في المطار، في صالة الوصول، كان يقف رجل وامرأة، عيناهما تبحثان في وجوه النازلين من الطائرة. كانتا تبحثان عن حنين. بعد دقائق، ظهرت. حنين تسير ومعها حقيبة صغيرة، وجهها شاحب ويظهر عليه التعب، ومحمد نائم على كتفها. خالها جرى عليها بفرحة هو ومن معها، لكن أول ما اقتربوا منها، تجمدوا. اتسعت أعينهم عندما رأوا رجلاً يمشي بجانبها، يمسك حقيبة بيده الأخرى، ووجهه يبدو عليه التعب. خالها قال لها باستغراب:
–حنين، حمد الله على سلامتك. وحشاني. عانقها بحب، وهي ابتسمت. ثم ابتعد عنها ونظر إلى كريم وقال: –دا مين؟ حنين وقفت متوترة، شفتاها ترتعشان، ولم تجد كلاماً تقوله. لكن كريم سبقها. رفع حاجبه بابتسامة هادئة وهو يمد يده لخالها: –أنا كريم… جوزها. زوجة خالها قالت بصدمة بعد أن سلمت على حنين: –جوزها؟! بس إزاي… إسلام قال… كريم قطع كلامها بثبات:
–في سوء تفاهم حصل. أكيد إسلام قال إننا انفصلنا أو كده، بس الحقيقة إن محدش طلق. إحنا مع بعض… وجايين نقضي شوية وقت هنا ونمشي تاني، يعني مجرد فترة راحة نهدى فيها، مش أكتر. محمد تحرك فجأة في حضن حنين وبدأ يعيط. حنين تلخبطت، حاولت تهديه وهي لا تستطيع التركيز مع الكلام. كريم بسرعة مد يده وأخذه منها بهدوء، يهزه برفق كأنه متعود. وأول ما كريم شاله، محمد سكت، وصوته تحول لهديل صغير وهو متعلق في قميص كريم.
المنظر كله كسر حدة اللحظة. جعل الواقفين ينظرون لبعضهم، ملامحهم لانت غصباً عنهم لفرح بالمشهد. الخال تنحنح، وصوته نزل: –طيب… نمشي. وفي البيت نتكلم. كريم هز رأسه بهدوء، وضع يده على ظهر حنين يطمئنها، ومشى معهم. في نفس الوقت، عند إسلام. كان قاعداً على الكنبة، قلقاناً، ينتظر خبر وصول حنين. الموبايل رن، رقم من ألمانيا. فتح بسرعة: –ألو؟ وصلت؟ صوت الخال: –آه… وصلت. بس… مش لوحدها. إسلام شد نفسه فجأة: –مش لوحدها؟! يعني إيه؟!
الخال تردد لحظة، وبعدين قال: –جوزها معاها… كريم. إسلام صرخ: –إيه؟! إزاي سمحتوا بكده؟! أنا مأمنكم تاخدوا بالكم منها مش… إزاي وصل عندكم وعرف منين؟ صوته كان يعلو ويعلو، عيناه مولعة. لكن خالد كان قاعداً بجانبه، مسك كتفه بقوة: –اهدى يا إسلام! إسلام بغضب: –إزاي يسيبوها معاه؟!
ده وصلها وعرف هي رايحة فين. استغلت بيه وقلت تعبان مش هيقدر يعمل حاجة، بس طلع ثعبان وعرف وسافر معاها كمان. ودلوقتي بعد فترة هيرجعوا مع بعض تاني، وابقى معملتش أي حاجة! خالد قرب منه، صوته هادئ وحكيم: –إسلام… ممكن تسمعني. اللي بينك وبين كريم كله قديم. في الآخر… هو جوزها، وأبو ابنها. مش طبيعي يسيبها تمشي لوحدها بالبيبي. هو ضحى بحياته عشانها قبل كده… لو فاكر؟ ومش عشان اتجوزوا من وراك يبقى تدمر حياتهم. فكر بالعقل.
إسلام يده شدت في شعره وهو يتنفس بسرعة. خالد كمل: –اللي حصل خلاص… بقى ماضي. دلوقتي عندهم طفل محتاج أب وأم مع بعض. لو بتحب أختك… سيبهم يعيشوا حياتهم. ده حقهم، وانت مش من حقك تمنعهم حياتهم. هما حرين فيها. أختك مش طفلة وعارفة تختار كويس. بلاش تفضل دور المقرر عنها كتير. أنا عارف إنك بتلوم نفسك على اللي حصلها، بس مش عشان تصلح حاجة تدمر حياة طفل قبلهم.
إسلام سكت… عيناه محمرة، قلبه يغلي، بس الكلام رسخ بداخله. مسح وجهه بيده بقهر، وصوته طلع واطئ: –أنا… أنا مش قادر أبعدهم وأنا عارف إنه غلط… بس مش قادر أسامحه. خالد شد كتفه بحنان: –متسامحوش دلوقتي… يكفي إنك تسيبهم يعيشوا، والباقي الزمن هيعمله. إسلام غمض عينيه، تنهيدة ثقيلة خرجت منه… كأنه استسلم. خالد ابتسم وقال: –عشان حتى تكون خال كويس. إسلام ابتسم رغم عنه وقال: –هحاول إن شاء الله. &&&&&
_الأيام الأولى في ألمانيا كانت كلها ارتباك. خوال حنين في الأول كانوا يبصون لحنين وكريم بشك… كل واحد فيهم بيسأل نفسه: هو فعلاً جوزها؟ ولا كلام عشان يغطوا على حاجة؟ لكن مع الوقت… الصور ابتدت تتضح. حنين كانت أغلب الوقت مع محمد. أما كريم، رغم إنه لسه ضعيف من مرضه، كان يقوم من غير ما تطلب… يشيله عنها، يهزه على دراعه، ويهمس له بكلمات بسيطة تخليه يسكت. المشهد ده كسر حاجز كبير عند خوالها. خلت زوجة خالها تقول بين نفسها:
–اللي بيعمله ده… مش تمثيل. دا أب بحق. أمال ليه إسلام قال إنه مستهتر ومش بتاع مسؤولية؟ كريم نفسه… كل يوم صحته تتحسن أكتر. الدوخة اللي كانت بتجيله راحت تدريجياً. الألم اللي كان مكسّر جسمه، بدأ يخف. بقوا يشوفوه بيتمشى في حديقة البيت مع محمد على كتفه، أو قاعد يقرأ جريدة بصوت مسموع كأنه بيحكي حكاية للبيبي. الخالات لاحظوا… وابتدوا يقتنعوا. واحدة فيهم قالت للتانية وهي بتبص من الشباك:
–شكلهم… أسرة بجد. مش عايزة أقولها، بس… يمكن إسلام ظلمهم. في يوم جمعة، بعد ما اتغدوا كلهم على ترابيزة كبيرة، كريم رفع كباية عصير وقال بهدوء: –أنا عارف إن وجودي هنا كان مفاجأة… ويمكن عامل قلق. بس إحنا مش جايين نعمل مشاكل. إحنا جايين نعيش كام يوم… كأنهم شهر عسل اتأجل كتير، وبعدين هنرجع.
الجملة وقعت زي البلسم على الجميع. اللي شافوا فعلاً إنه كريم إنسان كويس ويستحق حنين، بعد ما شافوا معاملته معاها وقد إيه واضح إنه بيحبها ومتعلق بيها، وده اللي كان كريم بيحاول يظهره للجميع. الخالات اتنفسوا الصعداء. حتى الخال الكبير، اللي كان أشد واحد فيهم، اكتفى بهزة رأس وقال:
–المهم إنكم بخير… ومحمد في حضن أبوه وأمه. وده اللي إحنا عايزينه. لما إسلام قالنا إن حنين اتطلقت عشان جوزها مهمل ومش بيحبها، وإنها هتيجي تعيش هنا، في الأول اتصدمنا. يعني مكناش نعرف إنها اتجوزت عشان تتطلق. بس في النهاية وجبنا نقف جنبها. بس بعد ما شفتك… أقدر أقول إنك شخص كويس. وكمان أي اتنين لازم يحصل بينهم مشاكل… بس الأهم نحلها بينا، وبلاش ندخل حتى أقرب الناس لينا. لأنهم بيبقوا الهدف يساعدونا، بس في الحقيقة بيدمروا حياتنا من غير ما نحس. وأنا مبسوط إنكم مسمعتوش لإسلام وكملتوا.
كريم ابتسم وبص لحنين اللي كانت محرجة من الكلام. الليل جيه… حنين كانت قاعدة جنب كريم في الأوضة اللي قاعدين فيها. محمد كان نايم في سريره الصغير. التلفزيون شغال على خفيف، بس مفيش حد سامع. كريم حط إيده على إيدها وقال بهدوء: –شايفة؟ الدنيا هديت… ومفيش حد واقف بينا. حنين توترت، قلبها دق بسرعة. رفعت عينيها له، وبصوت واطي ردت: –لسه الطريق طويل يا كريم. ابتسم، وضغط على صوابعها بحنان: –بس أهم حاجة… إننا ماشيين فيه مع بعض.
مر شهر بين حب كريم اللي بيظهره كل يوم لحنين، وخروجاتهم اللي بتزيد يومياً، وحبهم اللي بدأ يكبر، والحاجز بينهم بدأ يتلاشى، مع وجود محمد طبعاً، واللي كان دايماً سبب إنهم يقربوا من بعض من غير ما يحسوا.
وفي ليلة… الجو كان هادي، الليل ساكن، مفيش غير صوت تنفس محمد وهو نايم في سريره. وكريم اللي واقف في نص الأوضة، ملامحه باين عليها الحيرة والتردد… بس قلبه مش قادر يسكت أكتر. بص لحنين، كانت واقفة جنبه، إيدها متشابكة قدامها، ووشها هادي. أخد نفس عميق وابتدى كلامه:
–حنين… أنا لازم أتكلم معاكي. يمكن طول الشهر ده حاولت أبين إني طبيعي… بس الحقيقة إني كنت كل يوم بحارب نفسي عشان ما أقولش إني… أنا… بحبك. بحبك بجد من أول يوم شوفتك فيه لحد دلوقتي. سكت لحظة، كأن الكلمات تقيلة على صدره، وبعدين كمل:
–عارف… عارف إن اللي عملته زمان مش سهل يتغفر. عارف إني جرحتك وكسرت قلبك. والله لو قضيت عمري كله باعتذر، مش هيكفي… بس أنا عمري ما اعتبرتك أي حاجة غير مراتي. مراتي… وأم ابني. وحابب نكمل ونستمر مع بعض. حنين ساكتة. عينها نازلة على الأرض، وإيدها بتتحرك بتوتر، بس لسانها مش قادر ينطق. كريم ابتسم ابتسامة باهتة، فيها وجع أكتر من أي حاجة: –كنت أتمنى… كنت أتمنى إنك ترجعي معايا. نرجع بيتنا… نعيش زي أي أسرة. بس شكلك… مش عايزة.
صوته بدأ يضعف، عينه اغمضت ثواني وهو بيكتم نفسه: –أنا خلاص… يمكن مكنش عندي حق من البداية. بس حبيت أقولك… قبل ما أمشي. كريم سكت، وبص لها باستسلام. السكوت طول، قلبه بيغرق أكتر، حس إن الأمل اللي كان ماسكه بدأ يسيب إيده. مد إيده على راسه، كأنه بيخفي ارتباكه، وقال بصوت مبحوح: –خلاص… مش هضغط عليكي تاني. سامحيني، لو تقدري.
تنفّس نفس تقيل، وابتدى يلف عشان يمشي من قدامها. خطواته تقيلة، كأنها بتسحب قلبه بعيد عنها. قبل ما ياخد أول خطوة… وقف فجأة. مش صوته هو، صوتها. –كريم… اتجمّد مكانه، قلبه خبط في صدره. لفّ ببطء، عينه مترددة، خايف من اللي هيتقال. حنين رفعت وشها له، دموعها مالية عينيها، لكنها بتبتسم ابتسامة صغيرة مرتعشة: –أنا… أنا كمان بحبك. الكلمة وقعت على ودانه زي حلم. وشه اتغير في ثانية، كل التعب اللي جواه اختفى، عينيه بتلمعوا، وصوته
مبحوح وهو بيقرب منها: –إيه؟ قوليها تاني… بالله عليك. حنين مسكت إيده اللي كان بيرتعش، وقالت بهدوء وهي بتبص في عينيه: –عايزة أعيش معاك… أكون معاك، ونبتدي من جديد. الدموع غرقت عيون كريم، ضحك بخفة وهو مش مصدق، وبعدين فجأة سحبها لحضنه بقوة، كأنه مش هيقدر يسيبها تاني. –يا رب… يا رب ما يحرمنيش منك. بعد عنها، مسح دموعها بإيده وقال: –من النهارده، مفيش وجع… مفيش خوف. إحنا هنعيش زي ما كنا لازم من الأول… أنا وإنت ومحمد.
قرب منها وباس جبينها بحنان، لمسة كلها عهد جديد بينهم. بعد أسابيع –في المطار. الطيارة هبطت في القاهرة. كريم ماسك إيد حنين ومحمد في حضنها. وشهم مريح، غير التعب اللي كان في عينيهم من شهور. أول ما خرجوا من صالة الوصول، هوا مصر لفحهم، وكريم ابتسم وقال: –أهو… رجعنا. بس المرة دي… مع بعض ولبعض. حنين ابتسمت وهي تبص له: –وهنفضل مع بعض. كريم شد إيدها أكتر، وهو عينه فيها قوة وطمأنينة: –لحد آخر العمر.
بعد ساعات قليلة، كريم وحنين وصلوا البيت ودخلوا بهدوء وابتسامة على وشهم. الباب اتفتح بهدوء، حنين دخلت وهي شايلة محمد. كريم وراها شايل شنط السفر. البيت ساكن تماماً. وفجأة، صوت هادي بس تقيل كسر الصمت: –أهــلًا برجوعكم. الأنوار اشتغلت، ظهر إسلام قاعد في الصالة، رجل على رجل، ضهره مفرود، وعينيه سابته على الاثنين. حنين شهقت بخوف، فوراً رجعت ووقفت ورا كريم كأنها بتستخبى. كريم نفسه قلبه دق بعنف، بس عضلاته شدت وصوته طلع
ثابت رغم التوتر اللي جواه: –إسلام… إحنا مش جايين نخبّي حاجة. أنا وحنين… مع بعض. أظن الموضوع مش محتاج تفسير أكتر من كده. إسلام رفع حاجبه، ابتسامة باهتة فيها غضب: –مع بعض؟! … بعد اللي عملتوه؟ بعد ما سافرت وراها وجبتها وجيت تاني؟ حنين دموعها قربت تنزل، حاولت تتكلم: –إسلام… اسمعني بس… أنا… إسلام ضرب بكفه على الترابيزة بعنف، الصوت رجّ البيت: –اسكتـــي! حنين اتجمدت، وخبت راسها أكتر في ضهر كريم. كريم وقف قدامها،
مد ذراعه وراها يحميها: –عايز تعاقبني؟ عاقبني أنا. لكن حنين مش هتتعاقب. خلاص… إحنا اخترنا بعض، واظن إحنا مش صغيرين. إسلام سكت لحظات، عيناه بتلمع نار، بيبص في وش كريم كأنه بيقيس شجاعته. الجو كان تقيل، وكريم رغم الخوف اللي جواه، عينه ما اهتزتش. وفجأة… إسلام تنهد ببطء، ورمى نفسه ورا على الكنبة: –عارف يا كريم؟ … أنا كان ممكن أنهي الموضوع ده من زمان. كان ممكن أخليك تندم إنك اتولدت. لكن… سكت ثواني، وبص لحنين
اللي عينيها مليانة خوف: –بس هديت وفكرت لقيت إني طول عمري كنت أتمنى ليها الأمان والحب. صح بغار عليها… وبحاول أتحكم في حياتها، وده خلاني أخسرها أكتر من مرة. كريم اتفاجئ، ما نطقش. حنين دموعها نزلت من غير ما تاخد بالها. إسلام كمل: –أنا مش هكون سبب خراب بيتك. مش هكون العدو. من النهارده… ليكوا فرصة تعيشوا زي ما عايزين. أنا هسيبكم.
الجملة وقعت زي الصاعقة. كريم اتجمد مكانه مش مصدق، وحنين دموعها نزلت أكتر وهي تبص له بعدم استيعاب. إسلام وقف، عدّى من جنبهم، وقف عند الباب، وبص لمرة أخيرة: –حافظ عليها يا كريم… ومتخلنيش أندم إني سبتك. وخرج. الأيام ابتدت تمشي بهدوء غير متوقع. إسلام رجع الشغل تاني، بس المرة دي كان مختلف. وكأنه سلّم الأمر. كل فترة يعدي يشوف محمد، يلعب معاه ويطمن عليهم ويمشي.
حنين كانت بتتفرج عليهم من بعيد، قلبها بيرتاح إنها رجّعت أخوها بطريقة أو بأخرى. أما هي، رجعت تكمل دراستها… مع إن البداية كانت صعبة، لكن وجود كريم في حياتها خلاها أقوى. كان بيساندها، يشجعها، وأوقات يراجع معاها كأنه هو اللي طالب. كريم نفسه… بقى أنجح في شغله. رجع أقوى، عارف يوازن بين مسؤوليته تجاه بيته وشغله.
لكن جو البيت… كان مختلف. حنين وكريم بقوا عايشين حياة مستقرة، بس عمرهم ما خلوا الروتين يسيطر عليهم. كانت بينهم خناقات صغيرة كوميدية شبه يومية: –يا كريم! إنت شربت القهوة كلها ومسيبتليش حاجة؟! –إنتِ كنتي نايمة لحد الضهر، أعمل إيه بالقهوة تبرد؟ أوقات تانية: حنين تبقى قاعدة تذاكر، تركز جداً، فجأة كريم يدخل: –يا حنين، تعالي شوفي محمد أنا زهقت. –يا كريم! عندي امتحان بكرة. –امتحان إيه أهم من ابنك؟
بالليل، بعد ما ينام محمد، يقعدوا يحكوا ويضحكوا على مواقف النهار. كريم يمازحها إنه "مظلوم" في البيت، وهي ترد عليه: –"مظلوم إيه يا عم! ده أنا اللي مستحملة جنانك." وهو يقرب منها، يمسك إيدها بابتسامة: –وجنانك… أحلى حاجة في حياتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!