الحزن طغى على جميع العائلة لخبر وفاة عصام الهواري، الابن الأكبر لتلك العائلة. كان الجميع في حالة من الصدمة. صرخات مبحوحة اعتلت ليلًا معلنة عن الحسرة والآسى للخبر الفاجع الصادم للجميع. مديحة كانت تبكي وتصرخ بعنف، لاطمة فوق وجنتها بقوة ضارية: "منك لله يا رنيم الكلب، منك لله يا زبالة. أنتِ تقتلي ابني يا زبالة. منك لله ربنا ياخدك." أسرعت جليلة تحاول تهدئتها، مربتة فوق ظهرها بحنان وقلق عليها: "اهدي...
اهدي يا مديحة يا حبيبتي عشان خاطر صحتك. هو دلوقتي في مكان أحسن." ابتعدت عنها باكية بعنف وأردفت بجمود غاضب: "انتي بتقولي إيه يا جليلة؟ هو لو كان جواد ابنك اللي مات كنتي هتقولي كدة؟ اهدي إيه؟ ده أنا هموت." شعرت بنغزة قوية في قلبها من حديث مديحة الجارح والقاسي بشدة، لكنها حاولت أن تخفي حزنها. احتضنتها بهدوء متمتمة بتعقل: "طب خلاص يا مديحة، عشان خاطر أروى. ما أنتي شايفة حالتها، هي دلوقتي محتاجاكي جنبها."
كانت أروى تحاول أن تدعي الحزن أمام الجميع، لكن الحقيقة داخلها أنها تتعامل مع الأمر بلا مبالاة وكأنه أمر طبيعي. حاولت سما أن تجعلها تهدأ. نهضت أروى مسرعة ما أن رأت جواد يدلف إليهم، وانطلقت مقتربة منه، ملقية ذاتها بين أحضانه، ملتصقة به بشدة. أزعجته لكنه لم يستطع التحدث أو الاعتراض. تمتمت بنبرة باكية حزينة: "جـ... جواد شوفت اللي حصل؟ المجرمة دي نفذت تهديدها. كانت عاوزة تقتلني أنا وماما، واهي قتلت عصام مكاننا. المجرمة."
ابتعد عنها بخطواته صوب الخلف، مربت فوق كتفها مردفًا بتعقل وجدية: "اهدي يا أروى، بلاش عياط. أنا هتصرف. ولو هي القاتلة فعلا، قسما بالله ما هسيبها تتهنى يوم. بس نتأكد الأول." صاحت مديحة بغل وغيظ واقفة أمامه بغضب: "تتأكد من إيه؟ هي اللي قاتلة وكمان ممسوكة قدام كل الظباط اللي هناك. إيه هتستناها تعترف؟ تنهد جواد بحرارة، محاولًا التمسك بهدوئه أمام حديثها لحزنها على ابنها المتوفي منذ قليل:
"مش كدة بس، برضو لازم نتأكد الأول. ولو طلعت هي، هتتعاقب وتتسجن. مش هي هتخرج ونجيب القاتل الحقيقي." تمتمت بوعيد والشرر يتطاير من عينيها بغضب: "البت دي لو طلعت، هقتلها أنا بإيدي. دي قتلت ابني الزبالة دي." تطلعت نحو فاروق وتابعت حديثها بقسوة: "فاروق، البت دي لازم تاخد إعدام. لو مخدتهوش، هنفذه فيها أنا بإيدي. مش هتقتل ابني وتطلع منها تعيش حياتها عادي، بنت **** دي." أومأ برأسه أمامًا بجدية، يوافقها حديثها القاسي:
"هيحصل يا مديحة، اهدي بس. حق عصام الهواري هيرجع غصب عن عين الكل. والبت دي هتاخد إعدام، كدة كدة. وأهلها مش هسيبهم في حالها. كله هيتحاسب وبالجامد أوي. اللي راح مش أي حد." غمغم جواد معترضًا بقوة على حديث والده: "وهو أهلها مالهم يا بابا؟ اللي بتقوله دة غلط ومينفعش. هي محبوسة وهيتحقق في القضية." صاح فاروق بعصبية وحدة، يطالعه بنظرات مشتعلة بالغضب: "بقولك إيه، متدخلش في اللي ميخصكش. وهو أنا هاخد منك أوامر، ولا إيه؟
انت هنا مش في القسم، ولا بتكلم ظابط معاك. ولا تكونش متعاطف مع البت دي اللي قتلت ابن عمك." غمغم يرد عليه بجدية وخشونة، والغضب يملأه هو الآخر: "لأ يا بابا، مش متعاطف معاها. دي مجرمة وتستحق العقاب. بس أنا بتكلم على أهلها مش أكتر." طالعته والدته ليصمت بهدوء. اقتربت مديحة من فاروق بشدة، حتى لا يستمع أحد إلى حد، وتمتمت بغضب من بين أسنانها: "ارتاحت لما جوزتهاله. أنت مرتاح كدة من اللي حصل؟ كل اللي حصل دة يا فاروق، أنت سببه."
رمقها بنظرات حادة غاضبة، وتمتم بعصبية مفرطة من حديثها الخاطئ: "انتي كنتي موافقة يا مديحة، واشتريتي أهلها. وعصام عمل فيها ما بداله. مكانتش غلطتي لوحدي. انتي وافقتي على كل حاجة." تنهدت بغضب، ثم تمتمت بقسوة وجمود، والشر يلتمع داخل عينيها بشراسة: "البت دي تبعت حد يربيها وهي جوة. سيبك من حوار أهلها دة، عشان مش هينفعني بحاجة. أنا عاوزاها تتربى وتتفضح صح، عشان سيرة عصام متتجابش على لسانها."
اللمعت الفكرة برأسه مستحسنًا إياها، فأومأ باقتناع: "حلوة الفكرة دي، اعتبريها حصلت." أكملت بقساوة مؤكدة لفكرتها: "بس بقولك إيه، مش عاوزة حد يصدقها ولا يصدق كلامها." أنهت حديثها وسندت رأسها فوق كتفه، وتمتمت باكية: "ربنا ينتقم منها رنيم دي." ظل جواد كما هو صامت، لم يتحدث معها. لم يستطع تصديق فكرة أنها استطاعت فعل شئ هكذا. كيف فعلتها؟ وهو يراها رقيقة، لم تستطع قتل حشرة. كيف ستقتل عصام؟
عقله يربط ما حدث بما يراه عندما كانت قابضة فوق عنق زوجة عمه وتتوعد بقتلها. صراع كبير بدأ بداخله، أفكار متضادة لبعضها، ولا يعلم أيهم الصواب. لكنه لم يصمت على فعلتها. لن يتركها تفلت من العقاب، إن كانت هي المجرمة، على استعداد أن يبدل قلبه بحجر كبير ويثأر لحق ابن عمه الذي قُتل. ابتعد فاروق عن الجميع، ثم قام بالاتصال على شخص ما:
"الو يا علي، معاك فاروق الهواري. كنت طالب طلب صغير أوي، بس عاوزه يحصل بسرعة. وأنا عارف أنك قدها." أجابه الشخص الآخر بلهفة: "اؤمرني ياباشا، واحنا نطول نخدمك. دة أنا عنيا ليك." غمغم فاروق بلهجة مشددة حادة: "عاوزك بخصوص قضية قتل ابن اخويا عصام الله يرحمه عندكم. بت اسمها رنيم السيد. البت دي عاوزها تتروق وتتروق جامد كمان. وأنا هظبطك وأقولك تعمل إيه معاها بالظبط." بدأ يقص عليه ما يجب فعله معها بجميع التفاصيل. أجابه
الآخر بطمع يلمع بداخله: "بس كدة، اعتبره حصل يا باشا." أغلق معه ببرود تام، متطلعًا حوله بحذر، خوفًا من أن يراه أحد أو يستمع إليه. ألقاها الظابط في الزنزانة الخاصة بالمجرمين. وقعت أرضًا بضعف، متطلعة حولها بذهول. عالم جديد لم تكن تعلم عنه شيئًا. أشخاص حولها يطالعونها بنظرات مختلفة، لكنها كانت تخشاهم جميعهم. انكمشت مع ذاتها في صمت، بخوف من همس بعض الجالسات حولها، من الواضح أن الحديث عليها بالطبع.
انغمست في تفكيرها في كل ما حدث معها، فجأة دون أن يستوعب عقلها كل ذلك. بدأت تبكي بحسرة وقلب مقهور مدمر من قسوة الحياة عليها. دموعها لم تجف من فوق وجنتيها ولو لوهلة واحدة. وداخلها العديد من المشاعر: الحزن، الضعف، الرعب والخوف. شاعرة أن الحياة بأكملها مجتمعة ضدها. حزينة على كل ما فعلته بها الحياة القاسية عليها بضراوة. شرد عقلها فيما حدث معها قبل مجيئها إلى هنا، لعلها تعلم كيف حدث ذلك.
لكنها تفاجأت بتلك السيدة التي تقترب منها بأعين حادة مثبتة عليها، والغضب يتطاير منها. انكمشت رنيم على ذاتها برعب، وتمتمت متسائلة بخوف وقلق ودموعها لازالت تسيل فوق وجنتيها: "ا... أنتي مين؟ وعـ... عاوزة إيه مني؟ ضحكت السيدة بصوت مرتفع بطريقة مقززة، وأكملت طريقها مقتربة منها أكثر، مما جعل رنيم تزحف إلى الخلف برهبة وخشية حتى التصقت في الحائط. وتمتمت ترد عليها بطريقة مقززة: "هتعرفي يا عنيا حالًا. دة أنتي هتتروقي صح."
شعرت أن قلبها سيتوقف من الرعب الذي ملأه، فتمتمت متسائلة بارتياع ونبرة متلعثمة: "ا… انتي قـ… قصدك إيه؟ أنا معملتش حاجة." لم ترد عليها السيدة بالحديث، بل انقضت عليها وبدأت تسدد لها ضربًا مبرحًا، تصفعها بقوة فوق وجنتيها، جعلت الدماء تسيل من فمها وأنفها. ركلتها بقدمها بعنف تحت صرخات رنيم المتوسلة المستغاثة حتى تتركها، لكنها لم تبالي.
لم تكتف بضربها فقط، بل فجأة مزقت ثيابها وبدأت تنزعها عنها بعنف. حاولت رنيم التمسك بثيابها الممزقة، لكنها لم تستطع بجانب قوة السيدة التي أمامها. بدأت تجردها من ثيابها بالقوة رغمًا عنها، ووضعتها داخل كسوة الفراش جيدًا. وعادت إلى الخلف مبتعدة عنها بعدما أنهت مهمتها التي جاءت من أجلها. تمسكت بالملاءة الملفوفة حولها، ودموعها تسيل فوق وجنتيها بغزارة، متمتمة بضعف وقهرة قلب يملؤه الحزن والآسى: "ا..أنتي ليه عملتي كدة؟
عاوزة مني إيه؟ أنتي حتى متعرفنيش عشان تعملي كدة. هاتي هدومي دي." ضحكت السيدة ببرود، مجيبة إياها بحدة: "بكرة تعرفي يا عنيا، هتعرفي كل حاجة. واتمسي كدة واقعدي ساكتة، بدل ما اجي اديكي علقة تانية أجيب أجل أمك فيها." جلست رنيم تبكي بضعف، غير قادرة على فعل شيء لذاتها. لم تستطع الدفاع عن ذاتها أمام تلك السيدة التي فعلت بها كل ذلك. فاقت من شرودها عندما علمت أن الظابط يريدها للتحقيق معها.
وقفت أمام المكتب في انتظار دخولها إلى الظابط للتحقيق معها في ذنب لم ترتكبه سوى بالخطأ. لكنها تلك الحمقاء لا تعلم ما الذي ينتظرها في تلك اللعبة الحقيرة التي ستكون هي بطلتها، لكنها بطلة كالدمية يفعل بها الجميع ما يريدون. في الداخل، كان يقف أمام الظابط شخص ما، والذي عرف نفسه أنه الحارس الخاص بالمكان الذي تواجد به جريمة القتل. تحدث الرجل بجدية، محاولًا أن يخفي بها قلقه: "أنا سعيد البواب يا باشا."
أومأ الظابط برأسه وهتف متسائلاً بجدية حازمة: "قول بقى كل اللي شوفته من الأول لغاية ما عصام باشا اتقتل." أجابه بثبات وثقة تؤكد جميع كلامه:
"ياباشا، الست رنيم كانت جاية مع واحد تاني غير عصام بيه، وكان بقالهم كم يوم مع بعض في المكان. بعدها لقيت عصام بيه جاي وسمعت دوشة وزعيق، ولقيت الراجل اللي كان جاي في الأول مع الست رنيم نازل يجري وهو بيلبس هدومه ياباشا. بعدها سمعت زعيق بين عصام بيه ورنيم لغاية ما سمعت صوت ضرب النار يا باشا." أكد على حديثه، ثم خرج ليلتقط بعدها أنفاسه بصعداء بعد انتهاء مهمته الغير عادية.
وقفت رنيم أمام الضابط المسؤول عن التحقيق معها، ترتعش برعب. لأول مرة تتعرض لموقف هكذا. تمتمت بضعف وخفوت: "مقتلتوش، أنا مقتلتوش. والله معملتش حاجة. معرفش إزاي حصل كدة." لم يهتم الظابط لحديثها الكاذب بالنسبة له، وهتف متسائلاً بحدة ولامبالاة: "احكيلي بقى كل اللي حصل من الأول، أحسنلك. وسيبك من شغل الهبل دة، مش هيخليني أصدق. قتلتيه إزاي؟ ومين الراجل اللي كان معاكي؟ بدل ما تشيليها لوحدك." حركت رأسها
نافية وصرخت رافضة لحديثه: "لأاا... لأ. والله ما عملتها. مقتلتوش. مقدرش أصلا أعمل كدة. والله ما قتلته. ومش معايا حد غيره. مكنش في حد غير عصام. والله." نهض مقتربًا منها، صافعًا إياها بعنف ولامبالاة، هدر بها بغضب: "بقولك إيه يابت، وقفي الهبل دة. انتي مقبوض عليكي متلبسة بروح أمك وماسكة أداة الجريمة في إيدك. فاتعدلي كدة أحسنلك. والبواب لسه خارج من هنا وحاكيلي إنك كنتي جاية مع واحد غير جوزك، فاعترفي أحسنلك."
وضعت يدها فوق وجنتها بضعف، مرتعشة الشفتين، ودقات قلبها تخفق بسرعة عالية بداخلها برعب ضارٍ، والدموع تسيل من عينيها بشعور يصاحبها دومًا، وما هو سوى الحزن والقهر. دار حولها ببرود، لكنه جعلها تشعر بالرعب أكثر من مصيرها القادم. باغتها بسؤاله الماكر: "مين اللي كان ضاربك كدة بعد ما شافك مع الواد؟ توترت بشدة، تود أن تجيبه إجابة تعود بالنفع عليها، لكنها لم تعلم. فتمتمت بصدق وقلق:
"ايوة هـ… هو عصام اللي عمل كدة. وفي ضرب من واحدة جوة." ضحك الظابط ببرود، وكأنه وجد الحل، وأومأ برأسه بمكر: "هو كان بيضربك عشان خيانتك ليه، وواضح أنه جامد. فانتي اتعصبتي وجبتي المسدس وقتلتيه عشان تنقذي نفسك من الفضيحة، وقولتي المكان مقطوع تعرفي تهربي." صُدمت من حديثه واتهامها بالخيانة. حركت رأسها نافية بخوف وتعب. نعم، هي كانت تفكر في ذلك الأمر أثناء تطاوله عليها، لكنها لم تستطع فعلها:
"لـ… لأ. لأ والله ما قتلته. ماهو أصلا بيضربني على طول من أول جوازنا، وقدام أهله كمان. ومقتلتوش. هقتله المرة دي ليه؟ وبعدين خيانة إيه؟ أنا كنت رايحة مع عصام." صاح بها بعنف، فأمامه هي كاذبة مذنب، لم تعترف بجريمتها: "بقولك إيه، الأنكار مش هيفيدك. البواب لسه معترف بكل اللي شافه. اللي بتعمليه دة بيضرك." أغلقت عينيها أمامه بضعف، رافضة لحديثه الخاطئ، محاولة الدفاع عن ذاتها بصدق:
"لأ..لأ والله معملتش كدة. بس أنت بتقولي حاجات محصلتش، اعترف بيها إزاي. بعدين مكنش فيه بواب في المكان. أنا مظلومة والله معملتش حاجة ولا قتلت عصام. وجيت مع حد غيره. كل دة كذب." ضحك ببرود، مضيفًا بسخرية لاذعة، لم يحمل حديثها بجدية: "لا متخافيش، كان قبلك هنا يجي مليون واحدة. وكلهم بيقولوا نفس الكلام، لأ وبيحلفوا كمان زيك كدة." وجده يأمر من يقف أمامها بنبرة آمرة متعجرفة: "خدها عالحجز، عشان هي معملتش حاجة ومقتلتش حد."
قال جملته الأخيرة ساخرًا منها ومن حديثها التي تدافع به عن ذاتها. قبل أن تذهب، تمتمت بضعف منكسرة: "طب ا.. أنا عاوزة هدومي. هـ… هما خدوهالي مني هناك.." أجابها الظابط ببرود ولا مبالاة: "ملكيش حاجة هنا. انتي جاية هنا كدة. يلا خودها الزنزانة." عادت مرة أخرى إلى الزنزانة، لكنها تفاجأت عندما لم تجد السيدة التي قامت بالتعدي عليها قد اختفت تمامًا، وكأنها لم تكن هنا. اقتربت من إحدى السيدات، وتمتمت متسائلة بخفوت وضعف:
"هـ… هي فين الست اللي كانت هنا وضربتني وخدت هدومي." باغتها بإجابتها الصادمة بالنسبة لها: "ست مين؟ انتي محدش جه جنبك أصلا يا حبيبتي." طالعتها بصدمة، وقد فهمت ما يدور حولها. لعبة مدبرة ضدها، وقد نجحت بالفعل. جلست تبكي بقهر، والحزن يملأ قلبها من الظلم التي تتعرض له دون أن تفعل شيئًا يستحق.
لا تعلم لما كُتب الحزن على جبينها. كانت تظن أنها بموت عصام ستبدل حياتها السوداء القاسية إلى أخرى وردية سعيدة. لكن ما تراه الآن هو أسوأ من كوابيسها. هي متهمة بقتل عصام زوجها، وأيضًا خيانته. كل شيء مدبر لجعلها هي الجاني بدلًا من المجني عليها بأفعال عصام المختلة. بعد مرور يومين.
كانت رنيم تجلس في أحد أركان الزنزانة بانكسار وحزن يملأ قلبها المحطم بداخل قفصها الصدري. تود الصراخ حتى تنقطع أحبالها الصوتية، لكنها تستحي أن تفعل. دموعها لم تتوقف لحظة واحدة. لا تصدق أن حياتها ستنتهي في شيء لم تفعله. هل حقًا ستقضي بقية عمرها هنا تعاقب على فعل لم تقوم به؟ قطعت شرودها عندما استمعت إلى الحارس الذي يصيح باسمها بخشونة حادة: "فين رنيم السيد."
تحاملت على ذاتها لتنهض بقلق، شاعرة أن قدميها لم تعد تتحملها، لكنها مجبرة على التحمل رغمًا عنها. وتمتمت بضعف وخفوت: "ا… أيوه أنا… أنا رنيم." استكمل حديثه بجدية وخشونة: "تعالي اخلصي، في حد عاوز يشوفك." طالعته بذهول، غير مصدقة حديثه. من سيأتي لرؤيتها؟ هي حقًا ليس لها أحد ليسأل عليها. تخلى أهلها عنها منذ زمن، وبالطبع لن يعودوا إليها الآن. وعائلة عصام آخر ناس يريدون رؤيتها. فمن الذي يريدها الآن؟
عقلها قد وصل إلى حل مرضي. من الممكن أن يكون محسن. لما لا؟ يود التحدث معها بعد فعلته الحقيرة معها وتخليه عنها. فاقت على صوت إحدى السيدات التي صاحت بها بحدة غاضبة: "ما تخلصي يا اختي، روحي وخلصينا. إيه شغل السهتنة والاستهبال دة." لم ترد عليها لأنها لا تعلم كيف يجب أن ترد على أمثال تلك السيدة. لذلك سارت مع ذلك الحارس، وتمتمت متسائلة بقلق: "هـ… هو أنت متعرفش مين اللي عاوز يشوفني؟ أجابها نافيًا بصدق:
"لأ، بس بيقولوا إنها واحدة مهمة. دة الدنيا اتقلبت لما جت." تفاجأت عندما دلفت بوجود مديحة الجالسة فوق الأريكة بشموخ، والحزن بادٍ فوق قسمات وجهها. أردف الظابط بهدوء واحترام لمديحة: "أنا هسيبك معاها يا مديحة هانم." أومأت مديحة برأسها أمامًا، بينما رنيم ظلت واقفة بجانب الباب، تود الذهاب مسرعة هاربة من أمامها، تخشى ما ستفعله بها. نهضت مديحة مقتربة منها بغضب عارم يعميها، وتمتمت بجمود حاد مشيرة بسبابتها نحوها:
"بقى انتي يا بنت ال*** يا وسخة بتقتلي ابني؟ قسما بالله ما هسيبك." قبل أن تفهم رنيم مقصد حديثها، اسرعت تنقض فوق عنقها بغضب، غارزة أظافرها في عنقها بقوة. صرخت رنيم متألمة بضعف، محاولة الدفاع عن ذاتها بلهجة ضعيفة مجهدة: "مـ… معملتش حاجة… والله ما قـتلته. كل دة كدب. والله ولا الله معملتش حاجة. مقدرش أعملها أصلا. والله.." بكت بعنف حتى تجعلها تتركها، لكن مديحة ظلت قابضة فوق عنقها حتى وجدت أنفاسها بدأت تقل وتغمض عينيها،
فتركتها ببرود: "أقسم بالله ما هسيبك. انتي اتجرأتي وقتلتي ابن الهواري يا زبالة." ظلت تلتقط أنفاسها بصعداء وصوت مرتفع، ثم أجابتها بنبرة مرتعشة خائفة من أن تفعل بها شيئًا آخر: "و… والله ما أنا. مش أنا اللي قتلته ولا خونته ولا أي حاجة من اللي بتتقال. والله ما عملت حاجة. معملتش حاجة. أنا مظلومة." لم تهتم وتبالي بحديثها، بل جذبتها من شعرها بقوة، مغمغمة بنبرة تهديد حازمة:
"بصي يا بت، انتي سيرة ابني متجيش على لسانك ولا اللي كان بيعمله يتفتح. أحسنلك. قسما بالله هجيب اللي يقتلك وانتي مرمية هنا زي الكلبة." أومات برأسها أمامًا برعب، متألمة من قبضتها القوية فوق شعرها، ولازالت تحاول تلتقط أنفاسها بصعوبة: "خـ… خلاص خلاص. كفاية سيبيني. مش هقول حاجة. بس خرجيني من هنا. والله ما قـتلته. والله ما عملت حاجة ولا خونته حتى. كل دة ظلم. خرجيني من هنا."
طالعتها بغضب، وأعين يملأها الشر، مودّة قتلها في تلك اللحظة انتقامًا لثأر ابنها الذي قُتل. أطاحتها أرضًا بعنف، صائحة: "اخرجك يا بنت **. دة أنا هاين عليا أخد روحك بإيدي وأبرد ناري، بس حقي هاخده كدة كدة. انتي لسه متعرفيش اللي هيحصلك على إيدنا كلنا. جواد مستحلفلك وناوي على قتلك. هو وفاروق موصيين عليكي توصية صح عشان حقنا يا وسخة."
لا تعلم لما بكت بعنف عندما علمت بما يفعله جواد. توقعت عدم تصديقه والوقوف بجانبها، لكن كم هي حمقاء. هل حقًا تتوقع وقوفه معها ضد ابن عمه الراحل؟ بالطبع لا. هي ليس لها أهمية بجانب ابن عمه. تمتمت بضعف والدموع تملأ وجهها: "أ… أنا مقـتلتوش. والله مظلومة." لم تهتم بحديثها، بل سارت نحو الخارج بعدما طالعتها بازدراء محتقرة، متمتمة بنبرة تحذيرية:
"قسما بالله لو بوقك اتفتح بكلمة على ابني اللي قتلتيه، هقتلك هنا وأنا نفسي أعملها يا خاينة يا وسخة. طول عمري كنت شاكة فيكي وفي أخلاقك ال*بالة اللي زيك، بس المرة دي جوايا نار مش هتطفي غير بروحك يا رنيم، بروحك سمعاني." تفوهت جملتها الأخيرة بشر، والنيران تتآكل في قلبها على خسارة ابنها، تود أن تنفذ تهديدها وتطفئ نيران حزنها على ابنها الوحيد بقتل رنيم، لكنها ستنتظر حكم إعدامها المؤكد لها من الجميع.
خرجت بغرور وشموخ، وجدت فاروق لازال ينتظرها بسيارته في الخارج. جلست بجانبه، غمغم متسائلاً بحزم: "عملتي اللي عاوزاه وارتحتي كدة." أومأت برأسها، وتمتمت بمكر وتشفي: "اه يا فاروق. كنت هروح فيها لو مشوفتش البت دي وهي مذلولة قدامي وملفوفة بالملاءة زي الناس ال*بالة اللي زيها. بتدفع تمن روح ابني اللي خدتها وبتتبكي بدل الدموع دم." أجابها بتعقل وجدية، وهو لازال غير راضٍ على تلك الزيارة التي تمت:
"خلاص كدة كدة عملتي اللي عاوزاه، مع أن كل دة ملوش لازمة. وانتي عارفة كويس أوي إنها مش هتفتح بوقها بعد اللي حصلها وهتدفع تمن اللي عملته وهتتربي وهي جوة. بس أنا ريحتك اهو." تحدثت بمكر وخبث، عالمة جيدًا نتيجة حديثها السام: "اه عارفة، بس قولت أعمل كدة للأمان. أحسن تفضح السر اللي من سنين." تحولت ملامحه بغضب، وصاح بها بلهجة مشددة غاضبة:
"مـديـحـة… بلاش الكلام دة. أحسن البت متعرفش حاجة أصلا. حتى عصام عن نفسه ميعرفش حاجة عشان يحكيلها. يبقى تسكتي خالص ومتفتحيش سيرة الموضوع دة أحسنلك." خشيت من نبرته التي تحولت، فأردفت متسائلة بتوتر وارتباك: "قصـ.. قصدك إيه يا فاروق؟ صاح بها بحدة ضارية، غالقًا ذلك الحديث السام: "قصدي إنك تسكتي خالص وتقفلي الكلام دة يا مديحة."
أومت له أمامًا، ملتزمة الصمت كما أخبرها، حتى لا تجعله بغضب عليها، خاصة أنه أصبح في ذلك الوقت أكثر عصبية وأسرع غضبًا. جلست رنيم في الزنزانة مرة أخرى تفكر في حديث مديحة. تتمنى وجود أهلها معها، لكنهم تركوها من زمان، وكأنها شيء ليس له أهمية. خشيت من تهديد مديحة لها. وقد أتى في عقلها سؤال هام. هل هم من جعلوها تظهر بصورة الخائنة الزانية؟ هل هم من جعلوا تلك السيدة تفعل بها ذلك؟ أم شخص آخر؟
تظن أن محسن هو السبب في كل ما يحدث لها. شعرت أن عقلها سينفجر من فرط الضغط الذي به. وقلبها حزين على تخلي الجميع عنه. كانت حمقاء تتوقع وجود جواد بجانبها، لكنه كيف سيفعلها وهي أمامه قا’تلة لابن عمه الذي كان بمثابة شقيقه. هو فقط سيجاهد لأجل أن تُعدم ويعود حق ابن عمه. في الصباح. وجدت الحارس يصيح باسمها مجددًا ليخبرها أن أحد يريد رؤيتها. وقفت في حيرة، مستمعة إلى إحدى السيدات المتحدثة بسخرية:
"قومي يا ست رنيم، زوارك كتروا كل يوم. قومي ياختي." اقتربت من الحارس متسائلة بقلق، تخشى أن تكون مديحة عادت إليها مرة أخرى لتنفذ تهديدها: "هـ.. هي نفس الست اللي جت قبل كده." رد يجيبها نافيًا: "لأ، مش هي المرة دي لأ. ويلا ياختي خلصينا، مش هتتسايري معايا." تراجعت بخطواتها نحو الخلف برعب، متمتمة بتراجع: "لـ… لأ. لأ أنا مش عاوزة أقابل اللي جاي. مش عاوزة."
أسرع يقبض فوق ذراعها، جاذبًا إياها منه بعنف ليجعلها مجبرة على السير معه رغمًا عنه: "لأ اخلصي ياختي، المرة دي مش بمزاجك، لازم تروحي." لم تستطع الإفلات من قبضته القوية، فسارت بقلة حيلة لترى من الذي يريد رؤيتها تلك المرة. لكنها تفاجأت عندما وجدت جواد هو من يريدها. وقفت أمامه بخجل وحزن، ودموعها سالت فوق وجنتيها، متمسكة بالملاءة التي حولها بضعف. وأسرعت تحاول الفرار من أمام عينيه والخروج من الغرفة، لكنه
هدر بها بعنف يستوقفها: "استني عندك، انتي رايحة فين؟ اقفي قدامي." تمتمت منكسرة بخفوت ونبرة ضعيفة شبه هامسة: "ا… ابعد عني يا جواد، خليني أمشي مكان ما كنت." صحح لها بحدة ونبرة مشددة حازمة: "جواد باشا… جواد باشا هو اللي قدامك." استمعت إلى صوت تحطيم قلبها بداخلها. لأول مرة ترى قسوته عليها. تود الصراخ بكل قوتها، لكنها لن تستسلم أمامه. وقفت أمامه بغضب، وتمتمت بعصبية بعدما فقدت السيطرة على ذاتها:
"وأنت يا باشا عاوز إيه من واحدة زيي؟ وجاي ليه أصلا؟ دة أنا مجرمة حتى وقتلت ابن عمك وخو’نته قبلها." لم يتوقع اعترافها له بتلك السهولة. أسرع قابضًا فوق ذراعها بغضب، وصاح بها متسائلاً بحدة، ولازال تحت تأثير صدمة حديثها: "لـيـه؟ لــيـه قتـلتيه؟ عملك إيه؟ بستاهل منك كل دة؟ دى اتجوزك وعيشك عيشة متحلميش بيها. ليه تعملي كدة انتي؟ تابع بوعيد حاد وغضب يملأ أوداجه:
"قسما بالله ما هسيبك، وهرجع حقه منك. واحدة زيك متستاهلش حاجة حلوة زي ما كان معيشك." ضحكت مستهزءة لحديثه بسخرية، وأسرعت ترد عليه بغل وحقد شديد، متذكرة أفعاله بها المختلة منذ بداية زواجها بها حتى قتله. متذكرة آلامها على يده في كل لحظة مرت عليها. قتله لطفلها داخل أحشائها وحرمانها من شعور الأمومة للأبد بسبب ما فعله بها. كل ذلك ويرى هو أنها عاشت حياة لم تحلم بها. هي كانت تعيش معه كابوس طويل مؤذي لها فقط:
"هـو يستاهل. هو ميستاهلش غير القتل. لو في إيدي أقتله تاني هعملها. هعملها تاني وتالت ومش هتردد لحظة واحدة." يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!