الفصل 24 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
31
كلمة
4,065
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

رسم عقله ما أراد حدوثه، وقلبه الأحمق كان كالأعمى، لا يرى إلا ما يريد. أما عيناه، فكانت غافية، تبصر ما يهواه قلبه. وهي ليست إلا عاشقة هائمة في بحر عشقه المظلم. خرج صوتها بنبرة خافتة خجلة، بعدما تعلقت عيناه بها لوقت طويل. "في حاجة يا مراد؟

كان يقف يتخيلها وهو يخبرها بأنها ليست إلا بطلة في مسرحية خطط لها والده. تخيل انهيارها وبكائها. سيناريو مر أمامه للحظات، ولكنه لم يفعل ما أراد فعله. والسبب في ذلك عمه، ذلك الرجل الذي سلمه ابنته بأعين تتلألأ فيها دموع أب يستأمن ابنته التي رعاها لسنوات طويلة، وقد جاء اليوم ليُعطيها لزوج يوماً ما سيكون مثله أبًا. أغمض عينيه بقوة، ينفض أفكاره العاصفة في مخيلته. ثم أشاح وجهه سريعاً عنها، بعدما أعادت سؤالها. "مراد مالك؟

أنت فيك حاجة؟ تنفس بقوة واتجه نحو المرحاض تحت نظراتها الحائرة، ليضع رأسه أسفل صنبور المياه، مفكراً في حياته القادمة. "أهدي يا مراد، لازم تفكر هتعمل إيه. ابعد فكرة إنك تأذيها، مهما كان دي بنت عمك من دمك." خاطب نفسه، وصورة عمه تمر أمام عينيه وعباراته تتدفق في مسمعه: "بنتي أمانة عندك يا مراد، حافظ على الأمانة اللي حفظت لك عليها يا ابن أخويا."

تنهيدة قوية خرجت بثقل من بين شفتيه وهو يبتعد عن المياه المتدفقة فوق رأسه، ثم أخذت مسارها نحو صدره. تقدمت بخطوات خجلة من الفراش، ثم جلست عليه تنظر من حين لآخر نحو المرحاض. تشعر بالتوتر، ولكن أيضاً بالسعادة. تساءلت داخلها: "هو مشلنيش ليه زي أي عروسة؟ ده أنا حتى عملت رجيم قاسي لليوم ده." عبست بملامحها وهي تحلم بأحلامها الوردية. اتجهت بعينيها نحو باب المرحاض، ثم رفعت كفيها نحو وجنتيها الساخنة.

"أهدي يا هناء كده وبلاش توتر." انتبهت على صوت خروجه، فأطرقت عيناها نحو ثوب زفافها. انتظرت عبارة منه، ولكنه تحرك في الغرفة بضعة خطوات لينتبه عليها أخيراً، يرمقها بهدوء. "هتفضلي بالفستان كده؟ تخضبت وجنتاها، ورفعت عيناها نحوه خجلاً، متمتمة: "ها! واتسعت حدقتاها بصدمة وهي تجده يتسطح فوق الفراش، مغلقاً عينيه، وكأنها ليست معه، وكأنها ليست عروس. همهمت تسأله: "أنت هتنام؟ وأردفت بتوتر جلّي على صوتها: "إحنا مش هنصلي؟

فتح عينيه يرمقها للحظات، قبل أن يهتف: "ياريت تطفي نور الأوضة وتاخدي هدومك وتغيري في الحمام." بهتت ملامحها وهي تسمعه، وتساءلت بأمل أن يكون يمزح معها: "أطفي النور؟ رمقها ساخراً وهو يتفحص خلجات وجهها الذي شحب. "تصبح على خير." أعطاها ظهره حتى يجعلها تفهم الإجابة بوضوح، لا يرغبها ولا ينظر لها بأنها عروسة. التقطت ملابسها وانسحبت من الغرفة ودموعها تنساب على وجنتيها. تسأل حالها: أين أحلامها في تلك الليلة؟

أين الحبيب الذي انتظرته طويلاً؟ أين قبلته الدافئة؟ أين عباراته الحنونة التي ستحتوي خجلها وتطمئنها؟ وضعت يدها على فمها تخشى أن يسمع صوت شهقاتها. وسؤال واحد أخذ يدور بخلدها: لماذا فعل ذلك؟ أخبرها بأنه يريدها. ثبتت عيناها نحو نقطة ما، وهي لا تُصدق ما خيله لها عقلها. "مش معقول يكون مراد زي نديم ابن خالي ومحتاج يتعالج... بس ليه يخبي عني؟ أنا مش هسيبه وهفضل معاه."

صور لها عقلها براءته، لتمسح دموعها التي انسابت مع كحل عينيها. تأخذ أنفاسها بتنهيدة طويلة. "لازم تحفظي على سر جوزك يا هناء، وتقفي جنبه... بس لازم الأول أتكلم معاه بكرة ويفهمني ميخبيش عليا." *** وضعت ياقوت الثوب برفق في الخزانة الصغيرة التي تحتويها غرفتها. "الحمد لله الفرح خلص على خير والفستان محصلش ليه حاجة، عشان أرجعه لسماح لما ترجع من مهمتها."

اقتربت من فراشها وتسطحت عليه بأرهاق، ولمعت عيناها بالدمع وهي تشعر بالوحدة. ولكن سريعاً تبدل حالها لتبتسم وهي تتذكر جمال صديقتها ورقصتها مع مراد. تنهيدة حالمة انسحبت مع أنفاسها وهي تتخيل نفسها يوماً بين ذراعي أحدهم يضمها إليه ويراقصها. نفضت رأسها من أحلامها الوردية. "أنتي بتفكري في إيه يا ياقوت... لأ، أنتي الأحسن تنامي عشان الأحلام خطر عليكي وعندك شغل بكرة." أغمضت عيناها لتغفو في لحظتها دون شعور من شدة إرهاقها. ***

طالع شقيقه وهو يُحاوط خصر زوجته ويتهامسان. ابتسم وهو يراهم هكذا، وأسند مريم التي تمسك ذراعه وعيناها مثقلة من أثر النعاس. "مريم، فوقي يا حبيبتي." صعد الدرجات وهو يسندها، فأقتربت منه ندي بعدما انتبهت لحال مريم. أشفق عليه، فطيلة طريق عودتهم وهي غافية على ذراعه. "أنا هوصلها لأوضتها يا حمزة، دراعك أكيد وجعك." أسندتها ندي نحوها، فسقطت رأس مريم على كتفها. نفض ذراعه بألم، ضاحكاً على صغيرته.

"نومها بقى تقيل البنت دي، أنا مش عارف هتقدر تروح مدرستها بكرة إزاي." تركهم واتجه نحو غرفته، ليتحرك فيها دون هوادة، يمسح على وجهه بقوة، وصورة ياقوت تقتحم عقله وهي تقف مع شقيق هناء تضحك معه، ويبدو أن علاقتهما قوية. ولم ترحمه نادية من تعليقاتها وتلميحاتها. *** تأملها وهي غافية جانبه. مدّ كفه يمسح على وجهها. تململت في نومتها وهي تشعر بيده التي تنتقل بخفة على وجهها. "شهاب، سيبني أنام، عندي شغل بكرة."

ابتسم وهو ينحني نحوها يلثم خدها، ثم تحركت القبلة لجانب فكها لتحط شفتيه نحو مقصدها. "مش عارف أنام، اصحي اقعدي معايا." فتحت عيناها بقلق. حبها طغى على كبريائها. "مالك يا شهاب؟ إيه اللي مضايقك؟ ده إحنا راجعين من فرح واتبسطنا." ألقى رأسه على الوسادة، زافراً أنفاسه بقوة. فبماذا سيخبرها؟

أن الفتاة التي أحبها يوماً قد ترملت وصارت حرة. اليوم رآها في الفندق الذي قام فيه حفل زفاف مراد. كانت من منظمين الحفل. صدمته ملابسها السوداء ووجهها الذي أصابه الذبول. قدماه أخذته إليها، وليته لم يذهب. حلمه أصبح حراً طليقاً. "مش فاهم نفسي يا ندي." رمقها بطرف عينيه، ولم تفهم هي شيئاً من عبارته. "مالك يا شهاب؟ احكيلي فيك إيه؟ واعدلت في رقدتها ومالت نحوه تمسح على خصلات شعره الذي تعشق نعومته وغزارتها.

أغمض عينيه وهو ينساق مع حركة يداها الناعمة. قارن بين حلمه الضائع وذلك الحب الذي يحصل عليه معها. مهما أخبرته بتمردها وأنها تحررت من حبه، إلا أنه لا يرى منها إلا الحب. "مكرهتنيش يا ندي؟ ابتسمت بألم وهو يطالع ملامحها. "القلب مبيكرهش إلا لو سكينة الغدر والخيانه طعنته يا شهاب. أنت آه مبتحبنيش، بس على الأقل من يوم ما وعدتني إنك هتكون وفي ليا بتنفذ وعدك." شعرت بذراعيه تأسرها وأصبح يعلوها. "كنت يا ندي...

فاتسعت حدقتاها بلمعان. "تقصد إيه؟ همس بدفء وهو ينفخ أنفاسه الساخنة على صفحات وجهها. "افهميها لوحدك يا ندي." *** رمق فرات زوج شقيقته الذي عاد للتو من سفرته، وقد دعته فادية لتناول العشاء في جلسة عائلية. "أخبار شغلك إيه يا عزيز؟ سمعت إنك هتشارك واحد في مصنع للمنتجات الغذائية." توتر عزيز من رصد شقيق زوجته لكل ما هو متعلق به. قربت فادية الطبق المملوء باللحم أمام زوجها، مجيبة وهي ترمق زوجها بفخر: "عزيز طول عمره ناجح."

سلط فرات نظراته نحو شقيقته الهائمة بزوجها. لا تسأله عن مصدر أمواله الذي يقسم أن أساسها بالحرام. يعلم أن عزيز ابتعد قليلاً عن تجارة المخدرات لتفتح الأعين عليه، ولكن لا يجد دليلاً قاطعاً نحوه، ولو وجد لن يستطع تشويه سمعة زوج شقيقته وسمعته هو أيضاً. "أنا بكلم جوزك يا فادية. هو ملهوش لسان يرد علي." تلعثم عزيز وهو يمضغ الطعام، يخشى أن يكون قد علم ما وراء تلك الشراكة، فما هي إلا تجارة بالأطعمة الفاسدة منتهية الصلاحية.

"شريكي انت عارفه يا فرات... رجل أعمال ليه اسمه في السوق." ابتسم فرات وهو ينظر لأطفال شقيقته الصغار. "مش مهم الاسم يا عزيز، المهم السمعة. على العموم، أنا مش هقدم غير النصيحة، وأنت حر. بلاش الشراكة دي." نهض بعدها وهو يلتقط عصاه التي وضعها جانبه كي يسير بثبات بها ويحمل عليها ثقله. اتجهت أنظار فادية نحوه تسأله: "هو فرات قصده إيه يا عزيز؟ لو الراجل ده سمعته وحشة، بلاش."

قطب عزيز حاجبيه وحدق بالمقعد الفارغ الذي كان جالس عليه فرات. "أخوكي ده بيحب يكبر كل حاجة، باينه لسه فاكر نفسه رتبة في الجيش." أسرعت فادية تؤنبه على قوله. "عزيز، اتكلم كويس عن أخويا." زفر عزيز بقوة، ثم ألقى بمعلقته بعنف فوق طبقه، لتتعلق عين طفليه عليه خائفين من حدته. ***

وقفت أمام أحد المطاعم في إحدى المناطق الراقية. انتظرت زميلتها التي تقيم معها بسكن المغتربات. أخبرتها أن تنتظرها بالخارج إلى أن تدلف وتقضي أمراً ما بالداخل. طالت وقفتها بملل إلى أن وقفت متسمرة في مكانها وهي تسقط بعينيها على حمزة وعائلته يترجلون من السيارة، فقد أتوا من أجل تناول وجبة العشاء بعيداً عن المنزل. رأتها ندي، فأقتربت منها بغرابة. "ياقوت، بتعملي إيه هنا؟

توترت وهي تطالع نظرات شهاب وحمزة والصغيرة مريم التي وقفت ترمقها ببغض. "مستنية واحدة صاحبتي." فابتسمت إليها ندي بلطف، وقبل أن تعزم عليها بأن تدلف معهم، سبقها شهاب. كان حمزة يقف كمتابع للمشهد، صامتاً. تحكي له مريم عن يومها بمدرستها. "تعالي استنيها جوه معانا، وفرصة نتعرف عليها." قالها شهاب غامزاً لها حتى يرى غيرة زوجته، فوكزته ندي بذراعها. "كده يا شهاب؟ ضحكت ياقوت بخجل على أفعالهم اللطيفة.

"شكراً يا باشمهندس، مافيش داعي. أنا هرن عليها تطلع، أصلها اتأخرت." اعترض شهاب على رفضها بإصرار، وطالع شقيقه. "يا بنتي، انسى إني مديرك، وده عشا على حساب حمزة، تعالي خلينا نكلفه أكتر." تحركت يدها تلقائياً على فاها تداري اتساع ضحكتها على مزاح شهاب المحبب. "ما تقول حاجة يا حمزة."

أسرعت ياقوت رافضة عندما رأت أعين مريم ترفضها. هي لن تقبل عزيمة تجلس بها وسط عائلة، ستكون مثل المتطفلة عليهم. لم يتحدث حمزة بشيء، فما زال يشعر بالضيق كلما لاحت صورته مع شقيق هناء، وكأنه يحاسبها على حياة لا دخل له فيها. "سيبها براحتها يا شهاب." أطرقت ياقوت عيناها أرضاً عندما استمعت لعبارته، وقد أحزنته.

دلفوا جميعهم للمطعم، وشعرت بقدم تدهس على قدمها بقوة جعلتها تكتم صوت تأوهها بصعوبة. نظرت لابتسامة مريم. فأغمضت عيناها بألم وهي لا تعلم لما فعلت بها هذا. ابتعدت تخفي دموعها من ألم فعلتها ونظراتها التي تعبر عن كرهها. لم تجد سبباً لكره الصغيرة لها، ولكن ما لا تعلمه أن اقتراح نادية على الزواج بياقوت سمعته من تقي بعدما أخبرتها مريم باستخفاف عن نظرات معلمتها ريما. بغض لا تعلم سببه، ولكن صاحبته كانت تعلم.

تعلق عيناه بها بعدما جلس على المقعد المواجه لساحة المطعم الخارجية. نظراته كانت تلتقطها وهي تتحرك يميناً ويساراً، ولكن سريعاً ما جعلته مريم ينتبه لحديثها المشاغب مع شهاب. اندمجوا في النظر لقائمة الطعام والنادل يقف جانبهم. لمعت عين ياقوت وهي تنظر نحوهم، ترى ابتسامة رب عملها وحنانه على ابنة زوجته، وشهاب وندي التي تعلقت بذراع زوجها يضحكون.

عضت شفتيها تمنع دموعها بالهطول. تحتاج لمشاعر مثل تلك، تفتقر الدفء والحنان. أشاحت عيناها خشية أن تلتقطها أعين أحد. ونظرت نحو باب المطعم، وكادت أن تخطو للداخل حتى ترى زميلتها التي حذرتها سماح منها كثيراً بشكوكها في سلوكها الذي تخفي تحته رداء الفتاة المكلولة، ولكنها كانت لا ترى إلا أن حالها مثلهم وأنها لطيفة وودودة. خرجت عبير زميلتها، وقد لاحظت أن هيئتها بها شيء قد تبدل. لا تعلم ما هو، ولكنها تشعر بذلك.

"اتأخرتي ليه يا عبير؟ زفرت عبير أنفاسها وهي تداعب خصلات شعرها. "ما أنا قولتلك واحدة صاحبتي بتشتغل جوه المطعم، استنتها لحد ما خلصت." وأردفت وهي تنظر لياقوت: "أنا ورايا مشوار مهم، روحي انتي يا ياقوت، وشكراً يا حبيبتي." انصرفت عبير دون أن تطالعها. أغضبها الموقف. "طول عمرك ساذجة وغبية يا ياقوت، سماح عندها حق." لم تعلم أن حمزة التقط تلك الفتاة، فأخذ يتذكر أين رآها من قبل، لتتسع عيناه وهو يتذكرها. ***

وقفت خلفه تنظر لهيئته. كان يعطيها ظهره، يطالع أمواج البحر من الشرفة ويحتسي قهوته. ثلاثة أيام مروا على زواجهم وانتقالهم لمدينة الإسكندرية، وهو يقضي يومه بالخارج. "مراد." هتفت اسمه بخفوت وانتظرت لعله ينتبه إليها. لم يلتفت نحوها إلا عندما أعادت هتافها باسمه. "في حاجة يا هناء؟ أجابها وهو يرتشف من فنجان قهوته، فأغمضت عيناها بقوة. "أنت مش مبسوط إننا اتجوزنا؟

تجمدت يداه على فنجان قهوته. بدأت أمواج البحر تعلو وصوت أنفاسه يتصاعد. لم ينفذ ما أراد، أذاقها له من ألم، إنما قرر اتباع نمط التجاهل. اتبع الطريق القاتل والجارح، وفي قانون عقله، إن هذا الأفضل، فلن يُسيء معاملتها. طال شروده وتصلب جسده، فهو يحاول قدر المستطاع الهروب من المنزل حتى لا يعطيها فرصة لأسئلتها التي يراها في عينيها. "مراد، أنت سامعني؟ مراد، ممكن نتكلم طيب؟

استدار نحوها ببطء، ورمقها بنظرة طويلة. ترتدي له كل يوم ملابس تُجملها له وتظهر مفاتنها، ولكنه كالأعمى لا يرى. لا يرى إلا أنها زيجة أجبر عليها. "أنا مش فاضي يا هناء." نظر إلى ساعته يده، ثم وضع فنجان قهوته على الطاولة. "لما أرجع من الشركة نبقى نتكلم." وانصرف دون أن ينظر إليها، لتسقط فوق الأريكة شاحبة الوجه، تبكي على حالها وهي لا تفهم لما يتجاهلها. ***

تعجبت بالاتصال الذي أتاها من مدير مكتبه، يُريدها أن تذهب لشركة الحراسات بعد انتهاء دوامها. قلقت من تلك المكالمة، فلماذا سيُريدها؟ شعرت بالريبة، إلى أن وجدت شهاب يخرج من مكتبه يأمرها ببعض الأعمال، ثم غادر. ***

نظرت سماح نحو بعض السياح، وقد أخذت مكان مرشدهم الذي يُعاني من ألم ما بمعدته. نست مهمتها الأساسية، وقررت الاستمتاع بأجواء مدينة أسوان. كانت تتحدث عن المعبد الذي يسيرون داخله بثقة، إلى أن وقفت على صوت أحدهما يُخبرها: "صحيحي معلوماتك، آنسة."

قالها أحدهم، وقد كان يسير ريبتها من بداية الجولة من نظراته الحانقة نحوها. يخفي عينيه بنظارة من أشعة الشمس، وعلى رأسه يضع قبعة رياضية وملابس تشعرها وكأنه ذاهب لمباراة جولف. احتدمت عين سماح ورمقته بحنق. "معلوماتي صحيحة يا كابتن. ماذا تعرف أنت عن تاريخنا؟ حدق بها الرجل الذي لا تعرف تحديد ملامح له، وضحك ساخراً. "لا أعلم لماذا تقودنا سيدة مثلك. لو أعلم أنكِ من ستقودنا هذا اليوم لمكثت بالفندق."

اشتعلت نظرات سماح، وبقي البعض يهمس على مشاحنتهم. "لأ بقى، أنا كده ممكن أغلط وأنسى إنك ضيف في بلدي." تحدثت بها سماح بلغتها الأم حتى لا يفهم عليها. ولكنها أجاب رافعاً حاجبه لأعلى. " هو جاء." ألقى كلمته بالفرنسية، ثم انصرف. لم تفهم معناها، فهي لا تتقن إلا اللغة الإنجليزية. وقفت تحرك يدها على وجهها بغضب ترمقه وهو يرحل. والتفت نحوها قبل أن يختفي عن مرأى عينيها، ليزيل نظارته عن عينيه. لتقف مصدومة متمتمة:

"لا، مش معقول. ده هو... *** استمع إلى صديقه عبر الهاتف وهو يُخبره أن فتاة ورجل جاءوا لقسم الشرطة ليسألوا عنه، وقد أخبرهم بعدم وجوده. أراد أن لا تكون هي من أتت، ولكن صديقه أعطاه الجواب دون أن يسأل عن هويتها أو اسمها. "أنا استغربت بصراحة إنك تعرف ناس كده. باين عليهم مش قرايب ليك، مع إن الراجل اللي مريحنيش شكله قالي إنهم قرايب." واردف صديقه الذي يُدعى مجدي: "أنا قولته إنك اتنقلت بلد تاني."

أغمض شريف عينيه وهو يعلم أن الرجل هو سالم، فتساءل: "البنت كان شكلها إيه؟ صمت مجدي للحظات وهو يتخيل شكلها الجميل، وقد أشفق عليها. "البنت كفيفة! زفر بقوة، وقبل أن يسأله صديقه إذا كان يعرفها أم لا. "هكلمك بعدين يا مجدي، عندنا اجتماع." أغلق الهاتف، ثم ألقاه فوق الفراش. رغم أن هذا ما أراده، أن يبعدها عن طريقه، إلا أنه يشعر بألم لا يعرف سببه. ***

أوقف سالم سيارته الصغيرة في مكان خالٍ. ينظر لمها التي لم تتوقف عن البكاء منذ أن علمت أنه تم نقله لمكان آخر. كان سعيداً أنه كسب نقطة بصلاحه، وقد انتهى أمر شريف تماماً. "آه، سمعتي الكلام بودانك. حضرت الظابط خلاص اختفى." سقطت دموعها وهو تمسك العقد الذي أعطاه لها بقوة. "بس هو قالي إنه ما صدق قبلني." مسحت دموعها بأكمام بلوزتها. "هو شريف سابني عشان أنا عمياء؟ رمقها سالم بتمتع وهو يتأمل احمرار وجهها، ثم اقترب منها.

"يا مها، ما انتي عارفة اللي فيها مين هيتجوز واحدة عمياء." عادت دموعها تتساقط من أثر الكلمة. "أنا كان نفسي أعيش زي البنات اللي في سني." اتسعت عين سالم وقد وصل لهدفه. "سبيني وأنا أعيشك يا مها، سبيني نفسك." فسرت مقصده بطريقة بريئة، ولكن عندما وجدت يده تسير على فخذيها، صرخت بقوة. "أنت بتعمل إيه؟ وتعالى صراخها ولم ينجدها إلا صوت سرينة سيارة شرطة قادمة. ***

أنهت دوامها لتتجه نحو مقر شركتها. أول من تعلقت عيناها بها صفا، التي كانت تُسجل بعض الأشياء على الجهاز الذي أمامها قبل أن تغادر، فساعات العمل قاربت على الانتهاء. اقتربت منها ياقوت وهي تتذكر أين رأتها. "في حاجة يا آنسة؟ تلعثمت ياقوت وهي تنفض رأسها من شرودها بذلك اليوم. "حمزة بيه موجود؟ عندي ميعاد لمقابلته."

رمقتها صفا بتفحص، متعجبة من هيئة فتاة مثلها تسأل عنه. رفعت سماعة الهاتف لتسأل سكرتيره إذا كان يوجد ميعاد معها أم لا. جاءتها الإجابة، فتجمدت نظراتها نحو ياقوت. "اتفضلي." اتجهت ياقوت نحو المصعد بتوتر. أما صفا، فعقدت ساعديها أمامها تسأل نفسها: "وقت الدوام قرب يخلص... إيه اللي جايبها في وقت زي ده؟ غريبة."

دلف غرف مكتبه، ليقابله سكرتيره الذي تأهب للمغادرة. أبلغه بقدومها، ثم انصرف. وقفت في منتصف الغرفة لتجده قابع خلف مكتبه يتحدث بالهاتف. أغلق سكرتيره غرفة المكتب، فأسرعت تفتحها. رمقها حمزة وهو لا يفهم سبب فعلتها تلك. أنهى مكالمته، ثم نهض. "مالك يا ياقوت؟ مش بأكل موظفيني أنا." اخفضت عيناها بتوتر وهمست بخفوت: "حضرتك كنت عايزني في إيه؟ وقف حمزة أمامها يُحدق بها. "البنت اللي كنتي مستنياها امبارح تعرفيها من امتى؟

نظرت إليه بغرابة من سؤاله. "عبير زميلتي في السكن... ليه بتسأل؟ لم يعطها الإجابة التي أرادتها، فهتف بلهجة أمره: "ياريت تقطعي علاقتك بيها." قطبت حاجباها وهي لا تفهم سبب تدخله في حياتها الخاصة. "ما أظنش إن ده من قوانين العمل يا فندم." أدهشته مجادلتها ونظراتها التي تُهاجمه. "ياقوت، اسمعي الكلام ممكن... بلاش البنت دي تصاحبيها، وبلاش تخليني آخذ حيائك بالكلام عنها." تجمدت ملامحها ورمقته بغضب وهي تُدافع عنها.

"عبير بنت محترمة." هتف اسمها بحدة وتفحص ملامحها المقتضبة. "ياقوت، متخلنيش أظن إنك تعرفي نوع شغلها... دفاعك عنها ما يدلش غير كده... إيه، أنتِ كمان بتشتغلي بالليل في كباريه؟ ألجمتها عبارته عن عمل عبير. هي تعلم أنها تعمل ممرضة في إحدى المشافي الخاصة. "كباريه؟ عبير بتشتغل ممرضة؟ ضحك وهو ينظر إليها. "لأ يا ياقوت، عبير بتشتغل في كباريه، بتبسط الرجالة...

وأحياناً بتحضر حفلات لرجال الأعمال، وأظن إنك فهمتي دورها من غير توضيح أكتر من كده." سقطت دموعها وهي لا تُصدق ما تسمعه أذنيها. "أنا مكنتش أعرف ده... بس ليه تعمل كده؟ تنهد حمزة وهو يطالعها، ثم تقدم منها يُعطيها أحد المناديل الورقية كي تجفف دموعها، مُجيباً عليها: "الفلوس بتيجي كده أسرع يا ياقوت." وأردف بلطف: "امسحي دموعك."

طالعها وهي تُجفف دموعها كطفلة صغيرة، وما زالت ملامحها تحمل معالم الصدمة. وقعت عيناه على صفا التي تتوارى في أحد الأركان، وقد ساعدها عدم غلق الباب على مطالعتهم. لمعت عيناه وقد أراد إيذاقها جرعات الألم حتى يحطم أملها في عودته إليها. مال نحو ياقوت التي لم تكن منتبهة لشيء، تطوي المنديل الذي أعطاه لها. تجمدت في وقفتها واتسعت عيناها وهي تشعر بقرب أنفاسه منها ومحاصرته لها بذراعيه. يتبع بأذن الله ***

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...