الفصل 1 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الأول 1 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
22
كلمة
4,225
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

في منزل عريق بحي راقي بالإسكندرية تجتمع أسرة ميسورة الحال حول مائدة فخمة تحتوي على كل ما لذ وطاب احتفالاً بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة "علي الهنداوي"، رجل ذو هيبة ووقار قد زيّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عاماً أو يزيد.

يجاوره عن يمينه ولده الأكبر "سليمان" ذو الأربعين عاماً وزوجته "صافيه" تجلس أمامه على الجانب الآخر للمائدة. يتبعه الأخ الأوسط "عبدالقادر" والذي يبلغ خمسة وثلاثين عاماً وزوجته "زينب" تجلس إلى جانب "صافيه". يتلوه الأخ الأصغر "يحيي" ابن الثلاثين عاماً وتجلس أمامه زوجته "يُسر" التي تحمل طفلتها الرضيعة "نور" وإلى جانبها طفلها "زياد". حمحم الأب بقوة وهو يبسط ساعديه ويثنيهما في حركة سريعة استعداداً لتناول

الطعام وقال بصوت قوي: "كل سنة وإنتوا طيبين يا ولاد.. يلا بسم الله." ردد الجميع دعاء الإفطار وبدأوا بتناول فطورهم وكلٌ منهم يستعيد ذكريات الأعوام الماضية ليقول "علي": "ادعوا لـ زاهيه الله يرحمها، النهارده تالت رمضان نفطر من غيرها." دعا الجميع لها بالرحمة ليبادر سليمان قائلاً: "ربنا يطولنا في عمرك يابا ودايماً متجمعين على حسك." هنا برز صوت يُسر تقول:

"أظن بكرة الفطار عندك يا عمو سليمان، إحنا متعودين على كده، وبعد بكرة عند عمو قدّورة." رمقها سليمان بنظرات خاطفة متفحصة قبل أن يقول: "أكيد إن شاء الله، هو شهر في السنة اللي بنتجمع فيه." تداخل صوت زينب وهي تقول: "وإنتي حسبتي الحسبه كده يا ست يُسر وطلعتي نفسك منها، مش ناويه تعزمينا يوم ولا إيه؟ _لاا يا زيزي ما إنتي عارفه إني مليش في جو العزومات والطبخ وكده، لو تحبوا تفطروا ديليفيري ماشي. لوت زينب

جانب شفتيها بسخرية وقالت: "ديليفيري؟! لأ يختي منجلكيش في ديليفيري، إحنا رمضان بالنسبة لنا طبيخ كتير وحلل ودوشه وحاجات كده متفهميش فيها إنتي يا بتاعة الديليفري." أومأت يُسر بموافقة وقالت: "خلاص هبقى أشوف ولو كده هخلي 'غزل' تطبخ معايا." انتبه "علي" ونظر إلى صافيه قائلاً: "أومال صحيح فين 'غزل' يا صافيه؟ تنهدت صافيه بيأس وقالت:

"غلبت معاها يا حج والله إنها تقعد تفطر معانا بس هي بتتكسف زي ما إنت عارفها.. قاعدة بتفطر جوا مع 'أم حسين'." صدح صوته الجهوري منادياً: "غززززززل." انتبهت "غزل" على نداؤه لتنهض سريعاً عن الطعام وتذهب إلى الخارج تتهادى خطواتها باستحياء ونظرت إليه بابتسامة هادئة وأردفت: "نعم يا عمو علي؟ ابتسم هو باتساع وقال: "مبتقعديش تفطري معانا ليه؟! عايزاني أزعل منك؟! أفتر ثغرها عن ابتسامة صافيه وقالت:

"لأ طبعاً يا عمو مقدرش على زعلك، بس أنا بفطر مع خالتي أم حسين عشان متفطرش لوحدها." أومأ موافقاً وقال: "ماشي يا آنسة غزل.. وهو كذلك." برز صوت "يُسر" متأففاً فقالت: "غزل خدي نور شيليها لأني مش عارفه أفطر منها." نظرت إليها غزل بتعجب وهمّت بقول شئٍ ما قبل أن يهمس إليها "يحيي" قائلاً: "وهي غزل مش هتفطر ولا إيه؟! هاتي نور أشيلها أنا." هنا تفوه الأب قائلاً:

"روحي يا غزل كملي فطارك يلا ولما تخلصي فطار اعمليلي كوباية شاي حلوة من إيديكي." أشارت غزل إلى عينٍ تلو الأخرى وأردفت: "من عنيا حاضر." حمحم سليمان بصوته الغليظ قائلاً: "الحمدلله.. ربنا يديمها علينا نعمة ويحفظها من الزوال.. كل سنة وإنتوا طيبين جميعاً والفطار بكرة عندي إن شاء الله." أومأ الجميع موافقاً ليقول "عبدالقادر":

"بإذن الله أنا ويحيي نازلين القاهرة بكرة عشان نستلم البضاعة الجديدة.. لو لحقنا الفطار خير، ملحقناش تتعوض بقا." أومأ سليمان بتفهم وقال: "إن شاء الله.. بس قبل ما توصلوا تكلموا التاجر تبلغوه إنكم على وصول عشان يجهز لكوا البضاعة ومتتأخروش شبه النوبة اللي فاتت." قال يحيي: "أنا هكلمه على بيات كمان عشان يكون على علم بسفرنا ليه بكرة ويجهز الخامات كلها من دلوقتي." سليمان رأسه بتأييد وقال:

"عفارم عليك.. يلا أستأذن أنا عشان ألحق المغرب.. سفرة دايمة يابا." _يدوم عزك يبني.. "هاا يا زينب قربتي ولا لسه؟ قالها متوجهاً بحديثه نحو زينب وهو يشير برأسه إلى بطنها المنتفخ فقالت: "والله يا حج منا عارفه.. بس هانت أهي." أومأ مبتسماً وقال: "ربنا معاكي.. أومال 'سيف' اتأخر ليه مش قولتوا هيخرج من الدرس أذن المغرب؟! ليقاطعه دخول "سيف" محدثاً صخباً وقال: "السلام عليكم.. جعان ياما إلحقيني." ضحك الجميع فقال جده:

"ابن حلال، لسه جايبين في سيرتك، يلا غسل وشك وإيديك وتعال كل بسرعة." نهضت يُسر عن الطعام وقالت منادية: "غزل.. يا غزل." قالت صافيه: "عايزة غزل في إيه يا يُسر؟ _تيجي تشيل نور على ما أغسل إيديا. طالعها يحيي مستاءاً وقال: "هاتي نور وأنا أشيلها وروحي اغسلي إيديكي." ثم قال بغضب: "مش كل شوية يا غزل يا غزل، البنت مش شغالة عندنا." خرجت غزل من المطبخ تقول: "أفندم يا أبله يُسر.. عاوزة حاجة؟! نظرت إليها يُسر

بتجهم وعبس وجهها فقالت: "إيه أبله دي هو إنتي شيفاني إيه؟! نظر إليها الجميع بضيق فقال يحيي: "خلاص يا يُسر بقا.. روحي إنتي يا غزل خلاص." أومأت غزل بموافقة وانصرفت لينهض يحيي عن المائدة ويلتقط طفلته من بين يدي أمها ويقول بضيق واضح: "كل سنة وإنت طيب يا حج وبعودة الأيام." ثم نظر إلى يُسر وقال: "أنا طالع.. خلصي وتعالي." صعد يحيي إلى شقته ليجد زوجته تتبعه على الفور فنظر إليها بضيق وقال:

"مش هتبطلي حركاتك السخيفة دي بقاا يا يُسر؟! قولتلك 100 مرة بلاش تضايقي حد بأسلوبك ده وبالأخص غزل.... قاطعته وقد اشتعل فتيل غضبها وقالت: "أيواااا.. إشمعنا غزل بقا اللي هتموت عليها كده ومش عايز حد يمسها بكلمة! نظر إليها متعجباً وقال: "بردو يا يُسر؟! رجعنا لنفس الحوار الأهبل ده؟!

قولتلك مليون مرة غزل دي أختي.. أنا اللي مربيها ومن هي عيلة لسه من أول ما بدأت تيجي عند صافيه من سنين السنين.. وبعدين كلنا هنا بنعتبرها من أهل البيت وهي بتحب الكل هنا وبتعاملهم بعشم وأخوية.. وإنتي عارفه إن أبويا بيعزها ودائماً يقول بت يتيمه متكسروش خاطرها." ثم تمتم باستنكار: "وبعدين يبقا في تمييز شوية يعني ده أنا أكبر منها ييجي كذا سنة! نظرت إليه باستخفاف وقالت:

"بس دلوقتي مبقتش عيلة صغيرة يا يحيي، وبصراحة بقا أنا لما بشوفها هنا بتغم والعفاريت بتركبني." قلّب كفيه متعجباً وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. وأنا مالي بقت عيلة ولا مبقتش عيلة.. أنا مالي أبويا هو أنا هتجوزها.. وبعدين بقولك أختي.. فاهمة يعني إيه أختي!! ثم إن يعني إيه لما بتشوفيها هنا بتتغمي؟! إنتي عايزها تبطل تزور عمتها عشان خاطرك ولا إيه؟! قالت بجدال:

"بس الزيارة بتبقى يوم ولا اتنين.. دي لما بتيجي عند صافيه كأنها لزقت بـ غرا... قاطعه بعصبية وصاح متشنجاً فقال: "يُسر بقولك إيه أنا مش رايق لكلام النسوان ده عالمسا.. تقعد يوم تقعد شهر هي مش قاعدة على قلبك.. وإنتي عارفة إن هي بتيجي تقعد مع صافيه تونّسها مش جايه عياقة.. وهعيدها لك لآخر مرة.... ثم أشار بإصبعه باتجاه رأسها وقال:

"الكلام الفاضي اللي حطاه في دماغك ده هيتعبك.. كبري عقلك كده واعرفي إنتي إيه وهي إيه هتلاقي نفسك ارتحتي." راقتها كلماته فاقتربت منه لتلصق به بغنج وراحت تعبث بأزرار قميصه وهي تنظر له بخبث وقالت: "قوللي إنت أنا إيه وهي إيه؟! هز رأسه يائساً ثم ابتسم وأحاطها بكلتا يديه يقربه منه أكثر وقال: "عليا الطلاق إنتي مجنونة ومخك ضارب.. بقا يا عبيطة حد يتجوز برنسيسة زيك ويبص لأي واحدة خلقها ربنا؟! حتى لو كانت حورية نازلة من الجنة."

ابتسمت بسعادة ليستكمل حديثه قائلاً: "وبعدين يا يُسر إنتي مراتي وأم بنتي.. يعني كل حاجة بالنسبة ليا.. أول واحدة حبيتها وأول واحدة عرفتها وأول واحدة لمستها... هااا." قال الأخيره غامزاً إياها بعينه وهو يضحك بعبث ويقول: "واخد بالك إنت يا جميل؟! صدحت ضحكاتها عالياً ليقول: "الله أكبر.. بقولك إيه أنا داخل أريح شوية." أومأت بموافقة ليسير باتجاه الغرفة وينظر خلفه ليجدها ما زالت بمكانها فقال: "يا بت بقولك داخل أريح شوية."

ضحكت بشدة وقالت: "الله.. مش تقول." قال مشاكسًا: "ماهو الفجر مبيقولش.. الفجر بيدخل على طول." *** بالأسفل في شقة "صافيه" كانت تجلس "زينب" تحمل طبقاً كبيراً من الحلويات الشرقية تتناوله بنهم وهي تثرثر قائلة: "شوفتي السهونة اللي اسمها يُسر وعمايلها.. بت تحسي إنها راضعة سم والعياذ بالله." أتاها صوت "غزل" من خلفها وهي تلتقط طبق الحلويات من بين يديها وتقول: "يعني تفضلي صايمة طول النهار يا زوبة وتضيعي صيامك على ست يُسر دي!

اتقي الله." نظرت إليها زينب وقالت: "يُسر.. وما أدراك بـ يُسر يختي، دي ميه من تحت تبن، حرباية وبتتلون على كل لون شوية اسأليني أنا، أنا اللي عارفاها وحافظاها، سيبك من عمتك دي خايبة وقلبها قلب خصاية وبيتضحك عليها بكلمتين." غمزتها غزل بمشاكسة وقالت: "يا واد يا شبح إنت.. بس إيه رأيك في الأكل النهارده؟! كان فخامة مش كده؟! لوت زينب شفتيها وقالت:

"بورريه منك يبت وإنتي طالعة لعمتك مبتحبيش تجيبي في سيرة حد.. غيرتي الموضوع في ثانية." نظرت صافيه وغزل إلى بعضهما البعض ضاحكتين فهزت صافيه رأسها بيأس وقالت: "مهو ده الصح يا زينب وإحنا يعني هنستفيد إيه لما نتكلم على دي ودي.. دعِ الخلق للخالق." مصمصت زينب شفتيها وقالت: "طيب يا شيخة خضرا إنتي وبنت أخوكي فوتكوا بعافية بقا أطلع أجهز لـ قدّورة هدومه عشان ماشي بدري.. تصبحوا على خير."

مشت زينب بخطوات متثاقلة تجر قدماها جراً حتى صعدت إلى شقتها فقالت غزل التي كانت تنظر في أثرها: "يا ساتر منها.. ربنا ما يوقعنا في لسانها." ربتت صافيه على كتفها وقالت: "زينب طول عمرها بتحب الكلام الكتير، مش جديد عليها يعني، المهم قومي يلا نامي عشان هصحيكي على السحور وإنتي لو صحيتي مش هيجيلك نوم تاني، خليكي تمشي بكرة وإنتي فايقة." تثائبت غزل وقالت: "أه والله فكرتيني.. والله يا عمتو على عيني إني أسيبك."

غمزتها صافيه وقالت: "يا بت؟! على عيني إنك تسيبيني أنا بردو؟! ابتسمت غزل بحزن وأردفت وهي تنظر للأمام بألم داخلي يسكن بين أضلعها: "مش فارقة يا عمتي.. القلب اتكسر من زمان وسيبت زي مسيبتش واحد." ربتت صافيه على خدها برفق وقالت: "كله نصيب يا غزل يا بنتي.. ربنا يعوض عليكي باللي يريح قلبك ويسعدك."

أومأت غزل بهدوء ونهضت لتدلف إلى غرفتها وتتدثرت بغطائها جيداً وشردت تفكر به مهلك قلبها ومؤرق مضجعها قبل أن يغلبها النعاس وتستسلم لسلطانه. *** بعد آذان الفجر صلّى يحيي فرضه وودّع زوجته وأطفاله قائلاً: "إن شاء الله هنحاول نستلم بسرعة ونرجع قبل الفطار ولو ملحقناش هنفطر في الطريق وإبقى افطري إنتي والعيال مع الجماعة عند سليمان." أومأت يُسر بموافقة ليبتسم لها قائلاً:

"ومش عاوز مشاكل، أنا فهمتك كل حاجة ولما أرجع هفهمك بزيادة." ابتسمت باتساع وقالت: "اللهم إني صايمة.. يلا اتكل على الله ومتنساش تجيبلي الحاجات اللي كتبتهالك في الورقة." أشار إلى عينٍ تلو الأخرى وقال: "من عنيا الاتنين.. لما نور تصحى بوسيهالي وخلي بالك منها وأكليها كويس." _حاضر، مع السلامة. نزل يحيي من شقته ليطرق في طريقه باب شقة عبدالقادر قبل أن يفتح له الباب وهو يستعد فقال: "ثواني بس يا يحيي هجيب الفلوس وأنزل." قال:

"ماشي براحتك أنا هستناك تحت." نزل يحيي درجات السلم ليتصادف مع إنفراجة باب شقة سليمان قبل أن تخرج منه "غزل" التي ابتسمت فور أن رأته وقالت: "صباح الخير." ابتسم بلطف كبير وأردف: "صباح الخير يا غزال، على فين كده؟ اتسعت ابتسامتها أكثر لمناداته لها بذلك اللقب الذي طالما ناداها به منذ طفولتها فقالت: "ماشية بقا عشان بابا ميفطرش لوحده النهارده كمان." قال متعجباً: "ماشية بدري كده! طب استنى لما النهار يطلع طيب." أردفت بود:

"لأ مفرقتش بقا.. أبو حسين هيوصلني." أومأ موافقاً وقال: "توصلي بالسلامة إن شاء الله.. مش عايزة حاجة أجيبهالك من مصر؟! تمتمت بهيام دون وعي منها: "عايزة سلامتك وبس." ابتسم وقال: "الله يسلمك يارب.. طب عن إذنك أنا بقا." ولّاها ظهره لتناديه هي قائلة: "يحيي." استدار ناظراً إليها بانتباه مستفهم ليجد وجهها وقد أصبح كتلةً حمراء فعلم بخجلها لأنها نطقت اسمه دون ألقاب فقال: "نعم يا غزل؟! كنتي عايزة حاجة؟!

لم تجب سؤاله ولكن امتدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت منها مصحفاً صغيراً وأعطته له وقالت: "خد المصحف ده خليه معاك.. ترجع بالسلامة إن شاء الله." اتسعت ابتسامته وقال: "متحرمش منك يا غزل.. شكراً بجد.... قاطعه رنين هاتفه فأجاب وهو ينظر لها متعجباً ويقول: "ده قدّورة." "=ألو.. أيوة يا قدّورة؟! "=أيوة يا يحيي بقولك.. زينب شكلها كده هتعملها النهارده ومش عارف أعمل إيه؟! آجي ولا أخليني معاها." ابتسم يحيي قائلاً:

"والله مراتك دي مستقصداني، يعني يوم ولادة سيف كنت أنا مسافر ومعرفتش تيجي توصلني ودلوقتي محبكتش تولد غير في يوم زي ده! خليك معاها يا عم وأنا هروح لوحدي." "=معلش يا يحيي غصب عني والله، بس أنا مش ضامن ترجع تولد وأنا مش هنا ومحدش هيسلك معاها غيري." "ولا يهمك يا عبدالقادر، ربنا معاها وتقوم بالسلامة إن شاء الله." أنهى يحيي حواره الهاتفي وقال موجهاً حديثه إلى غزل:

"قدوره مش هيعرف ييجي معايا عشان زينب هتولد.. هضطر أمشي لوحدي بقا." تهلل وجهها وقالت بحماس: "بجد زوبة هتولد!! ده أنا كده مش ماشية بقا، أصل أنا بحب اللحظات التاريخية دي." تشدق ضاحكاً فقال: "طيب يستي خليكي إنتي احضري اللحظات التاريخية دي وأنا هطير بقا عشان ألحق أوصل قبل الميعاد." أومأت موافقة وقالت: "ربنا معاك.. مع السلامة."

نزل يحيي إلى شقة والده وطرق الباب قبل أن يدلف إلى غرفته فوجده قائماً يصلي فانتظر حتى انتهى وتقدم منه مقبلاً يداه وقال: "أنا ماشي يابا، عايز حاجة؟! ربت والده على كتفيه قائلاً: "ربنا يسهل عليك يبني، تروحوا وترجعوا بالسلامة." _قدورة مش جاي أصل مراته شكلها تعبانة وبتولد. "وهو كذلك.. ربنا يسترها معاك.. مع السلامة." انصرف يحيي للخارج واستقل سيارته وانطلق بها نحو القاهرة. ***

ارتفع صراخها وزلزل جدران البيت محدثاً ضجة عارمة، لقد اشتدت آلام المخاض حتى شعرت بأنها ميتة لا محالة، اجتمع الكل في شقة زينب وعبدالقادر ينتظرون قدوم وليدها الذي طال انتظاره بعد مجيء شقيقه الأكبر "سيف" لتعلن صرخاته الضعيفة عن قدومه إلى عالمهم فتهلل وجه الجميع مستبشرين قبل أن تخرج صافيه من الغرفة تحمله بين ذراعيها وهي تضمه إلى صدرها اشتياقاً ولهفة كما لو أنها من أنجبته لتتقدم من الجد الذي نهض يستقبل حفيده الأصغر باسماً وحمله بحب قائلاً:

"بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله ماشاء الله." ثم انحنى ليطبع على جبينه قبلةً لتقول صافيه: "شبه مين يا حج؟! نظر إليها مبتسماً وقال: "بالرغم من إن المولود عمره ما تعرفي تحددي له شبه، بس ابن الكلب ده جاي نسخة من عمه يحيي." أومأت صافيه بموافقة وقالت: "معاك حق يا حج، أنا كمان أول ما شوفته قولت شبه يحيي، يحيي لما يرجع ويشوفه هيفرح بيه أوي." أومأ ضاحكاً وقال: "أومال، الوحيد اللي نصفه وجه شبهه، ده عياله معملوهاش."

تقدمت يُسر منهم بسرعة وهي تحمل الصغير وتقول: "يااتي على الطعامه يا ناس، فعلاً شبه يحيي خالص، عقبال ما تجيبي يا صافيه." انقشعت ابتسامة صافيه عن ثغرها وأومأت بهدوء فقالت: "ربنا يخليكي يا يُسر، عن إذنكم أشوف زينب." كانت غزل تطالعها بحنق وغضب يملأها حينما رأتها تخرج هاتفها وتقوم بالتقاط الصور للصغير برفقتها فقالت: "بلاش صور يا أبلة يُسر، ده لسه بيبي مولود مينفعش يتصور." نظرت لها يُسر بغيظ وقالت:

"ملكيش دعوة يا أبلة غزل، وبعدين أنا مش هوريها لحد يعني ده أنا هبعتها لـ يحيي يشوفها." قالت غزل باندفاع: "لأ بلاش، أكيد سايق دلوقتي لما ييجي بالسلامة يبقى يشوفها." رفعت يُسر إحدى حاجبيها بتعجب لرؤية لهفتها الواضحة وأردفت بفظاظة: "ملكيش فيه! كان "علي" يتابع الحوار بينهما بعين خبيرة التقطت ما يدور في نفس كل منهما تجاه الأخرى ليصدح صوته قائلاً: "غزل معاها حق يا يُسر، متخليهوش يتلهي عن الطريق." قالت يُسر مديرة دفة الحوار:

"هتسميه إيه يا بابا الحج؟! هندم "علي" شاربه العريض بخيلاء وزهو قبل أن يتمتم قائلاً: "يحيي." *** كان يسير في طريقه بتركيز وهدوء قبل أن يتوقف عندما رأى على مدد بصره شاباً يشبهه في الهيئة ويقاربه في السن يقف على جانب الطريق ينتظر مساعدةٍ ما فتوقف أمامه بالسيارة وأنزل زجاج النافذة وقال متسائلاً: "يلزم خدمة يا ريس؟! تحدث الشاب قائلاً: "معلش يا ذوق تاخدني في طريقك بس للمينا." _و ماله يا عم إنت على دماغي.. اتفضل.

فتح يحيي باب السيارة ليدلف ذلك الرجل وهو يمد يده ليصافحه قائلاً: "أخوك بسّام." صافحه يحيي بترحاب وقال: "عاشت الأسماء يا بسام، يحيي الهنداوي." _تشرفنا يا باشا، إنت من عيلة الهنداوي بتوع القماش؟! _أومأ يحيي موافقاً ليقول الآخر: "ما شاء الله، ده انتوا صيتكم ذايع ومعروفين في كل حتة، ربنا يزيد ويبارك." "تسلم يا بسام، ده من ذوقك. وانت بقا شغال في المينا؟ أومأ بسّام قائلاً:

"أنا شغال في أي حاجة وكل حاجة بتجيب فلوس، محسوبك فهلوي وبيعرف يجيب القرش من حنك السبع." هز يحيي رأسه مرات متتالية وقال: "آاااه فهمت، بتهرب بضاعة مش كده؟! مسح بسام جانب فمه وأردف باسماً: "يعني حاجة زي كده، لو ليك أي مصلحة قوللي وأنا أقضيها لك بعون الله." أردف يحيي ساخراً: "يا عم بعون الله إيه، ربنا بريء من أمثالكم، وبعدين أنا مليش في الشمال الحمد لله، أنا باكل لقمتي بالحلال ومقبلش أدخل مليم حرام على ولادي."

ابتسم الآخر متهكماً وقال: "يعمي متحبكهاش، منا ليا عيال زيك بردو ولو معملتش كده مش هلاقي العيش الحاف آكله ليهم." قال يحيي معترضاً: "بيتهيألك، ربنا بيرزق بس إنتوا اللي بتستسهلوا الحرام." ارتفع رنين هاتف يحيي وكان الاتصال وارد من زوجته ليجيب على الفور قائلاً: "ألو." _أيوة يا يحيي، وصلت ولا لسه؟ "عالطريق أهو، إيه الأخبار؟ _تمام، زينب ولدت وجابت يحيي.

"بسم الله ما شاء الله، ربنا يبارك ويخلي، كويس إنك بلغتيني عشان أجيب هدية للأستاذ يحيي وأنا جاي." _ليه يعني مش لازم على فكرة؟ المهم اقفل كده هبعتلك صورته. "طيب ابعتيها قبل ما التليفون يفصل شحن، يلا سلام." أنهى المكالمة لتصله على الفور رسالة منها تحتوي على صورة المولود فتحها ليرتفع حاجباه بذهول ويقول: "يابن الإيييييه، ده شبهي أكتر مني!

انشغل بتكبير الصورة وهو يحلق بها ويتفحصها جيداً ليتفاجأ بصياح بسّام وهو يحذره من اقتراب سيارة نقل ثقيل "تريلا" ويصرخ قائلاً: "حااااااااااسب!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...