الفصل 22 | من 31 فصل

رواية لن ابقي علي الهامش الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نداء علي

المشاهدات
18
كلمة
2,728
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

جاهدت نفسها بضراوة، لم يكن بالأمر الهين أن تتخطى إصابة زوجها وما تعانيه من تخبط وآلام. جمعت شتات حالها وجلست إلى جوار طفلتها قائلة بهدوء مهيب: "أنا سمعاك يا مرام، عاوزة أعرف بالتفصيل الممل، فاهمة؟ كل التفاصيل. عرفتي الولد ده إزاي وإمتى وليه؟ إزاي كنتوا بتتقابلوا رغم إن طول الوقت عيني عليكي انتِ وإخواتك." أجهشت مرام في البكاء، فنهرتها رضوى بقوة:

"لأ يا قلب ماما، مش وقت عياط وندم. أنا بكلمك بمنتهى الهدوء والتفهم أهو. اتكلمي وقولي لأني لازم أرجع المستشفى لأبوكي." تحدثت مرام بتردد قائلة: "أنا كنت من متابعينه على الفيس، كان بيقدم محتوى تنمية بشرية وكورسات تعزيز الثقة بالنفس وإن الإنسان لازم يبقى قوي و... رضوى بتعجب: "يا شيخة، بقى البيه طلع واعظ وناصح أمين؟ كده أنا ظلمته." مرام بإصرار: "افهميني بس يا ماما، أنا متأكدة إنه كويس بس هي الظروف."

رضوى: "أنا قولت أسمع تفاصيل مش مبررات ودفاع عنه. اتفضلي كملي." مرام: "فضلت شهور أتابعه وأتأثرت بيه جداً. بقيت أدخل أكلمه خاص وأحكيله عن... رضوى: "عن إيه؟ اتكلمي متخافيش." مرام بحزن: "كنت بحكي عن بابا، أد إيه أنا بحبه وأد إيه انصدمت فيه. كنت بشكيله من بعد بابا وكرهه لينا." رضوى: "أبوكي عمره ما كرهكم." مرام: "وعمره ما حبنا. لو بيحبنا كان خاف علينا، ما كناش هنهون عليه. حتى لو اتجوز غيرك، ليه رمانا سنين لوحدنا؟

أنا كنت محتاجة أبويا." رضوى: "وبعدين؟ مرام: "كان في البداية مش بيرد عليا، بس مع الوقت بدأ يكلمني هو بنفسه ويقولي إن الأب مستحيل يكره ولاده وإن دي مشكلة وهتعدي بس... رضوى بحدة: "خلصي يا مرام، أنا لازم أروح لأبوكم. احكيلي بسرعة علشان لما أتصرف أبقى على نور. وبحذرك أهو، أوعي تكدبي في كلمة واحدة عليا."

مرام: "والله يا ماما مش بكدب. أنا فعلاً علاقتي بيه فضلت أكتر من سنة مجرد كلام وبس لحد ما بابا رجع وجه هنا وضربني لما واجهته وقولتله لسه فاكر تسأل عننا. يومها كلمت يوسف وأنا بموت من القهر واليأس، فطلب يقابلني وأنا ما صدقت. كان نفسي أشتكي لحد وحضرتك كنتِ طول الوقت حزينة ومكتئبة وإخواتي حالهم كان زي حالي. مكنش قدامي غيره هو. اتقابلنا وحسيت إنه هيقدر يخرجني من البيت. هبعد عن بابا وتيتة، هعيش مع حد بيحبني."

نكست رأسها بتعب، فنظرت إليها رضوى بألم وتفهم قائلة: "وبعدين، إزاي قدر يقنعك بموضوع الجواز ده؟ مرام: "قالي إنه ضمان علشان بابا ميقدرش يبعدنا عن بعض ولا يرفض جوازنا." اقتربت رضوى إلى أن باتت مرام بين جناحيها، فضمتها كما لو كانت سماء تحتوي نجومها اللامعة كي لا تضل طريقها. بقيت صامتة قليلاً، إلى أن همست:

"أنا حاسة بيكي يا بنتي وعارفة إني سبب كبير في اللي عملتيه. أنا فضلت أجري سنين ورا وهم، كان عندي أمل أحتوي أبوكم لكن للأسف وأنا تايهة وراه نسيتكم وكنت هضيعكم من إيدي. أنا عايزة أعرف حاجة واحدة بس وياريت علشان خاطري تقوليلي الحقيقة. الولد ده لمسك يا مرام؟ سلمتيله نفسك؟ مرام: "أبداً والله يا ماما، أقسم بالله لأ. هو طلب مني مرة واحدة بس أروح معاه بيته بس أنا رفضت وبعدها بابا شافنا مع بعض ومن يومها مش اتقابلنا تاني."

تنهدت رضوى بقوة، تلتقط أنفاسها التي غابت في الدقائق السابقة في انتظار إجابة ابنتها. أدمعت عيناها وشقت بسمة هادئة ثغرها لتهمس لمرام: "الحمد لله، الحمد لله. استرها معايا للآخر يارب." ارتفع نحيبهما، كل منهما تبكي ألماً يفيض. اعترفت مرام بما اقترفته من إثم لم تكن جذوره من غرسها وحدها قائلة: "أنا آسفة وعارفة إن ذنبي ملوش مبرر، بس أنا كنت خايفة. كنت بتمنى أبعد ولو في الحلم عن حياتي. صدقيني يا ماما أنا آسفة ونفسي تسامحيني."

*** وعندما نقتلع أنفسنا من تربتنا التي نشأنا بين أحضانها ونبتعد رغماً عنا، نشعر بالخوف والغربة تطاردنا بادئ الأمر. لكنها تألفنا بعد سنوات وتمنحنا هوية جديدة وروح نتعايش بها. وعندما تحين لحظة العودة نرجع إلى أوطاننا أغراب لسنا كما كنا، مازالت تلك الروح الجديدة تصاحبنا ولا ندر من نحن. ابتسم ياسين بحب إلى والدته، حب صار محاط بخوف من الفقد، فقد باتت تلك الشجرة التي ارتوينا منها هشة ترتجف من فرط الوهن.

تحدثت إليه قائلة بضعف: "يابني كفاية بقى سفر، خليك هنا يا حبيبي." ياسين بصدق: "ياريت يا ست الكل، والله كنت نازل وناوي أستقر. مبقتش قادر على الغربة بس الحياة هنا بقت غالية وصعبة والولاد ماشاء الله بيكبروا ومصاريفهم بتزيد. أنا مش عاوزهم يتبهدلوا لما يكبروا." والدته بحزن: "رب هنا رب هناك." ياسين: "ونعم بالله، بس ادعيلي يا أمي وإن شاء الله أقدر أجمع مبلغ أعمل بيه مشروع يكفي مصاريفنا ونعيش مرتاحين."

والدته: "ربنا يرزقك يابني ويحفظك في غربتك. معلش الحمل تقيل عليك ومصاريف علاجي مبتخلصش." قبل يديها ورأسها بحنو وابتسم إليها قائلاً دون تردد: "أنا كلي فداكي يا أمي، ده انتِ الخير والبركة وسر سعادتي." والدته بدعاء صادق خالص من كل شوائب الحياة وابتسامة حانية تختلف عن كافة البسمات: "ربنا يكرمك ويباركلك في عيالك انت وأماني، اتوصى بيها يابني." ياسين: "وصيها هي عليها، دي مفترية."

ابتسمت أماني التي اقتربت منهما تحمل بين يديها بعض ثمار الفاكهة، وأدركت أنه يشاكسها فبادلته مزاحه قائلة: "مفترية! يمكن يا خويا، وعلشان كده مستعجل عالسفر وعاوز تسبنا لوحدنا. ياسين بحب: تاني يابنتي، مش اتكلمنا واتفقنا. أماني: اتكلمنا أه، بس متفقناش. ياسين: يعني انت مش شايفه الدنيا بقت غلا ازاي. أماني بحزن: عارفه، بس برده متسافرش. ياسين: اقعدي بس، قطعيلي الفاكهة الأول، ولا هتطمعي فيها.

امسكت حبة من الرمان وقامت بفرطها بعناية وناولته إياها قائلة: ألف هنا، خليك هنا بقى وكل فاكهة براحتك. ابتسمت والدته، ونظر هو إليها بمعنى أنه لو كان الأمر بيده لبقى. فقد فر من قبل هارباً، وربما كان السفر خياراً، أما الآن فقد بات إجباراً. عليه السفر، فعلى ما يبدو أن إحدى فوائد السفر التي سعى إليها قد منحته إحساساً جديداً يسمى الاشتياق إلى حضن زوجته ووجودها. ***

بينما خياتنا تدور كما ندور، كانت هي بلا حراك، حياتها توقفت عن الدوران، وبات الكون بلا معنى ولا غاية. يعني إيه؟ يعني إيه بقاله سنتين مريض وأنا، أنا كنت فين؟ ارجوك يا دكتور ياسر، بابا لازم يخف، طب أنا ممكن اتبرعله بأي حاجة بس يعيش. ياسر بعملية: والدك حاول كتير وراح لأكتر من دكتور، وأنا واحد منهم، لكن للأسف مفيش فايدة، ولأخر مرحلة كان بيحاول إنك متعرفيش حاجة.

خارت قواها، ولم يكن بيدها ادعاء الثبات. لقد أطاح بها قطار الحياة وألقى بها بعيداً، بينما استمر هو مبتعداً دون اكتراث لهلاكها. عادت تجر أذيال الخيبة الملطخة بدموع الخوف والندم. اقتربت بحذر من غرفة والدها. نظرت إلى وجهه الشاحب وملامحه المنهكة. كيف اندلعت بجسده نيران المرض بتلك السرعة القاسية، ومتى استسلم هكذا؟ هل اشتاق إلى الرحيل والالتقاء بتؤام روحه؟ هل تركها كما فعلت والدتها؟

هل ما فعلته هي أحد أسباب انسحابه من الحياة؟ تعالت شهقاتها، فاستيقظ طاهر يبحث عنها بلهفة. تحدث إليها بضعف قائلاً: حبيبة بابا، انتِ رجعتي امتى؟ كاميليا: بابا! قالتها ولم تجد سواها. هو أبيها، كلمة بسيطة، أ، ب، بداية لكل شيء بالحياة، ومع غيابها وحرماننا من نطقها تتوقف من حولنا دقات الأمان. طاهر بحب: وبعدين يا دكتورة، هو ده اللي اتعلمتيه في الكلية؟ مفروض تطمنوا المريض ويحس إن لسه في أمل. كاميليا مبتسمة رغماً عنها:

طبعاً في أمل يا حبيبي، إن شاء الله هتخف وتبقى… أشار إليها أن تتوقف عن حديثها الكاذب، وابتسم بعذوبة قائلاً: ممكن اطلب منك حاجة؟ نفسي اطمن قبل ما أموت، وانتي بتحاولي تهربي من الموضوع. كاميليا: طلب إيه؟ حضرتك تؤمرني علطول. والله مش هقول لأ على أي حاجة. طاهر: نكتب كتابك انتي وفارس آخر الأسبوع. قولتي إيه؟ كاميليا: طب خطوبة بس يا بابا. طاهر برجاء: يابنتي ريحي قلبي، أنا نفسي أفرح، مستكتره عليا الفرحة ليه بس.

كاميليا دون تردد: حاضر، اللي تشوفه ياقلبي أنا موافقة عليه. طاهر بارتياح: ربنا يسعدك يابنتي. *** تأففت مرام بوجه جدتها التي تقهقه باستمتاع متأثرة بأحداث المسرحية التي تشاهدها، بينما مرام وتقوى في انتظار والدتهما التي تقضي ثلثي اليوم بجوار مصطفى. تحدثت مرام إلى جدتها بحدة قائلة: حضرتك مش سامعة البنات بتعيط؟ المربية خرجت وقالت هتتأخر ساعتين، قومي شوفيهم يمكن جعانين. سوسن بغيظ: وهما دول بيفصلوا أبداً؟

أنا عارفة أمهم مخدتهمش ليه. والله لو مصطفى فايق كنت قولتله يرجعها تترزع تربي عيالها، أنا هقعد أعلل من تاني، ده إيه الغلب ده. مرام: يرجع مين؟ هو مفيش فايدة فيكي يا تيته. سوسن: جرى إيه يابنت رضوى، ما تتكلمي بأدب. تقوى: خلاص يا تيته، بس قومي شوفيهم حرام عليكي، بيعيطوا جامد أوي. سوسن بملل: مش قادرة أقوم. بصي ادخلي اعمليلهم رضعة واديهم يرضعوا ويناموا. تقوى: لأ، أنا معرفش أعمل كده.

مرام: تعالي يا بنتي نعملهم. أنا هقرأ التعليمات. ده الواحد لو مربي قطط هيصعبوا عليه، معرفش إيه ده، ربنا يشفيك يا بابا بجد. سوسن: يارب ياختي. ربنا يشفيك يابني ويقومك بالسلامة ياقلب أمك. أعادت الاستماع بحماس إلى التلفاز، وتوجهت مرام وتقوى إلى الصغيرتين. هرولت مرام إلى أختها، فرغم كل شيء براءتها تدفعك إلى عشقها. وحملت تقوى الأخرى بحذر.

مسدت مرام فوق ظهر الصغيرة تسعى إلى تهدئتها، وفعلت تقوى المثل تقلد شقيقتها فيما تفعل. لم تتوقف إحداهن عن الصراخ، بل ازداد صراخهما وكأنهما يستغيثان من فرط الحزن والوحدة. تنهدت مرام قائلة: الله يسامحك يا بابا. ذنبهم إيه دول كمان، مش كفاية إحنا. بصي يا توتي، أنا هسيبهم الاتنين معاكي دقيقتين، أعمل لهم الببرونة وأرجعلك. تقوى برفض: لأ، أنا خايفة منهم. مرام: هتخافي من إيه؟ حرام والله، شكلهم هيموت من الجوع.

تقوى بتردد: يوه بقى. أنا مش فاهمة أصلاً ماما جابتنا هنا ليه؟ مرام: خافت إنها تتأخر علينا، وكانت مفكرة إن تيته يا حرام هتموت من الزعل. تيجي تشوفها وهي بتضحك بره. تقوى: طيب روحي اعمليلهم الأكل. وانتوا اسكتوا شوية، إيه الدوشة دي. *** تساءل فيصل بشيء من الفضول والإجهاد الذي أصابه من حمله أعباء العمل وإدارة المشفى بمفرده دون مساندة مصطفى، عن سر اختفاء كاميليا. أين هي؟ أجابه إحدى الأطباء قائلاً بدهشة: دكتورة كاميليا!

حضرتك متعرفش إنها قدمت استقالة من فترة. هو مش حضرتك خطيبها برضه؟ تجاهل فيصل سؤاله، وتحدث بلهجة جادة بها شيء من الدهشة: استقالة! لأ معرفش سبب يعني. الطبيب: والدها مريض وحالته ميؤوس منها للأسف. فيصل: مريض إيه يا دكتور؟ والد كاميليا! الطبيب: أيوه يا دكتور فيصل. هي اللي قالته بنفسها لما سألناها ليه هتسيب الشغل. فيصل: تمام. ياريت تشدوا حيلكم معايا اليومين دول لحد ما نشوف بديل ودكتور مصطفى يقوم بالسلامة.

غادر الطبيب وترك فيصل وبرأسه تساؤلات وترقب. كيف ومتى اقدمت على الاستقالة؟ ولماذا لم ينتبه؟ تنهد بضيق. فرغم كل شيء، عليه مهاتفتها ربما تحتاج إلى مساعدة. نهر نفسه، فقد تجاهلته وتصرفت دون الرجوع إليه. ربما ما حدث خير لكلاهما. لا، عليه الحديث إليها إن كان طاهر مريضًا بالفعل. فكيف سعى إلى الزواج من همس؟ ضم قبضته بغيظ وغيره عند تذكره لذاك اليوم وهمس بسخط:

استغفر الله العظيم. ربنا يشفي كل مريض. ياترى يا كاميليا، ظهرتي في حياتي ليه؟ وهتنتهي حكايتنا إزاي بعد ما كل حاجة اتغيرت وانهارت بالشكل ده؟ استجمع شتات نفسه وهدأ من توتره وهاتفها أكثر من مرة إلى أن أجابته بصوت مهزوز قائلة: أهلا يا دكتور فيصل. فيصل: إزيك يا دكتورة كاميليا؟ أخبارك إيه؟ كاميليا: بخير الحمد لله. فيصل: أنا اتفاجئت النهارده إنك قدمتي استقالتك. الدكتور محمد بيقول إن والدك مريض. كاميليا: أيوه. متشكره عالسؤال.

فيصل: لو محتاجة أي شيء أنا موجود. كاميليا: حضرتك أنا مقدمة الاستقالة من فترة. لسه واخد بالك من غيابي النهارده؟ قالتها بشيء من الندم واللوم، فأجابها معتذرًا: دكتور مصطفى اتعرض لحادثة كبيرة وأغلب الوقت أنا بقضيه في المستشفى. فعلاً لاحظت غيابك بس حقيقي فكرت إن آخر مكالمة بينا كانت السبب.

كاميليا: مش هتفرق يا دكتور. كل موقف بيثبت إن وجودي بالنسبة ليك زي غيابي. كان طبيعي تقلق عليا، لكن للأسف بابا كان صح. للمرة المليون هو صح. عالعموم كويس إن حضرتك اتصلت. أحب أعزمك على كتب كتابي يوم الخميس الجاي، ياريت تشرفنا. صمت قليلاً، ولا يعلم ما يقول. هل يثور بوجهها أم يسعد لابتعادها وتخطيها إياه؟ ولكن كيف لها أن ترتبط بآخر بتلك السرعة؟ وجه سؤاله إليها دون مواربة قائلاً، بشيء من الحدة: كتب كتاب مرة واحدة؟

إمتى وإزاي؟ ولحقتي تشوفيه فين؟ كاميليا: فارس ابن عمتي. أعتقد حضرتك فاكر. فيصل: آهه. يعني فعلاً كان في بينكم حاجة وأنا مغفل مش واخد بالي. كاميليا بثقة: رغم إنه مش من حقك تسأل ولا تعاتب، بس هريحك يا دكتور. فارس فعلاً بيحبني ويمكن أنا كمان كان في جوايا مشاعر من ناحيته، بس ارتباطي بيك نهى كل حاجة.

أنا مستحيل أتصرف بالوقاحة دي، وأظن إنك فاكر كلامنا آخر مرة. أنا وانت كنا بنضحك على نفسنا خايفين نعترف بفشلنا. لكن مرض بابا فوقني للأسف. كانت صدمة قاسية، بس أنا استاهل. رخصت نفسي وعملت حاجة ضد تربيتي وشخصيتي. كنت مغيبة شايفه إني داخلة تحدي ولازم أكسب. لكن للأسف مراتك كسبت. فيصل: يعني إيه؟ هتتجوزي ابن عمتك علشان تبعدي عني؟

كاميليا: لأ. أنا في كل الحالات هبعد. مش عاوزة ولا قادرة أكمل اللعبة دي. أنا هتجوز فارس لأن دي رغبة بابا. طلبه الأخير مني. فيصل بحزن من أجلها: فهمت. أتمنى إنك تلاقي معاه السعادة يا دكتورة كاميليا. *** ولا طاقة لحزن أن يقمع تلك الأشعة الساطعة التي تبثها شمس السعادة والفرح. تلألأ الكون بعيني طاهر عندما وقفت طفلته الفاتنة أمامه برداء أبيض ينافسها جمالاً.

فتح ذراعيه ينتظر احتضانها. ألقت بجسدها وروحها تسبقها إليه. همس إليها بعشق أبوي قائلاً: أنا عمري ما شفت عروسة جميلة بالشكل ده، غير أمك الله يرحمها. قالها بصدق وحنين، واختبأت هي بين ذراعيه إلى أن تحدث فارس من خلفهما قائلاً: المأذون وصل يا خالي. تعمدت كاميليا ألا تنظر إليه، لكنه استوقفها قائلاً لطاهر: اسبقنا يا طاهر بيه. هقول لبنتك كلمة سر. طاهر بتعب جاهد في إخفائه: متتأخروش ياض. فاهم. فارس بحب: حاضر. دقيقة بس.

غادر طاهر، وحاولت كاميليا فك قبضته التي يحكمها من حولها قائلة: سيب إيدي. خلينا نخلص. فارس بجدية: نخلص من إيه؟ ده إحنا هنبدأ، وبعد دقايق هتبقى المدام. كاميليا بغيظ: في أحلامك إن شاء الله. أنا بس وافقت علشان خاطر بابا. لكن أنا مش طيقاك من الأساس. روح سافر وعيش حياتك زي ما كنت بتخطط. فارس بوله وإعجاب متجاهلاً حديثها: بحبك يا كاميليا. عضت شفتيها بخجل، وابتسم هو ليميل هامساً بالقرب من أذنها:

بلاش تكشري تاني. اضحكي علشان خاطري وعلشان بابا. كاميليا بحزن: خاطرك انت لأ. بابا ماشي. فارس: وأهون عليكي؟ أدمعت عيناها قائلة: ملوش لزوم تمثل عليا. انت كنت هتسافر وهتسبني، ولولا تعب بابا كان زمانك مشيت. فارس بجدية: نفسي أفهم بتألفي الحوارات دي وتصدقيها إزاي؟ يابنتي أنا بحبك. اعمل إيه علشان تصدقي؟ كاميليا بضعف: أنا مش عاوزة أصدق حد، ولا محتاجة حد غير بابا. فاهم!

فارس بغيظ: حاضر. فاهم يا كاميليا. اتفضلي خلينا نخرج، وبعدين نتكلم براحتنا. *** ثلاثة أشهر انقضت سريعاً. مازال مصطفى يخضع لعلاج مكثف عله يشفى مما أصابه. مازالت قدمه اليمنى تؤلمه بشدة. أصابه شيء من الاكتئاب عندما أخبره الطبيب أن الإصابة كانت قاسية وربما تترك بمشيته بعض العرج. غضبه كان أهوجاً، بادئ الأمر، ولكن رضوى استطاعت إلى حد بعيد احتواء غضبه. دَلفت إليه فوجدته كعادته صامتاً. ابتسمت إليه قائلة: وبعدين يا مصطفى؟

هتفضل بعيد عننا كده؟ ما تطلع تقعد معانا. مصطفى: لو وجودي مضايقك أروح أقعد في أي داهية. تنفست بعمق وتعب وجلست إلى جواره تتحدث بهدوء وصبر قائلة: مفروض انت اللي تصبرني وتقولي اطمني متخافيش. مش انت دكتور ومتعود على الحوادث والإصابات؟ إيه اليأس ده؟ مصطفى: وانتي هيفرق معاكي إيه؟ أنا اللي مستقبلي وحياتي كلها هتدمر. هبقى أعرج يا ست رضوى. رضوى: ليه كده يا حبيبي؟ الدكتور قال بالوقت هترجع زي الأول.

مصطفى: لأ يا رضوي. ده كلام إحنا بنطمن بيه المرضى. أنا بموت من الألم ومفيش جديد. رضوى بحب رغم الأسى، تنهدت بهدوء وضَمَّته بحميمية: طيب ليه مصمم تحبس نفسك هنا؟ البنات بيسألوا عليك. حتى أمك يا مصطفى، أكيد بتتعب لما تشوفك بالشكل ده. مصطفى بعجز: سيبيني براحتي. رضوى: طيب أقولك خبر يمكن يفرحك شوية؟ مصطفى بترقب: يفرحني؟ ياريت بس معتقدش إن في حاجة تفرح اليومين دول.

رضوى بتوتر: أنا عملت سونار امبارح. والدكتورة قالت حامل في ولد. لمعت عينا مصطفى بسعادة وأمل، ولم يفلح في كبح ابتسامته، وانتقلت سعادته إلى رضوى التي قالت بتردد: بس ياريت متقولش قدام ماما. لحسن لو ولدت ومجاش ولد هتدبحني. قهقه مصطفى متذكراً ما حدث أثناء ولادة سوزي لطفلتيها وما فعلته والدته، ولم يعقب بل اكتفى بإيماءة خفيفة ختمها بضمة لرضوى إلى جواره هامساً: خليكي هنا يا رضوى. أنا محتاجلك أوي. ***

لحظات النهاية قاسية وكأنها انتزاع لروح من أخرى. كلاهما يتشبث بشطره إلى أن يعلن القدر أنه قد حان وقت الرحيل. اقتربت كاميليا من جسد والدها تصرخ بجنون، تصيح بمن حولها قائلة: ابعدوا عن بابا. متغطوش وشه كده يا مجانين. يا باااابا قوم علشان ميلا حبيبتك. يا باااابا. ضمها فارس بكامل قوته، لكن قوة انكسارها كانت أشد، فدفعته بغضب تسبه ولا تدري ما تقول. اقتربت عمتها قائلة: يا حبيبتي حرام كده. استغفري وادعيله.

كاميليا بضعف وانفاس متقطعة، عيناها معلقتان بجثمان والدها ودموعها تنهمر بلا توقف: يا عمتو خليهم يسيبوا بابا. شايفة عاملين إيه؟ هو لسه عايش صدقيني. قال فارس بجدية موجهاً حديثه إلى الرجال المحيطين بطاهر: جهزوا كل حاجة يا رجالة. والغسل أنا اللي هقف عليه. اشتد صراخ كاميليا إلى أن وصل حد الانهيار، فحملها فارس وأخرجها إلى غرفة بعيدة وهمس إلى والدته قائلاً: خليكي معاها يا ماما. متخليهاش تخرج لحد ما نحضر الدفنة. ***

دَلفت سوزي إلى عش الزوجية الجديد، ترتدي فستان زفافها الأبيض الذي أصر تامر أن ترتديه لربما يمحو من ذاكرته اقترانها برجل سواه. رغم عيوبه ورغم صدها له، إلا أنه يعشقها منذ نعومة أظافرها. نظرت بإعجاب إلى أثاث ومحتويات الشقة الفخمة، وابتسمت بعدما نظرت بشيء من الفخر إلى هيئة تامر الجديدة. لقد فقد الكثير من وزنه مما زاده وسامة. ارتدى ما اختارته له هي، ولكن يبقى بعض التعديلات التي تود إجراؤها.

فاقت من شرودها على اقترابه الشديد منها وهمسه قائلاً: يلا بقى يا سوزي. أنا بحبك أوي ومستني اليوم ده من زمان. سوزي بخوف: ماشي يا تامر. اصبر انت متسربع كده ليه؟ حملها تامر قائلاً دون تردد أو تجميل لحديثه: هستنى ليه؟ يعني هي أول مرة تتجوزي؟ فكي كده يا حبيبتي. ده أنا بحلم باليوم ده من سنين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...