ على سلامة طفلها:

-جـواد كفاية كدة عشان ابننا. خليني أنام في حضنك، عاوزة أرتاح شوية. حاول السيطرة على ذاته بصعوبة بالغة، واحتضنها بحنان عاشق، طابعًا قبلة حانية فوق جبهتها، مما جعلها تبتسم بهدوء، وهو كان يطالعها بنظرات يملأها العشق والشغف، وهو يرى مَن أحب وتمناها طوال حياته. كانت مشاعره لا توصف بعد رؤيته لها مبتسمة بسعادة لكونها بجانبه وداخل أحضانه، ذلك المكان الآمن الذي تمنته هي الأخرى. ***

في الغرفة الخاصة بمديحة، تفاجأت بفاروق الذي اقتحم الغرفة بوجه مكهفر غاضب، صائحًا بها بحدة بعدما علم ما حدث اليوم لرنيم: -انتي فاكرة اللي عملتيه دة هيعدي؟ يبقى بيتهيألك. أنا مش هسكتلك. وقفت أمامه منتفضة بخضة، وصاحت به هي الأخرى بغضب حاد، مدعية عدم الفهم: -في ايه يا فاروق؟ إيه اللي عملته ومش هيعدي؟ هو أنت فاضي فجاي تطلع عصبيتك عليا؟ اقترب منها بحدة، والشرر يتطاير من عينيه الغاضبتين، وغمغم بعصبية منفعلًا بها:

-أنتي عارفة كويس أوي اللي عملتيه، وأنا مش هعديه. مش بيت فاروق الهواري اللي يدخل فيه شوية ***** يمدوا إيدهم على مرات ابني بسببك. لأ، البيت هنا ماشي بقوانين فاروق الهواري، محدش يتخطاه. اشتعلت النيران بها بغضب عارم، وصاحت به بضيق حاد، مشددة فوق حديثها بعدما شعرت بهزيمتها مرة أخرى، كلما خططت لشئ ونفذته، دومًا يعود عليها بالفشل: -بقت مرات ابنك المرة دي من امتى؟

لا وكمان بتقولها عادي، يعني أنت موافق أن واحدة زي دي تبقى مرات جواد الهواري عادي؟ مش زي ما كنت الأول. كانت تحاول التقليل من رنيم لتجعله ينقلب عليها مثلما كان. لا تعلم كيف تحول فجأة وتمسك بها زوجة لابنه، وها هو يتعامل على هذا الأساس الآن. هل حملها كان سببًا لتحوله هكذا؟ لم يهتم بحديثها، بل أجابها بغضب حاد، والشرر يتطاير من عينيه السوداء الغاضبة:

-من دلوقتي، من اللحظة دي هي مرات ابني وأم ابنه الجاي، حفيد العيلة دي، ولازم تبقي عارفة دة كويس. ولو فكرتي تأذيها، واللي عملتيه دة اتكرر تاني، مش هعديها، مش هتعدي، فاهمة؟ شحب وجهها بضعف، وتمتمت بنبرة مهزوزة عندما رأت تحوله المباغت عليها هي في تلك الفترة، خاصة بعد معرفة جليلة بالحقيقة: -أنت… أنت بتهددني يا فاروق.

لم يهتم بحديثها، بل كرر حديثه مرة أخرى يؤكده بجدية، مقررًا أن يتعامل معها بالطريقة التي تستحقها، بعدما شعر بتحرره من قيودها السامة وتهديدها الذي كان دائم: -اعتبريها زي ما أنتي عاوزة، بس اللي حصل دة لو اتكرر مرة تانية، مش هسكت ومش هعديها.

قبل أن يذهب، التفتت نحوها مرة أخرى، وغمغم بحدة تامة، يرمقها بنظرات حادة جامدة لم تعتد عليها من قبل. هو دومًا يستمع إليها ويحاول تنفيذ ما تريده حتى تصمت، لكنه قد تحرر الآن من تلك القيود التي كانت تضعها حول عنقه وتهدده بها، فيعاملها كما يتعامل مع الجميع، سيجعلها ترى مَن هو فاروق الهواري الذي لم تعلمه حقًا: -أنا مش قولتلك تجهزي حاجتك عشان تمشي انتي وأروى؟ كفاية كدة.

امتعضت ملامحها، متعجبة طريقته، لكنها أجابته بحدة هي الأخرى، بعدما استشاط عقلها غضبًا: -هنمشي يا فاروق، بس بنجهز الحاجة وبنظبط الأمور، ما أنت ماشي بكلامها. رمقته بغل غاضبة، وأكملت حديثها بشماتة، مبتسمة باستفزاز: -أنت فاكر إنك هترجعلك بعد دة كله؟ تبقى بتحلم. مش جليلة اللي هتعمل كدة. وبعدين دي المفروض تمشي، أقل حاجة بعد اللي عرفته. مش إحنا اللي نمشي.

اقترب منها مرة أخرى، واهتاج عليها بغضب، بعد استماعه إلى حديثها الشامت الفرح في تدمير حياته مع زوجته بسببها، لكن هو مَن أخطأ تلك الليلة، أخطأ وعليه أن يتحمل نتيجة أفعاله بذاته. صاح بها بصوت جهوري حاد: -وانتي يخصك في إيه تسامحني ولا لأ؟ ملكيش فيه. وبعدين تمشي إيه؟ دة بيتها، هي صاحبة البيت ده، ودي حاجة متخصكيش.

دفعها بقوة ضارية، فسقطت أرضًا، مما جعلها تندهش من فعلته المهينة لها، لكنه لم يهتم بها وبأمرها، بل تركها وسار متجهًا نحو الخارج بخطوات واسعة بشموخ، وهو يتمنى أن تسامحه زوجته، بعدما اعترف بينه وبين ذاته أنه أخطأ في حقها وحق أولاده بالفعل. كان يريد أن تسير الأمور كما يريد، دون الالتفات لما يريدون هم.

بينما مديحة كانت تتطلع نحو أثره بغضب تام، وهي لازالت ساقطة أرضًا، مقررة أن تسترد حقها منه بطريقة حادة سامة، تجعله يندم على ما فعله معها، ويعلم مَن هي مديحة وكيف تفكر، لتجعله يحترس منها ويفكر جيدًا قبل أن يتعامل معها بتلك الطريقة، مقررة أن تلقنه درس هام. ***

كان فاروق يريد التحدث مع جليلة، التي كانت معتزلة وجوده والحديث معه، محاولة تجاهله تمامًا، لكنه لم يستطع. توجه نحو غرفتها بدقات قلب متسارعة بضراوة، خوفًا من التحدث معها، لكنه سيتخذ ما حدث لرنيم سببًا لتحدثه معها. ولج الغرفة بوجه هادئ، وقبل أن يتحدث معها، تمتمت هي مسرعة بضيق: -نعم، أنت عاوز إيه؟ جاي أوضتي ليه؟ أنا مش قولت تبعد عني!

اقترب منها بهدوء، وغمغم يجيبها بتعقل، متحتجًا بالأمر ليفتح حديثًا معها ويطلب منها أن تسامحه، يخبرها أنه ندم حقًا على ما فعله بها في الماضي، يود أن يخبرها أنه يحبها حقًا، ولم يحب أحد مثلها، لكن الأهم هل هي ستصدقه بعد علمها للحقيقة؟ لم يظن ذلك، فقد رأى حزنًا كبيرًا مدفونًا داخل عينيها، لم تستطع البوح عنه لأجل الحفاظ على أبنائها: -أنا جاي عشان أسألك على اللي حصل إنهاردة، ورنيم دلوقتي كويسة ولا إيه؟ شوفتيها؟

أشاحت بصرها مبتعدة عنه، وأجابته بجدية تامة، مشددة على حديثها: -هي كويسة الحمدلله، محصلهاش حاجة. بس أنا قولتلك أن المفروض مديحة ترجع بيتها، وأنت المفروض وافقت. إيه اللي جد بقى؟ اقترب منها أكثر، منتهزًا تلك الفرصة ليستطيع رؤية ملامحها بوضوح عن قرب، بعدما حُرم منها، وأجابها بلهجة هادئة: -أنا لسة مكلمها، بس هي محتاجة وقت عشان تعرف تجهز حاجتها وتظبط الأمور، بس هي هتمشي.

تحدث مرة أخرى بصدق وشغف كبير، عندما رآها استمعت إليه وصمتت دون أن تعقب على ما تفوه به: -جليلة، والله العظيم أنا بحبك بجد. اللي حصل دة كله غلطة، أنا مش عارف أنا عملتها إزاي، والله. لكن أنا عمري ما شوفت واحدة غيرك، ولا عمري هشوف. الي حصل دة مكنش قصدي فيه، والله ما حسيت بحاجة، ولا فاكر حصلت إزاي.

ظلت كما هي، تستمع إليه بصمت، دون أن تعقب على حديثه، منتظرة أن ينتهي مما يريده لترد عليه هي. ولأول مرة تحدثه بقسوة وجمود، محاولة السيطرة على قلبها والتحكم في كل شيء، لتسير حياتها بمفردها كما خططت، بعدما علمها بحقيقته: -كل اللي قولته دة ميهمنيش، ولا عاوزة أعرفه. أنت جاي تسأل عن رنيم؟

قولتلك أنها كويسة. غير كدة، ملكش حاجة عندي. واتفضل بقى، مش عاوزة أسمعك. أنت أناني، مش عاوز غير مصلحتك، مبتفكرش في حد غير في نفسك. أولادك دول عمرك ما فكرت تعمل حاجة تفرحهم، دايما بتدور على اللي هيفرحك أنت، مش هما.

أشارت بيده نحو الخارج لتجعله يخرج، لكنه وقف يحرك رأسه نافيًا بعدم رضا، وعقله يحلل كل كلمة تفوهت بها، مقررًا أن يغيرها بالفعل، يود أن يثبت لها أنه يحبها هي وأولاده، سيمحي معاملته السيئة التي كان يفعلها من قبل مع الجميع، سيغير كل ذلك ويمحيه، سيجعلها تعلم أنه على استعداد أن يفعل أي شيء لأجلهم. كانت طريقته الماضية خاطئة مع الجميع، لكن عليه أن يضبطها الآن ويفكر بهم تلك المرة بدلًا عن ذاته الذي دومًا يسعى لتحقيق ما تريده.

سار نحو الخارج، يتركهها كما تطلب منه، وعقله يفكر في أول خطوة يجب أن يتخذها لتساعده على تنفيذ قراره والتمسك به. يفكر فيما أخطأ به ويجب عليه إصلاحه كاملًا. *** في الصباح.

استيقظ جواد مبكرًا، يعد ذاته للذهاب إلى عمله، وعقله شارد، يفكر فيما حدث لزوجته، يخشى أن يكون والده السبب في هذا الشيء. حاول أن ينفض تلك الفكرة سريعًا من عقله، شاعرًا بمدى استحالتها. فهذا الشيء لم يتوقعه من والده، لكن مَن لديه تلك الجرأة الكبيرة ليفعل ذلك، ومَن معه مفتاح الباب الخلفي سوى والده؟

هو قد سألها وعلم بعض التفاصيل. كان يحاول ألا يفكر فيما ظن به، ملتقطًا أنفاسه بصعداء، وتوجه نحوها مبتسمًا عندما رآها لازالت نائمة بوجه هادئ عاشق له. اقترب منها بهدوء تام، طابعًا قبلة رقيقة فوق جبهتها، فابتسمت شاعرة به، وفتحت عينيها بهدوء، متمتمة بحزن عندما رأته معد ذاته للذهاب: -أ.. أنت هتمشي وتسيبني. أومأ رأسه أمامًا، وأجابها بهدوء، وهو يجلس بجانبها بحنان، يملي عليها بغض تعليمات الطبيب:

-أيوه، عشان عندي شغل مهم، عاوز أتابع قضية عصام وأكمل التحقيق، أشوفهم وصلوا لأيه. ماما هتطلعلك أكل، كلي كويس عشان تبقي مامي شاطرة، ودي الأدوية بتاعتك تاخديها على طول، ومتتحركيش كتير، خليكي في الأوضة هنا. سندت رأسها فوق صدره بحنان، وتمسكت به بحب، متمتمة بهدوء: -طب اقعد افطر معايا، وبعدين امشي. مش مهم الشغل، المهم أنا. ضحك على حديثها، واضعًا يده بحنان فوق خصرها، يقربها منه أكثر، ملتقطًا شفتيها بحنان وشغف شديد،

وأردف بهدوء: -أكيد طبعًا، انتي أهم من أي حاجة. بس دة شغل مهم جامد، لازم أروح، فهنزل دلوقتي عشان اتأخرت. ابتسمت في وجهه بهدوء، وابتعدت عنه، شاعرة بارتياح وسعادة تجعل قلبها يرفرف عاليًا لوجوده معها، وودعته بابتسامة سعيدة، داعية له بحنان، متمنية من ربها أن يحفظه لها. كان يسير نحو الخارج بملامح جامدة وخطوات واسعة سريعة، لكن استوقفه فاروق، مردفًا باسمه بهدوء وجدية: -جواد، استنى، عاوزك. لو فاضي، عاوز أتكلم معاك.

قطب جبينه بدهشة، متعجبًا حديثه الهادئ لأول مرة، والتفت نحوه، مغمغمًا بجدية هو الآخر: -إيه؟ عاوز تتكلم في إيه؟ أنا فاضي. وقف أمامه، ملتقطًا أنفاسه بصعداء، محاولًا أن يظهر بصورة طبيعية، ويتحدث معه لأول مرة منذُ فترة طويلة، يفعلها هو في الحقيقة، لم يتذكر متى كانت آخر مناقشة هادئة بينهما، لكنه تحدث بهدوء، لم يخلُ من توتره فيما سيردفه:

-آه، عاوز أتكلم معاك. يعني أنا كنت بتصرف معاك بصورة غلط الفترة اللي فاتت، وظلمتك كتير، فعاوز أقولك متزعلش. أنا فوقت وعرفت أن أنا غلطان، وطريقتي كانت غلط معاك أنت وأختك. رمقه بذهول، متعجبًا من طريقة والده، شاعرًا أن مَن أمامه ليس هو بسبب تغيره الشديد في التحدث، لكنه حاول أن يتجاوز صدمته، وأجابه بجدية يلومه عما فعله به: -وأنا مش هزعل على إيه بالظبط؟ على طريقتك معايا وتقليلك مني دايما ومن شغلي اللي بالنسبالك ملوش أهمية؟

ولا عشان روحت بعدت عني البنت الوحيدة اللي حبيتها وجوزتها لابن عمي، وبتتعامل كأنك مكنتش تعرف؟ روحت وجعت قلبي وقهرته لسنين، وكمان عاوز تجوزني واحدة مبحبهاش؟ كنت بترضي الكل على حسابي أنا. وقف فاروق يتطلع نحو ابنه بخجل، غير مصدق أنه علم بفعلته، والآن يلومه عليها. هو له الحق لفعل كل ما يريده، هو بالفعل قد أخطأ في حقه كثيرًا دون أن يحسب يومًا يقف به أمامه يكون هو المخطئ في حق ابنه.

لا يجد حديثًا يردفه ويدافع به عن ذاته، هو بالفعل قد فعل كل ذلك به، كان لم يفكر سوى بذاته، يفكر في الأمر الذي سيجعله يرتاح دون النظر لابنه، وهل ذلك سينفعه أم يؤذيه؟ وقف يتطلع نحوه بحزن، معلنًا ندمه عن فعلته بحزن، لكن لم يكتفِ جواد بذلك، بل تطلع نحوه وسأله بنبرة حزينة: -عشان كدة كمان كنت عاوز تنزل ابني دة حفيدك؟ عمل إيه عشان تعمل كدة؟ أنت عاوز إيه بالظبط؟ أسرع فاروق ينفي ما يقوله، وهو يطالعه بعدم تصديق،

وأردف يخبره بصدق: -لا والله يا جواد، مش أنا اللي عملت كدة، واللي عمل كدة مش هسيبه. قطب حبينه مندهشًا من حديثه الذي جعل تساؤلاته تزداد، وظنونه عن الفاعل، لكنه سألته بتهكم وعدم تصديق: -يعني أنت عاوز تفهمني أن في حد غيرك معاه مفاتيح الباب اللي ورا، ولا حد يقدر يعمل كدة غيرك؟ كرر فاروق حديثه مرة أخرى بصدق، مربتًا فوق كتفه بحنان وهدوء:

-والله ما أنا اللي عملت كدة، وأنا مش هسكت على اللي عملها. أنت بنفسك قولت أن دة حفيدي، يعني أنا عمري ما هقدر أضره، صدقني. شعر بصدقه في الحديث، فصمت بهدوء، وهو يحاول جمع أفكاره ليعلم مَن الذي فعل ذلك بزوجته ويريد قتل ابنه. لم ينكر أن عقله قد فكر في مديحة وأروى، لكنه لا يعلم كيف حصلوا على مفتاح الباب الخلفي، ومن أين قد آتت إليهم الشجاعة.

اقترب فاروق منه، وباغته بعناقه الدافئ له للمرة الأولى، لم ينكر جواد وجود مشاعر دافئة قد آتت إليه وشعر بها وهو داخل حضنه. تمتم بحنان هادئ: -مش عاوزك تزعل مني، أنا كنت بتصرف بطريقة غلط تضرنا كلنا، بس خلاص فوقت وهصلح غلطي، بس الأول عاوزك تسامحني.

ابتسم بهدوء، وهو يشعر بالارتياح من طريقة والده الغير معتادة، والذي لا يعلم ما الذي جعله يفوق ويرى الأمر بتلك الطريقة. كيف رأى نفسه مخطئًا، وهو دومًا يكابر في الخطأ وينكره، دومًا يرى أنه مَن على حق ويجب للجميع أن يستمع إليه وينفذ ما يريده. لكنه الآن اتخذ خطوة جيدة يثنى عليها. سيفوق لحياته وأولاده، ويحاول أن يصلح من أخطاءه، بالرغم من حزنه الذي لازال منه، لأنه قد تسبب في ابتعادها ووجعه الذي دام لليالي وسنوات متعددة. ليالي طويلة كان الليل المظلم يشهد على حزنه ووجع قلبه المغمور بحبها، وفي النهاية قد علم أن والده هو المتسبب في ذلك الوجع، لكن ماذا يفعل؟

فهذا والده وهذه حياته. في النهاية قد جمعه القدر بها ليقضي على لوعة قلبه الحزين العاشق لها. قد استجاب ربه لدعواته للجمع بها في حياته، تلك الدعوة الدائمة الذي دومًا كان يرددها بصدق، متمنيًا تحقيقها. لكنه الآن يعترف بخطأه ويطلب السماح منه، فماذا عليه أن يفعل سوى أن يحاول يسامحه؟ ***

كانت مديحة تفكر في طريقة ما تثأر بها لذاتها وتنال حقها عما فعله بها. هي لن تترك زمام الأمور تنفلت من يديها بعدما كانت المتحكمة بها. هو الآن يفضل جليلة عليها، لازالت تتذكر كل كلمة تفوهت لها، تفكر في رد قوي ترد به عليه وتلقنه درسًا قويًا يجعله يندم على ما فعله معها. لكن السؤال الأهم هو: كـيـف ستـفـعـلـهـا؟ كيف ستفعلها مع شخص مثل فاروق، قوي ويهابه الجميع، يفكرون فيما سيفعلونه أمامه لأنه شخص ليس هيّن.

ظلت تتردد على عقلها بعض الأفكار، حتى استقرت على أحدهم، ملتقطة هاتفها مسرعة، وظلت تعبث به بمكر، مبتسمة ابتسامة شيطانية سامة، وتحدثت بنبرة جامدة حادة ولهجة صارمة، مشددة في تعاملها مع مَن تتحدث: -عاوزاك في موضوع مهم، وفلوسك هتوصلك زي ما أنتَ عاوز وزيادة كمان، بس مش عاوزة أي غلط في التنفيذ. كل حاجة تتنفذ زي ما أنا عاوزة. تحدث الشخص الآخر بطمع، منتهزًا الفرصة الذهبية التي آتت إليه:

-ماشي يا مديحة هانم، إحنا نخدمك طبعًا، بس شوفي عاوزة تربي مين وهنربيهولك. التمعت عينيها بشر وخبث، ونمت فوق شفتيها بسمة ماكرة يملأها التوعد، وهي مغمغمة باسمه: -فـاروق الهـواري. شعرت بالتردد الطرف الآخر، بعدما استمع إلى اسم فاروق الهواري، وأجابها بتوتر وقلق: -فاروق الهواري مرة واحدة! ودة إحنا اللي هنربيه، انتي عارفة يا ست هانم، دة محتاج كام؟ ده إحنا بنلعب مع النار المرة دي. لم تهتم بحديثه، بل واصلت

حديثها بجدية تامة خبيثة: -عاوزاه يتربى وتنفذ اللي هقوله بالظبط. يتربى بس مش أكتر من كدة. وأن كان على النار، فالفلوس هتطفيها، وأنت عارف كدة كويس، ولا قلت إيه؟ أجابها بطمع شديد، بعدما علم ما سيناله من تنفيذ ما تريده، وأنها ستدفع ما يريده دون تردد: -تطفي أبوها كمان؟ هو في أهم من الفلوس يا هانم.

اعتلت ضحكاتها الماكرة منتصرة، وبدأت تخبره عما تريده، محذرة إياه أن يفعل كل شيء كما تريد، لتدفع لهم ما يريدون بعد تنفيذ خطتها الماكرة التي ستجعله يندم، ويعلم مَن هي، وقدرتها على فعل وتحقيق أي شيء في سبيل تحقيق سعادتها وما تتمناه. هي لن تدعه يدمر لها كل شيء فعلته لأجل حبه لجليلة. فهي على أتم استعداد للعبها مع النيران الملتهبة وإطفاءها، حتى تنتصر في النهاية، وأن كان الجميع سيطوله أذاها، لن تهتم. كالأفعى ماكرة، ليس لها أمان، لكنها ترى أنه هو مَن بدأ وضحى بها دون النظر لمكرها، فعليه أن يتحمل نتيجة أفعاله.

*** بعد مرور أسبوع. توجه جواد نحو والدته بوجه شاحب مكهفر، بعدما علم أمرًا هامًا، ولا يعلم مَن الذي سيفيده في هذا الأمر، فالبحث داخل منزل عصام جعله يرى حقائق عديدة لم يعلمها من قبل. غمغم بنبرة قلقة يملأها التوتر: -فاضية؟ عاوز اتكلم معاكي. قطبت جبينها بدهشة وقلق على حالته، وأومأت برأسها أمامًا، وأشارت له مسرعة أن يجلس بجانبها، وهي شاعرة بالخوف عليه: -تعالي يا حبيبي، في إيه مالك؟

جلس بجانبها بتوتر، وبدأ يقص عليها ما علمه بتوتر، فشحب وجهها هي الأخرى بضعف، شاعرة بصدمة كبيرة غير متوقعة لها، فهي قد ظنت أن ما علمته هي الصدمة الأكبر لها، لكنها الآن قد تلقت صدمة أخرى جعلتها تشعر أنها في حلم، بعد استماعها لما قاله ابنها، وقد آتت بعض الظنون بداخلها، لا تعلم أيهم الصحيح.

في ذلك الوقت، كان فاروق يقود سيارته أثناء عودته للمنزل، لكنه تفاجأ بتلك السيارة التي ظهرت فجأة أمامه، كأنها كانت تنتظر ظهوره بأمر مدبر. حاول الفرار من السيارة، لكنها اصطدمت به بقوة، تسببت في فقدان سيطرته على سيارته وانقلبت به. وصل الأمر إلى منزل الهواري، شعرت جليلة بالصدمة والحزن على زوجها، بالرغم مما فعله بها، لكنها لم تستطع منع حزنها عليه، فهي قد عاشت طوال حياتها تحبه بمشاعر صادقة وقلب عاشق متعلق به.

سارت مسرعة بصحبة جواد بقلق، وانهلع قلبها بداخلها، شاعرة به يهوى من قلقه الشديد عليه، خوفًا من أن يصيبه شيء سيئ، بالرغم مما علمته الآن من جواد، تلك الحقيقة التي صدمتها أكثر، لكنها لم تفكر في شيء، وتناست الأمر بأكمله، لم تتذكر سوى أنه ليس بخير الآن. بقيت سما مع رنيم، وهي تبكي بحزن وقلق على والدها.

ابتسمت مديحة ما أن علمت بنجاح خططتها وحصول ما تريده. خرجت متخفية دون علم أحد، حتى لا يشعر بها، وسارت سرًا لتقابل ذلك الشخص الذي نفذ لها ما تريده. ابتسم الشخص بطمع، هو ومَن معه، ما أن رآها تأتي: -شوفتي يا ست هانم، كل حاجة حصلت المرة دي زي ما أنتي عاوزة. مع أنك المرة اللي فاتت مديتناش باقي فلوسنا. صاحت به بعصبية غاضبة، عندما تذكرت ما حدث المرة الماضية، وتهجمت ملامحها منفعلة بهم بحدة:

-المرة اللي فاتت كنتوا أغبية. بعتاكم تربوه، علقة خفيفة، تقوموا تقتلوه. وياريتكم كمان خلصتوني منها زي ما قولت. كنت ارتاح. لأ، سايبنها وبتبوظ كل اللي ببنيه.

التمعت عينيها بالشر والغضب، متذكرة بعض الأحداث لما فعلته وكيف خططت من قبل، وما الذي دفعها لفعل ذلك، لاعنة إياه سرًا. فهو مَن تسبب في موته، ليس أحد آخر، بعدما تجرأ وتخلص من خوفه، وبحث في ملفاتها السرية التي أغلقتها دون معرفة أحد، ونجحت في فعلها حقًا. لكنه تجرأ وبحث خلفها، فكان السبب في موته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...