بدأت أجواء الخطوبة تسخن، أغاني شعبية ومهرجانات، والكل فرحان. سارة واقفة مع صحابها حوالين ندى، وبيّرقصوا معاها. فجأة، الأغنية اللي كانت شغالة وقفت، واشتغلت أغنية صعيدي مشهورة. سارة اتفاجئت بأصحاب حيدر وهم بيشدّوه ناحية الستيج، ومعاهم عصاية خشب علشان يرقص صعيدي على الأغنية. في الأول كان رافض، لكن مع إصرارهم وافق. انطلقت أول نغمة من الأغنية... "الصعيدي دايمًا ريس! " لمحمود الليثي.
وهنا، حيدر مشي خطوات هادية شبه دائرية على الستيج... ماسك العصاية الخشب بإيده، بيهزّها بخفة وثبات. كل حركة ليه كانت محسوبة، لفّ بالعصاية، ولفّت معاه قلوب الناس. الأرض اتدقّت تحت رجله مرتين، لما رتم الأغنية بدأ يعلي مع كوبليه: "الصعيدي دايمًا ريس... عشان متربي كويس" "مستشار، محامي، ودكتور، طيار، وظابط، ومهندس" بدأ يحرك العصاية بسرعة ومهارة، كل عضلة في جسمه عارفة بتعمل إيه كويس، ورغم كده محافظ على هيبته الطاغية.
وجهه هادي، وابتسامته واثقة، وكل حركة بالعصاية فيها فخر وشياكة. الناس بتزغرد حواليه، وصاحبه واقف بيضحك من قلبه، وسارة بتبص له بدهشة، وكأنها أول مرة تشوف حيدر بالشكل ده... مزيج بين القوة والأصل. بعد الأغنية ما خلصت. نزل حيدر من على الستيج وهدير التصفيق لسه بيرن في القاعة. أنفاسه كانت لسه سريعة من المجهود، وقميصه الأبيض ملتصق بجسده من العرق، وعلى كتفه جاكيت البدلة، نظرات البنات عليه.
بيتهامسوا بإعجاب كل واحدة بترسم في خيالها إنه من نصيبها. وفي إيده إزازة ميه بيشرب منها وهو بيضحك من قلبه مع أصحابه. عن غير وعي، وسط ضحكه، عيونه بدأت تدور تدور... تدور على حد معين. ماخدش وقت طويل، شافها.. سارة. واقفة في ركن هادي في القاعة، سابحة في منظر البحر من الشباك، بعيدة عن الصخب والزغاريد والمزيكا. ابتسم، بس قبل ما يحوّل نظره، قلبه انقبض فجأة. إحساس غريب، فطري، زي تنبيه داخلي بيصرخ فيه: في حاجة غلط.
بخبرته كضابط، عيونه بدأت تمسح المكان من جديد، بتدور على مصدر الخطر.. ولقاه. في زاوية مظلمة في القاعة، شاف الملثم، اللي كان واقف بهدوء مريب... وفي إيده سلاح. لكن الصدمة الأكبر، إنه كان مصوّب السلاح ناحيته هو. تجمّد حيدر لثانية، لكن عيونه لمحت حاجة تانية... الملثم بيبتسم. ابتسامة خبيثة، باردة. وببطء، حرّك السلاح ناحية تانية... ناحية سارة. ضوء أحمر خفيف ظهر على فستانها من الليزر، مركز، ثابت... حيدر ما فكرش، ما حسبهاش...
في لحظة، كان وصل عندها، وقف قدامها، بيحجبها بجسمه، ولسه أنفاسه متسارعة. سارة بصّت له باستغراب، همست: "في إيه يا... لكنها ماكملتش. دوّى صوت طلقة. المزيكا وقفت. القاعة كلها اتجمّدت. الكل بص حواليه يدور على مصدر الصوت... ضربة نار. بس فيه واحدة بس عرفت الحقيقة فورًا. سارة. حسّت بجسم حيدر وهو بينتفض قدامها... عنينهم اتقابلت، وشافت الصدمة والألم في نظرته. نزلت عيونها... شافت قميصه الأبيض، والد*م بدأ ينتشر عليه. قبل ما يقع،
همس باسمها: "سارة... الناس لسه بتتسائل، بتدور، مش فاهمين الطلقة جت في مين. بس صرخة واحدة قطعت الصمت .. صرخة سارة ملأت القاعه: "حيدرررررررر! *** أمام غرفة العمليات. صوت العجل بيدوس في أرض المستشفى، والإضاءة الباردة في الممر ماكنتش مريحة. نُقل حيدر على نقالة وسط جري الأطباء والممرضين، وسارة ماشية وراهم، عنيها مش قادرة تزوغ من الدم اللي على قميصه الأبيض. وصلوا لباب العمليات... قال الدكتور بحدة: "ممنوع حد يدخل!
سارة اتجمّدت مكانها. هي جرّاحة، آه، لكنها في اللحظة دي ماكنتش دكتورة... كانت مجرد بنت قلبها بيتقطّع على إنسان بتحبه، ومش قادرة تعترف بده حتى لنفسها. قعدت على الكرسي جنب الباب، ووشّها مدفون في كفوفها، وصوت شهقاتها مخنوق. ندى كانت قاعدة جنبها، بتحاول تهديها وهي بتخفي دموعها بصعوبة. حسن كان واقف قدام باب العمليات، عنيه مثبتة عليه كأنه مستني يفتحه بإيده. الساعة عدّت ١٢ بالليل، وماحدش خرج.
الممر بدأ يفضى، بس هم لسه قاعدين... مستنيين خبر واحد. موبايل سارة رن... كان "والدها". ردّت بصوت واطي مهزوز: "بابا، أنا... أنا في المستشفى. حصل حادثة... حد اتصاب في الفرح، وماقدرتش أسيبه." كان قلبها مش طايق يقول اسمه. وأخيرًا... اتفتح باب العمليات. خرج الدكتور، وعلى وشه تعب وإرهاق، لكن نبرة صوته كان فيها طمأنينة: "عدّى مرحلة الخطر... الطلقة كانت على بعد سنتي ونص من القلب. لو كانت أقرب شوية، كان الوضع اختلف."
الكل تنفّس بارتياح. سارة نزلت على الأرض وهي بتعيط، ماقدرتش تمسك نفسها. ولما وصل والدها، حضنها، وهي بتبكي في حضنه زي طفلة، هو اللي باقيلها في الدنيا بعد وفاة والدتها. نقلوا حيدر لغرفته، وقال الدكتور بهدوء: مش هيفوق دلوقتي... الأفضل تروحوا ترتاحوا، وجودكم هنا مش هيفرق دلوقتي. والد سارة أخدها وراحوا، بعد ما كانت على مشارف إنها تفقد الوعي من التعب.
لكن خالة حيدر، اللي كانت لسه وصلة بعد ما أُغمى عليها في القاعة لما شافته غرقان في دمه، قالت بحزم وهي بتحضن ابنها حسن: "لا يا دكتور، أنا مش ماشية... دي أول ليلة ليه بعد اللي حصل، مش هسيبه." وحسن وافقها: "وأنا كمان... هافضل معاه." *** اليوم التالي –غرفة حيدر. الضوء كان خافت في الغرفة، وجهاز المونيتور بيصدر صوت منتظم.
خالته قاعدة على كرسي جنب السرير، وإيدها ماسكة مسبحة صغيرة بتعد بيها في صمت، بينما حسن واقف عند الشباك بيبص برا بقلق. وفجأة، صوت واطي خرج من حيدر. همسات غير مفهومة، كأنه بيحلم... "سارة... اسمها خرج بنغمة شبه تنهيدة، مشحونة بإحساس. خالته رفعت راسها بسرعة. "هو قال إيه؟ حسن لفّ ناحيته وبصله باستغراب. "قال اسم؟ حيدر، وهو مش في وعيه، ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا. ابتسامة فيها خبث ناعم، كأن في حلم حلو شافه، أو ذكرى لسه بتدفيه.
كررها تاني، أو يمكن كانت مجرد نفس: "... سارة." خالته بصت لحسن، وقالت بخبث أمومي: "واضح إن الولد ده مش كان في غيبوبة أوي... ده قلبه صاحي أكتر من عقله." ضحك حسن بهدوء، وهو بيقرب من السرير. "لو نطق اسمها تاني، نبعت نكتب الكتاب على طول." وبعد ساعات قليلة، فتح حيدر عينه. غمضها وفتحها تاني، كأنه بيجاهد بين الوعي والغيبوبة. شوية بشوية، بدأ يستوعب المكان، والجهاز، وأنفاسه. "أنا... فين؟ حسن قرب بسرعة،
وقال بارتياح: "في أمان يا بطل... المستشفى. عدّت مرحلة الخطر." خالته قربت، ولمست جبينه بحنان: "الحمد لله، يا قلب خالتك... كنت هتموتنا عليك." ابتسم حيدر بخفة وهو بيحاول يتحرك، لكنه تألم، فسكت، وقال: "سارة... وقف للحظة كأن بينده على اسمه جوا عقله. بس قبل ما حد يرد، الباب اتفتح. ودخلت سارة ومعاها والدها. الغرفة سكتت للحظة.
سارة كانت لابسة لبس بسيط محتشم، وحجابها مربوط بنعومة، ووشّها باين عليه التوتر والارتباك، بس في نفس الوقت فيه راحة لما شافت عينيه مفتوحة. خالته بصّت لها من فوق لتحت، بنظرة فيها إعجاب واضح. ولمّا سارة سلمت عليها بأدب، خالته لمست إيدها وقالت: "إنتي سارة؟ سارة استغربت، لكن ردت بابتسامة خفيفة: "أيوه." خالته بصّت لحيدر، وبعدين لسارة تاني، وهزت راسها بفهم، وقالت بخبث: "كنت في باله حتى وهو مش واعي... ما قالش غير اسمك."
سارة احمر وشّها، ووالدها بص لها باستغراب خفيف، لكن حيدر، وهو لسه تعبان، ابتسم نفس الابتسامة اللي كانت طالعة منه وهو بينطق اسمها ومن جواه كان بيقول: "على الأقل كنت بفكر في حاجة حلوة وأنا بموت." سارة كانت واقفة جنب السرير، بتحاول تبين إنها متماسكة، لكن عنيها كانت مش قادرة تخبي فرحتها بإنه فاق. والدها تقدم خطوة، وبصّ لحيدر نظرة مليانة امتنان واحترام. قال بهدوء ونبرة فيها تأثر: "أنا مش عارف أشكرك إزاي يا بني...
إنت أنقذت حياة بنتي." حيدر ابتسم وهو بيغمض عينه لحظة كأنه بيحاول يخفف من قيمة اللي عمله: "أنا عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله، يا عمي." رد الأب بحزم: "لأ، مش أي حد. اللي عملته مش بس شجاعة... ده كان تضحية. وبعدين اتكلم بغضب: والحمدلله اللي عمل كده اتجاب قبل مايهرب وعرفنا هو مين ودلوقتي هو في السجن وهيتحكم عليه وانشاء الله يقضي عمره في السجن." سارة رفعت راسها بسرعة، مبهوتة: "مين يا بابا؟!
والدها قال بصوت هادي: "التحريات أثبتت إن الملثم كان حسن، اللي حاول يعتدي عليكي، وحيدر ضربه وكان عايز ينتقم... بس المرة دي، كان ناوي يخلص عليكي." سارة شهقت بخضة، وإيدها غطت شفايفها. أما حيدر فوشه شد، وعيونه بقت فيها نظرة حزن وغضب ممزوجين. "كان لازم أعرف إن الموضوع ما خلصش." قالها بصوت واطي، وكأنه بيكلم نفسه، "كان باين من نظرته." وبعدين اتكلم بحيرة: "بس حضرتك عرفت إنه اتمسك ازاي وانه هيتحكم عليه، انت تعرف حد في الشرطة؟
سارة ابتسمت بفخر وقالت: "بابا كان عقيد سابق." حيدر بصدمة: "معقول؟! وحضرتك طلعت على المعاش من امتي؟ شكلك لسه معداش الستين! حضرتك قدمت استقالتك أو قدمت معاش مبكر. سارة سكتت بحزن وذكريات كتير جت على بالها من سؤال حيدر عن سبب استقالة أبوها، لكن أبوها اكتفى برد مختصر ونبرة صوته مليانة حزن: "ده موضوع يطول شرحه يا ابني، مش وقته دلوقتي، ارتاح انت." وبعدها... مر شهر. الدنيا هدأت وكل حاجة رجعت لطبيعتها... أو شبه طبيعتها.
سارة غرقت في شغلها في المستشفى، جداول العمليات، الحالات الطارئة، والمناوبات الكتير ما كانتش سايبالها فرصة تفكر. حيدر هو كمان رجع شغله، تقارير، مهمات، وتدريبات... بس كل مرة بيقف قدام المراية ويفكر في الرصاصة اللي كانت ممكن تنهي كل حاجة. بيبص للندبة في صدره ويفتكرها. حسن وندي كانوا بيجهزوا شقتهم، والفرح قرب. والضحك رجع للبيوت.
حياة الكل بدأت تستقر، بس رغم الزحمة والانشغالات، في قلبين كانوا لسه بيدوروا على فرصة يتقابلوا فيها... من غير خوف، ومن غير دم. ولكن .... الحياة مش دايماً وردي ومش كلها حب وضحك وقلوب. المشاكل جاية لا محالة، زي الضيوف اللي ما بيستأذنوش قبل ما يخبطوا على بابك... تيجي فجأة وتغير كل حاجة. في واحدة من مهمات حيدر، اتصور فيديو له وهو بيضرب واحد بعنف. الكاميرا كانت جايباه من زاوية خلت المشهد يبان قاسي جداً...
من غير صوت، من غير سياق. بس الصورة كانت كفاية عشان تولع الدنيا. الصحافة اشتغلت، والسوشيال ميديا ما رحمتش، والفيديو انتشر بسرعة الصاروخ. لحد ما وصل لمستشفى صغيرة في المدينة... ووصل لسارة. واحدة من الممرضات كانت مشغلة الفيديو وهي بتقول: "مش ده حضرة الظابط حيدر العطار، اللي كان هنا قبل كده؟ سارة استغربت، لأنها مش من النوع اللي بيتابع الأخبار ولا السوشيال ميديا، وما كانتش لسه تعرف حاجة...
بدأت تتفرج، لحظة بلحظة، وعينيها بتتملي دموع. مش دموع صدمة بس... لأ، كانت دموع ذكريات. اللحظة دي فتحت في دماغها أبواب مقفولة من سنين. افتكرت نفسها وهي صغيرة... في أوضة ضلمة... والضرب بينزل عليها زي الرعد. وش الخاطف اللي كان بيعذبها رجع قدام عينيها... وفجأة، الوش اتبدل وبقى وش حيدر. إيدها بدأت ترجف، وقلبها دق بعنف. هو؟ بعد ما كانت بدأت تحس بالأمان جنبه؟ بعد ما وشه بقى عندها رمز للنجاة؟ اتبدل كل شيء... وبدأت تخاف منه...
زي ما كانت بتخاف من اللي فات. ما كانش فارق مع حيدر لا إشاعات، ولا صحافة، ولا فيديوهات متفبركة. هو عارف هو عمل إيه... وعارف أكتر إيه ما عملوش. كان عارف ان أكيد الفيديو هيوصلها، مش عارف هي هتاخد فكرة عنه عاملة ازاي وعشان كده قرر بدون تفكير إنه هيروح المستشفى ويحكيلها كل حاجة. دخل المستشفى بخطوات ثابتة، عينه بتدور عليها وسط الممرات. ولما لقاها... كانت واقفة جنب الشباك، ضهرها ليه، وكتافها مرخيين كأنهم شايلين سنين.
"سارة... قالها بصوت هادي، لكن قلبه كان بيخبط في ضلوعه. لفتت له ببطء، ولما عينها جات في عينه... كأن الدنيا كلها وقفت لحظة. "أنا ما عملتش اللي في الفيديو... فيه حاجات ما ينفعش تتقال على الكاميرا. بس أنا... مش بالشكل اللي هم بيقولوه." هي ما ردتش... عينيها بس كانت بتلمع، شفايفها بتترعش. وفجأة، انهارت... قعدت على أقرب كرسي، وحطت وشها في إيديها، وقالت بصوت مكسور:
"أنا اتخطفت وأنا صغيرة… ما حدش يعرف غير أمي الله يرحمها وأبويا." رفعت عينيها ليه وهي بتحاول تستجمع أنفاسها: "كانوا عصابة… بابا كان عقيد وقتها، ومسؤول عن قضيتهم. خطفوني علشان يضغطوا عليه… واتعرضت لضرب ما يتوصفش. كنت طفلة… بس عمري ما نسيت الوش اللي كان بيضربني، الوش اللي كنت بشوفه في كل كوابيسي." سكتت لحظة... وبصت له بحدة وخوف: "وشك يا حيدر… نفس الوش." هو اتجمد مكانه. مش قادر يتكلم... ولا قادر يبعد عينه عنها.
الوجع في كلامها كان صادق، وكان زي سكينة في قلبه. لكن جواه صوت تاني بيصرخ: "أنا مش هو." من بعد المواجهة الأخيرة، سارة اختفت. قدمت أجازة مرضية من المستشفى، وقفلت على نفسها باب أوضتها. لا بترد على مكالمات، ولا حتى ندى أقرب صاحبة ليها –قدرت توصل لها. كأنها قررت تختفي من الدنيا كلها. عدت الأيام بصمت خانق، لحد ما مر شهر كامل كان فيهم حيدر بيحاول يوصلها بكل طريقة لكنها قافلة كل الطرق.
لحد ما جه يوم جمعة، والجو فيه مختلف شوية. فتحت عينيها، وشهقت نفس طويل... كأنها بتقرر تقوم من رماد اللي حصل. قامت، دخلت الحمام، أخدت شاور طويل، ولبست حاجة بسيطة. جهزت الفطار والشاي، وخرجت تقعد مع والدها. ضحكة صغيرة اتسرقت منها، وهي بتشوفه بيشرب الشاي، كأنها بتحاول تتشبث بأي لحظة طبيعية. لكن لحظات الهدوء اتكسرت بخبطة على الباب. وقفت، قلبها دق بسرعة غريبة...
راحت تفتح بعد ما لفت حجابها، ولما الباب اتفتح، اتجمدت في مكانها. حيدر! عينهم تقابلت، ما بين صدمة، وشوق، وحيرة. قالت بصوت متلخبط: "إيه... إيه اللي جابك؟ قبل ما يرد، سمعوا صوت والدها من جوه: "مين يا سارة؟ ردت بسرعة وهي بتحاول تضبط نبرتها: "حضرت الظابط حيدر، يا بابا." خرج والدها، سلم على حيدر بترحيب شديد، وسأله يدخل. بص لسارة وقال بهدوء: "اعملي لنا اتنين قهوة، يا بنتي."
سارة راحت المطبخ، وقلبها بيدق، بتحاول تسمع اللي بيتقال... بس كل حاجة كانت هادية أكتر من اللازم. الحيطان مش بتنقل صوت... وده كان بيعذبها أكتر. في الصالون حيدر حكى كل حاجة. قال بوضوح: "أكيد سارة حكتلك كل اللي حصل... لكن أنا جاي أقول الحقيقة كاملة، من ناحيتي." والد سارة سكت شوية، وبعدين قال بصوت واثق:
"أنا مصدقك يا حيدر، كفاية إنك أنقذتها قبل كده، وخدت الطلقة مكانها. من وقتها وأنا عارف إنك ظابط كويس. بس أنا اللي هقولك الحقيقة يا ابني مش انت، وليه سارة واخده منك الموقف ده رغم إنها عارفة إنك مظلوم." "... سارة اتخطفت وهي عندها عشر سنين، شهر كامل، واتعرضت لعنف وذل مالوش وصف بسبب عصابة كنت ماسك قضيتهم لما كنت في الشرطة وعشان ينتقموا مني خطفوها." "أنا لقيتها بالصدفة، بعد ما كنت فقدت الأمل." "ومن يومها...
استقلت من شغلي، وقررت أعيش عشانها، خصوصاً بعد ما أمها ماتت." "هي مش زي الأول... بقت بتخاف من العنف، من أي حاجة فيها ضرب أو صوت عالي." "قعدت سنة كاملة مش بتخرج من البيت." "ومع ذلك، بتحاول تبقى قوية." سارة دخلت في اللحظة دي، ووضعت فنجانين القهوة على الترابيزة، من غير ما تبص في عينه. كانت هتمشي، مسكت مقبض الباب وقبل ما تخرج من الأوضة سمعت صوته اللي وقفها: "أنا مش جاي بس أعتذر، يا سارة."
لفتت له، ووشها ما بين الدهشة والخوف. "أنا جاي لسبب تاني، أنا جاي أطلب إيد سارة. أنا عايز أتجوزها." الدنيا وقفت لحظة. سارة وقفت متسمرة، سرت في جسمها رعشة وكأن كل صوت في الدنيا اختفى إلا جملة واحدة... "أنا عايز أتجوزها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!