كانت معركة حامية من أجل حياتها، محاولات قاتلة حتى تستطيع الحياة، واجهت "رحيل" أسوأ لحظات حياتها على الإطلاق، وهي تكافحهم حتى لا تطالها يداهم المغموسة بالدماء.
دخلت دورة المياة وهمّت تغلق الباب بسرعة؛ لكن إحداهن وضعت قدمها حائلًا دون إغلاق الباب، وظلت تدفع به حتى تقذف بها للداخل؛ لكن "رحيل" عافرت من أجل أن تعيش، وهي تواصل الصرخات المستغيثة منادية بأسم زوجها، ولكن المسافة بينهما بعيدة جدًا للحد الذي أعجزها عن إرسال الإستغاثة إليه. *** جانب آخر
تأفف "هاشم" منزعجًا من مماطلة "حمدي" وإلحاحه المستمر للحصول على ملكية الأرض بأي ثمن، حتى إنه فرش الأرض أسفل أقدامه بمبالغ طائلة؛ لكنها لم تغري "هاشم" على الإطلاق.
ذلك الإصرار الذي جعله يرتاب، ويحس بشيء غير طبيعي يدور من حوله، وبدأ عقله ينتبه لإشارات الخطر التي انبعثت من عقله الباطن الذي صوّر له الغدر على هيئة صوت غراب، ذلك الطائر الذي يبغضه ويعتبره علامة على الشؤم والخراب، فانسحبت عيناه تلقائيًا لشرفتها التي ظهرت الإضاءة من خلفها، وصُمّت آذانه عن سماع أي شيء في تلك اللحظة المقلقة، حتى أصبح خياله واقعًا، ورأى إحدى الخادمات تهرع ركضًا إليه وهي تصرخ مستغيثة، فانخلع قلبه وهو يترك "حمدي" واقفًا هكذا ليعدو بخطواته نحوها، ليستمع
إلى كلماتها المبهمة: -الست بتصرخ فوق، سمعتها وأنا في الحمام، بتصرخ جامد وتنادي عليك يابيه. ركض "هاشم" بدون أن يضيع وقت في الانتظار، وكلما اقترب أكثر كلما سمع صوتها يدنو منه أكثر وأكثر.
امتدت يده تسحب سلاحه المرخص من خصره، وسحب الأمان مستعدًا لإطلاق النار في أي لحظة، ثم فتح الباب واندفع بالدخول ليجد تلك المعركة الدائرة على الفراش، بين تلك القاتلة المشؤومة وبين "رحيل" التي تدافع عن روحها حتى الرمق الأخير، وفي غمضة عين، بين لحظتين فارقتين كادت بينهن أن تسحب نصل السكين الذي بات على شفى نحرها، كانت رصاصة "هاشم" تخترق ضلوعها لتفسد عملية غادرة حقيرة استهدفت تلك البريئة، لتقع بجوارها تلك القاتلة جثة هامدة تعافر بأنفاس أخيرة، وسط صدمة "رحيل" التي لم تعي بعد ماذا يحدث، وكأن دماغها قد تعطلت كليًا عن العمل، وبقى المشهد السائد أمام عيناها ينحفر في ذهنها بقسوة، مشهد لن تنساه أبدًا.
*** لم ينتظر "حمدي" ثانية أخرى بعدما غادر "هاشم" مهرولًا، وعاد أدراجه نحو سيارته التي دخلت الممر واستقرت فيه، لكي يفر من أرض عدوه قبيل أن يكتشف لعبته ويقبض على روحه دون تردد. غادر بدون يثير أي شكوك من حوله، فقد كان ممثلًا بارعًا في تجسيد الثبات، بينما داخله كقطعة الورق الممزقة التي تتناثر قصاصاتها.
مرّ من أمام الحرس بدون أن يُسأل عن شيء، وغادر مرتعبًا من أن يكون مخططه قد فشل في تأدية مهامه، حينها لن يكون قد خسر الأرض فقط؛ بل وعليه أن يتجهز لرد الفعل الذي سيواجهه من ذلك المجنون الذي ورث الجنون عن أبيه وطوّره ونمّاه أيضًا. رن هاتفه باسم زوجته لتشتعل النار في عروقه، فأجابها صائحًا: -ابعدي عني الساعة دي يا وش الخراب.. شورتك المهببة هتجيبنا كلنا الأرض.. معرفش ماتت ولا عايشة! .. غوري، بقولك غوري.
أغلق الهاتف مقاطعًا وهي تتحدث إليه، حتى تدخل سائقه الصبي الصغير في الحوار معاتبًا إياه: -قولتلك بلاش ياسيدي.. الحوار ده هيفتح علينا النار من تاني.. وسيدي حسين حتى مش موجود معانا. صاح فيه "حمدي" غير متحملًا أي عتاب آخر: -اخــرس ياواد.. سيبني أفكر أعمل إيه في الورطة دي.
وتسلطت عيناه على الطريق المظلم الذي يضيئه بضع إضاءات جانبية خفيفة، وكأن عقله أصيب بنفس الظلمة، عاجزًا عن التفكير، كل ما يحط على عقله هو نتيجة ما حدث، خاصة إن كان فعله قد أتى بالفشل. *** لم تفترق عن ذراعيه، وجسدها يرتجف رجفات مرتعدة، لم تتخلص من خوفها الشديد منذها، ويده تضغط على جرحها الذي نزف كثيرًا، على الرغم من كونه ليس عميقًا.
رفع الرجال تلك الجثة وحملوها ملفوفة بغطاء السرير، ثم غادروا الغرفة ومن خلفهم اثنين آخرين وقد قبضوا على تلك المرأة التي ضربتها "رحيل" بذراع الصنبور الحديد في دورة المياه، حيث كان مغشيًا عليها بعدما غرقت رأسها بالدماء، فأجبروها على النهوض للتحفظ عليها، بالتأكيد ستكون الواشية التي ستؤكد شكوكه.
خرج الجميع وسط نظرات "هاشم" المظلمة، غاضبًا يكاد الدخان يخرج من أذنيه من فرط الانفعال الذي يكتمه، حتى تتمكن هي من الهدوء واستعادة توازنها الانفعالي؛ لكنها لا تهدأ بأي شكل. أصابعها التي تتمسك بقميصه، والدموع تفيض من عيناها كشلال ينهمر بلا توقف، كانت تضاعف من مشاعر الضغينة التي نمت فعليًا في صدره. دخلت الخادمة بعدما طرقت الباب، ومازالت تعابير القلق على وجهها جلية، وعيناها على "رحيل" التي أشفق عليها:
-الدكتور جه تحت.. أطلعه؟ -آه.. بسرعة. انصرفت الخادمة، فابتعد "هاشم" قليلًا عنها وهو يقول: -ارتاحي يا رحيل عشان الدكتور يشوف الجرح اللي في رقبتك.. متقلقيش أنا جنبك. أرخى ظهرها للخلف وكشف عن جرحها ليطمئن أن نزيفه توقف، فوجده قد بدأ يتماسك، لكنه أظهر بعض التورم وكأنه أصيب بالتلوث. ذم على شفتيه أثناء دخول الطبيب وهو يلقي التحية: -سلامو عليكم. أشار له "هاشم" كي يتقدم بدون أن يرد السلام:
-تعالي شوف الجرح ده يا دكتور.. بدأ يورم ولونه غريب. كشف الطبيب عن الجرح بالكامل وفحصه ظاهريًا، ثم فتح حقيبته وهو يقول: -مش هيحتاج خياطة.. بس لازم يتطهر كويس وناخد مضاد حيوي ومضاد التهابات تحسبًا لأي تلوث ممكن يكون حصل.. ويكون أفضل لو روحنا المستشفى. -أتصرف هنا مؤقتًا.. وأنا هنقلها مستشفى في القاهرة بعد ما تخلص. -حاضر.. حالًا. نظر إليها "هاشم" ومازال مختنقًا بسبب الحالة التي وصلت إليها، ثم هتف بـ:
-متخافيش.. خلاص محدش يقدر يدخل هنا تاني. ثم التفت ليخرج، فكان "مراد" في انتظاره بالخارج، ولا يقل عنه غضبًا وقلقًا: -ها؟ .. طمني. نفخ "هاشم" وهو ينظر لساعة يده: -ملحقوش يعملوا حاجة المرة دي.. بس طالما النية موجودة يبقى لازم آخد بالي بعد كده.. أنا هسيبك هنا مكاني.. هروح مشوار ساعة وراجع. قطب "مراد" جبينه وقد استنبط بسهولة ما يجول في عقله: -رايحله؟ -أمال هسيبه بعد اللي عمله!!
أحمرت عيناه وقد اندفعت الشعيرات الدموية مسببة تلك الظلال الحمراء القاتمة: -ده دخل بيتي وحط عينه جوا عيني وهو بينصب فخ من ورايا.. لو مخدش اللي يستحقه مني يبقى استاهل اللي حصلي منه. أعطاه ظهره وانصرف، وقد علم "مراد" أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام، وأن "هاشم" سيستغل تلك الفرصة لكي يجعل صفعته لآل طحان أشد إيلامًا، لقد رأى ذلك في عيناه التي أحيانًا تبوح بمكنونات صدره بكل صراحة.
كان الحرس قد احتبسوها في القبو كما أمرهم، وقيدوا حركتها تمامًا لكي لا تسبب الإزعاج لهم. دخل "هاشم" وهو ينظر نحوها كالصقر الجارح، وسأل قائلًا: -دفنتوا اللي كانت معاها؟ -خلصنا ياباشا.. وكله نضيف نضيف. سحب "هاشم" سلاحه ووجهه إلى رأسها، كانت واعية تمامًا بعدما استعادت كامل إدراكها، فشهقت شهقة عالية وهي ترجو مغفرته: -أبوس يدك اعتقني، أنا عبد المأمور. خبط رأسها بفوهة السلاح وهو يسألها مرة واحدة: -مين اللي بعتك؟!
حاولت تفسير الأمر له، ولكن بدأت جملتها بداية خاطئة، جعلت الثمن لذلك غاليًا: -معرفش، أنا آ...... آآآآآآه أطلق رصاصة على كفيها المقيدتين قبل أن يعاود السؤال: -هسأل تاني لآخر مرة، قبل ما الرصاصة التانية تكون في دماغك.. مـين ؟؟ آهاتها المزعجة دفعته لسماع جملتها كاملة، قبل أن يهدر حياتها تمامًا: -والله ما أعرف.. إحنا بناخد الأوامر والعنوان ونص الفلوس بس، ماليش أسأل والله.. آآآآآه. أبعد السلاح عن رأسها ليقول:
-يبقى دليني على اللي مشغلك. *** خرج من القبو ومن خلفه عصبة من الرجال، ثم التفت إليهم ليقول: -عرفتوا هتعملوا إيه؟ كانوا منقسمين لمجموعتين، وكل مجموعة وكّلت إليها بعض المهام: -تمام يا باشا.
أشار لهم للتحرك، بينما سار هو ومن خلفه رجلين اثنين، وقد قرر السيناريو الذي سيتحرك به، وكأنه راضي تمام الرضا عن الخطة المحكمة التي وضعها خلال دقائق فقط، ولن يستغرق تنفيذها سوى ساعة على أقل تقدير، ساعة واحدة وستكون البلدة جمرة من النار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!