تحميل رواية ليلة هروب البائسة بقلم سيد داود المطعني pdf
بقلم سيد داود المطعني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ارحلي من بيتي يا كلبة، إياكِ تعودي هنا تاني. أنتِ طالق، طالق، طالق. حرام عليك، أروح فين بعد نص الليل دلوقتي؟ أبوس إيدك استنى لحد الصبح. مشى مجدي ناحيتها بكل قسوة، ومسكها من شعرها يجرجرها قدام أصحابه اللي قاعدين بيحششوا في الصالة. فتح الباب ورماها برة بدون رحمة. رفض يخليها تلبس حاجة فوق لبس البيت اللي عليها. رفض يخليها تاخد شنطة أيدها اللي فيها فلوسها وتليفونها وإثباتات شخصيتها. ورفض كمان يخليها تاخد ابنها الرضيع اللي بيصرخ جوة ده. طلعت مايسة في عز الليل للشارع، في منطقة عمرانية جديدة قريبة من ال...
رواية ليلة هروب البائسة الفصل الأول 1 - بقلم سيد داود المطعني
ارحلي من بيتي يا كلبة، إياكِ تعودي هنا تاني. أنتِ طالق، طالق، طالق.
حرام عليك، أروح فين بعد نص الليل دلوقتي؟ أبوس إيدك استنى لحد الصبح.
مشى مجدي ناحيتها بكل قسوة، ومسكها من شعرها يجرجرها قدام أصحابه اللي قاعدين بيحششوا في الصالة.
فتح الباب ورماها برة بدون رحمة.
رفض يخليها تلبس حاجة فوق لبس البيت اللي عليها.
رفض يخليها تاخد شنطة أيدها اللي فيها فلوسها وتليفونها وإثباتات شخصيتها.
ورفض كمان يخليها تاخد ابنها الرضيع اللي بيصرخ جوة ده.
طلعت مايسة في عز الليل للشارع، في منطقة عمرانية جديدة قريبة من الصحراء والجبل، مفيش فيها غير كلاب ضالة بتعوي.
مفيش حاجة تسترها، ولا حتى حذاء في رجلها يحميها من وخزات الإسفلت اللي ماشية عليه.
بتبكي وهي هتنفجر من العياط، بتندب حظها وخايفة من ولاد الليل اللي بيرجعوا من القهاوي شاربين مخدرات ومش شايفين قدامهم غير شياطين بترشدهم.
مفيش مكان لمايسة في المنطقة دي غير بيت خالها أكرم.
هو أكبر منها بسبع سنين، وبيشتغل عند جوزها في ورشة السيارات بتاعته، ومن شلة المخدرات اللي بتروح تحشش معاه في البيت.
مشيت المسكينة والرعب حواليها في كل مكان، مش عارفة تروح فين ولا تعمل إيه.
وخلت رجليها تسوقها لحد بيت خالها.
الساعة اتنين بعد نص الليل، وكل سكان العمارة نايمين.
عمارة خمس أدوار بس وملهاش بوابة ولا بواب، مفتوحة لأي حد يدخل ويخرج زي ما هو عايز.
وقفت مايسة تخبط على شقة خالها في الدور الخامس.
ملهاش جرس، والباب حديد علشان الحرامية أكتر من السكان في المنطقة دي.
خبطت كتير على الباب ومفيش حد بيرد، لحد ما كانت هتفقد الأمل وترجع.
لكن أخيرًا...
اتفتح الباب من جوة، وخرجت مرات خالها، بنت شابة عمرها تسعة وعشرين سنة، يعني أكبر منها بتلات سنين بس.
شعرها منكوش، ومكشرة، ضاربة بوز ينكد على مديرية كاملة.
أول ما شافت مايسة قدامها اتضايقت، وكشرت في وشها.
والـ...
ـمسكينة مش عارفة تتكلم من البكاء ورعشة البرد.
خالي هنا يا نجلاء؟
خالك راجع من الورشة مطحون، وفي سابع نومة دلوقتي.
ممكن تصحيه تخليه يلحقني.
لا يا مايسة مش هصحيه.
ارجعي بيتك بالقرف اللي انتي لابساه ده، الله لا يسيئك، روحي.
حرام عليكي يا نجلا، صحي لي خالي يشوف لي حل في المصيبة دي.
يا ستي حلي مشاكلك بعيد عنا.
جوزي مش مكفي مشاكلنا، لما هيشيل هم مشاكلك.
(مايسة بتنزل تبوس إيدها بلهفة وهي بتبكي)
أبوس إيدك يا مرات خالي، أبوس إيدك صحيه يجيب لي ابني.
أوف، مصيبة تاخدك انتي وابنك في يوم واحد.
خرج خالها على صوتهم، وكانت عيونه غالبها النوم.
عمره تلاتة وتلاتين سنة، وشنبه عريض وكبير، بس جسمه رفيع خالص.
شافها واتنرفز، وكأنها بعصبية:
إيه اللي في إيه يا مايسة؟ عايزة إيه؟ إيه اللي جابك دلوقتي؟
إلحقني يا خالي، مجدي طلقني وخد ابني مني، وطردني باللبس اللي انت شايفه.
وأنا هعمل لك إيه؟ ما هو طلقك سبع مرات قبل كده، وكل مرة كان تاني يوم بيرجعك.
روحي اقعدي عند بيتك للصبح يا مايسة، يكون جوزك فاق من السطلان اللي هو فيه وهيدخلك علشان تعملي له الفطار.
مش عايزة أرجع له تاني يا خالي، وعايزة ابني.
اسمعي يا مايسة! أنا بشتغل عند جوزك، ومش هستحمل منه أي شتيمة في الشغل بسببك.
روحي اترزعي قدام بيت جوزك لحد ما يفتح لك الباب الصبح زي كل مرة.
كرامتي يا خالي اتهانت، هانت كرامتي قدام المساطيل أصحابه.
كان عايزني أسيح لهم حشيش السهرة.
ولما رفضت ضربني وجرجرني من شعري.
أوووف، امشي من هنا يا مايسة، روحي عند أبوكي.
حلي عن سمايا، أنا عندي عيال زي أربيهم.
(خالها قفل الباب في وشها ورفض حتى يطلع لها عباية من عبايات مراته تستر بيها نفسها، كل ده علشان يجبرها ترجع لجوزها، ويتجنب التهزيء في الشغل)
مايسة نازلة والليل كل ماله وبيبان أوحش وأخطر، وتخويفه أكتر.
ماشية تبكي وتترحم على أمها.
أمها اللي ماتت وسابتها لوحدها تشوف الويل ده كله من صغرها.
خالها هو اللي رباها، وبسرعة قام مجوزها لسيده وتاج رأسه الحشاش، علشان ينفرد بالشقة.
الشقة اللي هي تورث فيها حق أمها، وكمان حق جدتها اللي كتبت لها نصيبها فيها علشان خالها ميطردهاش منها.
ومن يوم ما مايسة اتجوزت الحشاش ده وهي عايشة في عذاب.
كل يوم يحشش مع أصحابه في بيتها، ولازم تكون سهرانة، علشان تعمل لهم ساندويتشات الكبدة اللي بيجيبوها، قال إيه الحشيش بيخليهم يجوعوا.
مستنقع من القرف عايشة فيه مع واحد متخلف مش حاسس بقيمة النعمة اللي هي فيها.
وكل يوم يضربها بالحذاء ويشتمها بأهلها، وبخالها اللي شغال مرمطون عنده، وبيروح يشرب حشيش عنده ببلاش.
أصوات رياح مرعبة، مختلطة بأصوات كلاب في المنطقة، وهي في قمة الرعب، ماشية تتلفت حواليها.
مفيش حتى عربية تعدي تنتشلها من اللي هي فيه.
مجدي متوقع إنها زي كل مرة هتنتظر برة البيت لحد الصبح، يقوم من النوم يفتح لها.
لكن المرة دي كرامتها نقحت عليها، ورافضة أي رجوع.
كلب صغير نايم في الطريق جنب أمه، ومايسة مش واخدة بالها منه، وداست على ديله.
الكلب الصغير قام يصرخ، والـ...
ـمسكينة من خوفها اتفزعت وراحت تجري قدامه.
الكلبة الأم جريت وراه، مع صوت نباح وكانت في منتهى السرعة، وكل الكلاب اتجمعوا عليها وكله بيجري ورا الـ...
ـمسكينة.
صراخ، واستغاثات في قلب الليل، لحد ما شافت راجل متلحف ونازل من عمارة، وقالت: إلحقني يا عمو!
الراجل جري ناحيتها ورفع طوبة رماها ناحية الكلاب وقفهم، وبدأ يبعدهم عنها.
وشاف هدومها.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
لو جن ف (سلام قول من رب رحيم).
ولو إنس انتي مين؟ وليه عاملة في نفسك كده؟
إنس يا عمو والله إنس، وحياة ابني إنس.
وليه عاملة في نفسك كده يا بنتي؟
جوزي طلقني يا عمو وطردني من بيتي بالهدوم اللي عليا.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
شباب أرعن عديم المسؤولية.
ومين جوزك ده يا بنتي؟
جوزي مجدي كاوتش، صاحب ورشة الأمانة.
أعوذ بالله، ربنا يكفينا شره.
(الراجل خلع التلحيفة بتاعته، ومدها لها)
خدي يا بنتي استري نفسك بـ دي، لفي جسمك كله فيها.
وقولي لي أهلك فين؟ رايحة فين؟
رايحة عند بابا، بس مش معايا فلوس للمواصلات.
تمام، فهمت.
الراجل رجع بيها البيت، وخلاها تاخد عباية من مراته، وأدالها 100 جنيه في إيدها.
ووصلها لحد موقف الميكروباص علشان تركب من هناك، وهو كمان راح شغله.
الميكروباص خد ساعة بالظبط يحمل، لحد ما الضحى بدأ يظهر، والركاب اجتمعوا ومشي بيهم.
والـ...
ـمسكينة دمعتها على خدها، ورايحة بيت أبوها تطلب منه يطلقها من جوزها.
أبوها كان بيفطر الصبح بدري، علشان نازل شغله.
ومرات أبوها أم صورم، ست عقربة مش بتكره في حياتها أكتر من الـ...
ـمسكينة مايسة.
أبوها جبان بيخاف من مراته، ده حتى هو اللي قام فتح لها الباب، ووشه اتغير لما شافها.
ومراته كانت نايمة جوة.
مايسة بتقول له: صباح الخير يا بابا.
بارد عليها بكل خوف وجبن، وهو باصص وراه على غرفة مراته يشوفها برة ولا جوة وقال:
مش باين إنه صباح الخير يا مايسة خالص.
عايزاك تجيب لي ورقة طلاقي منه يا بابا وتجيب لي ابني.
ورقة طلاقك من مين؟
من مجدي جوزي.
وهو جوزك ده حد يقدر عليه يا بنتي؟ ده راجل بلطجي، ومقتدر.
(مايسة بتحاول تدخل جوة الشقة تكمل كلامها، لكن إيد أبوها كانت في نص الباب بتعترض دخولها. الراجل نفسه يخليها تدخل بس خايف)
وهناك في بيت جوزها، كان مجدي صحي من النوم على صوت صراخ الطفل، وفضل يزعق ويشتم، وينادي على مايسة.
لكن مفيش مايسة، وافتكر إنه طردها من البيت في نص الليل.
وجري على الشارع يفتح الباب يشوفها تكون نايمة قدام الشقة، لكن المرة دي مفيش مايسة.
اتنرفز مجدي، ولف ابنه في بطانية صغيرة، ونزل بيه.
ركب عربية هيونداي قديمة قدام العمارة، وطلع بيها على العمارة اللي ساكن فيها أكرم خال مايسة، وخبط عليه صحاهم من النوم.
أكرم قعد يعظم له:
صباح الخير يا حاج مجدي، نورت بيتي يا حاج مجدي، اتفضل يا حاج مجدي.
ادخل صحي الحيوانة اللي جوة قول لها ابنها بيصرخ من الجوع.
الحيوانة مين لا مؤاخذة يا حاج؟
الزفتة مايسة بنت أختك.
بس مايسة مش هنا، مايسة راحت لابوها.
طيب خد الولد ده خليه مع مراتك، وتنزل دلوقتي تروح لابوها تجيبها من شعرها.
بس أنا مش بكلم أبوها.
مليش فيه، تروح لابوها وتجيب لي الزفتة دي.
وإياك ترجع الورشة من غير ما تكون البنت دي معاك.
ملعون أبوكم على أبو نسبكم.
(مشى مجدي، ووقف أكرم يسقف على إيديه، ويلطم على خده زي الولايا، وغصب عنه اضطر يلبس وينزل، وهو بيرطن يقول لمراته)
يا ريتنا خليناها تنام هنا يا بومة يا بنت البومة.
وعند بيت أبو مايسة، كانت الـ...
ـمسكينة اتحايلت عليه يدخلها، ودخلت معاه فعلاً البيت، وهو بيهرش في دماغه ويقول لها:
طبعًا انتي مش تحبي تخربي على أبوكي، وتزعلي مراته منه.
لا يا بابا مش هينفع.
طيب انتي لو قعدتي هنا ممكن مراتي ترفض، وتاخد عيالي وتسيب لي البيت.
(فجأة طلعت مرات الأب، وعلى وشها مرسوم غضب الحياة كلها، وقالت له)
أنا مش من الستات اللي تزعل وتاخد عيالها وتسيب البيت.
ده أنا أطردك وأشردك في الشوارع.
(مرات الأب بصت لمايسة من فوق لتحت وقالت لها)
شقتي أوضتين وصالة يا حبيبتي، متستحملش قرف تاني أكتر ما اللي فيه.
وانتي كلك نظر.
(الأب اتحرج وبص في الساعة يشوف مواعيد شغله اللي كل ماله وتقرب)
رواية ليلة هروب البائسة الفصل الثاني 2 - بقلم سيد داود المطعني
تقول مايسة: أنا قررت أنتحر! مفيش حل تاني غير إني أتخلص من حياتي.. ماليش مكان يضمني غير القبر، بعد ما مرات أبويا طردتني، ومرات خالي قبلها، وقبل الكل جوزي..
خرجت من عند أبويا وأنا سايبة نفسي لرجلي تروح بيا زي ما هي عايزة تروح، كده كده العقل شارد، والمخ واقف، ومفيش أي وسيلة ألجأ لها غير الانتحار..
بالصدفة في طريقي لاقيت محل بيبيع فول وعدس وحبوب بالجملة، روحت له، ووقفت شوية، وقلت لنفسي أنه أكيد عنده حبوب غلال، أكيد بيستخدمها علشان يحفظ بضاعته من البوظان..
ناديت عليه وقال لي: اؤمري يا بنتي، كان راجل صعيدي، لابس جلابية وعمة، وعمره حاجة وخمسين سنة.
قلت له: ممكن يا عمو تديني قرص أو قرصين حبوب من اللي بتحفظ بيهم الحبوب اللي بتبيعها؟
الراجل قال لي: من عنيا يا بنتي، بس يا ترى عايزاهم لأي نوع حبوب؟
قلت له: فول.
سألني: نوعه إيه؟
قلت له: بلدي.
قال لي: الكمية قد إيه؟
قلت له: كتير.
سألني: إردب ولا اتنين ولا تلات أرادب؟
أنا مش فاهمة يعني إيه إردب، لكن لازم أجاوبه..
قلت له: تلات أرادب.
راح بص لي من فوق لتحت وقال لي: هو الإردب كام كيلو؟
قلت له: خمسة.
الراجل بص لي بنظرة غضب، وقال لي: انتي مش عايزة الحبوب علشان تحفظي بيها فول ولا حتى قمح، انتي عايزاها لغرض وحش والعياذ بالله، صح ولا لا؟
حسيت إن الراجل كشفني، وأنا أصلاً منهارة، وشكلي باين عليه الغلب، ومفيش حيلتي غير البكا والدموع، وانفجرت فعلاً.. بكيت لدرجة إني حتى مقدرتش أهرب بعيد من الراجل.
بس قال لي جملة لا يمكن أنساها أبداً..
قال لي: سكرات الموت أصعب من كل البلاوي اللي شايفاها في حياتك.. ولو صبرت على مصايبك ورضيتي بنصيبك، هتلاقي سهلة معاكي، ويمكن تسهل لك سكرات الموت.
«أنا خفت من الموت بجد، خفت من الموت جدا، مرعوبة منه، مش عايزاه»
الراجل فتح درج في ديسك خشب جوة المحل، وطلع 100 جنيه، وقال لي: ده كل اللي عملته من الصبح، شكلهم كده رزقك ومن نصيبك، وصبري بيهم نفسك لحد ما تتحل مشاكلك.
مش عارفة إزاي مديت إيدي وأخدتهم، مع إني خجولة جدا ومستحيل آخد حاجة من حد، بس أنا مش محتاجة الفلوس أوي، والراجل خطفني بذوقه حسيت إنه أبويا.
«لا مش أبويا، ده أحسن من أبويا، لأن أبويا خذلني»
مشيت على رجلي، وأنا تايهة في البلاد، مش عارفة أروح فين.. دخلت شوارع عمري ما شفتها، وكل ما ألاقي عربيات ماشية في طريق أمشي وراها لحد ما لاقيت نفسي واقفة على الطريق السريع، مصر اسماعيلية الصحراوي.
الشمس غابت، والغروب حضر، والليل بدأ ينزل، والدنيا اسودت في ضهري، ومفيش غير نور الطريق السريع.
شاورت لعربية راجعة المكان اللي أنا كنت فيه، لأني خفت أبعد عن المكان اللي أعرفه.
ركبت العربية ورجعت مشي لحد محل الحبوب اللي فيه الراجل الصعيدي.
ولاقيت فيه شاب واقف، لابس جلابية صعيدي، وكان باين عليه إنه مثقف خالص.
لاقيت على الديسك لاب توب، وشوية كتب.
سألته: هو الحاج الكبير اللي كان هنا الصبح راح فين؟
قال لي إن ده أبوه، وبيوقف في المحل لحد المغرب ويروح البيت يرتاح.
طلبت منه أروح له البيت، عايزة أقصد في خدمة.
شاور لي على مدخل العمارة، وقال لي إنه ساكن في الدور الأول، والمدخل من الناحية التانية.
بصيت على مدخل العمارة لاقيت فيه بوابة حديدية، وسور محاوطها واخد من الشارع مساحة كبيرة زارعها شجر.
فتحت الباب ودخلت، وأنا معتقدة إن العمارة فيها سكان كتير زي عندنا، بس عرفت بعدين إنها ملك الراجل ده كلها، وفاتح كل شقق الدور الأول على بعض وعاملهم شقة ليه، وباقي الأدوار مجوز فيها عياله، ومخلي الباقي للي مش متجوز.
ضربت جرس الباب، وفتحت لي بنوتة عشر سنين، عرفت إنه أبوها مش جدها، دي حتى مراته مش كبيرة، عمرها في حدود سبعة وأربعين سنة، ومع ذلك عندها حفيد بيبي صغنون خالص.
الراجل عرفني أول ما شافني، واستقبلني هو ومراته استقبال حلو، وأول حاجة قالها لي، إنه من حقه يعرف إيه حكايتي.
قلت له: أنا جاية طالبة مساعدتك أصلاً، وأكيد لازم أحكيلك مشكلتي.
وحكيت له كل حاجة، وكل شوية وأنا بحكيله أبص على مراته، لأنها طبيعي هتقول: وإحنا مالنا، هنشيل همك ليه؟ هو إحنا نعرفك.
فجأة الست دي بقت تبكي، وتقول: يا ضنايا يا بنتي، هو انتي مستحملة كل ده لوحدك.
جوزها قال لها: دي كانت عايزة تنتحر الصبح، لولا ربنا كشفها.
هنا عرفت إن العمارة بتاعتهم، لما قالت له: بعد إذنك يا حاج، العروسة دي ضيفتي لحد ما مشكلتها تتحل، وتختار أي شقة ترتاح فيها.
الحاج قال لها: لو أعرف إن دي مشكلتها، كنت عزمت عليها تقعد معاكي من الصبح.
«إيه الفرحة دي؟ هو أنا هنام في بيت؟ هيتقفل عليا باب؟ وكمان هتعشى؟ هنام من غير أصوات الحشيش دي؟»
سألته: هتساعدني يا عمو؟
قال: لما قلت لك في الصبح إن الصبر والرضا بيهونوا المصيبة، كنت عارف إن ربنا هيسخر لك أولاد الحلال.. بس مكنتش أعرف إن ربنا هيسخرني أنا ليكي.. إحنا عيلتك يا بنتي لحد ما تتحل كل مشاكلك.
الحاج مسك تليفونه، واتصل بابنه اللي واقف في المحل وقال له: اقفل المحل يا بدر يا ولدي وتعالى لي عايزك.
«فجأة لاقيت راجل كبير يقول لولده: اقفل أنا عايزك»
مفيش عشر دقايق، وجرس الباب ضرب، والباب اتفتح من برة في نفس اللحظة، ودخل الشاب بدر.
قال: خير يا حاج.
قال له: اقعد الأول خد نفسك.
«قعد بدر، وقعدت كمان روحي اللي واقفة مرعوبة من الصبح»
تلات حاجات خلوني أطمن العيلة دي:
موقف الراجل الصبح.
دموع مراته دلوقتي.
وطاعة ابنه ليه لما قال له: تعال عايزك، ومفكرش يسأل عايزني في إيه، لكن حضر على طول.
رواية ليلة هروب البائسة الفصل الثالث 3 - بقلم سيد داود المطعني
تستأنف مايسة حديثها قائلة:
بدر ده أكبر أولاد الحاج سليم صاحب البيت، وبيدير شركة توريد الحبوب بتاعتهم اللي في السوق، بيتبادل الإدارة مع إخوانه، وبيرجع في الليل يوقف بدل أبوه في المحل الصغير ده علشان يريحه.
الحاج حكى له كل حاجة عني وعن مشكلتي، وبدر ده مش بيسأل ولا يستفسر عن أي حاجة، ولا حتى قاطع أبوه وسأله إيه المطلوب مني.
وفي آخر الكلام أبوه قال له:
المطلوب منك إنك تسأل عن مجدي بتاع الكاوتش ده في الحتة اللي ساكن فيها، تشوف لنا نظامه إيه، وكمان تسأل عن خالها أكرم ده.
ممكن تسيب لي الحوار ده كله من أوله لآخره يا أبويا.
لا، انت تعمل اللي أقولك عليه بس.
انت مش ناوي تساعدها يا والدي؟
وانت عارف نوع المساعدة اللي هقدمها لها إيه؟
مش عارف بالظبط، بس أكيد ناوي تجيب لها حقها.
ما دمت مش عارف هساعدها إزاي يبقى تنفذ اللي بقول لك عليه وبس.
اللي تشوفه يا والدي.
نزل بدر ده للمحل بتاعه من تاني، والحاج شاور لمراته تخرج معايا تفتح لي شقة أصغر ولادها اللي متجوزش علشان أعرف مكان نومي وراحتي بعيد من شقة العيلة اللي كله بيروحها.
بدر في المحل بيفتح الفون بتاعه، وفتح صفحة الجروب اللي بيجمع كل شباب الحي بالمدن اللي حواليه، ونشر بوست بيسأل فيه عن أحسن ورشة سيارات في منطقتك.
وكل واحد ساكن في منطقة من مناطق الحي فيها ورشة سيارات كان يكتب اسم صاحبها في التعليقات.
وبين التعليقات واحد كتب له ورشة مجدي الكاوتش من أحسن الورش اللي شغالة.
وبسرعة عمل له لايك، ودخل يكلمه كأنه بيسأله عن تفاصيلها، بيفتح الساعة كام؟ بيقفل الساعة كام؟ مساحتها كبيرة ولا صغيرة؟ أمان ولا مش أمان لو ركن عربيته قدامها فترة طويلة لحد ما يصلحها.
الشاب كان متعاون جدا، وقال له معلومات خطيرة عن الورشة بدون ما يقصد.
قال له إن مساحة الورشة من جوة كبيرة، بس بسبب ضغط الشغل واخد مساحة من الشارع، وعامل حواليها سور بكاوتشات العربيات وبقت ملكه، ومجلس الحي مش بيكلمه علشان ليه موظفين أصحابه جوه.
ومن ناحية الأمان هي أمان لأن الصنايعية بتوعه بيعملوا فيها سهرات تظبيط الدماغ، ومفيش حد يقدر يدخلها.
طبعًا بدر فهم إنها سهرة مخدرات جوة الورشة.
شوية معلومات كفيلة إنها تقفل الورشة، وترمي مجدي في السجن.
لكن بدر مش مكتفي بالمعلومات دي، وقام عمل جولة بالعربية هناك، وشاف الورشة على طبيعتها، ووقف بعربيته يسألهم عن النظام لو عايز يظبط عربية قديمة، وكان بيتلفت حواليه لحد ما شاف مجدي وعرف شكله.
مش كده بس، ده كمان سأل عن أكرم خال مايسة على أساس إنه صنايعي بيشتغل في الورشة وسمع عنه.
الميكانيكي قال له إنه منزلش الشغل النهاردة.
مايسة بتقول:
عم الحاج نزل ساعتين بالظبط ورجع، بعت لي مراته تناديني، ونزلت له، وقال لي إنه راح لأبويا البيت، وخلاه يعرف إني عنده، علشان ده الواجب، ودي الأصول، وإنه راجل صعيدي عارف العادات والتقاليد، واللي يصح يتعمل واللي ميصحش.
أنا اتضايقت من جوايا، مش عارف أبويا ولا خالي ولا حد يعرف إني هنا، أنا ما صدقت هربت من العك والقرف ده كله ولاقيت ناس تؤويني.
طلبت منه ميخليش حد ياخدني من هنا، وأنا مستعدة أشتغل أي حاجة وآخد منه شقة إيجار كمان.
الراجل زعل جدًا، وبص لي بنظرة عتاب شديدة وقال لي:
إيجار إيه؟ هو أنا طلبت منك تدفعي حاجة؟ ليه يا بنتي كده بس؟
أنا آسفة، بس كان قصدي يعني إني مش عايزة حد فيهم يعرف مكاني.
والأصول بتقول إني مينفعش أخلي ست في بيتي أبوها عايش وميعرفش هي فين، وبعد كده أحميكي بالأصول.
كنت خايفة جدًا، خايفة بابا يقول لمجدي إني هنا وياخدوني بالعافية، وأرجع للقرف ده تاني.
خصوصًا إن خالي راح لبابا البيت، وسأل عني، وبابا قال له إني مشيت، ودلوقتي خالي ومجدي قالبين عليا الدنيا، ومش بعيد مجدي يطرد خالي من الورشة اللي معرفش يوصل لي.
بكيت وأنا بقول لعم الحاج:
ارجوك تكون انت بابا ووكيلي في الموضوع ده، عايزاك تطلقني منه وترجع لي ابني، وبعد كده ارميني في الشارع حتى.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، متخافيش يا بنتي، انتي من النهاردة واحدة من العيلة، ومش هنتخلى عنك، بس كان لازم أبوكي يعرف إنك في بيتي.
ربنا يستر.
ربنا يستر.
رواية ليلة هروب البائسة الفصل الرابع 4 - بقلم سيد داود المطعني
اللي كنت خايفة منه حصل. أبويا راح البيت عند خالي وقال له إن مايسة عند جماعة صعايدة هنا في القاهرة. ومفيش عشر دقايق كان خالي طار على الورشة وبلغ مجدي إني عند الناس دول.
وفجأة... كان أبويا وخالي وزفت الطين اللي اسمه مجدي في بيت الراجل المحترم ده. وكنت حاسة بإحراج شديد وأنا بجيب له مشكلة لحد بيته. هو كان في غنى عنها من الأول.
الصالون واسع جداً، ومفروش كله، ويشيل ١٠٠ راجل في جلسة واحدة، لأنه فاتح شقق الدور الأرضي كلها على بعضها.
كنت خايفة مجدي يزعق للراجل الكبير أو يكون قليل الأدب معاه. الست أم بدر، شافتني وأنا مرعوبة، وجات طبطبت عليا، وقالت لي متخافيش، عمك متعود على كده، وهو راجل قوي وحكيم. ولولا إن المحكمة رجعت لنا الوقف بتاعنا اللي هنا، كان زمانه لسة في الصعيد ماشي في جلسات العرب ولجان الصلح. ثم إنه ليه ست إخوات هنا، وكل أخ معاه خمس رجالة أولاده.
أصواتهم كانت عالية خالص، وأنا بصراحة تعمدت أكون قريبة منهم علشان أسمع اللي أقدر أسمعه.
مجدي بيرفع صوته:
_ انت فاكر نفسك مصلح اجتماعي.. أمشي غور هات مراتي بدل ما أدخل أجيبها من شعرها.
_ اخرس يا ولد لاقطع لسانك.. انت فاكر نفسك في زريبة زي اللي عايش فيها.
_ أنا عايش في زريبة أنا؟
_ اسمع ياد انت، إذا كنت متسلط على البنت دي علشان أبوها راجل غلبان، وخالها راجل من محاسيبك، يبقى لازم تعرف إنها من النهاردة في بيتي وحمايتي.
_ بيتك إيه وحمايتك مين؟ انت فاكر نفسك في الصعيد، اصحى يابا وفوق لنفسك.
_ اصبر على رزقك وشوف إن كنا في الصعيد ولا مش في الصعيد، أنا مش بتكلم من فراغ.
بعد ربع ساعة من الشد والجذب، جرس الباب من ناحية الصالون ضرب، ودخل إخوات الحاج وعيالهم، ومعاهم ولاد الحاج اللي في المحل الكبير. الصالون كان زحمة جداً، لدرجة إني نسيت نفسي وأنا بتفرج عليهم من بعيد.
الحاج زعق لأبويا وبهدله على اللي عمله فيا، وزعق لجوزي، وطلب من جوزي إنه يطلقني ويبعت لي ابني بالتي هي أحسن.
قام مجدي متضايق، وبيزعق، وبيهدد:
_ أنا هروح القسم، وهبلغ عنكم إنكم خاطفين مراتي، وهعمل لكم فضيحة.
بدر نادى عليه وقاله أنه لو عمل الحركات دي هيشمع له الورشة وهيشرده. لكن مجدي مشي على طول، ووراه أبويا وخالي.
ويا فرحة ما تمت. إخوات الحاج اتخانقوا معاه خناقة كبيرة بسببي. قالوله إيه اللي بتعمله ده، إزاي تجيب بنت متعرفهاش في بيتك، وتحط نفسك في مشاكل مع عيل بلطجي حشاش زي ده. ليه تخلينا نقفل محلاتنا ونسيب أشغالنا علشان نحضر قعدة تافهة زي دي. أها الولد الميكانيكي هيبلغ عنك في القسم، وهتدخل في متاهات ومشاكل أنت في غنى عنها.
الحاج زعق فيهم وقال لهم:
_ أنا راجل طول عمري بسند الحق، علشان كده ربنا فاتح لي من خيراته وبركاته، وانتوا شفتوا بعينكم الوقف اللي لينا سنين واخدين أحكام باسترداده، ربنا رجعهولنا السنين دي وبملايين كمان. وبدل ما نحمد ربنا ونساعد غيرنا، نقوم إحنا نطنش علشان خايفين على أشغالنا، وإحنا ناس معانا القوة والفلوس، هنخاف من مين؟ من عيل بلطجي ملهوش أهل.
راجل منهم بص على بدر بيقول له أنت راضي على اللي بيعمله أبوك ده يا بدر.
بدر رد عليه:
_ أنا اللي يهمني رضا أبويا عني يا عمي، مش أنا اللي أرضى عنه وعن أي حاجة يعملها.
الحاج زعق فيهم:
_ ويا سيدي اعتبروني أنا غلطان، حقكم عليا، آسف إني بعتلكم علشان استقوى بيكم، ومن النهاردة أنا مش هستقوى غير بعيالي.
واحد في إخواته زعق وقال:
_ يا سلام! وإحنا هنسيبك أنت وعيالك لوحدك اياك؟ أنت شكلك كبرت وخرفت.
_ والله ما حد خرف غيرك، والفلوس خلتك بقيت جبان.
_ أنا جبان يا حاج؟ تحب أروح أربط لك الميكانيكي بتاعك ده في موتور عربيتي وأجيبهولك.
واستمرت المشادات الكلامية بين الحاج وأخواته لحد وقت طويل، وكانت النهاية إن الشباب يقسموا بعض، ناس تزل أشغالها، وناس تقعد هنا في مدخل العمارة دايماً علشان يحموها من أي حركة غدر يعملها مجدي.
الحاج جاب لي عقدين إيجار بتاريخ قديم، ووقعت أنا وهو عليهم، وبقيت رسمياً مستأجرة شقة في عمارته. ولما جات الشرطة تفتش عني في العمارة حسب البلاغ، كان الحاج بكل هدوء بيقول لهم:
_ شقة مدام مايسة فوق، الموضوع مش محتاج تفتيش.
ظابط ضرب الجرس، خرجت له، سألني إن كنت مخطوفة، طلعت له عقد الإيجار، وسألني ليه مستأجرة شقة، قلت له علشان جوزي بيطردني في مواعيد صعبة بالليل، ومليش أهل أروح لهم، واستأجرت الشقة دي علشان ألجأ لها في الظروف دي.
الشرطة رجعت، واستدعوا جوزي، واتهموه بالبلاغ الكاذب وإزعاج السلطات.
في اللحظة دي كان بدر بلغ رئاسة الحي عن الجزء اللي واخداه الورشة من الشارع، وكان بلغ الشرطة عن سهرات الحشيش اللي في الورشة كل يوم. وفعلاً الحي عمل إزالة للجزء الأكبر من الورشة، ومكافحة المخدرات عملت كبسة على الورشة بالليل، واتقبضوا في حالة تلبس، والورشة بقت سمعتها في منتهى السوء، لدرجة إن مجدي رجع يشتغل فيها بنفسه من غير ما يجيب صنايعية يساعدوه.
واختصاراً لكلام كتير ممكن أحكيه:
الحاج ساعدني أرفع قضية طلاق وكسبتها، ورجعت ابني لحضني من تاني. وكنت معتقدة إني هفضل دايماً في عمارة الحاج، لكن المفاجأة أنه قال لي أنه تحت أمري في أي وقت وأي لحظة لحد ما يموت، وعياله كمان من بعده، بس مش هينفع أعيش في بيت فيه شباب على سن جواز، ده غير عيال إخواته الشباب اللي دايماً بيزوروه.
أنا كنت مصدومة، مش عايز أسيب البيت ده، ومش علشان العز اللي فيه، لا، علشان الأمان. بس الراجل الحكيم قال لي إني لازم أسكن في شقة جنب أبويا، حتى لو كان ضعيف ومراته وحشة، بس على الأقل إخواتي من أبويا يكبروا قدامي، ويعرفوا إن ليهم أخت وابن أخت.
واستأجر لي الحاج شقة صغيرة في نفس شارع أبويا، ودفع لي إيجار أربع سنين مقدم، وفتح لي محل بيع حبوب وغلال في نفس المنطقة علشان يساعدني على المعيشة، وقال لي إن عربيتهم هتوفر لي كل السلع اللي تخلص من محلي زي ما بيعملوا مع كل محلاتهم الكبيرة.
والراجل اللي كنت رايحة أشتري منه حبوب تكون سبب في موتي... فتح لي محل بيع حبوب تكون سبب في حياتي.
ولسة عايشة عليها لحد النهاردة.