كأن النار نشبت في الهشيم، فتحولت الدار كلها لجمرة من نار، تحرق كل من يلمسها. في اللحظة التي وصل فيها إخطار المحكمة بالقضية المرفوعة على "حمدي الطحان" كانت العائلة مجتمعة على مائدة الإفطار، فتشتت الجمع وهاجت الأعصاب وتمردت الأبدان على هول الخبر. هذه المرة الأولى التي يتمرد فيها أحد أفراد العائلة على كبيرها، والمرة الأولى التي تطالب فيها أنثى بحقها في الميراث الشرعي من أبيها وزوجها، رغمًا عن الأعراف والتقاليد التي تمنع تقليد النساء للأملاك والأراضي، والتي سادت في أغلب القرى الريفية والأماكن البعيدة عن العاصمة المتفتحة
-من وجهة نظرهم هبطت "جليلة" على صوت "حمدي" المنادي لها، فارتعدت أوصالها ظنًا بأن مكروهًا قد أصاب وحيدتها، وهرعت للأسفل وهي تسأل مرتعبة: -في إيه ياحج؟ .. إيه اللي حصل لكل ده؟! أجابت "سعاد" بصياح، كأنها لم تكتفِ بحالة الهياج التي أصبح عليها زوجها وابنها فأرادت إضرام النار أكثر: -تعالي ياختي شوفي تربيتك الشوم، بنتك بتتجرأ وترفع قضية على عمها الكبير! هي دي آخرة المعروف اللي عملناه فيكوا؟!
بدأت "جليلة" تهدأ نسبيًا، ومازالت دقات قلبها كقرع الطبول المزعجة، ثم أردفت بفتور شديد لا يتناسب مع حالة الذعر التي كانت عليها منذ لحظات: -معروف إيه ياسعاد؟ أوعي تكوني فاكرة إنك بتاخدي من جيبك وتديني، إحنا محدش له أفضال علينا. لم ينتظر "حمدي" نهاية الحوار الحريمي الذي لن يؤتي بالنفع، وتدخل لإنهاءه بسؤال سيطر على عقله: -بنتك عملت كل ده لوحدها إزاي يا ست جليلة؟ ولا في حد بيساعدها واحنا منعرفش! تدخل "حسين" بدوره
وقد بدأت الشكوك تساوره: -طبعًا في حد وراها؟ ده في محامي وأتعاب ومشاوير رايح جاي.. مين اللي ورا رحيل يا خالة جليلة؟ ما تريحينا بدل ما عليا النعمة لأكون دافنها بالحيا. لم تأبه لتهديده الفارغ، معتقدة أن ابنتها في أمان ولا خوف عليها: -اللي معاه الحق ميخافش ياحسين.. استحِ وانت بتتكلم عن مرات أخوك اللي انت طمعان فيها، وأدونا حقنا خلونا نمشي من هنا من غير ضرر ولا ضرار، وإلا بنتي هتكمل في طريقها وتجيب حقها غصب عن عين التخين.
حملق "حمدي" مندهشًا من تجبرها وثقتها المبالغ فيها بابنتها، وكأنها تعلم أن من ورائها يستطيع حمايتهم من أي بطش: -هي بقت كده يا مرات أخويا؟ طب عليا وعلى أعدائي، لما نشوف مين فينا هيكسب. تلوت شفتي "تيسير" وقد بدأت الغيرة تشتعل بصدرها، كونها قارنت ضعفها الخائر بقوة تلك المرأة التي تطاولت على أبيها وأخيها وطالبت بحقها الشرعي في الميراث أيضًا، فـ أرادت أن تبثق سمها بدلًا من أن يحرق حلقها إن بات مكتومًا:
-أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده يا مرات عمي.. ده بدل ما توعي بنتك وتقوليلها ملهاش غير بيتها وأهلها! هي يعني كان ناقصها حاجة ولا محتاجة حاجة وأبويا اتأخر عنها عشان تروح لسكة المحاكم! ولا هو أي تمرد والسلام! ضربت "جليلة" كفًا بكف، وانطلق سعيها لتأديب "تيسير" بدلًا من الحديث عن ابنتها والتعليق على كل أمر يخصها: -بقولك إيه يا تيسير! انتي واحدة معاكي إعدادية يا حبيبتي، يعني عمرك ما هتفهمي زي بنتي اللي دخلت الجامعة.
ثم نظرت لـ "حمدي" لكي تذكّره بجريمته في حق ابنتها: -لولا أبوكي كان زمان بنتي معاها شهادة جامعية! بس هقول إيه! ، الله يرحمه حسن ملحقش ينفذ وعده معاها ويرجعها الجامعة تاني، أبوكي برضو هو اللي حرك بنتي من جوزها، فـ ميجيش دلوقتي يكمل علينا ويجوزها التاني غصب.. إحنا مش زيك يا تيسير ولا عمرك هتتساوي ببنتي أبدًا. كادت "سعاد" تتهجم عليها لولا وقوف ابنها "علي" حائلًا أمامها، وصوتها يصدح في المنزل كله من أعلى للأسفل:
-قطع لسانك يا خرفانة انتي! مالها بنتي يا ختي؟ على الأقل مش دايرة على حل شعرها وهربانة منعرفش سكتها فين. أبعد "علي" بأمه قليلًا وهو يحثها على التوقف عن ذلك: -كفاية ياما بقى! أشار "حمدي" لولده الأكبر "حسين" وهو يقول: -تعالي ورايا يا حسين نشوف هنوصل للبت دي إزاي وسيبهم ياكلوا بعض.. أنا مش فاضي لهري الحريم ده.
لم تنتظر "جليلة" سماع كلمة أخرى، وصعدت الدرج متجاهلة صوت "سعاد" وكلماتها الجارحة وألفاظها الفظة، غير قادرة على الاستمرار في مناوشات الكلام تلك، بينما كانت "منال" تراقب ما يحدث من الأعلى، شامتة بكل ما يحدث من مشاجرات قد تؤدي بدورها لإعاقة تلك الزيجة التي تخشاها، وحينما قابلت "جليلة" على أول الدرج همست لها تطمئنها: -الأمانة وصلت مكانها يا خالتي.. وربنا يقدرني على فعل الخير. أومأت "جليلة" برأسها متفهمة:
-جميلك مردود يا منال.. عن إذنك. كانت عيني "حسين" تتطلع لتلك اللحظات التي جمعت زوجته بزوجة عمهِ، حاملة همسات لا تُسمع، مثيرة ببواطنه الريبة من ذلك التقارب المفاجئ بينهما، في حين أن "منال" تكره "رحيل" وأمها من قديم الأزل، وذلك التناقض هو ما زرع الريبة بأحشائه، وجعله يفكر في الأمر مليًا، قد تكون البذرة الفاسدة التي ألقت بـ "رحيل" خارج حدود الدار هي زوجته المصون، وحجتها في ذلك هو الحفاظ على زوجها!
تلاعبت الظنون برأسه وجعلته مشتتًا، منتويًا الوصول لحقيقة الأمر بأي طريقة وبأي ثمن، ولكن الوصول لذلك سيتطلب بعض الدهاء. ***
كان يرمقه بنظرات منزعجة، رافضة للنهج الذي سلكه لتنفيذ مطامعه الخاصة، مما سيؤدي بحياة إنسانة لحافة الهاوية، وقد ترك كل ذلك خلفه بدون حتى أن يفكر. تركت "عبير" فناجين القهوة على المنضدة الزجاجية المستطيلة، ثم انصرفت لتتركهم منفردين بتلك الغرفة الزجاجية التي صنعها في حديقته، وما أن رأى "هاشم" ذلك الاستنكار متشكلًا على ملامحه هتف معترضًا: -انت مضايق أوي كده ليه كأنها قريبتك مثلًا! زفر "مراد" وهو يجلس في مقعده مجيبًا:
-مكنش لازم تعمل كده يا هاشم، البنت ملهاش ذنب تستخدمها وسيلة عشان تضرب حمدي الطحان! دهس "هاشم" سيجارته بالمنفضة قبل أن تنتهي، ثم أردف بـ: -أنا مش بضرب حد.. هي اللي فرضت عليا أمتى تقعد وامتى تمشي كأنها زريبة أبوها تدخل وتخرج وقت ما تحب! قطب "مراد" جبينه بغير اقتناع بتلك الحجة الواهية: -انت اللي عرضت عليها مساعدتك! -وانت فرضت عليا ضيفة كان ممكن أرفض وجودها في بيتي. -بس انت قبلت! -كل حاجة ليها تمن.. حتى المساعدة.
انفعل "مراد" رغمًا عنه وقد أحس بتأنيب الضمير، جراء ما قد يحدث لمصير تلك الفتاة من عقاب شنيع قد يودي بحياتها للهلاك حرفيًا: -إحنا مش في كندا يا هاشم! أهلها لو بس سمعوا باللي حصل هيقتلوها من غير ما يسموا عليها.. البت كده راحت في شربة مياه وانت مش حاسس. نفخ "هاشم" بإنزعاج، مانعًا نفسه من الإنسياق وراء عاطفته التي قد تجرفه للندم على قراره:
-ما خلاص بقى يا عم الحنين.. متقلقش أنا مش هسيبها تموت، أنا بس عايزها ترجع تاني برضاها. ضاقت عينا "مراد" بفضول لسماع الجزء الثاني من مخططه اللئيم: -ترجعلك إزاي! نهض "هاشم" واقفًا مستقيمًا، ودسّ كفيه في جيوبه وهو يجيب: -يعني لازم تفهم إن كل مكان بعيد عني خطر عليها، مش لازم تحس بالأمان غير عندي هنا. شبك "مراد" ذراعيه أمام صدره وهو يسأل بفضول أكبر: -بأمارة إيه؟ انت مين بالنسبالها عشان تكون الأمان الوحيد اللي هتلجأله.
كان جواب "هاشم" مثير للاستفزاز أكثر وأكثر: -صديق مخلص. -مخلص! أشعل "هاشم" سيجارة أخرى مفصحًا عن قلقه الأكبر: -أنا عندي مشكلة أكبر من إني أشيل هم بنت الطحان يا مراد.. ليلى اتعلقت بيها أوي مع إنها مقعدتش معاها غير 3 أيام بس.. أنا قولت مفيش حد غيرك هيقدر يسد الفراغ ده لحد ما أنزل القاهرة أشوف موضوع كاميليا. -هي كلمتك؟ غطت تعابير الغطرسة على وجهه وهو يجيب متباهيًا:
-طبعًا.. محدش غيري هيقدر يساعدها، أنا البطل المنقذ في نظرها دلوقتي. -طب والشغل اللي متعطل ورانا ده مين هيركز معاه!؟ حوار كاميليا خد مننا كتير أوي. نظر "هاشم" في ساعة يده وهو يقول: -خلاص مش فاضل كتير.. بس أنا لازم أتحرك دلوقتي عشان أرجع في نفس اليوم. تحرك "هاشم" للخروج عبر الباب الزجاجي الذي ينفتح تلقائيًا بعد استشعار قرب أي شخص منه ومن خلفه "مراد": -متتأخرش.. أنا كمان محتاج أرجع النهاردة.
أشار له "هاشم" كتعبير عن إنه تلقى المعلومة بنجاح، ثم مضى في طريقه نحو البوابات، عقله منشغلًا بكلمات "مراد" التي أصابته بقليل من القلق، فأشار لأحد الحرس الرابضين على البوابة من الداخل ليأتي إليها هرعًا، فسأله: -إنت اتأكدت إن الهانم اللي وصلتها الصبح طلعت البيت إياه بسلام مش كده؟ -آه ياباشا.. استنيت لحد ما طلعت فوق زي ما قولتلي.
-تروح دلوقتي وتفضل قدام البيت تراقب الوضع هناك إيه ولو في أي وضع مريب تكلمني على طول.. من الآخر كده أمان البنت دي مهمتك. -أوامر ياباشا. تابع "هاشم" طريقه وقد أحس ببعض الراحة، إذ إنه ضمن بذلك ألا يصيبها مكروه نتيجة فعلته، على الأقل لا يتسبب في خسارة روح أخرى من بيت آل طحان. *** كانت في غرفتها تمشط شعر صغيرتها البالغة من العمر ثلاث سنوات، حينما دخل زوجها مندفعًا وكأنه سيقتل أحدهم، ففزعت "منال" وهي تراقب تحركاته بالغرفة
يبحث عن شئ ما تجهله: -بسم الله الرحمن الرحيم.. في إيه يا حسين! أخرج "حسين" سلاحه المدسوس بين ملابسه في الخزانة، وبدأ يفحص خزينة الرصاص إن كانت مملوءة أم لا. انقبضت "منال" من رؤية السلاح، فالمرة الأخيرة التي أشهر فيها زوجها سلاحه كانت ليلة مقتل شقيقه "حسن". نهضت على الفور وأخرجت الصغيرة من الغرفة وهي تهتف بنبرة مفزوعة: -انزلي يابت ألعب مع أخواتك.. يلا. ثم ركضت عليه تسأله بتخوف: -إيه اللي حصل يا أخويا قلقتني!
رايح على فين بالسلاح كده؟ ملامحه تغبّرت بالشر، وعيناه تكاد تطلق شررًا محمومة وهو يجيب: -خلاص عرفت هي فين الـ ××××.. هروح أجيبها لحد هنا يا أما مسحولة يا أما مقتولة. انتفضت "منال" وقد نجح "حسين" في بث الرعب في نفسها، وتلجلجت نبرتها وهي ترجوه: -بالله يا حسين بلاش.. السلاح يطول يا خويا وانت عين الحكومة عليك من ساعة الخناقة الكبيرة.. وحياة عيالك يا شيخ. دفعها "حسين" بقوة فـ ارتدت للخلف: -بعدّي عني.
وخرج من الغرفة قاصدًا الشر، فهرعت "منال" من خلفه لتنقذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يصل زوجها لتلك الفتاة فتتعكر يداه بدماء جديدة قد تزجّ به طيلة حياته بالسجن. توجهت على الفور لغرفة "جليلة"، فهي الوحيدة التي على تواصل مع "رحيل"، ودخلت إليها باديًا عليها الذعر وهي تقول: -ألحقي يا أم رحيل.. حسين عرف مكان بنتك ورايح دلوقتي يجيبها.. اتصرفي بسرعة وكلميها الله لا يسيئك. ارتعشت "جليلة" بخوف شديد، وأمسكت هاتفها
بيدين مرتجفتين وهي تقول: -طب ما تكلمي أمك يا منال خليها تنزلها بسرعة! -وهي أمي لو معاها تليفون كنت جيتلك! أبوس إيدك كلميها بسرعة. تجسس "حسين" على حديثهم فصدق حدسه، وعلم المخبأ الذي تكون فيه بخدعته الصغيرة، لم يضيع الوقت بحساب زوجته المتآمرة، وهبط الدرج بعجالة وهو يهمس بـ: -أنا هربيكي يابنت الـ ××.. بقى بتستغفليني يا منال! ورحمة أبوكي لتدفعي الثمن.
لم تستطع "جليلة" الوصول لرقم ابنتها الذي حصلت عليه من "هاشم" مؤخرًا، إذ كان مغلقًا أغلب الوقت، فـ ضاق عليها صدرها وهي تهمس بـ: -مقفول.. أكيد الشبكة وحشة عندها! يارب أنقذ بنتي منهم يارب. ثم نظرت إليها تسألها: -انتي عرفتي منين يامنال؟ لم تقوَ "منال" على تمالك أعصابها حتى الآن، وأجابتها وهي تجلس على طرف الأريكة: -حسين اللي قالي إنه لقاها.. كان خارج بالسلاح ومستحلف. توقفت "جليلة" عن محاولة الاتصال بابنتها، وقد أحست بشيء
ما غير منطقي بالموضوع: -يعني حسين عرف إنها عند أهلك وسابك كده بسهولة من غير ما يحاسبك؟ اتسعت عينا "منال" وقد غفلت بسبب الخوف عن التفكير في ذلك: -هـه! صاحت فيها "جليلة" وقد كشفت المغزى الذي وقعت فيه كلتاهما: -هه إيـــه!! .. حسيـن رسم عليكي لعبة يا مـنال ويا عالم وصل إيـه. ضربت "منال" على صدرها ولطمت على وجهها وهي تقول: -يالهوي يالهوي.. يعني عرف إني وراها.. يا مصيبتي الســودا. ***
كان يجلس بغرفة رئيس المباحث شخصيًا، ينتظر قدومها من محبسها وقد تأجل استجوابها أمام النيابة للغد، حتى أتت إليه بكل انكسار، في صورة لم يراها عليها من قبل أبدًا. استقبلها "هاشم" بكل مرونة، ووقف حتى أجلسها أمامه، ثم سألها بهدوئه الرتيب: -طمنيني عليكي.. المحامي قالي إنك هتباتي في الحجز النهاردة؟ كادت تنفجر من البكاء لولا إنها تماسكت أمامه قليلًا وهي تقول: -أنا مش مصدقة اللي بيحصل ده! ربت على كفها وهو يقول:
-أهدي طيب.. أنا قريت المحضر وعرفت إن اللي عملت المحضر قدمت كشف طبي بيثبت إن اللي حصل في وشها ده ممكن يوصل لعاهة مستديمة.. إزاي تغلطي غلط زي ده؟ انسابت الدموع من بين جفنيها، وبدأ صوتها يتشنج وهي تقول: -أنا مش فاهمه إزاي ده يحصل في عيادتي! ده أنا حريصة جدًا في الحاجات دي وعمر ما في حالة اشتكت من عندنا. مطّ "هاشم" شفتيه مستنكرًا مبررها:
-بس دول لقوا عندك في المركز أجهزة بمواصفات تانية غير اللي بتقنعي بيها الحالات بتاعتك وغير اللي موجودة في إعلانات صفحاتك على السوشيال ميديا. أهتاجت "كاميليا" وهي تنهض عن جلستها فجأة تدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة: -كــذب.. كل الأجهزة عندي جاية من برا بمواصفات عالمية وانت عارف كده كويس.. ده انت بنفسك دفعت أكتر من نص فلوس المكن ده واحنا بنجهز المركز والفواتير اللي بتثبت ده معاك. قطب جبينه كأنه لم يتذكر ذلك: -أنا؟
الحقيقة مش فاكر. جحظت عيناها بذهول مما قاله، وتحجرت الدموع في عينيها وهي تسأله: -يعني إيه مش فاكر؟ أنا مستقبلي المهني كله واقف على شهادتك معايا في النيابة وعلى الفواتير اللي معاك! كان مسترخيًا للغاية وهو يكرر نفس الكلام: -أنا مش فاكر أي حاجة من اللي بتقوليها دي.. ومفيش معايا أي فواتير. ثقل لسانها، واستصعبت تقبل تلك الخيانة الصعبة: -انت آ... بتتخـلـى عن مراتـك! أشار لها لافتًا انتباهها للخطأ الذي تفوهت به:
-لأ معلش.. قصدك اللي كـانت مراتي، انتي دلوقتي طـليقتي.. ولا نسيتي! ضاق عليها صدرها غير مصدقة إنه سيكون غدّارًا هكذا: -هو ده الوقت اللي تقولّي فيه الكلام ده! أنا أم بنتك إزاي ترضالي السجن والبهدلة وانت واقف تتفرج عليا! وقف عن جلسته ليبقى قبالتها وهو يقول: -أرضى عادي.. كل حاجة وليها تمن يا كاميليا.. حتى الحرية، انتي طلبتي مني حريتك، ليه جاية تلزميني دلوقتي أدافع عنك وانتي بالنسبالي ولا حاجة؟
رمقتهُ بإحتقار شديد، حتى إنها اقتنعت إنه أتى خصيصًا لكي يشمت بمصيبتها: -انت مستحيل تكون إنسان سوي.. أنا ندمانة بجد إني اتجوزتك، ومستحيل أسيب بنتي معاك لحد ما تبقى شبهك.. بنتي فين عشان ماما تاخدها؟ أعلنها صراحة، ولم يدسّ عنها الخبر أكثر من ذلك: -مش هتاخديها، انتي أم غير صالحة لتربية طفلة.. وأنا مش هأمن على ليلى معاكي. حملقت فيه محاولة استيعاب ما يقوله، إلا إنه كان أكثر من قدرتها على الاستيعاب: -انت بتقول إيـه؟
مستحيل أقبل باللي بتقوله ده لو على جثتي. سحب "هاشم" هاتفه ومفتاح سيارته عن سطح المكتب وهو يقول: -وأنا مسألتش انتي هتسمحي ولا لأ.. اللي عندي قولته، أنسي بنتك دي خالص، انتي دلوقتي هتبقي رد سجون وأنا مقبلش أم بنتي تكون واحدة غشاشة زيك. قبضت على ياقتهِ تكاد تغرز أصابعها في عنقهِ تخنقهُ وهي تصيح: -أخـرس ياحـيوان.. هاخدها يعني هاخدها ياهاشم.. مستحيل أسيبلك بنتي مستــحيل.
دخل العسكري أثر صوت الضجيج والصراخ الذي أتى من الداخل، وحاول الفكاك بينهما ليصيح "هاشم" قائلًا: -خدها يابني أحسن تلبس قضية قتل عمد كمان.. دي اتجننت خالص. مازالت تصرخ حتى بعد أن سحبها العسكري عنوة: -مش هسيبهــالك يا هـاشـم.. مش هســـيبـلك بنتـــي. نفض "هاشم" ثيابه متعجرفًا، ثم همس وهو يخرج من الغرفة: -أما نشوف هتسيبسها ولا لأ يا كوكي. ***
أخيرًا توصلت "جليلة" لابنتها لتبلغها بضرورة الهرب من المنزل الذي استضافها يوم واحد فقط، بعدما علمت بأن أمرهم قد انكشف بلعبة "حسين" عليهن، فـ لم تتأخر "رحيل" عن ارتداء حجابها والركض بسرعة على الدرج المتهالك المتكسر حتى بلغت الشارع، وقد غربت الشمس وحلت الساعة السابعة مساءً بظلمتها لتغطي السماء. خرجت "رحيل" من الحارة الضيقة المؤدية للشارع الرئيسي، فتفاجئت بسيارة "حسين" وهي تدنو من الشارع وقد رآها تفرّ أمامه،
فصرخ بصوت وصل إلى مسامعها: -وقفـــي يا بـت عــمـي.. وقفـي مكانك. ركضت بأقصى قوة لديها، وسيارته تركض خلفها حتى وصل بالفعل إليها، فانحدرت عن الطريق الرئيسي لأحد الأزقة الضيقة التي يستحيل الدخول إليها بالسيارة، فما كان منه إلا أن يترك سيارته ويركض من خلفها وهو يصيح: -هـقـتلك يا رحــيـل.. وقفـــي بقـولك.
لم تسمع له، فالموت أهون عليها مما يتوعدون به، تكاد أنفاسها تتوقف من فرط المجهود الذي بذلته وهي تقاسي للهروب، وهو من خلفها كالآثم الذي يلتصق بجبين صاحبه حتى يموت، حتى قنط من محاولات اللحاق بها، فأخرج سلاحه وأطلق منه رصاصة في الهواء، قاصدًا إخافتها لتتوقف عن محاولات الهرب؛ لكنها هيهات كل تهتز، فتوقف عن الركض وهو يتناول أنفاسه اللاهثة بصعوبة، وصوّب سلاحه باتجاهها وهو يهمس بـ: -يبقى انتي اللي اخترتي بقى.
أطلق عليها بدون أن يرفّ له جفن، فسقطت أرضًا أمام السيارة الفارهة التي توقفت أمامها فجأة، ليهبط "مراد" من السيارة في عجالة، وحملها بين ذراعيه بدون ذرة تفكير واحدة، ثم ألقى بها في سيارته وهو يرى اقتراب "حسين" منهم: -وقـــف ياجــدع انت.. انت مـــين يــاواد! استقل "مراد" السيارة وبدأ يقتادها للهرب من هنا في أقصى سرعة مطلوبة، فتفاجأ بطلقة رصاص تخترق زجاج سيارته الخلفي ليتهشم قطعًا صغيرة، فهمس "مراد" من بين شفتيه:
-آه يابن الـ ×××× والله لأدفعك تمن الأزاز ده عربية كاملة. ونجح في الفرار بها من بين فكي الأسد، وهو لا يعلم أحـيّـةٍ هي أم مــيتــة؟ ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!