هتفت نجوى من بين دموعها وهي تقف على أعتاب حجرة العناية الفائقة حيث ترقد أمها: أنا مش عارفة كنت هعمل إيه لو أنت مش موجود! هتف هشام منكسا رأسه: متقوليش كده.. أنا عملت إيه يعني! الحمد لله إني كنت إجازة وكمان طلعنا جيران ولحقت مامتك. قال كلماته الأخيرة بابتسامة سعادة، لتبتسم بدورها في رقة من خلف دموعها. واستطرد هاتفا: المهم إن الدكتور طمنا على والدتك.. بصراحة الصدمة كانت صعبة عليها.. ربنا يعينها. همست نجوى بنبرة تحمل
الكثير من الشعور بالذنب: أنا السبب.. طول عمري متهورة ومش بحسب لتصرفاتي حساب.. وعين دايما كانت بتستحملني.. بابا الله يرحمه كان مدلعني وهي فضلت تدلع فيا بعده. هتف هشام محاولا التخفيف عنها: أنتِ لما عملتي كده مكنش قصدك حاجة وحشة.. بالعكس كان كل غرضك إنك تخرجي أختك من حالة الضغط اللي عليها بسبب إنها شايلة كل المسؤولية لوحدها.. يعني في الأساس كنتي بتحاولي تسعديها.. بس النصيب بقى وده ملناش يد فيه.
هتف بكلماته الأخيرة حاملة مغزى ما تمنى أن يصلها. صمتت ولم تعقب، ما استدعاه ليهتف في اضطراب: طب أنا هروح أجيب لك حاجة تشربيها.. لسه الليل قدامنا طويل. هتفت نجوى في حرج: لا.. تجيب إيه.. وليل إيه اللي طويل! كفاية قوي تعبك حضرتك معايا لحد كده.. حرام تقضي إجازتك في المستشفى. نظر إليها عاتبًا: بقى ده ينفع!
أسيبك لوحدك هنا وأمشي.. أنا قاعد ومش هتحرك من مكاني إلا بعد ما أطمن على والدتك.. وبعدين الإجازة لسه في أولها.. قدامي فيها تلات أيام تاني.. يعني هتزهقي مني. نكست رأسها في خجل: لا أزهق إيه حضرتك.. ده أنت مشرفنا. هتف هشام وهو ينهض باسما: حيث كده بقى.. نخليها عشا.. عشان يبقى عيش وملح. ابتسمت وهزت رأسها بالموافقة. *** أشار جابر للقافلة بالتوقف، واندفع عائدًا إلى حيث كان يسير ليل ملازمًا لبعيرها بذيل القافلة.
اقترب من ليل هاتفا: لازم نوقف حالا.. فيه عاصفة شديدة جاية في الطريق. تطلع إليه ليل هاتفا: أنت متأكد ولا نكمل طريقنا! اللي فاضل مش كتير. أكد جابر في ثقة: استغفر الله العظيم.. من امتى جابر جالك حاجة وطلعت غلط! لااه متأكد يا بيه.. يالا بسرعة على التلة البعيدة دي نداروا وراها لحد ما تعدي العاصفة وربنا يسلم. هتف ليل أمرًا: طب روح نبه على الكل ياخد حذره ويالا بسرعة على هناك. تطلعت عين من فوق الهودج
على ما يحدث هاتفة في قلق: إحنا وقفنا ليه! هو فيه حاجة حصلت! هتف ليل متطلعًا للأفق كأنما يحاول التأكد من حديث جابر: فيه عاصفة رملية جاية ولازم ناخد احتياطاتنا. هتفت في ذعر: عاصفة.. عاصفة إزاي يعني! مش شوية هوا شديد وخلاص! كانت تهذي بكلماتها الأخيرة في محاولة لطمأنة نفسها، إلا أنه هتف ساخرًا: شوية هوا في قلب الصحراء حاجة مش هينة.. دي ممكن تدفنك حية.
شهقت في صدمة وهو يسحب لجام البعير ليوجهه إلى تلك التبة التي اتفق مع جابر على الاحتماء خلفها، وتبعه باقي أفراد القافلة في سرعة. أناخ بعيرها لتعيد تجربة الارجحة التي تثير غثيانها من جديد. لم تنتظر منه مساعدتها هذه المرة بل قفزت في رشاقة خارج الهودج. قاموا بوضع البهائم أمامهم كحائط صد، وخلفهم كانت التلة التي كان وجودها في تلك اللحظة هدية من المولى عز وجل. أمرها هامسًا وهو يشير لمنطقة ما خلف البعير مباشرة:
خليكِ هنا ومتتحركيش مهما حصل. وخلع عنه عمامته، وبللها ببعض الماء مقتربًا منها هامسًا: معلش لازم عشان.. لم يكمل جملته عندما هزت رأسها تفهمًا وهو يميل عليها قليلا يحاول ربط قماش العمامة المبللة حول أنفها وفمها. وما أن انتهى حتى ابتعد قليلا متطلعًا إليها ليتأكد من أن الأمر تم على خير ما يرام، ليصطدم بعيونها من خلف قناعها فيرتج اضطرابًا. وما أن هم بالابتعاد حتى همست: طب وأنت! لم يستدر لمقابلة عيونها من جديد وهمس مؤكدًا:
متجلجيش هتصرف. واندفع يؤمن باقي أفراد القافلة بمعاونة جابر، لتبدأ الرمال في التحرك نحوهم وكأنها وحش كاسر يصبح أكثر ضراوة كلما ازداد اقترابًا. أمر ليل الجميع صارخًا بالاحتماء قدر الإمكان خلف أجساد البعير والخيول التي أناخوها متخذينها ساترا. دس جسده جوارها خلف ذاك البعير. شعر بذعرها وانتفاضة جسدها رهبة. همس مطمئنًا: متخافيشي.. اجفلي عيونك وفكري في أي حاجة تنسي بيها اللي بيحصل.. وكله هيعدي.
أومأت برأسها في طاعة، وضمت ركبتيها لصدرها وخبأت وجهها بين ذراعيها المتشابكتين. حاولت أن تتذكر شيئًا ما يجعلها تلهي عن تلك الزمجرة المخيفة التي تكاد تقتلع قلبها رعبًا من بين ضلوعها، لكن لم تسعفها الذاكرة في تلك اللحظة بأي ذكرى تكون من القوة التي تجعلها تتخطى عواء الريح فوق رأسها. مدت كفيها تتشبث بأطراف الهودج الذي تحتمي خلف جسد البعير الذي يعتليه. وهنا قفزت ذكرى ما جرى بينهما أمس. تلك اللحظات التي لا تحسب على زمن كانت كفيلة بجعلها تهيم بعالم آخر. دفعت جسدها ليسترخي في هدوء وعقلها يعيد صورة حية لحالهما في تلك اللحظات السحرية.
وتعجبت.. كيف لبضع ثوان أن تكون مصدرًا لأمان! كيف لذكرى خاطفة كتلك أن تشعرها بكل هذا الاطمئنان بقلب عاصفة يمكن أن تئدهم أحياء إذا ما طال أمدها!
لا تعلم لما أحست برغبة ملحة في رفع جبينها ولو قليلا لتستطلع ما يحدث. لم تفكر للحظة في مدى صحة رغبتها من عدمه، بل إنها نفذت في التو ورفعت هامتها قليلا تختبر الوضع لتجد أن الريح لا تزال على هبوبها، لكن يبدو أن الأمر بدأ في الهدوء نسبيًا.. أو هكذا ظنت. لكنها شهقت عندما اكتشفت ما يحدث. لقد هدأت الريح بالفعل لكن ضربات قلبها هي التي ثارت عندما وجدت جابر منتصبًا على ركبتيه يميل قليلا على جسدها مكونًا بجسده الذي ألصقه بجسد البعير ما يشبه المظلة التي كانت تقيها من سقوط ذرات الرمال على جسدها المنثني في ذاك التجويف الذي أبقاها به.
دمعت عيناها رغما عنها وتساءلت بنفسها.. هل كانت لحظات البارحة جالبة للأمان حقًا! وماذا عن هذه اللحظة إذن.. هذه اللحظات التي ستظل تحفرها بذاكرتها للأبد.. عندما تجتمع عليها خطوب الدنيا وتريد أن تستعيد لحظة استشعرت فيها الأمان الحقيقي في ظله! ***
اندفع هشام لداخل المشفى ليطمئن على والدتها، يشعر برغبة شديدة في البوح بما يستشعره نحوها منذ اللحظة الأولى التي طالعها فيها منحنيا يحاول مساعدتها في النهوض بعد أن سقطت جراء اصطدامهما. ابتسم للذكرى وقد اقترب من الممر الذي يضم حجرة أمها، وها هو يبصرها تقف مع أحدهم. استشعر بعضًا من دبيب غيرة بداخله، لكنه سيطر عليها وهو يقترب محييًا، معتقدًا أن ذاك الرجل الذي تحادثه اللحظة هو أحد أقاربها جاء يطمئن على صحة أمها ما أن وصله خبر مرضها. لكنه كان مخطئًا عندما هتف الرجل بلهجة
تهديدية من الطراز الأول: أنا قلت اللي عندي وأنتم حرين.. الفلوس تيجي وكل واحد ياخد حقه.. ويا دار ما دخلك شر.. سلام عليكم. رحل الرجل في عجالة وقسمات وجهه تحمل علامات نفاذ الصبر، لتجلس نجوى شاردة لا تعلم ما عليها فعله. تنحنح هشام جالسًا جوارها، هاتفا في محاولة لفهم ما يحدث: مين الأخ ده! قريبكم! وليه بيتكلم معاكِ كده! يعني ده المفروض إنه.. هتفت نجوى تريحه مجيبة على كل أسئلته: ده واحد من الديانة. هتف هشام متعجبًا:
ديانة إيه! أنتوا مديونين لحد بفلوس! همست نجوى بشرود: عشان كده عين طول الوقت كانت شايلة الهم.. من ساعة وفاة بابا وهي بتقفل على نفسها أوضة المكتب بالساعات ومنعرفش بتعمل إيه.. أتاريها كانت بتحاول تنقذ المصنع من الحجز عليه بسبب الديون دي كلها. كان هشام يستمع إليها صامتًا ولم يعقب بحرف، تاركًا لها حرية الإفصاح عما بداخلها لتستطرد هي وقد استدارت تواجهه:
مصنع الملابس بتاع بابا واللي كان أعز حاجة عنده بعد بناته واللي ضيع عليه عمره هيروح.. المصنع عليه ديون كبيرة ولازم سدادها وإلا هينزل المزاد ويروح مننا.. هنجيب منين كل الفلوس دي لسداد الدين.. حتى الفلوس اللي في البنك لما جيت أسحب منها جزء النهاردة عشان المستشفى لقيت الحساب بقى صفر لأن عين سحبت الفلوس كلها عشان تيجي تنقذني من العصابة الوهمية بالفدية. همس مؤكدًا:
متقلقيش من أي حاجة.. اعتبري فلوس المستشفى اتدفعت.. وتبقى دين عليكِ لما ترجع عين بالسلامة. سال دمعها هامسة في خيبة: عين! هي فين! لو كانت موجودة مكنتش شيلت الهم أبدًا.. كنت هبقى متأكدة إنها هتعمل المستحيل عشان المصنع اللي من ريحة بابا يفضل شايل اسمه. وهمست من بين دموعها التي زادت غزارة هطولها: يا ترى أنتِ فين يا عين!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!