الفصل 13 | من 25 فصل

رواية لهيب الروح الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هدير دودو

المشاهدات
17
كلمة
5,157
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

صُعق الجميع بعد استماعهم لحديث جواد الغير متوقع، ملقيًا من خلاله قنبلة موقوتة دوت داخل عقول جميع الحاضرين. بداية من رنيم التي طالعتْهُ بذهول متعجبة لحديثه، مبتعدة عنه وأردفت متسائلة بدهشة وعدم تصديق: "مـ… مراتك… مرات مين أنت بتقول إيه؟ تطلعت والدته هي الأخرى نحوه مسرعة بقلق، لكن لم تكن هي فقط من تطلعت نحوه، فقد توجهت جميع الأنظار عليه. حاولت جليلة التدخل في الأمر لتصحح ما أردفه ابنها، متمتمة بصوت متلجلج ضعيف

يملؤه القلق مما سيحدث: "لـ… لأ لأ طبعًا جواد ابني مـ… ميقصدش، هو بس صعبت عليه رنيم فقال كدة عشا…" قطع حديثه والدته بإصرار على حديثه، وقد فقد عقله والسيطرة على ذاته تمامًا: "لأ ياماما، أنا عارف كويس أوي أنا بقول إيه وقد اللي بقوله كمان، أنا مش عيل."

شعرت مديحة بالدماء تغلي داخل عقلها، ودت لو تقتله وتواصل ما تفعله برنيم حتى تجعلها تلحق بها. فإذا جواد تزوج من فتاة أخرى غير ابنتها، ستجعل العائلة بأكملها تنقلب رأسًا على عقب دون النظر لأي شيء آخر. هي دومًا تسعى لإمتاك نفوذ العائلة بزواج جواد من ابنتها، زواج ابنتها الابن الوحيد للعائلة بعد وفاة ابنها، حينها ستصبح الحاصلة على كل شيء في عائلة الهواري. لكن الآن هو يود إفساد جميع مخططاتها بحديثه الأبله التي لن تجعله يحدث سوى بموتها.

صاحت به بغضب عارم والشرر يتطاير من عينيها: "أنت شكلك اتجننت خالص، دة عصام مكملش تلت شهور إزاي مراتك؟ بعدين أنت خاطب أروى بنتي، ما تعقل كلامك يا جواد." أجابها ببرود متبجحًا بلا مبالاة، كأنه يخبرها بأمر عادي: "لأ خلاص، ماهو كان فيه منه وخلص، اسألي أروى أنا قايلها إنها زي أختي، بعدين عارف إن رنيم لسه ناقصها شهرين وشوية من العدة بتاعتها، بعد العدة أنا هتجوزها وكدة. لا اتجننت ولا حاجة، دة عصام زي أخويا وأنا أولى بمراته."

وقفت رنيم تستمع إلى كل ما يدور حولها بذهول، شاعرة أنها كالدمية يفعلون بها ما يشاءون من دون اهتمام برأيها. هل ستتزوج مرة أخرى من دون موافقتها؟ لا بالطبع لن تكرر حكاية الزواج مرة أخرى، عصام جعلها تكره تلك الكلمة. تمتمت هي الأخرى تقطع الحديث الذي يدور عنها من دون العودة إليها: "إيه اللي بتقولوه دة، أنا مش موافقة ومش هتجوز، مش عاوزة حاجة."

تركت الجميع وانطلقت راكضة نحو غرفتها بتعب ودموعها تسيل فوق وجنتيها بضعف في هيئة مثيرة للشفقة تجعل الجميع يود التعاطف معها. لكن مديحة وابنتها لم يهتموا لأمرها ولأمر أي أحد آخر سواه هما فقط. طالعتْهُ مديحة مبتسمة بتشفي بعد حديث رنيم الذي جاء كما تريد، مغمغمة ببرود: "اديك سمعت رأيها، هي مش عاوزاك من بعد عصام ابني، عمرها ما هتتجوز ولا هتبص لحد، هتقعد تخدمني أنا وبنتي."

غضب بشدة من حديثها، ليس من حديث رنيم المتوقع بالطبع، لكن هي كيف تخبرها أنها هنا لخدمتها هي وأروى؟ قبض فوق يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، مزمجرًا بغضب ورد على حديثها بحدة مشددًا فوق كل حرف يتفوهه: "رأيها دة هيبقى بيني وبينها يامرات، وأنتي حاليًا ملكيش عندها حاجة وهي مش مطالبة بأي حاجة ليكي." أسرعت جليلة مقتربة من ابنها واضعة يدها فوق كتفه، متمتمة بضعف محاولة أن تجعله يهدأ ويتراجع عن حديثه:

"بس يا جواد عشان خاطري، أنت بس متعصب مش واعي للي بتقوله، بس اهدى وخلاص مفيش حاجة." أجابها بإصرار متمسكًا بحديثه بجدية تامة، مقررًا أن يقف أمام الجميع للدفاع عن حبه، حبه الذي ظن أنه أصبح مستحيلًا. ها قد عادت إليه الفرصة من جديد، مقررًا عدم تركها، وأيضًا يود إنقاذها مما يحدث إليها من زوجة عمه القاسية القلب: "لأ يا أمي، أنا عارف أنا بقول إيه، مرات عمي اللي بتتكلم وخلاص وناسية أنها مش حقها دلوقتي، أنا هتجوز زي ما قولت."

في ذلك الوقت وعلى كلمته الأخيرة، ولج فاروق المنزل الذي عاد للتو، معقدًا حاجبيه بدهشة لما استمعه من ابنه، وتساءل بحدة عارمة ولهجة حازمة مشددة بشموخ: "إيه اللي بيحصل هنا؟! في إيه؟ توترت جليلة بشدة ووقفت تطالعه بخوف، لا تعلم بماذا تجيبه. تخشى رد فعله الذي لم تنجح في توقعه، مردفة بتوتر ووجه شاحب: "مـ… مفيش حاجة يا فاروق، مفيش حاجة." كرر سؤاله مرة أخرى بنبرة تزداد حدة وغضبًا عما كان في السابق: "بسأل في إيه؟! ما حد يرد."

أسرعت مديحة مغمغمة بمكر تخبره هي عما يحدث من ابنه: "كويس إنك جيت يا فاروق عشان تشوف حل مع ابنك، جواد قال إيه؟ عاوز يتجوز رنيم ويقولك هيستنى شهرين." طالعه بعدم تصديق، صائحًا به بحدة غاضبة: "إيه اللي بتقوله دة! أنت شكلك اتجننت عالاخر، رنيم مين دي اللي تتجوزها؟ أنت مش خاطب أروى بنت عمك." لم يصمت ويخجل مثل كل مرة، لم يرفض إحراجه أمام الجميع، هو الآن يدافع عن عشقه الذي حُرم منه وقد عاد إليه، لذا سيتمسك به بقوة.

فرد على والده بجدية تامة: "إيه الجنان في كدة! هتجوز مرات عصام ابن عمي، وبعدين الخطوبة راحت لحالها، أنا معرف أروى كدة من زمان، أروى زي سما أختي، ربنا معاها." شعر بالغضب بعد استماعه لحديث جواد وهدر بعنف بعدما تشنج جسده بغضب باد: "ماهو اللي بتقوله دى ملوش تفسير غير إنه جنان منك، فوق كدة واظبط نفسك بقى، جواد الهواري هيتجوز واحدة زي دي، ما تتعدل كدة." اقتربت جليلة نحوه مسرعة حتى تجعله يهدأ، ممسكة في ذراعه بقلق وتمتمت

بتوتر وخوف مما سيحدث: "فاروق عشان خاطري اهدى، اتكلم أنت وهو بعدين لوحدكم." تطلعت نحو جواد لينقذ ما تفوهت به، مستغلة صمت فاروق الذي كان تحت تأثير الصدمة للآن. فنفذ جواد طلبها وصعد متوجهًا نحو غرفته يفكر فيما سيفعله في حربه القادمة مع الجميع. لكنه على أتم استعداد ليفعل المستحيل من أجلها، لكن قبل ذلك عليه التحدث معها أولًا.

بينما مديحة كانت تتطلع نحو فاروق بغضب عارم ونظراتها لم توحِ سوى بالشر، تعكس مدى الغضب الشاعرة به والنيران المتأهبة في قلبها بعد فعلة جواد التي جاءت عليها بالدمار، الدمار لجميع أحلامها السوداء التي تود تحقيقها. فهم فاروق جيدًا ما يدور داخل عقلها، لكنه لن يهتم به. هو يفكر في طريقة لينهي بها ذلك القرار الذي اتخذه ابنه والذي سيضره، لن يعود عليه بالنفع أبدًا.

تمتمت جليلة بخفوت شديد ولا تزال خائفة مما سيحدث بين ابنها وزوجها، وما يجعلها تخاف أكثر نظرة الإصرار التي رأتها داخل أعين جواد المعلنة عن تنفيذه لما يريده واستحالة تراجعه. هي تعلم ابنها جيدًا كما تعلم أيضًا استحالة موافقة زوجها على تلك الزيجة:

"ا… ارتاح يافاروق أنت لسه راجع من برة، أنا هتكلم مع جواد ونشوف بس براحة، أنت عارف العند مش هيعمل حاجة، بعدين هو ممكن قال كدة عشان البنت صعبت عليه لأن مديحة ضربتها جامد، هكلمه ونشوف." برطمت مديحة سرًا بغيظ دون أن تجعلها تستمع إليها: "هو في حد مبوظه ومدلعه على الكل غيرك." صعدت نحو غرفتها هي وابنتها بغضب عارم غير راضيين لما حدث منذ قليل، كل منهما يريد التفكير في حل سريع لإنهاء ما حدث مسرعًا.

في الغرفة كانت أروى تسير ذهابًا وإيابًا بغضب عارم، تود الذهاب والتخلص من رنيم التي تأكدت من حب جواد لها. تطلعت نحو والدتها وأردفت بغضب عارم: "يعني إيه ياماما، يعني إيه الكلام اللي جواد قاله تحت دة، جواد هيتجوز البت دي." صمتت لوهلة مشيرة بسبابتها نحو ذاتها بغرور: "بقى يسيبني أنا أروى الهواري ويبص لواحدة *** زي دي… دي مجرد واحدة خدامة هنا."

تمتمت مديحة بعصبية محاولة أن تجعلها تهدأ وتصمت ولو قليلًا حتى تستطيع التفكير فيما ستفعله لتفشل تلك الزيجة قبل أن تتم: "اهدي بقى شوية، مش ناقصين كلامك دة، اسكتي خالص خلينا نفكر." جلست أروى أمامها بغضب يملأ كل ذرة بداخلها، لا يزال حديث جواد يرن داخل أذنيها وتمسكه بها أمامهم بالأسفل: "أهو ياماما قعدت، هنفكر إزاي دة وقف قدام أبوه عشانها وعشان يتجوزها، مبقاش في إيدينا حاجة." تطلعت مديحة أمامها بمكر شيطاني وتمتمت

بصوت يملؤه الخبث والشر: "لأ يا أروى، لسه في إيدينا عمك فاروق عمره ما هيوافق على الجوازة دي واحنا مش هنسكت ولا هنسيب جواد يقدر يقنعه." عقدت أروى حاجبيها متسائلة بعدم فهم من حديث والدتها الملئ بالألغاز المشفرة المعقدة بالنسبة إليها وإلى كل من يستمع إليها: "مش فاهمة حاجة ياماما!؟ أنتي قصدك إيه ناوية تعملي إيه؟!

بدأت تشرح لها ما تود فعله حتى تمنع حدوث زيجة جواد ورنيم التي تراها حية قد خطفت جواد من ابنتها، لكن في الحقيقة هي لن تفعل ذلك. جواد أحبها منذ زمن، قبل زواجها وهو يحبها في صمت، بل قرر التخلي عن صمته الآن عندما أُتيحت له الفرصة، مقررًا استغلالها بكل قوته ليصل إلى ما يريده، شاعرًا أن ربه قرر أن يجمعهما معًا. استمعت إلى حديث والدتها الخبيث الذي يشبهها، مبتسمة بسعادة تشجعها على أفكارها التي تشبه نواياهما:

"معاكي حق ياماما، حلوة أوي الأفكار دي، لما نشوف عمو هيعمل إيه." أكملت حديثها بوعيد والغيظ يملؤها، شاعرة بنيران داخل قلبها من رفضه لها وتقليله من شأنها: "بس وربنا ياماما، ما هسيبه، أنا هخليه يعرف أنا مين وإزاي يرفضني كدة وقدام الكل يقول إنها زيي زي أخته، هوريه أخته بقى على حق، هو فاكر نفسه مين."

أيدتها مديحة على الفور، هي التي زرعت بداخلها تلك الأفكار الخبيثة، هي مَن جعلتها ترى الأمور مثلها. تود فقط الحصول على ما تريده وتنفيذ ما يجعلها سعيدة بلا اهتمام بمشاعر الآخرين. في الصباح الباكر توجهت جليلة إلى غرفة جواد، دقت فوق الباب بتوتر متمنية أن يكون قد تراجع عن حديثه، فالأمس لتهدأ أمور العائلة التي انقلبت رأسًا على عقب بسبب حديثه. لاحظت أن فاروق لم ينم من ليلة أمس بعد علمه بحديثه وما يريد فعله.

دلفت الغرفة بهدوء بعدما أتاها رده سامحًا لها لتدخل، كان يعلم أنها هي بالطبع وينتظر قدومها منذ المساء. هو الآخر لم يستطع أن ينام يفكر طوال الليل فيما سيفعله مع والده الذي يعلم جيدًا أنه يعارضه بشتى الطرق الممكنة، وأيضًا يفكر في حديثه معها كيف سيجعلها تتراجع عن رفضها وتوافق بالزواج به، بذلك الحلم الذي يتمناه دومًا منذُ أن رآها وعشقها قلبه الذي لم يتمكن من نسيانها لوهلة واحدة إلى الآن.

قطع جميع أفكاره عندما دلفت والدته التي جلست بجانبه بهدوء متسائلة بجدية وعتاب: "ينفع كدة يا جواد؟ ينفع اللي عملته امبارح دة، وازاي قدرت تقول كدة؟ دي عدتها لسه مخلصتش حتى! اعتدل في جلسته أمامها ورد عليها بجدية هو الآخر، شارحًا لها موقفه كما يفعل دومًا: "اه ينفع دلوقتي، مفيش حاجة غلط، اللي مينفعش إني أضيعها من بين إيديا تاني، أضيعها وأسكت، طب إزاي هقدر؟

أسيبها لمرات عمي وبنتها يعملوا فيها زي ما عملوا امبارح واتفرج عليهم وأسكت؟ لأمتى هفضل ساكت بس." شعرت بما يشعر به من نبرة صوته المجهدة التي عكست جميع مشاعره المضطربة، لكنها حاولت معه مرة أخرى بتعقل: "محدش هيعملها حاجة تاني، أنا هتصرف وترجع عن حوار جوازك دة ونقفل الباب بتاعها خالص، شوف حياتك بعيد عنها ومش هخلي أبوك يقولك على أروى كمان، لأ اختار أنت اللي يعجبك."

تطلع داخل عينيها بتعب حقيقي، قلبه لم يستطع الابتعاد أكثر من ذلك، كيف يبتعد عنها وهو يراها كل يوم؟ كل يوم يود أن يحتضنها ويجلس يتحدث معها يبوح لها بالعديد، العديد من الحديث الذي لم يخبره لأحد سواها. غمغم يرد على حديث والدته بتعب حقيقي: "مش هقدر يا أمي ولله ما هقدر، لا هقدر أختار ولا أشغل غيرها، أنا الحب كله متوزع ليها، مقدرش أشوف غيرها، كنت اتجوزت أي واحدة في الفترة دي لو الأمر سهل كدة."

من يرى حالته الآن لم يصدق أنه هو جواد الهواري الذي يقف بشموخ يعطي التعليميات بصرامة للجميع. هو الآن يشعر بالضعف لأجلها، يا له الابتعاد من صعب، فقد قهر قلبه حقًا. لم تستطع جليلة أن ترى ابنها وهو في تلك الحالة، أسرعت تحتضنه بضعف وبكت هي الأخرى: "خلاص ياحبيبي اهدى، أنا هحاول ولله مع أبوك هحاول معاه، وتتجوزها، ما عاش ولا كان اللي يعمل فيك كدة."

طالعها بضعف حقًا يظهر أمامها جميع مشاعره الذي يخفيها عن الجميع، وغمغم بجدية وإصرار محاولًا التحكم في ذاته قليلًا: "أنا هتجوز رنيم، عرفيه إن مش هقعد هنا ولا في أي حتة في البلد دي غير ورنيم مراتي، أنا مش عيل عشان حد يختارلي مراتي." شهقت بصدمة بعد استماعها لحديثه مردفة بعدم تصديق: "إيه يا جواد اللي بتقوله دة؟ إيه دة اللي مش هتقعد في البلد؟ أنا عارفة إنك بتحبها بس هي مش نصيبك فخلاص مش هتعاند مع نصيبك."

أجابها بجدية تامة والإصرار يلتمع في عينيه متمسكًا بحديثه وما يود فعله: "لأ في الحالة دي هعاند وهعاند الكل، فاروق بيه مش موافق عشان مكانته مش عشاني يا أمي، لو بيدور على مصلحتي كان زماني متجوز رنيم من زمان، لكن هو إزاي يجوز ابنه لواحدة زيها؟ عاوز واحدة ليها اسم وعيلة، وأنا مش هسيب رنيم تاني تضيع مني وأقعد أتفرج وأنا بموت كل يوم."

طالعته بصمت لا تعلم بما تجيبه. هي آخر شيء تريده هو وقوفه أمام والده، لن تتحمل أن يحدث شيء هكذا. تنهدت بصوت مجهد مرتفع وأجابته بهدوء لتحاول تهدئة الأمر: "طب اهدى يا جواد، الأمور مش بتتاخد كدة، بعدين مهما حصل دة أبوك ياحبيبي، والبنت قالت امبارح إنها مش موافقة ولا هتغصب عليها." هي الوحيدة التي لم تستطع أن يجبرها على أي شيء. لذلك أردف بجدية: "هتكلم معاها ياماما وهشوف."

أومأت باقتناع وتمتمت هي الأخرى بجدية مقررة المحاولة مع زوجها بعدما تأكدت من إصرار جواد وعدم تراجعه عن قراره: "أنا هكلم فاروق وهحاول معاه تاني، هيوافق بإذن الله." احتضنته بحب وحنان أبوي دومًا تعطيه لأولادها وجواد بالتحديد لتعوضه عن بعد وحدة فاروق معه، مقررة أن تحاول مع فاروق لعلها تنجح في تغيير رأيه بمحاولاتها.

كانت رنيم في غرفتها واقفة أمام المرآة تتطلع على ذاتها ولا تزال تفكر في حديث جواد الذي دار أسفل. هل حقًا يود الزواج بها؟ بالطبع لم يفعل كل ذلك شفقة عليها لأجل ما حدث لها من مديحة أمامه. هي لم تستحق الحب ولا أي شيء لأجلها. لن تبقى أنانية وتفكر في ذاتها فقط، ستظلمه معها. كيف ستجعله يتزوج من فتاة مثلها؟

هو يستحق الأفضل. هي فقدت جميع مميزاتها، أصبحت بلا روح ولن يوجد أحد يستطيع أن يجعل روحها تعود إليها من جديد. فقدت جمالها أيضًا، فبالرغم من شفاء عدة جروح، لكن هناك بعض العلامات الدائمة على جسدها، علاماته التي تكرهها وتتمنى التخلص منها. كما فقدت أهم شيء على يدها، فقدت أمومتها أيضًا. كيف ستجعله هو يعيش معها كل ذلك الألم والعذاب؟ لن تكون هكذا، بل ستظل حاملة جميع وجعها وحزنها في قلبها محتفظة به لذاتها هي فقط.

تفاجأت بجواد يقف خلفها يطالعها بصمت. نعم، هي رأت انعكاس صورته في المرآة. التفتت نحوه مسرعة، وتمتمت متسائلة بقلق: "جـ…. جواد باشا، هو في حاجة عشان تدخل كدة." كان يقف يتطلع نحوها في جميع تفاصيلها، يتطلع في ملامحها الهادئة الخلابة التي تسحره، عينيها المتيم في عشقهما وكأنهما عالم آخر يدلف به ما أن يتطلع بهما. كما يرى أيضًا بغض آثار لصفعات زوجة عمه أمس التي أغضبته كثيرًا.

كان تائه بها في دنيا أخرى متخيلها معه دومًا منذ زمن وهو ينتظرها. لكن هل سيظل ينتظر فقط بلا نتيجة أم سيحترق قلبه بلوعة الانتظار؟ حاول أن يستجمع ذاته جيدًا أمامها، مردفًا بجدية وتعقل: "أنا جاي عشان عاوز أتكلم معاكي، وبعدين والله أنا لقيت الباب مفتوح وخبطت، انتي كنتي واقفة زي ما انتي ومردتيش فدخلت." ابتسمت بهدوء ابتسامة مصطنعة لم تتخط شفتيها وأومأت برأسها أمامًا بجدية: "لأ عادي محصلش حاجة، قول اللي حضرتك عاوزه."

جلس فوق الأريكة، فتوجهت بجانبه تاركة بينهما مسافة وبدأ حديثه ببعض المرح ليخفض من توترها وخوفها الذي شعر بهما: "أول عشان نعرف نتكلم، بلاش باشا دي هتزعليني عشان دخلت شرطة، بقولك عاوز أتكلم معاكي عادي مش قابض عليكي." صمت لوهلة وتابع حديثه مرة أخرى متسائلًا: "هو أنا اسمي وحش أوي كدة مش عاجبك؟ حركت رأسها نافية وأجابته مسرعة: "لأ طبعًا اسمك حلو أوي ولله." عقب على حديثها بمرح مرة أخرى: "طب امال إيه باشا دي؟

عاوز أعرف أتكلم، قولي جواد بس." أشارت له ليتحدث مردفة بهدوء وبعض من الخجل تنفذ ما طلبه لتجعله يتحدث بما يريد: "طب اتفضل اتكلم يا جواد." ابتسم معجبًا باسمه عندما يستمع إليه منها، لكنه أسرع محمحمًا بجدية حتى لا يزعجها، فسألها بهدوء: "هو انتي ليه قولتي امبارح إنك مش موافقة تتجوزيني." هربت من عينيه ونظراته المحيطة بها متطلعة أرضًا بخجل وأجابته بتوتر:

"أنا مش موافقة… ومش بفكر في الجواز أصلا، وبعدين مش محتاجة شفقة، اللي حصل امبارح من مديحة هانم، أنا متعودة وكان بيحصلي أسوأ من كدة منهم كلهم، فشكرا ليك." استشعر كم الحزن والألم الشاعرة بهم، يود الانتقام من الجميع والثأر لحقها، لكنه حاول أن يظل هادئًا حتى يستطيع تكملة حديثه معها، فسألها مرة أخرى متعجبًا من حديثها عليه: "ومين قالك أصلا إن أنا عاوز أتزوجك شفقة؟

ما لو كدة كان ممكن أشوف أي حل تاني، هقف قدام أبويا والكل عشان شفقة مثلا." شعرت بالتوتر من حديثه، هاربة من نظراته التي تعلن حبه لها، تدعي جهلها لتفسيرهم حتى تتهرب من وجع قلبها، وتمتمت متسائلة هي الأخرى مدعية عدم الفهم: "ا… أنت قصدك إيه؟ بعدين عاوز تتجوزني ليه لما هو مش شفقة…" ابتسم بثقة عالمًا ما تفعله الآن، لكنه رد عليها بمهارة: "عشان حاجات كتير أوي، بعدين انتي رافضة ليه؟ ماتديني فرصة وتجربي؟ هتخسري إيه؟

أجابته بضعف وقد اجتمعت الدموع داخل مقلتيها بحزن: "أ… أنا معنديش حاجة أخسرها، ولا عندي حاجة أجرب بيها برضو، أنا مستنية موتي بس." ربت فوق يدها بحنان ورفع وجهها إلى أعلى حتى يجعلها تتطلع نحوه لترى حقيقة مشاعره نحوها، نظراته التي تخبرها بكم العشق المتواجد لها، تخبرها أنه عاشق ولهان متيم بها. رد عليها بنبرة عاشقة بصدق:

"عندك حاجات كتير، أنا أصلا مش محتاج غيرك، أنتي عندي بالدنيا كلها يارنيم وبجد ولله مش بضحك عليكي، أنا مفيش حاجة عندي أهم منك، بعدين لو مش مرتاحة بعد الشر يعني هبعد ونتطلق." سالت دموعها عنوة عنها فوق وجنتيها بضعف وحزن ونهضت مسرعة توليه ظهرها بحزن خافية دموعها من أمام عينيه، مردفة بضعف وعجز يقطع في قلبها حتى كاد يفتك به:

"جواد أنا خسرانة كل حاجة، أنا حتى عمري ما هخلف تاني من بعد ما سقطت، أنا مش هبقى أم طول حياتي، جسمي كله مشوه، فيه حاجات كتير أنت مش هتقدر تستحملها، بلاش أنا وبلاش توجعني، أنا مش ناقصة." لأول مرة يعلم بعدم قدرتها على الإنجاب نهائيًا، لكنه حاول أن يخفي صدمته حتى لا يجرحها، ووقف خلفها بحزن لأجلها، لأجل نبرة صوتها المقهورة العاجزة، وضع يده فوق كتفها بحنان مردفًا به: "أنا ميهمنيش كل دة يارنيم، بعدين عيال إيه؟

هو في عيال أحلى منك، جربي تديني فرصة ومش هتندمي لحظة، بلاش تيجي عليا أنا." طالعته بضعف لم تنكر مشاعرها له التي لم تقل مع مرور الوقت عليها، بل ازدادت. تلك المشاعر هي التي تجعل قلبها ينبض للآن، لم يتوقف بعد كل ما يحدث لها. لكنها تمتمت بخفوت خائفة مما سيحدث إذا وافقت: "بـ… بس بس يا جواد، إزاي فاروق بيه مش موافق ومحدش هيوافق بعدين الكل معاه الحق، أ… أنا منفعكش ولله فكر كويس." كيف يخبرها أن لن يهتم بالجميع؟

الآن بالتحديد هو لم يهتم ولن ينتظر مثلما فعل في المرة السابقة. لكنه أجابها بتعقل وهدوء: "محدش هيقدر يقولي حاجة، بعدين أنا اللي هتجوز، هو فاروق بيه هيتجوز معايا، ولا أنتي مش واثقة فيا؟ ضحكت بخفوت وحذر خوفًا من أن يستمع إليها أحد وأجابته مسرعة بهدوء: "لأ طبعًا متقولش كدة، أنا واثقة فيك، أنا بس مش عاوزة مشاكل."

هي لم تثق بأحد سواه في الدنيا بأكملها. تراه رجل حقًا به جميع الصفات التي تجعله رجل تثق به وتستند عليه، واثقة تمامًا أنه سيتحملها ويظل معها بلا ملل، سيتحمل جميع الأشياء التي تنقصها. هي لن ترى مثله في حياتها. طالعها مبتسمًا بهدوء ليجعلها تطمئن وأجابها بثقة: "لأ متخافيش مفيش مشاكل، أنتي بس وافقي."

كانت لا تزال خائفة مترددة، لم تريد أن تظلمه معها. تود اقترابه منها وحنانه عليها بالطبع، لكنها أيضًا تخشى أن تظلمه معها، لذلك لم تستطع الرد عليه، فضلت الصمت. كان يعلم ما تفكر به جيدًا، لذلك مسك يدها بحنان وعاد حديثه مرة أخرى ليجعلها تثق به: "رنيم أنا مفيش حاجة فارقالي ولله العظيم غيرك، بعدين أنتي لو موافقتيش أنا كدة عمري ما هتجوز خالص، وإلا كنت عملتها من زمان، يرضيكي متجوزش بذمتك، دة أنا حتى بعرف أشيل أوي."

ضحكت بصوت صاخب متذكرة تلك الكلمة لأول مرة عندما أخبرها بها، وبعدها رفعها فوق ذراعه عاليًا. تاهت داخل عينيه بضعف وأومأت برأسها بصمت وهي لا تزال تائهة، لم تستطع تحديد موقفها، لكنها تود البقاء معه طيلة حياتها القادمة، متمنية أن يظل بجانبها هو ولم يمل منها وهلة واحدة. لكن في ماذا تفكر تلك الحمقاء؟

هو يمل منها لو كان سيفعلها لكان فعلها عندما كانت بعيدة عنه، لكنه انتظرها رغم علمه باستحالة وجودها معه، لكنه ظل على أمل عودتها له. تحدثت مديحة بمكر أمام فاروق بعدما تأكدت من عدم استماع أحد إليهما: "يعني إيه يافاروق اللي المحروس ابنك عمله؟ أنت هتسكت عاللي حصل." تنهد بغضب عارم، فآخر شيء يود استماعه الآن هو حديثها الذي سيجعل غضبه يزداد. أجابها بحدة مشددًا فوق كل حرف يتفوهه لها:

"مديحة اهدي شوية، أكيد مش هسكت ولا هوافق على كل دة، بس لازم أفكر كويس عشان أعرف أتصرف." مصمصت شفتيها وأضافت ساخرة بتهكم: "هتتصرف ولا هتمشيله اللي هو عاوزه طول ما جليلة معاه وواقفة في صفه." هدر بها بعنف حاد عالمًا جيدًا ما تحاول الوصول إليه من خلال حديثها الماكر: "مديحة بلاش كلامك دة، بعدين جليلة ملهاش دعوة بكل اللي بيحصل، مش كل شوية تجيبي سيرتها." شعرت بالغيرة والغضب من دفاعه عنها، فتمتمت بحدة هي الأخرى:

"مش هجيب سيرة السنيورة جليلة هانم، بس جواد لو متجوزش أروى فيها كلام تاني، هيزعلنا كلنا، مش بنتي اللي هيتعمل فيها كدة." تنهد بضيق مشيرًا لها نحو الباب بغضب يغلي بداخله، مردفًا بلهجة حادة حازمة: "مديحة أنا بقول تخرجي دلوقتي عشان مش فاضي، اتفضلي وأنا هتصرف."

خرجت شاعرة بالغضب وعدم رضا، عالمة أنه لن يستطيع فعل شيء أمام جليلة بالتحديد، متذكرة كيف عارضهم على كلية الشرطة لكن جليلة نجحت في النهاية لجعل الأمور تهدأ وتغيير رأيه، شاعرة بالغضب منها خوفًا من إفساد مخططاتها. جلست جليلة بتوتر تحاول التحدث مع فاروق لتجعله يوافق ويتراجع عن رفضه: "يا فاروق جواد عاوزها حرام نحرمه منها، وبعدين مصمم ومش هيسيبها، سيبه يجرب دي حياته." صاح بها رافضًا بعدم اقتناع لحديثها المدلل كما يرى:

"يعني إيه انتي واعية للي بتقوليه يا جليلة؟ دي متجوزة قبل كدة وغير دة كله في الآخر عاوز جواد الهواري يتجوز واحدة زي دي؟ دة جنان." رغم خوفها من عصبيته وغضبه السريع تحدثت مرة أخرى بتوتر: "يـ…. يا فاروق طول ما أنت بترفض كدة هو مش هيسمع كلامك، جواد مش عيل دة راجل ليه حق يختار مراته زي ما هو عاوز ويجرب، هو عاوز دي يجرب معاها لو مرتاحش خلاص مش هيحصل حاجة." صمم على رفضه التام المانع لأي محاولة منها لتغيير

رأيه أو التأثير عليه: "جليلة كلامك دة مش هيعمل حاجة، بلاش انتي توافقيه وتسانديه المرة دي، أنا مش موافق يبقى الجوازة دي مش هتتم أبدًا." لن تستطيع الصمت لعلمها بمدى إصرار جواد تلك المرة، فتمتمت بخفوت وحزن:

"لأ يا فاروق دة مش عيل عشان تقول كدة، ابنك راجل وليه حق يختار، بعدين لو متجوزش البت دي ممكن يسافر وأنا مقدرش أستحمل بعده عني لحظة واحدة، بلاش تقسى عليه يافاروق سيبه يجرب لو نجح أو فشل الحوار راجعله، كدة كدة دة ابنك وأنا عارفة إنك عاوز سعادته، هو شايف إن سعادته معاها يبقى بلاش نقف إحنا ونمنعها."

شعر بالغضب بعد استماعه لحديثها المتمرد عما يريد، وغمغم بشرود حاد يملؤه الغضب وعدم الاستسلام والخضوع لذلك الأمر، لكنه غير واعٍ لما يتفوهه أمامها: "ماهو مش بعد كل اللي عملته عشان أبعد البت دي عنه من زمان يجي يتجوزها دلوقتي؟ لأ مستحيل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...