تحميل رواية «مالك المصري» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله هناك أبواب نظن أنها مغلقة ثم نكتشف أنها المدخل لحياة جديدة تحمل في طياتها الكثير من الأقدار، حلم يتعثر و آخر يتحقق، فراق بلا سبب، و لقاء بلا موعد مثل لقاء “مالك” بجميلته “إسراء”. امرأته التي لا تلتفت و طفلته التي لا تكف عن الفضول. تنهيه إذا أحببها وتنجيه إذا رد الحب بالعشق، وتشقيه إن خذلها، وتخسره عن قصد إن كان ربحه من عزتها تقليل. امرأة كطيف لم يراها و هي تنبت بجذورها في أعماقه، بطلة كل أحلامه، توزع القبلات على ثغره و تتركه في غمرة العشق دون وداع،...
رواية مالك المصري الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك
بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله
هناك أبواب نظن أنها مغلقة ثم نكتشف أنها المدخل لحياة جديدة تحمل في طياتها الكثير من الأقدار، حلم يتعثر و آخر يتحقق، فراق بلا سبب، و لقاء بلا موعد مثل لقاء “مالك” بجميلته “إسراء”.
امرأته التي لا تلتفت و طفلته التي لا تكف عن الفضول.
تنهيه إذا أحببها وتنجيه إذا رد الحب بالعشق، وتشقيه إن خذلها، وتخسره عن قصد إن كان ربحه من عزتها تقليل.
امرأة كطيف لم يراها و هي تنبت بجذورها في أعماقه، بطلة كل أحلامه، توزع القبلات على ثغره و تتركه في غمرة العشق دون وداع، يتحسس الوحدة ليجد نفسه عاريًا منها.
وقوافل النساء حينها يمكن أن تلهيه لكن…. لن تغنيه عنها.
هو “مالك المصري” إبن وزير الداخلية “غفران المصري” ذئب المخابرات المصرية كما يلقبونه بعدما تمكن من الوصول لأخطر البؤر الإرهابية و القبض على الكثير من العناصر الإجرامية بعمليات شديدة الخطورة نجي منها بأعجوبة.
وبرغم كل ما وصل إليه إلا أنه مازال بأول الطريق نحو هدفه الأسمى و الأوحد و هو قلب “إسراء” أبنة فارس الدمنهوري.
صل على محمد
أشرقت شمس صباح يوم الجمعة، داعبت أهداب بطلنا الذي استيقظ بنشاط و فرحة غامرة تظهر على قسماته، و ابتسامة تُنير وجهه على غير عادته.
نهض من فراشه و انتصب واقفًا بطوله المُهيب لتظهر ضخامة و قوة جسده المعضل.
سار تجاه الحمام اختفى بداخله لدقائق، و خرج منه ممسك بيده منشفة قطنية يجفف بها شعره الفاحم.
وقف داخل غرفة ثيابه و انتقي قميص من اللون الأبيض و سروال من الجينز، و حذاء رياضي أبيض، و ارتداهم على عجل.
مشط شعره بعناية قبل أن ينثر عطره المميز بغزارة.
ارتدي ساعته و أخذ أغراضه المكونه من هواتفه و جزدانه الجلدي سلاحه الناري و مفتاح سيارته و غادر للخارج بخطي واسعة.
“صباح الخير يا جدتي”
قالها “مالك” و هو يميل على يدها و يقبلها.
مسدت “فاتن” على شعره بحب و هي تهمس بسرها بآيات قرآنية تحصنه بها من عين كل حاسد و حاقد، فهو يمتلك حضور أسطوري و هيئة تخطف القلب و العين.
زينت ملامح “فاتن” الطيبة إبتسامة بشوشة و هي تقول:
“صباح الخير يا حبيبي.. على فين بدري كده يا حضرة الظابط؟!”
أجابها “مالك” بابتسامة متسعة تدل على مدى سعادته البالغة:
“رايح المقابر”
تطلعت له “فاتن” مشدوهة من ما تفوه به، مرددة بتعجب:
“مقابر! رايح تعمل إيه هناك بدري كده يا ابني؟”
قبل رأسها قبلة خاطفة و غمز لها بشقاوة مدمدمًا:
“اممم.. رايح لـ إسراء”
قالها قبل أن يغادر المنزل و يختفي من أمامها تركها تحرك رأسها بيأس و هي تحدث نفسها قائلة:
“إسراء اللي مطلعة عينك هي و أبوها تاني يا ابن غفران.. صحيح القط ميجبش إلا خناقه المثل ده مكدبش أبدًا”
لا إله إلا الله
بقصر الدمنهوري.
هذا القصر الذي كان يمتاز بالهدوء الشديد لدرجة توحي بأنه مهجور و لا يوجد به حياة قبل أن تدخله “إسراء”.
غرام المغرور التي قلبت كل شيء رأساً على عقب، ملئت القصر بهجة و فرحة و أصوات ضحكات تشق سكون المكان.
برغم مرور أكثر من خمسة عشر عام على زواجهم إلا أن نيران عشقهم لم و لن تخمد أبدًا، بل تتضاعف و يزيد جمرها و تتناثر شظاياه خاصةً عشق “إسراء” لزوجها الذي ازدادت وسامته بمرور السنوات.
“صباح الخير يا ساحرة”
همس بها “فارس” و هو يمرمغ وجهه بشعر و عنق زوجته النائمة.
أخذ نفس عميق يملأ به رئتيه بأكبر قدر ممكن من رائحتها.
الأمر تخطي كونه حب، أصبح يتنفسها لذا هو على قيد الحياة.
رمشت بأهدابها الكثيفة متأوهة باسمه بصوتها الناعم المبحوح أطارت اللب من عقله.
“فارس”
بلمح البصر كان خطفها داخل صدره بعناق حار مرددًا بلهفة:
“يا عيون فارس”
فتحت “إسراء” عينيها التى تُشع منها نظرات العشق و الغضب معًا، و رمقت زوجها نظرة عاتبة و هي تحاول الإبتعاد عن حضنه بضراوة.
“أوعى يا فارس سبني عشان أجهز الفطار”
لم يتركها تبتعد عنه و لو أنش واحد.
كانت تتهرب هي بعينيها منه، تتلاشى النظر لعينيه.
ليمُد يده و يمسك ذقنها بأنامله يجبرها على النظر له و يتحدث بكل ما يملك من لطفٍ قائلاً:
“أنتي في حاجة مزعلاكي مني يا إسراء؟!”
ترقرقت الدموع بعينيها و هي تقول بصوتٍ اختنق بالبكاء:
“تغيرك معايا هو اللي قهرني مش بس مزعلني يا فارس”
“تغيري معاكي! حبيبتي أنا زي ما أنا كل الحكاية إنك لسه والدة من كام شهر عشان كده أنا ببقي حريص معاكي على ما تشوفي وسيلة تكون أمان لمنع الحمل”
صرخت صرخة مكتومة تدل على شدة غيظها مرددة بتحدي:
“وأنا مش همنع الحمل يا فارس و هفضل أحمل منك كده لحد ما ربنا يرزقنا و أجيبلك الولد اللي نفسك و نفسي فيه”
لكمته بقبضة يدها الصغيرة في كتفه قبل أن تنهض بغضب:
“أما أشوف هتفضل أنت مانع نفسك عني كده لحد أمتي”
تركها “فارس” تنهض على مضض، فهو بالكاد يلجم نفسه عنها خوفًا عليها و على صحتها.
ارتمى على الفراش خلفه و زفر بضيق مردفًا:
“أجمد يا فارس أوعى تضعف”
أختفى الضيق من على وجهه و ظهرت ابتسامة مشرقة حين وصل لسمعه صوت ضحكات بناته التى تمحي عنه أي زعل أو ضيق.
بغرفة السيدة العجوز “إلهام” تجلس برفقة “خديجة” عمة “فارس” و أحفادها “إسراء، زهراء، رواء، خديجة، إلهام” على إسمها و أخيراً الصغيرة “غرام” بنات “فارس الدمنهوري” من زوجته، ساحرته”إسراء”.
صوت ضحكاتهم تدخل على القلب السرور، تجعل كل من يستمع إليها يضحك على ضحكاتهم إجباري.
نهضت “إسراء” الابنة الكبرى و سارت تجاه الباب لتوقفها جدتها تقول بلهفة:
“رايحة فين يا إسراء؟!”
صمتت لبرهةً و تابعت بجملة جعلت الجميع في حالة صدمة حين قالت:
“عشان يوديني أزور بابي رامي الله يرحمه و أودعه قبل ما أسافر”
“تسافري!! تسافري فين إن شاء الله؟”
كان هذا صوت والدتها “إسراء” التي دلفت من الباب للتو، و علامات الغضب و الصدمة اعتلت وجهها حين اجابتها ابنتها ببرود لا يخلو من غرورها التي ورثته من والدها:
“هكمل تعليمي برة مصر يا مامي”
جحظت أعين “إسراء” على أخرها وتحدثت بأنفاس متقطعة قائلة:
“تعليم إيه اللي تكمليه بره مصر! مين قالك أننا ممكن نوافق إنك تبعدي عننا؟ أنتي بتفكري و تقرري لوحدك كده من غير ما تقولي لحد؟”
أردفت ابنتها بجملة كانت بمثابة سكب الزيت على النيران حين قالت:
“بابي عارف كل حاجة يا مامي و انهارده هنجهز ورق السفر”
“فارس عارف!!!”
رواية مالك المصري الفصل الثاني 2 - بقلم نسمة مالك
سمعت مقولة ذات مرة تقول: “إنَّ العقلَ أبُ القلب، وإنّ القلبَ ابنٌ عاق، دع الأب يأدّب إبنه دائماً، حتى لا يضلّ!”..
وهذا ما ينوي “مالك” فعله مع حبيبته العنيدة التي لا تُبالي لعشقه لها على الإطلاق.
تأهب جميع الحراس و سارعوا نحوا باب الفيلا الخارجي و قاموا بفتحه على مصراعيه لتدلف منه سيارة الوزير” غفران المصري ” الذي وصل للتو من السفر.
كان” مالك” بطريقه للخروج سيارته لكنه توقف بمكانه، غادر سيارته و وقف باستقبال والده فور وصوله.
“حمد لله على السلامة يا معالي الوزير”.
قالها و هو يفتح له باب السيارة بنفسه، و عانقه فور خروجه منها.
بادله “غفران” عناقه هذا بحب شديد ربطًا على ظهره ببعض القوة.
أبتعد عنه و نظر له بأعين يملؤها الفخر مغمغمًا.
“الله يسلمك يا حضرة الظابط”.
رمقه بنظرة متفحصة و تابع بتسأل قائلاً.
“على فين العزم بدري كده إن شاء الله يا مالك باشا؟!”
حك “مالك” لحيته و هو يجيبه بابتسامة مشاغبة.
“عندي مشوار سريع كده هخلصه و هرجع على طول”.
“أوعى تقول إنك رايح عند فارس؟”.
اتسعت إبتسامة” مالك” و حرك رأسه بالإيجاب و هو يقول.
“حمايا حبيبي لازم أروح أصبح عليه”.
فتح” غفران” فمه ليتحدث لكنه أغلقه ثانيةً و اعتلت الدهشة ملامحه حين قالوا أبناءه “زين، فهد” طلاب بكلية الشرطة و” فارس” ثانوية عامة.
“جاين معاك يا مالك”.
جاءوا يركضون نحوهما بخطوات مهرولة، وقفوا جميعهم أمام والدهم الذي يتطلع لهم بغضب مصطنع يخفي خلفه فرحته الغامرة بهم، و بهيئتهم التي تدخل على قلبه السرور.
أطفاله الصغار أصبحوا رجال اشداء.. أقوياء يخطفون القلب قبل العين.
“حمد لله على السلامة يا وزيرنا يا غالي”.
نطقوا بها و هم يعانقونه واحد تلو الأخر.
تنقل “غفران” بينهم بأعين متسعة مرددًا بذهول.
“كلكم صاحين بدري عشان تروحوا عند فارس!!”
ضحك بتهكم مكملاً.
“ده على أساس أنه هيسمح لكم تعدوا من باب القصر الخارجي حتى!”
نظر” مالك” لأشقائه بغيظ و تحدث بهدوء عكس غضبه المشحون قائلاً.
“أنا بس اللي هروح.. زين و فهد لسه راجعين من الكلية و محتاجين يرتاحوا و فارس هيقعد يذاكر”.
قاطعه” غفران” حديثه مردفًا بنفاذ صبر.
“لا أنت و لا هما هتروحوا.. فارس مش عايز يشوف حد منكم و أدى أوامر للحرس عنده لو لمحوا واحد فيكم ناحية القصر يطخوه بالنار”.
انبلجت إبتسامة شريرة على وجوه أبناءه الذين نظروا لبعضهم البعض و تحدثوا بنفس واحد قائلين.
“و مين قالك إن الحرس هيلمحنا! “
أنهوا جملتهم و اختفوا من أمامه قبل أن يمنعهم عن تنفيذ مخططهم كعادته.
ارتجل كلاً منهم سيارته، و انطلقوا خلف بعضهم نحو قصر الدمنهوري.
لم يستطيع” غفران ” كبح ضحكته حين قرأ ما يدور بذهن أشباله، وقف يُتابعهم حتى اختفت سيارتهم عن عينيه.
مد يده لإحدى حراسه، ليُسرع الأخر و يعطيه هاتفه، أخذه منه و طلب رقم صديقه ليأتيه صوته على الفور يقول بتفهم.
“خير يا معالي الوزير؟ .. اشجيني!”
قهقه “غفران” وهو يقول بأسف مصطنع.
“العصابة في الطريق إليك يا صاحبي”.
“و أنت صدقت أنهم جاين ليا أنا يا غفران!”
تلفظ “فارس” بوابل من السباب بصوتٍ مكتوم حتى لا تصل تلك الكلمات البيئة لسمع بناته.
ليرد “غفران” ببرود قائلاً.
“تربيتك يا حبيبي.. أنت كنت قدوتهم و مثالهم الأعلى في السفالة ولا نسيت و أديك بتحصد نتيجة تربيتك ليهم”.
اصطك” فارس “على أسنانه بغيظ كاد أن يهشمهم، و تحدث بغضب قائلا.
“عندك حق و أنا بقي هعيد تربيتهم من أول و جديد”.
“هما جاين لك برجليهم أعمل فيهم اللي يريحك، و أنا هبقي أجي لك أخر النهار أشرب معاك القهوة و استلمهم منك”.
قالها” غفران “قبل أن يغلق الخط، و سار بخطي ثابته لداخل فيلته، لتقابله ابنته الوحيده “جنة” طالبة بكلية الطب.
ركضت داخل حضنه، و تعلقت برقبته مرددة بصوتها الهامس الرقيق.
“واحشتني أوي يا بابي”.
ضمها” غفران ” مقبلًا جبهتها بحب.
“حبيبتي أنتي اللي واحشتيني يا أجمل دكتورة”.
عقد حاجبيه و هو يتطلع لها، كانت ترتدي ترنج رياضي واسع من اللون الرمادي، و حذاء رياضي أبيض.
رفعة شعرها الأشقر ذيل حصان لتتمرد بعض الخصلات على جبهتها و عينيها السوداء الواسعة التي تشبه أعين والدها.
“رايحة فين أنتي كمان بدري كده؟!”
“رايحة النادي.. عندي تمرين”.
قبل “غفران” وجنتيها و هو يقول.
“طيب يا حبيبتي خلي بالك من نفسك و ارجعي على معاد الغدا عشان نتغدا سوا”.
أومات له و سارت من أمامه، ليُشير “غفران” لرئيس الحرس بعينيه أن يذهب هو معاها بنفسه، فنصاع لأمره في الحال، و أسرع بفتح باب السيارة لها، لتصعد “جنة” بالمقعد الخلفي.
أغلق الباب خلفها و دار حول السيارة و جلس بمقعد السائق و انطلق بطريقه متجنبًا النظر بالمرآة حتى لا تتقابل عينيه بأعين تلك ال “جنة”.
“حمد لله على السلامة يا حسن”.
همست بها “جنة” بصوتها الذي يُزلزل كيانه.
قبض على المقود بقبضة يده كاد أن يحطمها، و رسم الجمود على ملامحه و تحدث بلهجة جادة.
“الله يسلمك يا فندم”.
قالت “جنة”بعتاب.
“أيه فندم دي!!.. قولتلك قبل كده قولي يا جنة زي ما أنا بقولك يا حسن و لا تحب أقولك يا حضرة الظابط؟ “
“سيادتك تقولي اللي أنتي عايزة”.
نفخت بضيق من طريقته الجافة معاها كلما حاولت إظهار إعجابها به، خطر على بالها فكرة جعلتها تبتسم بخبث، واعتدلت بمقعدها حتى أصبحت خلفه مباشرةً.
أنفاسها تلفح ظهره من شدة قربها منه، تطلع له بالنعاس الذائب على أهدابها، و همست اسمه بدلالها المُسكر ضاغطة على كل حرف و كأنها تتذوق حروفه.
“حسن!”
رفع يده و مسح بها على شعره بحركة خاطفة كانت كفيلة لترى “جنة” تلك الحلقة المعدنية الجديدة الموضوعة حول أصبعه.
حينها شعرت بصدمة شلت كل أطرافها، جف حلقها و بهتت ملامحها وكأن الدماء انسحبت من عروقها.
“أنت خطبت!!”
ساد الصمت بينهما قليلاً، كان قد توقف” حسن”داخل النادي، و مثل انشغاله بصف السيارة مردفًا بابتسامة زائفة.
“أيوه سيادتك.. عقبالك”.
جملته هذه كانت بمثابة صفعة دامية هبطت على وجهها، تبدلت ملامحها للنقيض و كأنها قد استعادة وعيها و أدركت أنها كانت مخطئة بحق نفسها حين وقعت في شباك حب من طرف واحد.
كانت شاردة بذهنها و لم تنتبه لباب السيارة الذي فتحه لها “حسن”، لم تفق من شرودها سوي على صوته الأجش يقول بعملية باحته.
“وصلنا سيادتك”.
استعادة شتات نفسها، و هبطت من السيارة وقفت أمامه تطلع له بنظرات خاوية، و تحدثت بلهجة جديدة كليًا قائلة.
“مبروك.. يا حضرة الظابط”.
……………………….
بقصر الدمنهوري.
كانت “إسراء” في قمة غضبها بعد ما تفوهت به ابنتها الكبرى، لكنها تحدثت بهدوء تُحسد عليه قائلة.
“يعني أنتي مقدمتيش في الكلية اللي أمك دكتورة فيها ولا أي كلية هنا في مصر و قدمتي في كليات كلها برة مصر و اختارتي الكلية في البلد اللي عجبتك و المفروض هتجهزي ورقك عشان لازم تسافري خلال أيام و فارس عارف بكل ده و كان معاكي خطوة بخطوة و أنا أخر من يعلم ! “
عضت “إسراء” على شفتيها السفلية بأسنانها بعدما أدركت أن غضب والدتها وصل لذروته و ما تراه منها الآن ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة.
“مامي إحنا مكنش قصدنا نخبي على حضرتك بس كنا متأكدين إنك مش هتوافقي”.
“اممم.. فبتحطوني قدام الأمر الواقع.. اللي هو يا أوافق على سفرك يا إما هتروح عليكي السنة مش كده؟”
أومات لها “إسراء”.
لتصرخ “إسراء” فجأة بوجهها أفزعتها هي و جميع من بالغرفة حين قالت.
“على جثتي.. سفرك برة مصر ده مش هيحصل إلا على جثتي يا بنت فارس”.
“استهدي بالله يا إسراء يا بنتي و بلاش تصرخي في وش البنت كده”.
قالتها” إلهام ” بنبرة راجية، لتنظر لها “إسراء” وقد تحول وجهها لكتلة حمراء من شدة غضبها، و تحدثت بذهول قائلة.
“سمعتي يا ماما.. سمعتي بنتي و أبوها عملوا أيه من ورايا..و أنا اللي قايمة نايمة بحلم باليوم اللي بنتي تدخل فيه الجامعة عشان تبقي معايا في الكلية قدام عنيا.. و لما يجي اليوم ده يبقى أسود يوم في عمري! “
“ليه بتقولي كده بس يا ماما.. الكلية اللي قبلتني دي تعتبر من أكبر و أهم الجامعات في العالم و مبتخدش أي حد”.
رمقتها” إسراء ” بنظرة يملؤها الخذلان.
“جالك قلب تعملي كده من ورايا.. قلبك جامد أوي للدرجة دي و عايزة تسافري و تبعدي عني و عن أخواتك!! و بعدين مالها الجامعات في مصر.. ما أنا قدامك أهو كملت تعليمي و خت الشهادة و اتوظفت كمان بعد ما اتجوزت و خلفتك و خلفت أخواتك”.
نظرت لها ابنتها بنظرة يملؤها الغرور، تلك النظرة التى تُشبه نظرة زوجها.
“و حضرتك عايزاني أعمل زيك و اتجوز و أخلف الأول و بعدين أبقى أكمل تعليمي؟!”
عقدت” إسراء “ذراعيها أمام صدرها و نظرت لها نظرة أم خائفة على ابنتها و هي تقول.
“الواحدة مننا يا بنتي ملهاش إلا بيتها و جوزها مهما اتعلمت و خدت في شهادات بالذات لو ربنا رزقها براجل بيحبها و هيصونها و أنا و أنتي و كلنا عارفين إن مالك بيعشق تراب رجليكي و بيتمني رضاكي و مش هيمنعك إنك تكملي تعليمك و هبقي مطمنة عليكي و أنتي هنا جنبي”.
صاحت “إسراء “بانفعال بنبرة جادة لا تحمل الجدال قائلة.
“الجواز ده أخر حاجة ممكن أفكر فيها و يوم ما تيجي على بالي مش هيكون مالك الراجل اللي هرتبط بيه لأنه بنسبالي ابن صديق بابي و بس و عمره ما هيبقي أكتر من كده.. هو بقي مش راضي يقتنع بكده و مصمم يحبني هو حر لكن أنا عمري ما هحبه و هقوله الكلام ده في وشه عشان يشيلني من دماغه”.
كان ” فارس ” يقف مع رجال الحراسة المسؤلون عن بوابة القصر يتحدث بصرامة قائلاً.
“ولاد غفران ميدخلوش من باب القصر.. الباب ميتفتحش ليهم أصلاً و لو حد منهم حاول الدخول بأي طريقة امسكوه و كتفوه و ارموه في الاسطبل.. مفهوم؟ “
“مفهوم يا فارس باشا”.
وصل صوت شجار زوجته و ابنته لسمعه فهرول بالسير لداخل القصر بخطي متسعة حتي وصل لهم و تحدث بقلق قائلاً.
“صوتكم عالي أوي ليه كده! أيه اللي حصل لكل ده؟ “
“ أهلاً أهلاً بالراس الكبيرة “.
قالتها زوجته و هي تقترب منه و تدور حوله كالاسد الذي يستعد الانقضاض على فريسته، خبطت على ظهره بكف يدها ببعض العنف مكملة.
“كنت بتنيمني ننة و بتاخدني على قد عقلي لما قولتلك أني هقدم ل إسراء في الكلية عندي.. قولتلي أنا هقدم لها و متشغليش نفسك أنتي على وش ولادة و تروح مطواعها و تسيبها تقدم في جامعة برة مصر!”
ترقرقت العبرات بعينيها و تابعت بصوتٍ تحشرج بالبكاء قائلة.
“عايز بنتنا تسافر و تبعد عننا يا فارس؟ “
جذبها” فارس ” لداخل حضنه بلهفة رغم اعتراضها مغمغمًا.
“حبيبتي مين قالك أنها هتبقي بعيد عننا.. وقت ما تحبي تشوفيها هجهز لك الطيارة و نسافر لها كلنا سوا”.
“بنتي مكانها هنا جوه حضني.. إسراء مش هتسافر يا فارس”.
“و أنا كمان مش هسيبها تسافر يا حماتي”.
كان هذا صوت “مالك” الذي اقتحم الغرفة عبر النافذة جعل الجميع يصرخون ويقفزون بفزع، بينما” فارس” جن جنونه و ركض كالخيل الجامح نحو البندقية المعلقة على إحدي الجدران و هو يُصيح بصوته الجوهري.
“أنت بتطلع لي منين؟! نهار أبوك مش فايت يا مالك يا مصري!!! “
رواية مالك المصري الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك
سيطر “فارس” على غضبه سريعًا حين لمح الخوف على ملامح بناته، خاصةً التوأم “إلهام، و خديجة” ذوات الخمسة سنوات.
“Don’t kill Malik Belize, Babi, we love him.”
“لا تقتل مالك بليز بابي إحنا بنحبه.”
نطقا بها و هما يركضان نحو “مالك” الذي جثي على ركبتيه، و فتح ذراعيه لهما، و ضمهما بحب مرددًا.
“أهلاً بحبايب مالك.”
أخفي “فارس” السلاح خلف ظهره، و رسم إبتسامة زائفة على قسمات وجهه المتشنجة مغمغمًا.
“Come here, don’t be afraid, baby.”
“تعالي إلى هنا لا تخافي حبيبتي.”
ظل “مالك” محتضنهما، بل حملهما و انتصب واقفًا بهما مردفًا بمكر و هو يرمق “إسراء” بنظرة يملؤها الشوق.
“سيبهم معايا شوية يا فارس.. أصلهم واحشوني أوي.”
“والله أنت اللي وحشتنا يا واد يا مالك.”
كان هذا صوت “إلهام” والدة “إسراء“. ليبتعد أخيرًا بعينيه عن “إسراء” و قام بإنزال الصغيرتان، و سار تجاه “إلهام” و مال عليها قبلها، و عانقها بودٍ و هو يقول.
“حبيبتي يا لوما أنتي اللي وحشاني.”
أبتعد عنها و ذهب ل “خديجة” عمة “فارس” و قام بتقبيلها هي الأخرى.
“أحلى تاني ديجا في الدنيا.”
“أنت ولد بكاش.”
قالتها “خديجة” و هي تقرصه بخفة من وجنته بأصابعها.
تحرك تجاه “زهراء و رواء” و مد ذراعيه على حاوطهما من اكتافهم و عانقهما لصدره مقبلًا جبهة كل واحدة على حدا.
و من ثم سار تجاه “إسراء” زوجة “فارس” التي كانت تقف بجوار زوجها ممسكه بذراعه بكلتا يديها حتى لا يهجم على “مالك” الذي أقترب منها و هم بتقبيلها هي الأخرى.
ليخطفها زوجها من خصرها بلمح البصر أخفاها وراء ظهره و وقف أمامها كالسد المنيع يتطلع له بأعين يتطاير منها الشرر.
“أوعى يا فارس خليني أسلم على ملوكة.”
قالتها زوجته و هي تُزيحه من أمامها لكنه كان ثابت كالصخر لم يتزحزح و لو أنش واحد.
حانت منه التفاته صغيرة نظر لزوجته من فوق كتفه بابتسامة مصطنعة تظهر جميع أسنانه مدمدمًا بهمس بالكاد يُسمع.
“اممم.. بقي البغل ده كله ملوكة!!!!”
نظر ل “مالك” نظرة نارية و تابع من بين أسنانه.
“و أنت داخل عمال تسلم و تبوس و لا كأنه بيت اللي خلفوك!!”
“و هبوسك أنت كمان يا جدع.”
قالها “مالك” و هو يقترب يعانقه و يقبله رغم إعتراضه و ضيقه.
أبتعد عنه و صوب نظره تجاه جميلته “إسراء” الواقفة تعبث بهاتفها دون إكتراث لأمره.
“إسراء.”
غرد بها بصوته المُدمر و هو يرنو إليها بخطي متلهفة أمام أعين الجميع الذين ينظرون لهم بابتسامة بلهاء حالمة، إلا “فارس” يرمقه بنظرات لو كانت أسهم لأصابته بمقتل.
“هاي مالك.”
قالتها و هي تمد وجهها له ليقبلها بوجنتيها، ليستغل هو الفرصة و أغمض عينيه، و مال عليها كثيرًا بسبب فرق الطول بينهما و طبع قبله على لحية جعلته يفتح عينيه على أخرها بصدمة، ليجد وجهه “فارس” بوجهه مباشرةً.
انفجروا الجميع بالضحك على نظرتهما لبعضهما، خاصةً حين قال “فارس” بلهجة حادة لا تقبل الجدال.
“شطبنا يا حضرة الظابط.. الكلام ده كان و أنت ملوكة صغير لكن دلوقتي أنت ماشاء الله شحط كبير خلاص بح.”
“هو مالك غريب يا بابي؟”
قالتها “إسراء” بصوتها الناعم، تهللت أسارير “مالك” و نظر ل “فارس” بإنتصار، لتتابع “إسراء” بجملة جعلت فكه يسقط أرضًا حين قالت ببرود ثلجي.
“أنا بعتبره زي أخويا بالظبط.”
هم “مالك” بالصياح في وجهها بكلمة بذيئة ليُسرع “فارس” بوضع كف يده على فمه أغلقه تمامًا.
ساد الصمت المكان للحظات قطعه صوت إحدي الحرس يتحدث عبر جهاز اللاسلكي الموضوع بجيب “فارس”.
“فارس باشا إحنا مسكنا زين و فهد و فارس ولاد غفران باشا.”
كانت عروق “فارس” بارزة من شدة غضبه و غيظه من أفعال أبناء صديق عمره التي تُثير جنونه، و برغم قمة غضبه منهم إلا أنه تحدث بهدوء يُحسد عليه قائلاً.
“خلينا ننزل مع بعض نروح الاسطبل يا مالك أوريك المهرة الجديدة و نتكلم بالعقل و راجل لراجل.”
“بتقولي زي أخوها يا فارس !!!”
قالها “مالك” بذهول من برود تلك العنيدة.
صاحت “إسراء” زوجة “فارس” بغضب قائلة.
“و عايزة تسافر تكمل تعليمها برة كمان يا واد يا مالك.”
“اطمني متقدرتش تسافر من غير موافقة جوزها اللي هو أنا طبعًا يا حماتي.”
نطق بها “مالك” بجدية جعل “إسراء” تنظر له و تضحك بسخرية.
بينما مال “فارس” على أذنه و همس بوعيد قائلاً.
“أنت لو منزلتش معايا دلوقتي حالاً مش هخليك زي أخوها و بس.. لا ده أنا هخليك زي أختها.”
نظر له “مالك” بحاجبين مرفوعين، ليبتسم له “فارس” إبتسامة مخيفة جعلته يتنحنح بخوف مصطنع و يسير معه للخارج و هو يقول باستفزاز مقصود.
“أخواتي لسه عضمهم طري و بيتمسكوا من الحرس بسرعة .. محتاجين يتمرنوا زيادة شوية.”
نظر “فارس” ل “إسراء” ابنته و تحدث وهو يغادر الغرفة برفقة “مالك”.
“اجهزي يالا حبيبتي عشان نروح مشوارنا و منتأخرش أكتر من كده.”
قبض “فارس” على ياقة قميص “مالك” فور وصولهم لحديقة الاسطبل، و دفعه على التبن المتناثر أرضًا بجوار أشقائه المتقيدين، و أمسك سوط من الجلد و لفه على كف يده و هو يقول.
“حصلت تدخل على بناتي الأوضة من الشباك يا مالك يا إبن غفران!!”
تنقل بعينيه بينهم و تابع بعصبية مفرطة.
“و أنتو بقي مش ناوين تحلوا عني أنا و بناتي يا *** منك ليه.”
تعمد “مالك” السقوط فوق أشقائه، و بمنتهي الخفة قام بفك قيودهم، فنهضوا من مكانهم و ركضوا بسرعة الخيل بعيدًا عن “فارس” قبل أن يطولهم غضبه.
“أهدي يا فارس يا دمنهوري و فهمني أيه حكاية سفر مراتي بدون علمي دي إن شاء الله.”
قالها “مالك” و هو يتفادي ضربة مبرحة من السوط قبل أن تهبط على جسده، و صوت “فارس” يقول بتهكم.
“مراتك منين ياض.. أنت و الصيع أخواتك نجوم السما أقرب لكم من ضافر بنت من بنات الدمنهوري يا***.”
لم تبرح غرفة تبديل الثياب، جلست تبكي داخلها حتى تورمت عينيها من شدة بكائها، أحبت رجل لم يكن لها أي مشاعر، منذ الوهلة الأولى التي رأت بها هذا ال ” حسن” و هي بحالة يرثي لها، فما أصعب الحب من طرف واحد، كالطعن بالسكين بارد في منتصف القلب.
لا تستطيع أن تلوم عليه فهو كان دومًا يقابل كل اهتمامها به و لهفتها عليه بلا إكتراث، لكنها أوهمت نفسها بأنه ربما محرج من وضعهما لعمله برفقة والدها.
نهضت من مكانها بعد وصلة بكاء طويلة، محدثة نفسها بأسف.
“محدش يستاهل دمعة واحدة من عيني.”
نظرت لنفسها بالمرآة، و توقفت عن البكاء، و رفعت يدها جففت وجهها بعنف، و رسمت الجمود و اللامبالاة على ملامحها الرقيقة، و أخفت عينيها بنظارة شمسية، و سارت للخارج بخطي واثقة.
كان “حسن” يقف مستند على السيارة منتظرها، لمحها تأتي عليه في غير موعدها،فاسرع بفتح باب السيارة لها، كان القلق و التوتر ظاهران عليه بسببها، لكنها تجاهلته و صعدت بالسيارة دون النطق بكلمة.
ليقطع هو الصمت و تحدث بتسأل قائلاً.
“هنروح فين دلوقتي سيادتك؟”
لم تنظر له “مكة” اكتفت بالنظر من النافذة على الطريق حتى لا يلاحظ هيئتها الباكية، لكنها همست بصوتٍ مختنق بالبكاء قائلة.
“وديني المقابر.. عند ماما شهد.”
رواية مالك المصري الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك
مر أكثر من أسبوع، انشغل مالك خلاله في مأمورية هامة عاد منها منتصر كعادته، و لكن حالته حقًا مزرية، أُصيب كتفه الأيسر بطلق ناري، و العديد من الكدمات و الجروح متفرقة على كامل جسده، و برغم كل هذا كانت ملامحه تُشع منها الفرحة الغامرة بعدما حقق مراده و تمكن بعلاقاته من إيقاف سفر جميلته العنيدة و هذا أكبر إنتصار بالنسبة له.
كان الوقت فجرًا لحظات ظلام الليل الأخيرة، صف سيارته بعيدًا عن منزله حتى لا يُقظ عائلته و ينصدموا بما حدث له، و خاصةً جدته، شقيقته، و زوجة والده التي تعتبره بمثابة إبنها الأكبر.
سار عدة خطوات بخطي مجهدة حتى وصل لباب الفيلا الخارجي، فأنتصبوا أمامه أفراد الأمن، أسرعوا بفتح الباب له، دلف هو بصمت كالمعتاد ليقابله حسن رئيس حرس والده و صديقه المقرب.
وقف أمامه و تطلع لهيئته بنظرة يملؤها الغيظ مردفًا بمزاح:
"تاني يا ذكي! .. قصدي تاني يا مالك روحت للي بيضربوك و خلتهم يعلموا عليك تاني يا أبني!"
نظر له مالك بحاجب مرفوع و هو يقول:
"يعلموا على مين يا حسن .. بفضل الله محدش قدر و لا هيقدر يعملها معايا.. صاحبي عمل معاهم السليمة و عباهم كلهم في بوكس واحد"
تطلع له حسن مضيقًا عينيه و تحدث بجدية مصطنعة قائلاً:
"اه فعلاً ما بين على وشك أهو"
رفع يده وبدأ يُشير على جروحه الظاهرة واحد تلو الأخر مكملاً:
"و على كتفك، و عينك! .. دول بوظوا ملامحك خالص يا أبني.. بس الحمد لله رموشك و شفايفك كويسين.. و الباقي بقي كله بايظ"
ظهر الأسف على وجهه مكملاً:
"يا عيني عليك يا صاحبي كنا عايزين نفرح بيك أنت و بنت الدمنهوري اللي مطلعة عينك و منشفة ريقك بس خلاص أنت كده بقيت غير صالح للجواز"
أبتسم مالك له إبتسامة خبيثة مغمغمًا:
"تصدق أنت عندك حق يا حسن.. أنا فعلاً غير صالح إلا لجواز بنت الدمنهوري اللي هتجوزها بمزاجها أو حتي غصب عنها مش هتكون لراجل غيري"
رفع يده و خبط على كتفه و تابع بأسف حقيقي:
"الدور و الباقي عليك أنت"
تبدلت ملامح حسن للنقيض، رفع يده أمام عينيه و نظر للحلقة المعدنية الملتفة حول أصبعه، تنهد بحزن و هو يقول:
"مقدرتش أرفض طلب أبويا يا مالك .. و طلبه ده بالذات لانه بيعتبر بنت خالي دي بنته اللي مخلفهاش بعد موت أبوها اللي كان عميد و اغتاله هو و مراته و ساب بنته فجر صغيرة مكملتش 7 سنين.. أتربت في وسطنا لحد ما بقت عروسة دلوقتي"
صمت لبرهةً يلتقط أنفاسه و تابع بغصة مريرة قائلاً:
"أنا حب عمرها و هي بالنسبالي زي أختي يا مالك.. خلت أبويا قالهالي صريحة هيقاطعني لو جرحت قلبها و رفضت جوازي منها"
أستند مالك عليه و صعد الدرج واحدة تلو الأخرى مدمدمًا:
"اممم.. واضح كده إن خيبتنا واحدة يا حسن.. إسراء برضوا حب عمري لسه مفرتكة جبهتي بواحدة أنت زي أخويا خلتني كنت هثبتلها عملي قدام اللي خلفوها إني أجوزلها و مجوزش لوحدة غيرها"
أخرج مفتاح الباب الداخلي للفيلا من جيب سرواله، و فتح الباب بحذر و طل برأسه يتأكد من عدم وجود أحد، و من ثم أستند مجددًا على حسن و همس بتعب:
"كلو نايم.. وصلني أوضتي بقي في السريع كده قبل ما حد يصحى آآه"
قطع حديثه متأوهًا بصوتٍ خفيض حين حمله حسن على كتفه على حين غره، و دلف به للداخل بخطي متسارعة.
"مااالك"
صرخت بها عهد زوجة والده التي خرجت للتو من غرفتها و اقتربت عليهما و نظرت ل حسن بأعين دامعة، و ملامح مرتعدة و صاحت بوجهه بصراخ قائلة:
"أنت شايله كده ليه!"
لتستطرد دون أن تمنحه فرصة للرد:
"انطق عملت في أبني أيه؟"
قفز مالك من فوق كتف حسن و نظر لها نظرة راجية ومردفًا:
"عهد.. أهدي أنا كويس قدامك أهو.. مافيش داعي لصريخك اللي هيصحي البيت كله"
جحظت أعين عهد بصدمة حين رأت هيئته المفجعة، و انفجرت فجأة في نوبة صراخ و بكاء مرردة إسم زوجها دون توقف:
"غفرااان"
ايقظت الجميع بصرخاتها، خرج غفران أول واحد راكضًا نحوها احتواها بين ذراعيه و ضمها لصدره بلهفة:
"هش.. أهدي يا عهد متخفيش حبيبتي"
"مالك.. مالك أبني مضروب بالنار يا غفران"
همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، ليصطك غفران على أسنانه بغيظ، و رمق مالك بنظرة غاضبه و هو يقول:
"و هي يعني أول مرة يا عهودة.. ده حتى المرادي أخف من المرة اللي فاتت و جاية في كتفه"
"مالك.. يا حبيبي يا أبني أيه اللي جرالك"
كان هذا صوت فاتن التي فتحت باب غرفتها و خرجت منه مندفعة بخطي مرتجفه فاتحة ذراعيها لحفيدها تحثه على الاقتراب منها، فنصاع مالك على الفور و ارتمي داخل حضنها الذي استقبله بلهفة.
غادر حسن المكان بعدما أخذ الأذن من غفران بإشارة من عينيه، كان بطريقه للدرج المؤدي للأسفل، لينصدم ب مكة التى خرجت راكضة من غرفتها بملامح بدي عليها الذعر، اصطدمت بصدره الصلب كاد أن يسقطها على ظهرها، بلمح البصر كان ألتف بذراعه حول خصرها خطفها كالخطاف منعها من السقوط.
تفاجأت بوجوده هنا أمامها الآن، كتمت شهقة خافتة حين وجدت نفسها، بل كلها داخل حضنه، رفعت عينيها الزائغة و نظرت له نظرة يملؤها الحزن و الخذلان مزقت قلبه، لحسن حظهما أنهم بإحدى جوانب المنزل، لو تحرك بها خطوة واحدة سيراهم الجميع، فظل ثابتًا مكانه يسترق لحظات قليلة في قربها الذي أطاح بعقله.
كان شعرها الحريري مشعث بفيضوية أثر نومها، وجهها الأبيض المستدير تُزينة حمرة الخجل جعلتها قابلة للألتهام، هبط بنظره قليلاً لمنامتها الوردية التي تظهر جمال و فتنة عنقها و كتفها المرمري.
انفجر بركان شوقه و عشقه لها بأوردته، أسبوع كامل لم تخرج من المنزل مطلقًا تجنبًا لرؤيته، فقد كل ذرة تعقل يملكها و ضغط على خصرها بكف يده ضغطه خفيفة كانت بمثابة ضغطه على قلبها و حرك شفتيه دون إصدار صوت قائلاً:
"واحشتيني يا مكة"
ربااااه!!! أخيراً نطق من كانت تظنه حجرًا! اتسعت عينيها على أخرها و تطلعت له بذهول و قد تهللت أساريرها و غمرتها سعادة بالغة جعلتها تطير لفوق السحاب، لكن اختفت تلك السعادة سريعًا و هوت بجناحيها مصطدمة بأرض الواقع حين تذكرت أنه أصبح رجل مرتبط، توحشت نظرتها و رمقته بنظرة نارية قبل أن ترفع يدها و تدفعه بعيدًا عنها بعنف و هي تقول بصوتٍ هامس:
"روح قولها لخطبتك يا حسن"
أنهت جملتها و فرت راكضة من أمامه قبل أن تطولها يده ثانيةً.
أشرقت شمس يومًا جديد، استيقظت إسراء على نثر وابل من القبلات الحارة يوزعها زوجها على كامل وجهها، انبلجت إبتسامة على ملامحها الفاتنة قبل أن ترمش بأهدابها و من ثم فتحت عينيها ببطء.
"يا صباح الجمال .. يا ساحرتي"
قالها فارس و هو يتأمل عينيها بافتتان، فتحت إسراء فمها لترد عليه إلا أنها أغلقته ثانيةً، و قد تحولت ملامحها الحالمة لأخرى غاضبة، و دفعته فجأة بعيدًا عنها لكنه لم يتزحزح عنها و لو أنش واحد، بل إلتصق بها أكثر، لتتحدث هي بغضب عارم قائلة:
"أنت دخلت هنا إزاي؟!.. أنا قافله الباب بالمفتاح من جوه و قولت مش عايزه أشوف حد فيكم لا أنت و لا بناتك.. عايز مني أيه بعد ما نفذت اللي في دماغك أنت و بنتك و رضيتم غروركم؟"
حاصر جسدها بجسده سيطر على حركاتها المنفعله، سار بكف يده على طول ذراعها العاري صعودًا و هبوطًا، تطلعت له و هي تمتثل رغمًا عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته.
"عايزك أنتي .. و لا ألف باب يمنعني عنك يا إسراء يا غرام المغرور"
قالها بلهجة أكثر خشونة و كأنه يثبت لها مشاعره و ملكيته إياها وحده.
لثم شفتيها بقبلة رقيقة و أبتعد عنها على مضض مكملاً:
"و عايز رضاكي علينا أنا و بنتك عشان السفرية تبقي سهلة و الورق اللي متعطل ده يخلص"
"عمري ما هرضي و لا هوافق على غربة البت يا فارس و طول ما أنا مش راضية مافيش حاجة هتم و لا هتكمل"
تحلى فارس بالصبر و أردف بهدوء قائلاً:
"عايزة تفهميني إنك مش عايزه تشوفي بنتك دكتورة كبيرة تشرفنا و تشرف بلدها؟"
التمعت أعين إسراء بالدموع و تحدثت بصوتٍ اختنق بالبكاء قائلة:
"كل أم بتتمنى تشوف ولادها أحسن الناس.. و أنا نفسي تكون بنتي هنا جنبي و قلبي مطمن عليها أكتر من إنها تبقي ناجحة و هي بعيد عن حضني"
"بس لو بنتك فضلت هنا جنبك هتفضل و هي مجبورة و هتبقي مهمومة و حزينة طول الوقت لأننا وقفنا في طريق حلمها.. أنتي عارفة إن الكلية اللي قبلتها دي كانت حلم حياتها اللي فضلت تجتهد عشانه طول السنين اللي فاتت، و لما توصله بعد كل التعب و المجهود اللي بذلته نيجي إحنا و نمنعها عنه! عمرها ما هتسمحنا و مش بعيد تكرهنا و تكره اليوم اللي اتولدت فيه لقيتني أنا أبوها و أنتي أمها"
ظهر التأثر على ملامح إسراء جعلته يظن أنه أقنعها بحديثه هذا، لتصدمه حين صفقت بكلتا يديها فجأة و صاحت في وجهه بصوتها الناعم قائلة:
"يا أخويا أنا عايزاها تكرهني بس تتنيل و تقعد قدام عيني هنا و لا تحبني و هي متغربة و بيني وبينها بلاد"
"أخويا!! بقي أنا أخوكي؟"
قالها بعبث و هو يجذها عليه و أجلسها على قدمه مكملاً بوقاحة:
"ده أنتي عماله تغريني بكل الطرق عشان تحملي مني و تجيبي الواد اللي نفسك فيه"
توهجت وجنتيها بحمرة الخجل، و لكزته بخفه في كتفه بقبضة يدها مردفة بعتاب:
"و أنت يعني في حاجة قصرت فيك.. قلبك طاوعك و قساك عليا و بعدك عني"
لثم عنقها هامسًا بحميمية:
"أنا قلبي ده محنش إلا ليكِ أنتي و بعدي عنك على عيني بس من خوفي عليكي يا إسراء"
مالت برأسها على صدره، و همست بدلال قائلة:
"يبقي عشان خاطري أقنع إسراء تشيل فكرة السفر دي من دماغها خالص"
أستمر في تقبيلها و هو يقول:
"مينفعش يا بيبي.. أحنا خلاص جهزنا كل حاجة و فاضل ورقة واحدة بس هي اللي موقفة سفر البنت أدعي لينا نلاقيها الورقة دي عشان بنتنا تسافر و تشوف مستقبلها"
"مش هتلاقوها الورقة دي يا فارس"
أردفت بها بعصبية مفرطة، و هي تنهض بغضب مبتعدة عنه و تابعت باندفاع قائلة:
"مالك خفي الورقة و مش هتعرفوا توصلوا ليها"
توقفت عن الحديث حين رأت الغضب ظهر على ملامح زوجها الذي نهض من مكانه بهدوء مريب و على وجهه إبتسامة مخيفة، و اقترب منها و تحدث بنبرة دبت الرعب بأوصالها قائلاً:
"قولتي مالك؟ .. مالك ابن غفران هو السبب في تعطيل سفر بنتي"
حركت إسراء رأسها بالايجاب و السلب في نفس الوقت مدمدمة بشجاعة زائفة:
"اممم.. لا.. آه هو.. مش خطيبها و من حقه يمنعها لحد ما يتجوزها و بعد كده لو عايزه تسافر تبقي تسافر مع جوزها على الأقل متبقاش لوحدها و نبقي مطمنين عليها"
"افهميني.. أنا مش هغصب بنتي على حاجة هي مش عايزاها.. و مالك ال **** أنا هروح أطلع ***** هو وأخواته كمان عشان يحلوا عني أنا و بناتي"
قالها و تركها و خرج كالقذيفة المشتعلة، لتقابله ابنته إسراء التي تحدثت بغضب يُشبه غضبه تمامًا قائله:
"مالك هو اللي معطل سافري يا بابي مش كده؟"
حاول فارس السيطرة على ذروة غضبه حتى لا يتفوه بألفاظه البذيئة أمام صغيرته، صك على أسنانه كاد أن يهشمها و هو يجيبها:
"هو.. مالك ابن…. غفران.. أنا رايح له بنفسي"
"أنا كنت واثقة إن هو"
قالتها إسراء بابتسامة مصطنعة، و صمتت لوهلة و تابعت بنبرة تحدي قائلة:
"استني أنت من فضلك يا بابي.. أنا اللي هروح له…."
رواية مالك المصري الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك
رواية مالك المصري الفصل الخامس 5
.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
بعض العلاقات ليس لها مسمى ولا تتحدد ببداية ونهاية ورغم ذلك تحمل الكثير من التفاصيل مبهمة، مبهرة، و غريبة تمر كالبرق الخاطف وصوت الرعد القوي …
بإختصار تنتبه لها بكل حواسك حتي أن حواسك تحملك فلا تشعر للأرض بجاذبية..
“مالك”..
تملك منه التعب و الإرهاق حتى أصبح في حالة يرثي لها، يرتمي على الفراش بزيه العسكري لا يقوي حتى على خلعه من شدة تعبه..
“اااه.. مش قادر.. سبوني أناااام و محدش يفكر يصحيني السنادي.. اللي هيصحيني هزعله “..
قالها بصوتٍ مرهق بدي كالمخمور تمامًا قبل أن يغلق عينيه فور سقوطه على الفراش و غرق بنومٍ عميق أشبه بالغيبوبة، تجمع حوله جميع عائلته، و قاموا أشقائه بمساعدته على تغير ثيابه، عدلوا وضعه بالفراش لوضع أكثر راحة..
“إبنك متفشفش المرادي أكتر من المرة اللي فاتت يا بوب”..
قالها “زين” و هو ينظر ل”مالك” نظرة يملؤها الأسف، ليجيبه “غفران” و هو يدثر إبنه بالغطاء جيدًا..
“لا المرادي أقل من المرة اللي فاتت بس قلة النوم اللي عاملة فيه كل ده.. الباشا مطبق بقاله كام يوم و هلك روحه في المهمة دي لحد ما كانت هتخلص عليه “..
” ممكن تطلعوا تتكلموا برة و تسبوه يرتاح شوية على ما نحضر له حاجة يأكلها و نصحيه عشان ياخذ علاجه”..
قالتها “عهد” و هي تدفع زوجها و أبنائها لخارج الغرفة برفق حتى اخرجهم منها، و قامت بإغلاق الباب خلفها بعدما نظرت نظرة أخيرة تطمئن بها على ذلك النائم..
مّر أكثر من ساعة عادت” عهد” تدفع عربة مخصصة للطعام، كانت” فاتن”برفقتها دلفوا سويًا لغرفة” مالك” الغارقة في الظلام، و قاموا بإزاحة الستائر ليعم نور الشمس المكان بأكمله..
“ياااا عهد.. يااااا جدتي أبوس أيديكم سبوني أناااام”..
صاح بها بنبرة راجية دون أن يفتح عينيه، اقتربت منه “فاتن” وجلست بجواره على الفراش و تحدثت بحنو قائلة..
“يا حبيبي قوم كل حاجة بسيطة و خد علاجك عشان جروحك دي تلم بسرعة و نام تاني”..
جاءت “عهد” من الجهة الأخرى و جلست بجواره أيضًا و أخذت تربت على كتفه برفق و هي تقول بتأيد لحديث حماتها..
“أسمع كلام جدتك يا مالك” ..
وضعت كف يدها على جبهته تجس درجة حرارته مكملة ببوادر بكاء..
” حرارتك بدأت تعلي و ده غلط أوي على جروحك يا أبني.. قوم عشان خاطرنا كل أي حاجة و خد العلاج خليه ينزل حرارتك دي شوية عشان تنام مرتاح”..
أردف “مالك” بنفاذ صبر قائلاً..
“مش هقدر أكل أي حاجة.. لو كلت مش هعرف أنام و أنا جعان نوووم يا جدعان..هتسبوني أنام و لا أروح أنام في القسم؟”..
حركت” فاتن ” رأسها بيأس و هي تطلع ل” عهد” مردفة..
” سبيه يا عهد ينام.. يمكن يتحسن لو نام شوية و يقوم فايق وقتها هياكل”..
“يعني مش هتصحي حتى عشان خاطرنا و تشرب حتى كوباية الحليب دي عشان تغذيك شوية يا مالك؟ “..
قالتها” عهد” بنبرة راجية،
بكى” مالك” بصطناع مدمدمًا..
” حليب يا عهد هو أنا بسنن !! خديها يا جدتي معاكي من فضلك و اقفلوا الباب وراكم، و مش عايز مخلوق يصحيني مهما كان.. سبوني لما أصحى أنا لوحدي”..
انصاعوا لرغبته على مضض و غادروا الغرفة بعدما أعادوا غلق الستائر من جديد، تركوا الطعام مغطي بجانب فراشه، لتستسلم أعين “مالك” للنوم ثانيةً بينما ذهنه حاضر كأنه في حالة بين الوعي و اللاوعي، مدرك و يستمع لكل ما يدور حوله..
” مالك و مكة أحوالهم مش عاجبني خالص يا ماما فاتن و بالذات مكة حاسة أن في حاجة بتحاول تخبيها و دايمًا بقت حزينة و بتسرح كتير أوي اليومين دول “.. قالتها” عهد” و هي تسير بجوارها و قامت بتوجيهها نحو غرفة “مكة” ..
تنهدت “فاتن” و هي تقول بأسف..
“أنا كمان لاحظت يا عهد.. و كمان عرفت أنها أخر مرة خرجت راحت المقابر زارت شهد الله يرحمها”..
لم تنعتها بوالدتها، الأم بنظرها هي” عهد” من قامت بتربيتها كما لو كانت ابنتها من دمائها بعدما تركتها والدتها منذ والدتها لجدتها و انشغلت بأفكارها السودوية الاي كانت السبب الأساسي في طلاقها من زوجها ، حتى تزوجت” عهد” والدها و اهتمت هي بأولاده بنفسها، واصلت الليل بالنهار بجانب طفلة لم تتعدى الثلاث سنوات حتى أصبحت طالبة متفوقة بكلية الطب..
تيبست أقدام” عهد” محلها لبرهة، و تطلعت ل” فاتن” بأعين زائغة تدل على مدى قلقها و توترها و أردفت بتسأل قائلة..
عرفتي منين يا ماما؟ و من أمتي مكة بتروح المقابر لوحدها! “..
اجابتها” فاتن ” قائلة..
” هي اللي قالتلى.. و متخفيش هي مرحتش لوحدها كانت مع حسن رئيس حرس غفران “..
“اممم.. كانت مع حسن!! “.. دمدمت بها” عهد” و قد بدأ يُهاجمها شعور بالريبة تجاه هذا ال” حسن”..
” طيب خلينا ندخل نصحيها و نشوف مالها و ليه مخرجتش خالص من البيت بعد أخر مرة؟! “..
…………………… صلِ على الحبيب………….
” فارس”..
كان يقود سيارته الفارهه بنفسه، يتوسط بها سيارات الحراسة الخاصة به، بجواره تجلس “إسراء” نسخته المصغرة التي تُشبهه في كل طباعه، حتى في نظراته المتكبرة و غروره المثير للأعصاب..
صف سيارته على جانب الطريق فجأة قبل أن يصل لفيلا صديق عمره “غفران المصري” ، عقدت “إسراء” جاجبيها و نظرت له بقلق مردفة بتسأل..
“وقفت هنا ليه يا بابي؟!”..
خلع “فارس” نظارته الشمسية و نظر لها نظرة مطوّلة، نظرة يملؤها لهفة، خوف، حب أبوي صادق و تحدث بهدوء قائلاً..
“إسراء أوعى تفتكري إني جاي معاكِ دلوقتي عند مالك عشان خايف عليكِ منه..أنا واثق أنه يفديكي بروحه “..
“وأنا كمان واثقة أن مالك عمره ما يأذيني.. إحنا متربين سوا و هو بالنسبالي أخ و صديق و رأيه بصراحة يهمني عشان كده طلبت من حضرتك إني أتكلم معاه و أقنعه برغبتي في السفر “..
أبتسم لها” فارس ” و هو يقول بتعقل..
” بس هو مش اخوكى يا حبيبتي و أنتي بالنسبة له مش أخت ولا هتكوني في يوم من الأيام و كلنا عارفين كده و أنتي كمان عارفه حقيقة شعوره من نحيتك.. أنتي مش هتكوني غير حب حياته اللي مستحيل يتنازل عنه و بغض النظر عن الحرب العالمية اللي بيني و بينه بسببك.. بس مالك ده أنا بعتبره زى أبني و بتمني إنك تديله فرصة و توافقي على جوازك منه يا إسراء “..
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن تتحدث”إسراء” بحكمة اذهلت” فارس ” حين قالت..
” حضرتك علمتني إن كل حاجة في حياتنا ليها وقتها.. و لازم نرتب أولوياتنا و نشوف أيه الأهم و بعدين نشوف أيه المهم.. و أنا الأهم عندي حاليًا هو أحقق حلمي في التعليم.. حابة أخلص تعليمي و أخد شهادة تشرف أرفع رأسك أنت و مامي أخواتي بيها”..
صمتت لوهلة و تابعت بابتسامة خجولة قائلة..
“أما بقي موضوع الحب و الجواز ده و ارتباطي ب مالك أو غيره فأنا بصراحة مش مستعجلة عليه خالص “..
ضيق” فارس ” عينيه و رمقها بنظرة متفحصة مغمغمًا..
” عايزه تقنعيني إن في بنوته زي القمر كده زيك عارفه إن في واحد بيعشق الهوا اللي بيطير حواليها و مبتفكرش تعيش قصة حب جنونية معاه ؟!”..
أبتسمت له “إسراء” و تحدث بفخر قائلة..
” أنا بشوف أن البنت اللي بدور على الحب في راجل غريب بيبقي عندها احتياج للحب ده لأنها محرومة منه في حياتها .. لكن أنا ربنا رزقني بأب ربانى بحب الدنيا كلها.. ملي عيني و قلبي و مسابش أي مكان لذرة احتياج جوايا.. ربنا ميحرمنيش منك أبداً يا بابي أنت و مامي”..
تطلع لها “فارس” بفرحة غامرة تسع الكون بأكمله، يرى أمامه الآن حصاد سنوات طويلة أجتهد كثيرًا ليكون خير الأب لها و لأخواتها، حديثها هذا الآن أثبت له أنه قد نجج بجدارة..
” تمام يا بنت فارس.. اقنعتيني بكلامك “..
أشعل محرك سيارته مجددًا و بدأ يقود مكملاً..
“خلينا نشوف هتقنعي الباشا اللي معطل سفرك ده إزاي؟.. عشان لو مقتنعش هخلصك منه مؤقتًا على ما أنتي تحققي حلمك و تخلصي تعليمك و بعدين تحققي حلمي أنا و أمك بجوازك من مالك يا إسراء “..
رفعت” إسراء ” أنفها بكبر، و قد تشكلت على ملامحها نظرات الغرور مردفة ببرود ..
” إن شاء الله هتجوز و هحقق حلمك أنت و مامي يا بابي بس العريس مش هيكون مالك “..
………………. لا إله إلا الله وحده لا شريك له………….
بقصر الدمنهوري..
هبطت” إسراء” الدرج راكضة حين استمعت لصوت صراخات بأسمها..
“يا خالتو إسرااااء.. الحقيني ماما هتموتني”.. كان هذا صوت” فاطمة” ابنة” إيمان ” صديقة” إسراء ” و كانت زوجة شقيق زوجها المتوفي..
“أيه ده.. في أيه يا إيمان؟!”..
نطقت بها “إسراء” بهلع و هي تهرول تجاه “إيمان ” التي تركض خلف ابنتها ممسكة بيدها قطعة من التحف المعدن، بملامح بدت مرعبة من شدة غضبها..
” أوعى يا إسراء سبيني أموتها “..
أحكمت “إسراء ” سيطرتها عليها و صاحت بانفعال قائلة..
“تموتي بنتك بإيدك يا إيمان!.. أهدي و قوليلي أيه اللي حصل لكل ده بس”..
حاولت” إيمان” الافلات منها بشتى الطرق و هي تقول بأنفاس لاهثة نتيجة غضبها العارم..
“البنت اللي ربنا رزقني بيها بعد سنين طويلة من الحرمان..البنت اللي اترملت عليها و عشت بيها و ليها هي و ربيتها بما يرضي الله لحد ما بقت عروسة في تانية ثانوي عام عايزه تسيب التعليم عشان تسافر برة مصر و تشتغل ممثلة!!.. عايزه تسيبني و تبعد عن حضني هي كمان زي ما أبوها و أخوها سبوني يا إسراء “..
كانت تتحدث و عينيها تذرف الدموع.،ضمتها “إسراء ” لحضنها و قد امتلئت عينيها بالعبرات هي الأخرى من شدة تأثرها، ف” إيمان ” كانت تكفلت هي و زوجها بطفل صغير إسمه” محمود” حين ظنت أنها لن تستطيع الإنجاب، قامت بأرضاعه و أصبح عزيز قلبها الذي عوضها به الله، ليكافئها الله علي صبرها و معاملتها الحسنة بالصغير بحملها للمرة الأولى لكنها أصبحت أم للمرة الثانية، ف “محمود” كان ابنها الأول، كانت حياتها مثالية تمامًا قبل أن يصفعها الزمن صفعة دامية حين توفي زوجها و أبنها بحادث سير منذ عشرة سنوات، جمعت شتات نفسها لأجل صغيرتها و دفنت حزنها بقاع قلبها راسمة القوة و الثبات من أجلها.. لكنها تحيا بقلبٍ محترق دمره فراق أغلى و أحب البشر بالنسبة لها..
تطلعت لها “إسراء” بصدمة و تحدثت بذهول قائلة..
“عايزه تسافري و تسيبي أمك يا فاطمة؟!”..
فتحت “فاطمة” فمها لترد عليها، لكنها أغلقته ثانيةً و ابتلعت صرخة مرتعدة حين صاحت “إيمان” بصراخ مقهور قائلة..
“يا ريتها عايزه تسيبني أنا بس.. بقولك عايزه تسيب التعليم كمان يا إسراء “..
“أنا مش هسيبه غير سنة واحدة و هرجع أكمل تاني يا ماما “.. قالتها “فاطمة” التى اقتربت و وقفت خلف ظهر “إسراء” ..
“و ليه تضيعي سنة من عمرك بس يا بنتي”.. غمغمت بها “إسراء” و هي تجاهد لأبعاد يد ” إيمان ” عنها..
قالت” فاطمة” ببكاء مصطنع..
” معروض عليا فرصة بطولة فيلم في هوليوود متتعوضتش يا خالتو.. مستحيل اضيعها من أيدي لو فيها موتى.. و عماله اتحايل على ماما عشان توافق و تسافر معايا و هي مش راضية”..
تنهدت” إسراء” بنفاذ صبر قائلة..
“يا بنتي ما أنتي عاملة شغل حلو أوي و أنتي هنا في بلدك.. كفاية إنك جنب أمك و بتكملي تعليمك.. و بعدين متضمنيش شغل برة ده هيكون عبارة عن أيه.. خصوصاً دول أجانب و أكيد شغلهم هيبقي مختلف عن شغل التمثيل اللي عملتيه هنا في مصر “..
تحدثت” إيمان” بنبرة متوسلة قائلة..
“قوليلها يا إسراء.. فهميها أنتي أنا مش موافقة و لا هوافق على اللي هي عايزه تعمله ده ليه.. فهميها أنتي أيه اللي ممكن يجرالنا أيه أنا و هي و إحنا لوحدنا في بلد غريبة و مع ناس أغراب منعرفهمش”..
نفخت” فاطمة” بضيق و هي تقول..
” لو أنتي خايفة على نفسك متسافريش معايا و خليكي هنا”..
” و تسافري أنتي لوحدك إزاي بس يا بنتي؟! “..
أردفت بها” إسراء ” بتعجب من إصرارها، لتعقد” فاطمة” كلتا يديها أمام صدرها و رمقتها بنظرة ساخرة مرددة..
” طيب ما إسراء بنتك هتسافر تكمل تعليمها برة مصر و لوحدها يا خالتو! “..
” قولتلك سبيني أموتها يا إسراء”.. هدرت بها” إيمان ” و هي تهجم عليها على حين غرة و تجذبها من خصلات شعرها السوداء الفاحمة بمنتهي العنف، لتسرع “إسراء” بتخليصها من يدها، و تحدثت بنبرة راجية قائلة..
” يااا إيمان أهدي.. مش كده يا حبيبتي ليجرالك حاجة “..
نظرت ل” فاطمة” نظرة نارية، لتبادلها النظرة بأخرى جامدة، و تحدثت بغضب قائلة..
“و مين قالك أني موافقة و لا حتى هوافق على سفر بنتي؟.. و لو حصل و وافقت ف بنتي مبتخطيش خطوة واحدة هنا إلا و وراها حراسة مشددة و أكيد مش هتسافر من غيرهم يعني مش هتبقي لوحدها زي حضرتك يا فاطمة هانم”..
لم تعاير حديثها أي إهتمام، و نظرت لوالدتها نظرة خالية من المشاعر و تحدثت بلهجة حادة لا تقبل الجدال قائلة ..
” لو منعتيني من السفر يا ماما و الله لأموت لك نفسي و أحصل أخويا و أبويا “..
…………………. سبحان الله وبحمده ……..
بفيلا” غفران”..
دلف “فارس” برفقة ابنته، محاوط كتفيها بحماية،رفع حاجبيه بدهشة حين لمح “زين، فهد، فارس” أبناء “غفران” يأتون راكضين نحوه..
” يا مراحب بالغالي أبو الغوالي”..
نطقوا بها بنفس واحد و هم يبحثون بأعينهم عن باقية بناته..
“يا أهلاً بالبهوات”.. قالها و هو يتنقل بنظره بينهم بحاجب مرفوع..
“أيه ده يا فارس يعني أنت يوم ما تحن علينا و تيجي عندنا تيجي أنت أنت و إسراء بس؟!”..
قالها “زين” و هو يبتسم له ابتسامة مزيفة، و عض على شفتيه السفلية في الخفاء بحركة وقحة مكملاً..
“مجبتش معاك زهراء الفرسة حجي ليه بس يا جدع؟ “..
صاح “فهد” بغيظ قائلاً.. “و لا جبت فراستي.. قصدي رواء ليه بس يا كبير!! “..
بينما أبتسم” فارس ” الصغير ابتسامة ماكرة تدل على أنه اكتسب صفاته أيضًا و ليس إسمه فقط حين قال بخبث..
“أنت نورتنا انهارده و بما إنك نورت هنا فأكيد ضلمت هناك عند البنات فأنا هروح لهم أنور بدالك على ما تاخد أنت قعدتك و ترجع بيتك”..
” خدنا ننور معاك عنده هناك ياض”.. أردف بها “زين، فهد” و هموا بالركض من أمامه ليوقفهم هو بإشارة من يده، و ينظر لابنته “إسراء” و تحدث بهدوء مريب قائلاً..
” روحي أنتي ل عهد و مكة و اقفين مستنينك و أنا هحصلك”..
أومأت له و دلفت هي للداخل، لينتظر هو قليلاً حتى تأكد أنها ابتعدت بالقدر الكافي و تحدث بتحذير قائلاً..
“اللي هيروح هناك هيضرب.. أنا مدى أوامر للحرس لو لمح خيال حد فيكم أنتو التلاتة يضربه”..
دوت صوت ضحكاتهم و ساروا من أمامه بخطي واسعة مرددين..
” ضرب الحبيب أحلى من الزبيب يا دمنهور”..
“بس دي مش أي ضربة.. دي هتبقي الضربة القاضية يا ولاد غفران “.. هكذا اوقفهم عن استكمال سيرهم، استداروا ببطء و نظروا له بتوجس ليبتسم هو لهم إبتسامة مصطنعة مكملاً..
“أيوة بالظبط زي ما فهتموا كده.. بعت جبت طقم نبل جديد لانج بيشتغل ديجيتال من هولندا مخصوص عشانكم و وزعتهم على الحرس و طبعاً أنتوا أكيد عارفين أنا وصيتهم ينشنوا فين”..
“أنا بقول ميصحش نسيبك و نمشي يا فارس باشا”..
قالها “زين” و هو يدفع أشقاءه للداخل مرة أخرى و يصعدون معه الدرج المؤدي لداخل المنزل..
………………………….. سبحان الله العظيم…..
” إسراء “..
عانقت” عهد” و من بعدها” مكة” مردفة بصوتها الناعم..
” وحشتوني أوي أوي يا عهودة أنتي و مكة”..
“أنتي اللي وحشتينا يا إسراء”.. قالتها “فاتن” التي انضمت لهم للتو، لتهرول “إسراء” نحوها و تعانقها هي الأخرى مرددة بودٍ..
“حبيبتي يا نانا فاتن”..
” أهلاً أهلاً بحبيبتي بنت حبيبي”.. قالها “غفران” و هو يقترب منهم و وقف ينتظرها تنهي سلامها على والدته..
” انكل غفران.. واحشتني يا انكل”..
أردفت بها “إسراء” و هي تهم بعناقه هو الأخر، لكنها شهقت شهقة قوية حين وجدت “مالك” ظهر لها فجأة من العدم و وقف حائل بينها و بين والده بعدما خرج مندفع كالقذيفه المتوهجة من غرفته فور وصول صوتها لسمعه، كان سيره حثيثًا أقرب إلى الهرولة،مكتفي بسروال قطني من اللون الأسود، عاري الصدر ليظهر الشاش الطبي الموضوع على جرح كتفه، و آثار الجروح الأخرى المتفرقة عل كامل جسده..
سار نحوها.. هدفه هي و مقصده، عينيه مصوبة عليها هي وحدها،
صدمة أصابت الجميع بالشلل المؤقت حين خطف”مالك” “إسراء” من بينهم، احتوي خصرها الصغير بذراعه السليم، و حملها لداخل حضنه حتى لم تعد قدميها لامسة الأرض و أختفي بها من أمامهم لداخل غرفته صافعًا الباب خلفه بالمفتاح في طرفة عين، كان يتحرك كالذئبق تركهم في حالة ذهول، يتطلعون لبعضهم البعض بفمٍ مفتوح ..
“خير يا جماعة مالكم واقفين كده ليه؟!”..
كان هذا صوت “فارس” الذي دار بعينيه يبحث عن ابنته بينهم، فلم يجد لها أثر، فنظر لصديقه و تحدث بنبرة مخيفة قائلاً..
“فين بنتي يا غفران؟!”..
” أفتح يااااا حيوااان”..
صاح بها “غفران” و هو يطرق على الباب بكل قوته، ليأتيه صوت “مالك” يقول بسعادة بالغة و هو يقترب بخطوات متلهفة من “إسراء” التي تقف أمام الخزانة الذي صنعها خصيصًا لأجلها، تشاهد ما بداخلها بأعين منبهرة، فقترب هو منها حاصرها بينه بجسده ..
“ابعت هات فارس الدمنهوري”..
غمز لها بإحدى عينيه مكملاً..
“حمايا و قوله بنته جت لي لحد البيت تطلب أيدي للجواز و أنا وافقت.. خليه يجيب معاه المأذون و يلحقني قبل ما أدخل بها……….. “..
رواية مالك المصري الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك
"أفعل يا إبن آدم ما شئت فكما تْدان تُدان".
ترددت في عقل "فارس" الواقف أمام باب غرفة "مالك" المغلق على ابنته، مرت ذكريات بينه وبين والدتها لن تُنسى من ذاكرته للأبد.
"افتح يا مالك الزفت!" صاح بها بصوتٍ كالإعصار الغاضب، ومن ثم نظر لـ "غفران" وتحدثا في نفس واحد:
"اللي عملناه في الناس هيطلع علينا ولا إيه؟"
ساد الصمت للحظات قبل أن ينفجر الجميع في نوبة ضحك ما عدا الصديقين "فارس" و "غفران"، يتطاير الشرر من أعينهم يدل على مدى غضبهم.
"افتح يالا.. افتح أكسر أم الباب على دماغك!"
قالها "غفران" وهو يلكم الباب بكل قوته، ليوقفه "فارس" الذي تحدث بنبرة هادئة لكنها كانت حقًا مرعبة حين قال:
"اهدي يا غفران.. إسراء هي اللي هتفتح الباب دلوقتي حالا".
جملته كانت موجهة لابنته التي كانت تقف تنظر بانبهار للخزانة المملوءة بأغراضها حين كانت طفلة صغيرة، الكثير والكثير من صورها بمراحل عمرها المختلفة معلقة على جدران الخزانة، فستانيها، ألعابها، خصلات من شعرها حتى ثيابها الداخلية الطفولية محتفظ بهم بعناية فائقة.
صوت والدها الغاضب جعلها تنتبه على حالها لتجد نفسها محاصرة بين "مالك" وبين الخزانة، يقف خلفها مباشرة، المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان، تشعر بأنفاسه الساخنة تلفح عنقها.
"عجبتك؟" غمغم بها بهمس متلهف داخل أذنها، استدارت ونظرت له بعينيها نظرتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها عشقًا، بل تُذيب عظامه أيضًا، ورفعت يديها دفعته بكفيها بصدره بعيدًا عنها مردفة بتحذير:
"خليني أفتح الباب لبابي الأول، لأن لو ما فتحتش هيدخل هو وساعتها اللي هيعمله فيك مش هيعجبنا إحنا الاتنين".
اعترض طريقها واقترب منها أكثر حتى التصق ظهرها بالخزانة خلفها، ومال برأسه على وجهها، تأمل ملامحها بافتتان مغمغمًا: "وافقي على جوازنا يا إسراء".
"أوعى من طريقي خليني أفتح الباب وبطل جنان يا مالك.. أنت مافيش فيك حتة سليمة يضربوك فيها!"
قالتها وهي تدفعه ثانية وتهرول تجاه الباب بخطى راكضة.
"خد لك ساتر يا مجنون".
نطقت بها قبل أن تفتح الباب، دون صوت اكتفت بتحريك شفتيها فقط.
ألقى لها قبلة بالهواء، وغمز لها بشقاوة مرددًا باهيام:
"بيك.. أنا مجنون بيك".
"تعالالي يا عم المجنون.. أنا بقي هعقلك وهعلقك". كان هذا صوت "فارس" الذي اندفع لداخل الغرفة هو و "غفران" فور فتح الباب، وهموا بالهجوم عليه لتركض "إسراء" وتقف أمامهم تمنعهم من الوصول إليه مردفة بنبرة راجية:
"بابي.. انكل غفران اهدوا المرادي بليز.. أنتو مش شايفين هو متبهدل إزاي!"
"لدرجة دي خايفة عليا يا قلب مالك"، قالها وهو يلف ذراعه حول خصرها وجذبها بلهفة داخل حضنه ظهرها مقابل صدره وقام بطبع قبلة عميقة على وجنتها، شهقت "إسراء" بقوة وقفزت مبتعدة عنه لداخل حضن والدها ورمقته بنظرة نارية وهي تقول:
"تصدق أنا غلطانة إني بدافع عنك.. تستاهل كل اللي حصل لك واللي هيحصل لك دلوقتي".
"سبهولي"، نطق بها "غفران" وهو يسدد له لكمة قوية تفاداها "مالك" ببراعة، ليفاجئه "فارس" بلكمة من الجهة الأخرى تراجع على آثارها عدة خطوات للخلف.
"بتبوس بنتي قصاد عيني يا بجح!"
قالها وهو يهم بلكمه مرة أخرى لكن "مالك" تفاداها وضحك بملء فمه وهو يقول:
"تربيتك وتعليمك يا سيادة الدنجوان فارس باشا".
صك "فارس" على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها من شدة غيظه، بينما "غفران" كان يستعد للهجوم عليه ليمنعه "فارس" بنظرة من عينيه حين رأى حالة "مالك" التي ازدادت سوء جعلته يترنح في وقفته قليلاً.
"مالك أنت كويس؟"
كان هذا صوت "إسراء" التي اقتربت منه بخطوات متلهفة.
نظر لها "مالك" بابتسامة دافئة، وتحدث بصوتٍ مُتعب قائلاً:
"بقيت كويس لما شوفتك".
زاد ترنح جسده حتى أوشك على السقوط لولا يدها هي التي التفت حول خصره بطرفة عين وأسندته بجسدها الصغير، جاهد هو حتى يستعيد توازنه لكن شدة إرهاقه لم يمهله، فرتمي بثقل جسده عليها دون إرادته جعلها تصرخ استغاثة قائلة:
"الحقنا يا بابي".
ليسارع كلا من "فارس" و "غفران" نحوهما وقاموا بمساندته وتوجهوا به نحو فراشه، بقي "مالك" متمسكًا بها بذراعه السليم، ليبعد والدها يده عنها، فهمس "مالك" بنبرة متوسلة بين الوعي واللاوعي:
"خليها معايا يا فارس.. متخدهاش مني".
"أنت مالك ياض مدغدغ المرادي ليه كده؟"
قالها "فارس" بقلقٍ جم وهو يتنقل بنظره بينه وبين "غفران" الذي أجابه بهمس قائلاً:
"البيه مطبق بقاله كام يوم في مهمة انتحارية الحمد لله أنه رجع منها عايش".
رمقه "فارس" بنظرة غاضبة وهمس من بين أسنانه قائلاً:
"ولما أنت عارف كل ده سبتني أضربه ليه بس يا جدع أنت!!.. وكمان كنت عايز تكمل عليه!!.. أنت عايز تموت جوز بنتي يا غفران؟!"
"إسراء".. تفوه بها "مالك" وهو يجاهد ليفتح عينيه ليبحث عنها.
جلست "إسراء" على طرف الفراش وتحدثت بصوتها الناعم قائلة:
"أنا هنا يا مالك".
مدت يدها وضعتها على يده ليقبض هو على كفها بلهفة، نظر لها بأعين شبه مغلقة، وهمس بضعف قائلاً:
"خليكي معايا.. أوعى تسبيني وتمشي".
"مش همشي.. اطمني". أردفت بها وهي تضع كف يدها الأخرى على جبهته ليغرق هو في نومٍ عميق على الفور دون أن يترك كفها.
"يا نهار أبيض ده حرارته عالية جدًا.. مكة هاتي مية بسرعة.. وأنتي يا طنط عهد من فضلك تعالي ساعديني نعمله كمادات".
انبلجت ابتسامة على قسمات "فارس" وهو يقول:
"تيجي نجيب المأذون ونجوزهم ونخلص".
قال "غفران":
"بنتنا تقول موافقة بس وأنا أبعت أجيب المأذون وقتي".
"أيه رأيك يا إسراء.. نبعت نجيب المأذون؟!" أردف بها "فارس" بنبرة جادة وتمنى بداخله أن يلين قلبها وتوافق على زواجها من هذا المجنون بعشقها.
لتنظر له نظرة عاتبة تُذكره بحديثها معه قبل مجيئهم إلى هنا، وردت عليه بذكاء لتغير مجرى الحديث قائلة:
"ابعت هات دكتور خلينا نطمن عليه الأول يا بابي".
"مكة"..
كانت داخل المطبخ تضع إناءً أسفل الصنبور لتملئه بالمياه التي طلبتها منها "إسراء" حين رأت "حسن" يقف أمام النافذة المطلة على الحديقة يتحدث في هاتفه.
قادها فضولها وسارت تجاه النافذة التي لا تُتيح لمن بالخارج رؤية من بالداخل، فتحتها بحرص ووقفت تصتت لحديثه.
"قولتلك قبل كده يا فجر متتصليش بيا وأنا في الشغل إلا لو في حاجة مهمة".
أتاه صوتها الرقيق تقول بلهفة:
"واحشتني أوي يا حسن.. بقالي أسبوع بحاله مسمعتش صوتك".
حاول السيطرة على انفعاله حتى لا يجرحها بأسلوبه الجاف، فهي بالأخير لا ذنب لها سوى حبها له، فتنهد وهو يقول بلطف:
"أنتى عارفة إني إجازة بكرة.. مش قادرة يعني تستني لبكرة وتكلميني عشان أعرف أكلمك".
ضحكت بغنج مدمدمة:
"اممم.. بصراحة مقدرتش أستنى.. قولت أكلمك أسمع صوتك وأقولك إنك واحشتني وأعرف إن كنت واحشتك أنا كمان ولا أنا مبوحشكش يا حسن؟"
أطبق جفنيه وهو يتذكر "مكة" حين همس لها وهي داخل حضنه بتلك الكلمة، استرجع إحساسه وقتها ومدى اشتياقه ولهفة قلبه لقربها، تخيلها هي التي تحدثه الآن وتحدث بنبرة عاشق أرهق قلبه الاشتياق قائلاً:
"طبعًا بتوحشيني.. بتوحشيني أوي كمان".
جملته هذه سقطت كالصاعقة على رأس وقلب "مكة" زلزلت كيانها كله دفعة واحدة، هبطت دموعها كالشلال على وجنتيها، قد شعرت بروحها تتمزق أشلاء من شدة تألمها، فما أصعب شعور الحب من طرف واحد، يضاهي شعور الموت بسهم حارق يُصيب القلب فيشعله بنيران لا تُطفأ أبدًا.
كان الإناء قد امتلأ حتى فاضت منه المياه، لتأتيها فكرة ربما تهدأ من غضبها وغيظها لو قليلاً، خاصةً أنها تشعر بالغيرة الشديدة عليه تنهش قلبها، وإذا غارت المرأة على رجل تعشقه لا تتحكم في أفعالها حتى أنها لا تدري أعلى الوادي من أسفله.
"إما أوريك يا حسن مبقاش أنا مكة".
ابتسمت ابتسامة شريرة وهي تحمل الإناء الممتلئ على آخره حملته وصعدت به على رخامة المطبخ، وهمت بسكبه فوق رأس "حسن"، لكنها فقدت توازنها فصرخت صرخة مرتعدة وهي تسقط من النافذة خلف الإناء.
"مكة!!!"
كان هذا صوت "غفران" الذي كان يقف برفقة "فارس" بشرفة غرفة "مالك" حين رأى ما فعلته ابنته التي سقطت بين ذراعي "حسن" الذي استقبلها بلهفة فشل في إخفائها، واضعًا يدًا حول خصرها والأخرى أسفل ركبتيها، وقد سقط الهاتف من يده وسقط قلبه معه أرضًا.
تطلع لها بأعين جاحظة، وتحدث بأنفاس لاهثة قائلًا:
"حصلك حاجة.. فيكي حاجة يا مكة؟!"
تطلعت لعينيه بأعين دامعة، لتتعلق عينيه بعينيها مقربًا إياها من صدره، يضمها بلهفة واضعًا جبهته على جبهتها.
هيئتهم هذه ذكرته هو الآخر بذكريات بينه وبين زوجته "عهد"، جعلتها تسقط بين ذراعيه هكذا تمامًا، خفق قلبه بخوف مبهم حين شعر أن الزمن عاد بأحداثه أمام عينيه من جديد.
رواية مالك المصري الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك
يا أمنية القلب فليذهب هذا العالم بأجمعه إلى زوال، و تبقي ليِ أنتِ فقط أيتها الصديقة، الرفيقة، المحبوبة و العشيقة.
مر أسبوع كامل استطاع خلاله "فارس" إنهاء الأوراق المطلوبة لسفر ابنته، حتى تلك الورقة التي أخفاها "مالك" عنهم لتصبح هي العقبة الوحيدة بالنسبة لهم، حصل عليها رغمًا عن أنفه.
كل هذا من أجل تنفيذ رغبة صغيرته، وتحقيق حلمها وكل ما تريده حتى لو كان عكس إرادته هو ووالدتها، كما اعتادت جميع مطالبها أوامر واجب تنفيذها مهما كلف منه الأمر.
واليوم هو آخر يوم لها ستقضيه برفقة عائلتها، وستغادر المنزل بل البلد بأكملها في الصباح الباكر.
ظلت والدتها مستيقظة طيلة الليل، لم يغمض لها جفن رغم محاولات "فارس" معاها دون كلل أو ملل.
"سبني يا فارس أقوم أجهز الفطار.. أنا مش جالي نوم خالص وكمان خديجة وجوزها وعهد وولادها وإيمان وبنتها جاين يفطروا معانا وهنقضي اليوم كلنا سوا مع بنتك قبل ما تسافر."
أردفت بها بصوتٍ مختنق بالبكاء وهي تكافح بضراوة لتبتعد عن ذراعيه التي تحتويها بلهفة.
لم يتركها "فارس" تبتعد أنش واحد عنه، ضمها لصدره مقبلًا جبهتها وخصلات شعرها المتمردة على وجهها مغمغمًا.
"حبيبتي الشمس لسه مطلعتش.. ارتاحي شوية وأنا هكلم المطبخ يجهزوا أفخم فطار وهتصحي تلاقي كل حاجة جاهزة."
اعتدلت جالسة داخل حضنه، مدت يدها والتقطت عقدة شعرها وقامت برفعه على هيئة ذيل حصان مردفة بتنهيدة حزينة.
"أنت عارف إني بحب أعمل لكم الأكل بأيدي. وهخبز لإسراء العيش والفطير اللي بتحبهم عشان تاخد منهم معاها وهي مسافرة."
كانت تتحدث بنبرة جامدة، متعمدة عدم النظر له.
نهض هو مستندًا بجزعه على الفراش من خلفه، ومد يده أمسك ذقنها بين أصابعه يحثها على النظر له.
"بصيلي يا إسراء."
رفعت عينيها ببطء ونظرت له بأعين دامعة نظرة يملؤها العتاب.
"اتكلمي.. قوليلي اللي في قلبك.. متفضليش ساكتة كده.. سكوتك ده بيدبحني."
هبطت دموعها على وجنتيها بغزارة، التقطهم هو بأطراف أنامله، بل خطفها كلها لداخل حضنه بعناق محموم، لتجهش هي في البكاء وتهمس بصعوبة من بين شهقاتها الحادة قائلة.
"أنا مش عايزة بنتي تسافر وتبعد عن حضني يا فارس.. مش هقدر استحمل بعدها عني.. قلبي مش مطمن لسفرها وهيتخلع من مكانه من خوفي عليها."
كان يستمع لها بقلبٍ ملتاع لا يقل عن خوفها بل أكثر منها، لكنه رسم القوة على محياه ونظر لها بابتسامة دافئة مرددًا.
"بنتنا متتخافش عليها.. إحنا ربيناها أحسن تربية وهنفضل معاها وفي ضهرها لحد ما تتعلم أحسن تعليم وترجع لنا بألف سلامة ومعاها شهادتها العالية اللي كانت بتتمناها."
"أنا موافقة على كل كلمة قولتها.. نعلمها أحسن تعليم بس وهي هنا معانا.. في وسطنا وتحت عنينا."
قال "فارس" بثقة.
"وهناك برضوا هتبقي تحت عنينا ومش هتغيب عن عينك لحظة.. أنا مش عايزك تقلقي ولا تخافي عليها من أي حاجة.. بنتنا هتبقى متأمنة بحرس جمهوري.. عارفة يعني إيه؟!"
حركت رأسها بالنفي ليكمل هو بغروره المعتاد.
"دي حراسة الرؤساء يا بيبي."
داعب أرنبة أنفها بأنفه ومسح بكلتا يديه على كامل ظهرها مدمدمًا.
"عايزك تفرحي بنجاح بنتنا ومتفكريش في أي حاجة تضيقك.. عشان البنت فرحتها تكمل بدل ما هي زعلانة على زعلك ومش مبطلة عياط بسبب خصامك ليها.. هانت عليكِ متكلميهاش يومين بحالهم!!"
بكت "إسراء" بكاء مرير وهي تقول بحسرة.
"زي ما أنا هونت عليها وهتسبني وتسافر أيام وشهور ويمكن سنين طويلة."
"خلاص لو هيرضيكي أنها تفضل هنا ومتسافرش والسنة تروح عليها أنا هلغي سفرها وحالًا."
أنهى جملته ومد يده جلب هاتفه وطلب إحدى الأرقام، ضغط على زر الاتصال أمام عينيها المتسعة.
"أؤمرني يا فارس باشا."
أتاه هذا الصوت عبر الهاتف، لتسرع "إسراء" وتغلق الخط قبل أن يفتح زوجها فمه ويجيب عليه.
حاولت "إسراء" السيطرة على حدة بكائها، فدفنت نفسها بين حنايا صدره وهي تقول بقلة حيلة.
"مش هيرضيني يا فارس.. مش هيرضيني أضيع السنة على بنتنا."
***
بمنزل غفران.
اقتحم "مالك" المنزل بملامح بدت مخيفة من شدة غضبه، لم يتفوه بكلمة واحدة واندفع بخطى شبه راكضة تجاه غرفته ليوقفه صوت والده يتحدث بأمر قائلاً.
"اقف عندك يا سيادة الرائد."
وقف مكانه دون أن يلتفت، ليكمل "غفران" بتعجب قائلاً.
"داخل كده من غير لا كلام ولا سلام.. أيه مش شايفني أنا وجدتك قاعدين؟!"
استدار "مالك" ونظر له بأعين تقدح شررًا مردفًا.
"أنت يا بابا اللي خلصت ورق سفر إسراء!"
"أيوه أنا.. كنت عايزني أتأخر على صاحب عمري وأساعدك تدمر مستقبل بنته ولا إيه؟!"
قالها "غفران" بلهجة حادة، ليبتسم له "مالك" ابتسامة مزيفة مردفًا.
"وجوازي منها كان هيدمر مستقبلها؟!"
صاح "غفران" بانفعال قائلاً.
"يا ابني افهم.. البنت صريحة معاك وقالتلك أنها مبتفكرش في الجواز دلوقتي ولو فكرت مش هتفكر فيك أنت لأنك بالنسبة ليها زي أخوها.. أنت بقى اللي بتحبها دي مشكلتك أنت لوحدك مش مشكلتها هي عشان تعطلها عن دراستها."
كل كلمة تفوه بها كانت بمثابة سوط غليظ يهبط على قلب "مالك" يدميه دون رحمة، ومع ذلك بقت ملامحه جامدة، ولم تختفي ابتسامته وهو يقول بثبات يُحسد عليه.
"عندك حق يا سيادة الوزير.. عن إذنك هدخل أنام لأن زي ما حضرتك عارف مطبق من إمبارح."
أنهى جملته وسار من أمامه كالإعصار، لتنظر له "فاتن" وتتحدث بعتاب قائلة.
"ليه كده بس يا ابني.. أنت قسيت عليه وجرحت قلبه بكلامك ده."
"يعني أنتي عاجبك حاله وهو عمال يجري ورا سراب والبنت هو مش في دماغها أساسًا ومافيش أي حاجة شغلها غير تعليمها.. أنا قولته كده عشان أفوقه لنفسه.. يمكن يشيلها هو كمان من دماغه."
"بس إسراء مش في دماغ ابنك يا غفران."
كان هذا صوت "عهد" التي خرجت للتو على صوت زوجها، جلست بجواره ووضعت يدها على موضع قلبه مكملة بأسف.
"إسراء في قلب مالك."
ساد الصمت للحظات قطعه "غفران" بعدما ابتلع غصة بحلقه.
"الواد هو وأخته واقعين على بوزهم في حب ناس مشغولين بغيرهم.. واحدة بتعلمها.. والتاني خاطب بنت خاله وفرحه الأسبوع الجاي."
"أيه.. حسن فرحه الأسبوع الجاي ده؟!"
قالتها "عهد"، "فاتن" بنفس واحد، وبهمس بالكاد يُسمع حتى لا يصل لسمع "مكة".
أومأ "غفران" لهما برأسه مغمغمًا.
"مكة لازم تعرف وهتحضر فرحه كمان."
امتلئت أعين "عهد" بالعبرات وتحدثت بذهول قائلة.
"أنت بتقول أيه بس يا غفران!.. بنتك بتحبه.. عايزها تحضر فرحه وتشوفه وهو عريس وبيتجوز واحدة غيرها!!.. أنت عايز البنت يجرالها حاجة؟!"
"بالعكس يا عهد.. أنا بقوي ولادي.. مش عايز أشوفهم ضعاف بالشكل ده وقلوبهم اللي ممشياهم.. لازم يفوقوا عشان يعرفوا يختاروا صح بعد كده."
"ومن إمتي الحب كان اختيار يا أبو مالك؟"
أردفت "فاتن" وهي تتنقل بنظرها بينه وبين زوجته تذكرهم بقصة عشقهم الجنونية.
أطلق "غفران" زفرة نزقة من صدره مغمغمًا.
"مش عايزهم يعيشوا اللي عشناه.. مش عايز ولادي يتحرقوا بالنار اللي اتحرقنا بيها يا أمي."
ربتت "فاتن" على كتفه بحنو وتحدثت بتعقل قائلة.
"مافيش حلاوة من غير نار يا حبيبي.. وأنت الحمد لله حاربت وانتصرت وفزت بحبيبتك وبقت في حضنك. سيب ولادك هما كمان يحاربوا يمكن يفوزوا بحبهم هما كمان خصوصًا أن اللي بيحبوهم يستاهلوا."
نظر لها "غفران" نظرة مليئة بالغضب وتحدث بلهجة لا تحمل الجدال.
"لو على مالك فأنا هسيبه يعمل اللي يعمله ويحارب براحته يمكن يوصل لقلب بنت فارس.. لكن مكة بنتي اللي هياخدها مني لازم يحارب هو وأهله كلهم عشان يوصل لها."
نهضت "عهد" واقتربت من حماتها ساعدتها على النهوض وهي تقول.
"طيب يالا بينا عشان إسراء اتصلت بيا كذا مرة تستعجلنا وقالتلي أنهم مستنينا ومش هيفطروا غير لما نروح لهم عشان نفطر سوا."
أردف "غفران" قائلاً.
"طيب صحي مكة خليها تيجي معانا والولاد يبقوا يحصلونا براحتهم."
قالت "عهد" وهي تسير للخارج برفقة "فاتن".
"دخلت صحيتها كذا مرة مرضيتش تصحى.. خليها لما تقوم براحتها وأنا قولت لزين ميجيش من غيرها."
سار "غفران" خلفهما نحو الخارج بعدما راق له عدم مجيئها الآن خاصةً وأنه سيأخذ "حسن" رئيس الحرس الخاص به معه.
***
بقصر "فارس".
تجمع الأهل والأقارب والأصدقاء على طاولة طعام تحتوي على كل ما لذ وطاب بحديقة القصر، جلس "فارس" يترأس الطاولة وعلى يمينه زوجته وعلى شماله "خديجة" عمته من يعتبرها بمكانة والدته، بينما جلست إيمان بجانب "إسراء" وعهد بجانب "خديجة" وبقت "إلهام، فاتن" بجوار بعضهما وجلسوا بنات "فارس" "إسراء، زهراء، رواء، خديجة، إلهام، غرام تحملها"فاطمة" ابنة "إيمان" بجوارها تجلس"مكة" التي جاءت برفقة أشقائها الثلاثة" زين، فهد، فارس، بينما جلس" غفران، هاشم" زوج خديجة بالجهة الأخرى من الطاولة.
"منورنا والله يا جماعة."
قالتها "إسراء" بابتسامة بشوشة ومن ثم نظرت ل"عهد" وتابعت بتساؤل قائلة.
"مالك مجاش ليه يا عهد؟!"
ابتسمت لها "عهد" ابتسامة تخفي بها توترها مدمدمة.
"اممم.. ما أنتي عارفه يا إسراء.. مالك شغله ملوش مواعيد."
رمقت "إسراء" ابنتها بنظرة خاطفة تخبرها بها أنها مازالت غاضبة من قرارها وأردفت بعتاب قائلة.
"يعني ماكنش قادر يستأذن نص ساعة ويجي يفطر معانا انهارده."
ترقرقت العبرات بعينيها وتابعت بصوتٍ تحشرج بالبكاء قائلة.
"هو مش عارف إن إسراء مسافرة أصبح بدري."
مد "فارس" يده وأمسك كف يدها ضغط عليه برفق وهو يقول.
"حبيبتي هو أكيد هيجي.. أنتي عارفة مالك ميقدرش يتأخر علينا."
كانت "إسراء" تجلس بشرود مصوبة نظرها تجاه باب القصر تنتظر حضوره، وجوده يشعرها بالأمان والاطمئنان، وهي لن تنكر أنها تشعر بقلق وخوف مبهم من سفرها بعيداً عن عائلتها.
تثق أنه سيأتي إليها، لكنه لأول مرة يتأخر عليها هكذا، لقد مر الوقت وهو لم يأتي، انقضى النهار بأكمله وخيم الليل بستائره دون مجيئه.
شعرت برغبة قوية في البكاء، استغلت انشغال الجميع في حفلة الشواء الذي أقامها والدها وذهبت لغرفتها بخطى مهرولة كما لو كانت تريد التأكد من شيئًا ما.
فتحت الباب ودلفت للداخل وأغلقته خلفها ووقفت مستندة عليه بظهرها، دارت بعينيها بأرجاء الغرفة تبحث عنه، انبلجت ابتسامة على ملامحها الفاتنة حين استمعت لصوت يأتي من داخل غرفة ثيابها، كتمت أنفاسها وهي تسير نحوها بلهفة.
أطلقت أنفاسها المحبوسة حين رأته هو يقف بطوله المهيب موليها ظهره.
"كنت عارفة إني هلاقيك هنا يا مالك.. عمرك ما اتأخرت عليا."
"ودايمًا هتلاقيني جنبك يا إسراء."
قالها دون الالتفات لها، وبقي منشغلًا بما يفعله، اقتربت هي منه وطلت برأسها من أسفل ذراعه مكملة بدهشة.
"أنت بتعمل أيه؟!"
أجابها ببساطة قائلاً.
"بجهز لك الشنط.. عارف إنك مش هتعرفي تجهيزها وأنتي قلقانة وهتنسي حاجات كتير مش هتفتكريها ولا تعرفي قيمتها إلا لما تسافري وتبعدي عنها."
ابتسمت حين تفهمت مغزى حديثه، ومدت يدها وضعتها على كتفه تجذبه منه حتى يلتفت لها.
"بتحضر لي الشنط بنفسك وأنت رافض تسافر أصلًا."
التفت لها ونظر لها نظرة تفيض بالعشق مغمغمًا.
"مش معنى إني رافض حاجة انتي عايزاها يبقى هبعد عنك بسببها.. أنا هفضل جنبك وفي ضهرك ومكمل في سكتي ليكِ لحد ما يجمعنا القدر ويبقي طريقنا واحد يا إسراء."
نظرت له نظرة مشاكسة وتحدثت ببعض الغرور قائلة.
"بس أنا سكتي طويلة أوي.. هتوه منك وهيبقى صعب نتقابل أنا وأنت في طريق واحد."
قطع المسافة بينه وبينها بخطوة واحدة، وقف أمامها مباشرةً، شهقت بخفوت حين مد يده حاوط خصرها وخطافها لداخل حضنه، رفعها بمنتهى الخفة بيد واحدة حتى أصبحت قدماها لم تعد تلامس الأرض، نظر لعينيها بعمق وتحدث بإصرار شديد قائلاً.
"هدور عليكي وهلاقيكي.. مش هسمح لك تتوهي مني."
رفعت يدها وضعت أناملها على لحيته، وهمست بنبرة صادقة قائلة.
"كنت خايفة أوي أسافر من غير ما أشوفك يا مالك.. من صغري وأنت دايمًا حواليا في كل مكان وبصراحة دي كانت أكتر حاجة بتبقي مطمناني.. وجودك أمان بالنسبالي.. بس جه الوقت اللي هكون فيه بعيدة عنك بمسافات لدرجة مش هتعرف تدخل أوضتي وقت ما تحب عشان تشوفني زي هنا يا حضرة الظابط."
"أسافر لك بلاد."
قالها وهو يضمها لصدره أكثر، تأمل ملامحها بنظراته المتيمة، لتحاوط هي عنقه بذراعيها وتعانقه بكل قوتها وتبكي بصوتٍ مكتوم حين استمعت لصوته المتلهف يقول.
"فلتعلمي يا أنيسة روحي وجليسة وحدتي أني رجوتك من الله واستودعته إياكِ، ودعوته مرارًا وتكرارًا في كل وقت وحين أن تطوي أطراف الأرض وألتقي بكِ من جديد."
تسمر محله متخشب الجسد حين قالت جملة كانت صادمة بالنسبة له.
"عايزاك تنساني وتشوف حياتك مع واحدة تانية غيري تبادلك حبك لأني مش ناوية أرجع يا مالك."
رواية مالك المصري الفصل الثامن 8 - بقلم نسمة مالك
لا ناوية أرجع! تفوّهت بها وأسمعها هو جيدًا، لكنه لم يبدِ أي اهتمام لحديثها. يعرفها أكثر من نفسها، يعلم ما يدور بخاطرها وذهنها. كل ما تقوله الآن لا تفهم معناه، لأنها ما زالت هنا بوطنها، داخل أحضان عائلتها، محاوطها هو بذراعيه.
لكن حين تصبح في بلد غريبة بمفردها، بعيدة عن كل ما تملك، وقتها ستدرك حجم خطئها المهول. وبرغم أنها جرحته حين طلبت منه أن ينساها ويحب غيرها، إلا أنه تدرب جيدًا على الصبر. ابتلع العتاب، توقف عن الجدال معها مؤقتاً. غصص كلماتها ابتلعها بابتسامة مغمغمًا:
"بما أنك ناوية تسافري ومش هترجعي تاني.. خلينا نسهر سوا الليلة في مكان عمرك ما هتنسيه."
قالها وهو يخرج هاتفه من جيب سرواله، وقام بإرسال رسالة صوتية قائلاً:
"أتحرك حالاً يا ابني."
أنهى جملته وقام بحملها لداخل حضنه كما يحملها دومًا منذ صغرها، جعل قدميها ملتفة حول خصره. سار بها بخطى متسعة. عبست هي بملامحها الطفولية الفاتنة مردفة بتسأل:
"هنروح فين دلوقتي بس يا مالك؟ أنا لازم أنام بدري عندي طيارة أصبح."
"هخطفك يا قلب مالك."
هكذا أجابها ببساطة وهو يهبط بها الدرج المؤدي لحديقة القصر.
"ماااااالك!" صاح بها "فارس" من أسفل أسنانه حين استمع لصوت الطائرة الهليكوبتر التي استقرت بمكانها المخصص بإحدى جوانب الحديقة. دار بعينيه يبحث عن ابنته، رغم أنه على يقين أنها برفقته. ليجده بالفعل يخرج بها من الداخل بخطى راكضة مندفع نحو الطائرة.
كتم الجميع صوت ضحكاتهم بصعوبة بالغة على هيئة "فارس" الذي حمل إحدى أسياخ الشواء وركض خلفه مرددًا بصوته الجوهري:
"واخد بنتي على فين يالا.. أقف عندك يا حيوووااااان!"
نجح في الوصول له قبل أن يصل للطائرة. قام بالإشارة للكابتن فأوقف محرك الطائرة في الحال، ووقف أمام "مالك" مباشرةً، شاهرًا سيخ الشواء بوجهه مكملاً بغضب عارم:
"نزل البنت بدل ما أغرس السيخ ده في رقبتك أجيب أجلك يا ابن غفران المتحرش."
نظر "غفران" لزوجته "عهد" التي ابتسمت له، ليغمز هو لها بعينيه وتحدث ببراءة مصطنعة وهو يلتهم قطعة من اللحم الشهي مدمدمًا:
"اممم.. نسيت الوزير.. غفران الوزير."
"غفران الوزير المتحرش الكبير اللي مخلف متحرشين وطلقهم عليا أنا وبناتي!" قالها "فارس" وهو يهم بالهجوم على "مالك" بالسيخ الذي يحمله.
عدّل "مالك" وضع "إسراء" حملها على ظهره متمسكًا بها بكل قوته، جعل فرارها منه مستحيلاً. كان السيخ الذي يحمله "فارس" بينه وبين أعين "مالك" إنش واحد فقط. تراجع برقبته للخلف قليلاً ونظر للطعام المعلق على السيخ بتقييم مردفًا بفرحة:
"الله كفتة مشوية دي يا فارس؟"
قالها وهو يميل بفمه وبدأ يتناول الطعام بشهية أمام أعين "فارس" التي يتطاير منها الشرر.
"هات حتة يا مالك." غمغمت بها "إسراء" المعلقة بعنقه وهي تميل على كتفه بوجهها.
نظر لها نظرة خاطفة وتحدث وهو يلوك الطعام باستمتاع قائلاً:
"عيوني لعيون مالك.. بس خلي بالك لأنها سخنة ناااار."
أنهى حديثه ومن ثم مال على السيخ ثانيةً وقام بسحب قطعة كبيرة بأسنانه. حانت منه التفاتة تجاهها، لتقوم هي بأخذ الطعام منه بأناملها وتناولته بتلذذ وهي تقول:
"اممم.. تسلم ايدك يا بابي.. الكفتة حلوة أوي."
ومن ثم أطعمت "مالك" بفمه من جديد ليقوم هو بالتهام أصابعها مع الطعام مدمدمًا:
"اممم.. صوابعك أطعم من كفتة أبوكي."
كاد "فارس" أن ينفجر فيه بأفظع الألفاظ لكنه لجم نفسه بشق الأنفس، وتحدث بصوت مخيف قائلاً:
"ده أنت عديتني بمراحل في البجاحة يا أخي!"
صمتت لبرهةً وتابعت محذرة إياه:
"سيب إسراء يا مالك ومش هقولها لك تاني."
وضعت "إسراء" كف يدها على وجه "مالك" أجبرته على النظر لها. رمشت بأهدابها الكثيفة عدة مرات مردفة ببراءة مصطنعة:
"نزلني بليييز يا مالك عشان لو بابي ضربك بالسيخ ممكن يعدي من رقبتك يدخل في رقبتي يموتني أنا كمان وأنا عندي طيارة أصبح بدري وأحلام كتير لسه عايزة أحققها."
ابتسم لها "مالك" وهو يقول:
"خليكي أنتي في الحتة الشمال ناحية قلبي."
نظر لـ "فارس" مكملاً:
"ونشن أنت يا فارس في اليمين بعيد عنها عشان أنا مش هنزلها."
فتح "فارس" فمه وكاد أن يسبه بوابل من الشتائم إلا أنه توقف بصدمة حين لمح "زين" يقوم بإطعام "زهراء" ابنته بفمها ويأكل من بعدها، و"فهد" يقوم بإطعام "رواء" هو الآخر، بينما شقيقهم الأصغر "فارس" فابنته "خديجة" هي التي تقوم بتقبيله أثناء إطعامه.
لهنا وجن جنون "فارس" ووصل غضبه لزروته فصاح بصوته الأجش قائلاً:
"غفررراااان خد ولادك وامشي من هنا دلوقتي حالاً بدل ما أرتكب جناية وأخلص لك عليهم."
ضيّق "غفران" عينيه ونظر له نظرة عاتبة مردفًا:
"بتطردني يا فارس؟!"
"لا يا جدع أنا مش بطردك لوحدك.. أنا بطردك أنت والمتحرشين اللي أنت مخلفهم."
حرك "غفران" رأسه بالإيجاب ونطق بجدية قائلاً:
"حاضر يا صاحبي أنا هاخدهم وأمشي."
تنقل بنظره بين أولاده وتابع بحدة قائلاً:
"يالا يا بيه منكم له قدامي على البيت وهاتوا الشواية بالأكل اللي عليها معاكم."
بلحظة كان "زين" حمل "زهراء" على ذراعيه جعلها تشهق بقوة، فصاح "غفران" فيه بغضب قائلاً:
"أنت بتهبب إيه يا زفت أنت؟!"
ابتسم "زين" له هو و "فارس" ابتسامة متسعة تظهر جميع أسنانه مردفًا:
"حضرتك قلت لي هات الشواية."
نظر لـ "زهراء" نظرة هائمة مكملاً:
"وزهراء هي شواية قلبي."
"يا صبر أيووووب." قالها "فارس" وهو يهرول بالسير تجاه "زين" لتقفز "زهراء" من فوق ذراعيه، فقام الآخر بالفرار من أمام "فارس" قبل أن يطوله غضبه.
استغل "مالك" الفرصة وركض بـ "إسراء" تجاه الطائرة، صعد بها لداخلها وأغلق الباب خلفه بإحكام، وتحدث بأمر للكابتن قائلاً:
"يالا أتحرك بسرعة."
كاد "فارس" أن يفقد عقله من تصرفاتهم التي تثير جنونه وتذكره بأفعاله الشنعاء وما كان عليه فيما سبق. ركضت "إسراء" زوجته عليه وربطت على صدره بكف يدها تحاول تهدئته.
"خد البنت.. خد بنتي من غير حراسة." قالها "فارس" بغضب وهو يدور حول نفسه كالأسد الثائر.
وقفت "إسراء" بين ذراعيه على مقربة من حنايا صدره وتحدثت بصوتها المدمر الذي أخمد نيران غضبه على الفور قائلة:
"فارس حبيبي أهدي.. أنت عارف إن مالك يفدي إسراء بروحه يعني متخفش عليها وهي معاه وشوية وهتلاقيه جايبها وجاي."
"مكة".. كانت عينيها مثبتة على "حسن" طيلة الوقت، ترمقه بنظراتها المُتيمة، تتلهف لنظرة من عينيه التي تنظر نحوها من حين لآخر. انسحبت بهدوء من بين جميع الحضور وسارت بجهة أخرى من الحديقة، بها حمام سباحة مغطى فدَلفت للداخل وجلست أرضًا على حافة حمام السباحة. خلعت حذائها ووضعت قدميها في الماء، عينيها مثبتة على الباب، تنتظر مجيئه خلفها.
مّرت دقائق معدودة قبل أن تراه يدلف من الباب بطوله الفاره. لم يُخيب ظنها ولبّى نداء قلبه الذي قاده لها.
"مدام عهد بتسأل على سيادتك يا فندم." قالها "حسن" بعملية متجنب النظر لها.
ابتسمت "مكة" بخبث، ونظرت له بابتسامة ملائكية ومدت يدها تحثه على مساعدتها للنهوض.
ابتلع ريقه بتوتر قبل أن يعطيها يده لتضع هي قبضة يدها داخل راحة يده، وقبضت عليها وجذبته منها بكل قوتها تدفعه لداخل حمام السباحة. ليذهلها بقوة بنيته حين ظل ثابتًا مكانه يتطلع لها بحاجبين مرفوعين. وبلمح البصر كان سحبها هو من يدها، شهقت بخفوت حين وجدت نفسها محمولة بين ذراعيه كما لو كانت لا تزن أي شيء.
"عايزة توقعيني في المية ليه يا مكة؟!" قالها، ويقبض على ذقنها بأصابعه أجبرها على النظر له.
رمقته "مكة" بنظرة نارية وصاحت بوجهه قائلة:
"عايزة أفوّقك لنفسك عشان تبطّل نظراتك ليا اللي كلها حب دي، وخليك فاكر إنك خاطب يا سيادة الظابط."
"هفسخ الخطوبة." قالها بنبرة جادة لا تحمل الجدال.
تطلعت له بملامح مندهلة، ليكمل هو بتنهيدة حارة قائلاً:
"مش هقدر أتجوز واحدة وأنا قلبي معاكي أنتي."
تعمّق النظر داخل عينيها التي تجمعت بها العبرات، همس بحميمية أشعلت كل مشاعرها تجاهه أكثر:
"أنا بحبك يا مكة."
"ولما أنت بتحبني أنا روحت خطبت غيري ليه! عملت فيا وفيك وفيها هي كمان كده ليه بس يا حسن؟!" قال "حسن" بلهفة.
"غلطة وأوعدك إني هصلحها في أقرب وقت بإذن الله."
نظر لعيونها نظرة يستجديها أن تبوح له بما تحمله بقلبها تجاهه، تفهمت هي نظراته جيدًا فعضت على شفتيها وهمست بستحياء قائلة:
"أيوه.. أنا كمان بحبك يا حسن."
خطفها من خصرها في عناق محموم، دار بها عدة مرات وهي تضحك بغنج مرددة:
"نزلني يا حسن.. نزلني يا مجنون لحد يشوفنا آهه."
كانت تلك آخر ما تفوهت به قبل أن تنزلق قدم "حسن" ويسقط بها داخل حمام السباحة.
رواية مالك المصري الفصل التاسع 9 - بقلم نسمة مالك
رواية مالك المصري الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك
بقلم / ايمان حجازيحلقه (10)
""""""""""""""""""""""""""""""""""
كان يقف عمار علي الناحيه الأخري من المكتب قائلا بنبره مرتفعه :
- يعني إيه مش هتنفذ اللي أنا عايزه ؟
أدم بتحدي :
- يعني مش هنفذ اللي انت عايزه حضرتك ، واعلي ما في خيلك أركبه
انتفض عمار بغضب شديد قائلا :
- انت عارف انت بتكلم مين ؟ أنا المقدم عمار مالك المصري
أدم بنفس التحدي وكأنه لا يعنيه الأمر شيئا :
- وأنا الرائد أدم عبدالله الحسيني
@ - إيه اللي بيحصل هنا !!؟
كان ذلك صوت (عبدالله الحسيني ) وهو يفتح باب غرفه المكتب بجواره حمدي وسيف ليجد كل من أدم وعمار يقفون بوجه بعضهم البعض في تحدي صريح
نظر آدم الي والده قائلا:
- بابا ! .. اتفضل
دلف عبدالله الي الداخل ناظرا الي ادم الذي نظر له في احترام ثم الي عمار الذي كان يتفحصه بنظراته ليري كم الشبه بل تقريبا المطابقه بينه وبين إبنه ، فردد عبدالله مره اخري :
- خير صوتكم طالع لبره ليه !؟ ، مش هتخف شويه من عصبيتك دي يا سياده الرائد ولا إيه ؟ دي مش طريقه تقابل بيها عملاء
هتف أدم :
- يا باشا هو اللي داخل يهددني وجايبلي ورق مضروب وعايزني ادخله معانا ، لا وحاططلي كمان شروط والمفروض اني انفذها عشان هو المقدم عمار مالك المصري
كاد عبدالله أن يجيبه بالاعتراض ولكنه توقف عند أمر ما نطقه في مفاجأه ودهشه ، نظر إلي عمار وملامحه لتؤكد فعلا ما يشك به فأشار إليه قائلا :
- انت إبن القبطان مالك المصري ؟
تفاجأ عمار وكذلك أدم ونظرا إليه في حين أومأ له عمار بهدوء قائلا :
- أيوه
ادم بحده وقلق :
- هو حضرتك تعرفه يا بابا ؟
هز عبدالله له رأسه بالإيماء ثم اتجه الي عمار مره أخري قائلا له بأمر وهو يخرج من المكتب :
- تعالا ورايا
رمق عمار أدم بنظرات أنتصار وهو يمسك بأوراقه ويذهب خلف عبدالله بينما يكاد أدم يشتاط من من الغيظ من تلك النظرات ..
كان حمدي وسيف يراقبان المشهد في ضحك مكتوم فأسرع حمدي :
- احم ، ادم حبيبي ، اجيبلك كوبايه لمون تروق دمك
لم يكد حمدي يكمل جملته حتي قذفه أدم بما يوجد علي مكتبه مما أفزع حمدي وأخذ يفر من أمامه هو وأخيه في نوبات من الضحك علي حالته تلك ..
*****************************************
جلس كل من عبدالله وعمار علي فوتي مريح بداخل مكتبه حيث رفض عبدالله الجلوس علي المكتب للتحدث بأريحيه أكثر ، وكذلك طلب فنجانين من القهوه ..
- ها يا عمار باشا ، طمني عن والدك أخباره إيه ؟
عمار بتسأؤل وحيره :
- هو حضرتك تعرف والدي منين؟
إبتسم عبدالله بوقار وهو يرتشف من فنجان القهوه ويرجع قليلا بالذاكرة قائلا :
- والدتك كانت زميله مراتي وكانت من أول الدكاتره اللي اشتغلوا بالصرح الطبي الي اتعمل هنا في مصر لكن للأسف اكتشفنا في الاخر انها في حاله متأخره جدا وكانت محتاجه نقل قلب لكن للأسف ملقناش القلب المناسب ليها وماتت ..
شعر عمار بالحزن الذي بات واضحا علي ملامحه وهو يتذكر تلك الأيام التي فقد بها والدته يعلم أن ما يقصه عليه عبدالله حقا فتابع :
- الدكتوره مرام زعلت جدا طبعا أنها مقدرتش تعملها حاجه ، وفي اليوم ده كنت جيت واتعرفت علي والدك وعزيته وشفتك إنت واختك اللي مرام عرفت برضه أنها مولوده وقلبها ضعيف
شعر عمار بالأحتقان من سماع اسم أخته ولكنه بلع تلك الغصه وهو يستمع إليه فتابع عبدالله :
- الدنيا بعدها خدتنا وكل واحد اتلهي في حاله ومن ١٠ سنين تقريبا شفت والدك تاني ومعاه اختك بمشكله قلبها ، مراتي مرام عملت لها العمليه بنفسها وقررت أنها تتابع معاها شخصيا وبالفعل حالتها كانت بتستقر مع المتابعه والعلاج.. وقتها كنت سألت والدك عليك قالي انك دخلت الحربيه ومبتجيش غير ف الإجازات
أومأ له عمار رأسه في شرود فتابع عبدالله حديثه :
- بصراحه معرفش ايه اللي حصل بعد كده الدكتوره مرام مقالتليش لأن تقريبا كانت حالتها مستقره بس بتتابع معاها واكيد لسه متابعه معاها لحد دلوقت ! إلا هي عامله إيه ؟
عمار بجمود :
- تعيش إنت
وكأنه عبدالله لم يسمع شيئا ليردد مره أخري بدهشه :
- نعم ؟ انت بتقول ايه ؟
عمار بنفس اللكنه وهو ينظر إليه :
- بقول لحضرتك إختي تعيش انت ، وعشان كده أنا جاي هنا
شعر عبدالله بمغزي خاص وراك كلماته تلك ، فنظر إليه بفضول وجديه قائلا :
- واحده واحده كده ، وقول كل اللي عندك ..
*****************************************
في مساء تلك الليله وتحديدا الساعه العاشره داخل قصر أولاد أبو الدهب
كانت تجلس بغرفتها تشاهد أحد الأفلام الاجنبيه في ملل وحزن وهي تتذكر ما قاله أخيها في الليله الماضيه حيث منعها من الخروج ، عادت لتنتبه الي الفيلم مره اخري ولكن انتشلها صوت رنين هاتفها التقطته وهي تجيبه في ملل :
- yes ,Gaidaa , what's wrong ? ( ايوه يا جايدا ، خير )
- ................
- but u know, it's forbidden ; I told u all what happened yesterday ( انتي عارفه أنه ممنوع ، أنا قلت كل اللي حصل امبارح )
- ..............
- believe me , حتي لو قلتله ممكن ميوافقش انتي مش عارفه أبيه تهامي ، he is not like Ezzat ( هو مش زي عزت )
- اوك حاول but it's no a promise (ده مش وعد )
لم تكد تغلق المكالمه حتي وجدت من يطرق بابها ويدلف بأبتسامه واسعه
- ممكن أدخل ؟
نظرت إليه لتجده تهامي فرددت بإيماء وهي ترسم الحزن علي محياها فرددت :
- يااااه ، للدرجه دي زعلانه ومش راضيه حتي تكلميني ، اهون عليكي برضه ؟
هزت رأسها بالنفي وعادت تنظر الي الفيلم مره أخري في حين جلس تهامي بجوارها وجذبها إليه في عناق طويل قائلا :
- أنا بس افتكرت اني مسلمتش عليكي امبارح فجيت أسلم دلوقت ..
بادلته الحضن ببرود وهي تتحاشي النظر بعينيه ، نظر اليها تهامي ورفع رأسه إليه ليري وجهها قائلا :
- قمر زعلان يا خواتي ، هو في قمر زعلان بيبقي حلو كده ؟
- but bro , u were .....
- لا بط ولا فراخ خلاص بقه ، كنت متعصب وجت فيكي ، بس ده برضه مش معناه اني موافق علي انك تخرجي وتسهري لحد الفجر كده ، اخرك الساعه ١٢ ومش مسموح لأبعد من كده ومش كل يوم كمان عشان متتعوديش
نفخت شريهان بضيق فيحين أمسك تهامي بذقنها يداعبه :
- انتي عارفه أننا بنحبك وخايفين عليكي وعايزين مصلحتك ولا لا ؟
هزت رأسها بإيماء في حين تابع :
- يبقي تنفذي اللي بقولك عليه وتقدري اللي احنا بنعمله عشانك
ابتسمت له في تردد لكي تخبره بأمر خروجها في حين نهض تهامي خارجا ولكن استوقفه صوتها :
- أبيه !!!
استدر لها وهز لها رأسه فقالت يتردد شديد وتلعثم
- I .. I .. want .. اممممم ..
- في إيه ؟
- عيد ميلاد جايدا صاحبتي النهارده and she is waiting me now .. (مستنياني دلوقت )
ألقت تلك الجمله دفعه واحده وهي لا تدري ما عواقبها ولكن سرعان ما نظرت إليه لتجده ينظر في ساعه يده قائلا بجديه :
- الساعه عشره دلوقت ، الساعه تدق ال12 تكوني هنا
أبتسمت شري بشده وأخذت تهلل وهي غير مصدقه فردد تهامي مره أخري :
- الوقت بيمر ، hurry up ( انجزي )
*****************************************
ركن سيارته وصعد إلي المنزل في ارتياح شديد بعدما تحدث مع ذلك الرجل الذي شعر بشئ من الاطمئنان والاحتواء والطيبه بداخل كلماته ، أخذ يفكر متعجبا بكل ما ناقشه معه وأخبره به من أجل مساعدته لترتسم في مخيلته نهايه من فتكوا بأخته غدرا ..
وضع المفتاح بداخل الوصد ليدلف بداخل المنزل غالقا الباب خلفه
انتشلته من وسط شروده وتفكيره تلك الجميله المرحه بإبتسامتها التي سحرته في غيبه منه وهي ترتدي بنطالا من الجينز وتيشيرت أبيض هو من احضرهم لها وتضع توكتين بشعرها لتبدو كالأطفال في برائتها
تسلل لعقله مشهد وهو يتخيلها زوجته التي يعشقها تستقبله وهو عائد من عمله الشاق بأجمل أبتسامه وبطبيعتها المرحه تغرقه بالحب والضحك
- هييييييييييه ، يا باشا ! بكلمك
انتبه لها عمار ثم عاد ليحدث نفسه في تراجع وخفوت :
- استغفر الله العظيم يارب ، ده ايه اللي أنا بفكر فيه ده ..
زينه بمرح وغرور :
- اكيد بتفكر فيا بعد ما سحرتك بجمالي الذي لا يقاوم ، قول قول متتكسفش
ازعجه ذلك الأمر كثيرا ليعود متحدثا بجديه شديده مره أخري :
- انتي هتهزري معايا ؟
تفاجأت زينه من لهجته معها ولكن سرعان ما عادت تمزح :
- اه عادي ما خلاص بقه يا زومل هنشتغل مع بعض المفروض نرفع بقه الألقاب وميبقاش بيننا الحزازيات دي ..
قاطعها عمار بصرامه شديه وهو يرفض شعوره تجاهها :
- الزمي حدودك واتكلمي معايا بإحترام ومتنسيش نفسك ، ومش معني الكلام اللي قولتهولك امبارح انك تتدلعي وتنسي انتي هنا ليه اصلا ؟
زينه بصدمه شديده ولكنها سرعان ما رددت :
- أنا مبتدلعش حضرتك ، ومش ناسيه نفسي وعارفه أنا مين كويس ، كل الحكايه أني شفتك سرحان فحبيت اعرف مالك واخليك تفك شويه بما اننا لسه مطولين مع بعض ..
لم تكمل حديثها حتي صرخ فيها عمار مره أخري بغضب :
- وانتي مااااااالك افك ولا اتجمد انتي دخلك إيه اصلا ؟؟
أبتسمت زينه بتهكم وهي تردد :
- أيوووه ارجع تاني الشخص المغرور اللي ...
قاطعها عمار :
- الشخص المغرور المتكبر اللي بيستقوي علي اللي أضعف منه ، ايوه انا كده وللأسف مش هتغير
زينه بغضب مماثل :
- أنا ماليش انك تتغير ولا متتغيرش ولا حتي تولت بجاز أنا مش رايحه اتجوزك
- لا والنبي تعالي اتجوزيني ، والنبي هبور ومش هلاقي عرايس ترضي بيا فأستري عليا واتجوزيني .. لا حلوه دي اخر ما اتجوز هتجوز حته عيله بدفاير عاملالي شعرها زعرورتين
زينه بإنتفاض ثائر :
- وانت ماااالك اعمل شعري زعرورتين ولا دفاير ولا أولع فيه حتي انت دخلك إيه ..
عمار بغضب ونفاذ صبر :
- بت انتي ،، انتي عايزه إيه !!!!؟
زينه ببرود وهي تضع يديها أسفل صدرها :
- عايزاك تعاملي كويس وبإحترام وتعرف انك محتاجني هنا معاك وده أبسط حقوقي عشان الفتره اللي هنقضيها مع بعض تخلص بدري بدري وبهدوء كده من غير ما حد يضايق التاني.. تمام يا باشا ؟
رمقها عمار بنظرات أحتقار ولم يجيبها ثم تركها ودلف الي غرفه من الغرف
نظرت زينه الي أثره وتنهدت بحزن شديد وهي تشعر بغصه داخل قلبها ، لا تدري لما تغير هكذا ولما كل يوم بحال مختلف ، كلما تكاد تقترب منه وتشعر بوده تجاهها تجد بالنهايه حائط سد ، تشعر بمتاهه بداخلها بعدما أصبحت لا تدرك كيف تتعامل معه بعد الأن .. ولكن هو من يخطأ دائما لذلك فلتعامله بالمثل ولن تسمح لأحد إهانتها
وعلي الناحيه الأخري بدل عمار ثيابه في ضيق وزهق وهو يتذكر كل مره شعر تجاهها بشئ ما بداخله ، المره الاولي التي رأي عينيها ، مرحها ، ضحكها ، إبتسامتها ، ضعفها ، رقتها ، شراستها ، مشاكستها معه ، عنادها وتحديها له .. كل شئ بها يأسره وكأنها أثني فريده من نوعها ، لم تجذبه أي فتاه هكذا من قبل بل لم يسمح لأي واحده الاقتراب منه من قبل ، هو لم يمس أي من الفتايات من قبلها أو يجعل احداهن تتمادي معه
تذكر كل مره أخذها بين ذراعيه حتي وإن كانت عفويه في لحظات غير واعيه ، ولكنها كفيله بأن تكون أول فتاه يسمح لها بعناقه واقتحام الحصون التي وضعها لنفسه ضد خبث ولؤم النساء
ولكنها حقا مختلفه ، كلما تذكرها وهي بين ذراعيه ضعيفه خائفه كورقه الخريف الهشه المهدده بالسقوط ، راوده شعور ضمها مره أخري ودفنها بصدره وإخماد نيران شوقه لها ، اقتحمت شفتيه إبتسامه واسعه وهو يتخيلها بذلك المكان بين ذراعيه ..
ولكن لم تلبث تلك الابتسامه أن تستقر كثيرا حتي نهض في جديه وضيق أكبر ، ارتدي ثيابه بغضب شديد وهو يستفيق من كل تلك المشاعر التي احاطته ليضع نصب عينيه هدفه لا أكثر من ذلك
لا يجب أن يفكر بشئ أو يتخيل أي شئ تجاه أي انثي خلقت مهما كانت ، هو ليس ذلك النوع من الرجال ولن يكون أبدا ، كل وقته لعمله فقط ، والآن هو يعد نفسه بداخل مهمه صعبه للأخذ بثأره ممن أذاه في اقرب الناس إليه ، ومع انتهاء تلك المهمه يعود إدراجه مره أخري ، رافضا علي الاطلاق أي نوع من تلك العلاقات
- من هنا ورايح هتبقي دي المعامله معاها ، هي لا تعنيني اي شئ وبكره كل واحد يروح لحاله ، تفكرني بقه مغرور متكبر بستقوي علي الأضعف مني براحتها لكن ده طبعي ومش هيحصل غير كده
كان يضحك علي نفسه بتلك الكلمات ولكنها كانت كفيله بإقناعه علي القرار الذي اتخذه لموت تلك المشاعر التي تنبت بداخله تجاهها
أمسك اللابتوب وشرع في قراءه كل ما يخص أولاد أبو الذهب والذي جمعها بمساعده عبدالله وأولاده للشروع في تنفيذ مخططه ..
*****************************************
داخل قصر (الحسيني) ..
انتهي الجميع من تناول العشاء فنهض أدم :
- بعد أذنكم يا جماعه عندي شغل
ثم ذهب وقبل والدته من رأسها قائلا :
- مع السلامه يا جميل ، ادعيلي
أمسكت به وقبلته من خده قائله :
- ربنا يحميك يا حبيبي ..
رمقهم عبدالله بضيق وأخذ يصب لنفسه فنجانا من الشاي في حين نظر حمدي وسيف الي بعضهم البعض في خبث وضحك ، ردد حمدي :
- شايف ابوك بيبص له ازاي ! عايز يقوم عليه يقتله لولا العيبه
سيف بخبث :
- مفيش مانع لو عصبناه شويه احنا كمان يعني
أومأ له حمدي بمكر وغمز له ناهضين بأتجاه مرام التي كانت تنظر إلي عبدالله بين الحين والآخر
أمسك كل منهم بكرسي ووضعوه حولها من الجانبين وجلسوا عليه يحاوطوها ، التقط حمدي يديها وقبلها قائلا :
- تسلم ايدك يا ميمتي ، الأكل كان جميل أوي النهارده
وأمسك سيف باليد الأخري وأخذ يقبلها أيضا :
- معاك حق يا حمدي، ماما اصلا كل حاجه فيها حلوه ، لولا أنها مامتي كنت اتجوزتها ، متعرفيش يا ماما واحده في جمالك وحلاوتك دي الاقيها فين
ضربته مرام علي رأسه قائله :
- يا واد يا بكاش
قبلها حمدي من خدها مره اخري قائلا :
- مش بكاش يا ماما ، هو معاه حق ، تفتكري انتي في منك اتنين اصلا !
مرام بضحك قائله :
- كلوا بعقلي حلاوه انتو الاتنين ..
ولم تكمل جملتها حينما وقعت عينيها علي عبدالله الذي كانت نظراته لها لا تبشر بالخير أبدا ، بهت لونها وشعرت بالتوتر الشديد في حين كاد أن يقبلها سيف من خدها هو الآخر حتي نهض عبدالله غاضبا :
- جرا إيه يا واد منك ليه ؟ انتو استحليتوها ولا إيه ؟ كل واحد يروح يشوف اللي وراه ياالااا
كتم حمدي وسيف ضحكاتهم وهما يشاهدان الحمم تتطاير من عينيه فنطق حمدي :
- ليه بس يا بابا ما احنا قاعدين اهوه اصل ماما بتوحشنا أوي انت عارف شغلنا وشغلها هي ومبنتقابلش كتير
عبدالله بصرامه اخافتهم :
- والاحسن انكم متتقابلوش خالص ، قلت كل واحد يروح يشوف اللي وراه لأحسن وربي ....
لم يكمل جملته حتي فر حمدي ولحق به سيف من أمامهم وهم يكتمون ضحكاتهم علي الحاله التي وصل إليها والدهم
في حين نظر عبدالله الي مرام ولم يحدثها ، وضع كوب الشاي من يديه وتركها صاعدا الي غرفتهم
أمرت مرام الخدم بأن ينظفوا السفرة ويحملوا الأطباق ولحقت به مسرعه في خوف وتوتر ..
- عبدالله !!... عبده
لم يلتفت لها في حين وصلوا الي الغرفه فأغلقتها مرام عليهم واسرعت إليه ، أمسكت مرام بيديه وإدارته إليها قائله :
- حصل أيه بس ؟
رمقها عبدالله بإحتقان قائلا بتهكم :
- والله !! ... معرفش الصراحه حصل إيه ؟
ابتسمت مرام في خجل بينما ردد عبدالله بغيظ :
- انتي بتضحكي علي إيه !؟
مرام بعتاب وضحك :
- يا عبده دول عيالك ! هما حد غريب ؟