ابتسامتها تهوس عيون الجميع عدا عيناه. تحاول أن تسوقهما إلى الجنون، ولكن هو يريد الهدوء. حتى في جراحه يريد أن يخيطها بعيدًا عن الجميع. هي بالنسبة له قضية، وهو حالة وتجربة. ولكن تشعر أن ليس لها طعم. يسميها البعض الفتاة البلهاء. حتى هو أيضًا، لما نال منها من الخيبة والعجز. هوسها هدم كل شيء. صنع منه رجلًا مختلًا بعد أن كان عاقلًا. كانت تمشي مثل الأطفال في مستشفى الأطفال التي تعمل بها، تتحدث مع زميلها.
-الشهر الجاي كل جدولنا زحمة، بس ممكن نلاقي مكان نلعب فيه مع كم طفل ده. ابتسم في بداية حديثها لاهتمامها بالعمل، ولكن تراجعت ابتسامته باضطراب. ولم يستطع كتم تلميحات طاقم المستشفى عندها. فصارحها قائلًا: -أبوس رجلك عيل كمان وهيُثبت عليكِ حالة إنك ناوية تخطفي الأطفال. يا بنتي ده الأهالي بيشتكوا منك. الطفل بيروح من هنا بيبقى مش طايق أمه، ويقعد ينادي باسمك يا جميلة.
رفعت أكتافها بلامبالاة وتركته، لأنها لم تقتنع بالأمر. بالنسبة لها عشقها واهتمامها بالأطفال غير إرادي. حتى أنها في إحدى الجلسات كادت أن تفتك بأم بسبب عصبيتها على وليدها لأنه لديه تبول إرادي. الكل يتهمها أنها بلا عقل. وهذا ما يجعلها تعيسة. جميلة حقًا، هي اسم على مسمى وتتميز بالبراءة. *** في منزلها مع والدها المستشار هشام المرشدي، القاضي بإحدى المحاكم. -حبيبي صحيت قبلي؟ ده أنا كنت جاية أصحيك عشان محضرالك فطار، إنما إيه.
-امممم فطار إنما إيه؟ طب على فكرة بقى أنا صاحي بقالي ساعتين وما شمتش أي ريحة. تعالت ضحكات جميلة قائلة: -كده يا هشوم؟ وأنا معرفش أكلك على مزاجي خالص. فتح لها هشام يده لكي تأتي لعنده، وبالفعل ركضت مثل الأطفال. -فاكرك يعني مش عارف أنت ناوي تأكليني إيه؟ بس إزاي قاضي زيي يفطر سيرلاك. احتضنته جميلة بحب قائلة: -عشان خاطري، ده أكل صحي. -ماشي، بس أوعي تحكي لزمايلك.
-يالا عشان ألحق أعملك شاي بلبن وأروح المستشفى بدري. أنت عارف الجدول الشهر ده زحمة جدًا. هشام بحزن: -ربنا يعينك ويبارك لي فيكي. جميلة وعيناها تلمعان بالحزن: -ويرحم أخويا الكبير. أنا عارفة إن لا يمكن حد ينساه. أنا بس بحاول أخرجك من اللي أنت فيه، ونفسي ماما كمان تخرج من أوضتها وترجع حياتها.
-عارف يا حبيبتي إن لا يمكن تنسيه، وعارف إن الناس مفكرينك بايعه كل حاجة وعايشة حياتك. بس أنتِ صح، وصح أوي كمان. بس أمك صعبة، مش قادرة تتعايش. أغمضت جميلة عيونها تعتصر دموعها. ليكفكف والدها دموعها قائلاً: -أنا السبب. كانت قضية نحس يوم ما مسكتها وأهل الجاني هددوني، بس مكنتش أعرف إنهم هينفذوا. دفنت جميلة رأسها في صدر أبيها تبكي وتخفي صوتها حتى لا تسمعها والدتها ويحترق قلبها أكثر. وتنعل على والدها.
-خلاص يا بابا، ربنا يرحمه. ده كان عمره. حتى لو مكنش حد آذاه. اصبر واحتسب. أجرك عند ربنا. وإن شاء الله أخويا في الجنة. -إن شاء الله. منذ بداية ولادة جميلة وشقيقها، وهشام المرشدي وزوجته يعيشون في أرق. يسأل نفسه دائمًا هل من الممكن أن يظل ملاكًا بريئًا بسبب مجرم قاتل؟
لم يستطع فعلها. كان دائمًا نزيهًا في حكمه، ليكون نتاج عن نزاهته إيذاء ابنه. لتتحول زوجته من بعدها إلى امرأة جامدة القلب. وابنته إلى فتاة تعيش في عبث. يتخيل لو عاش ابنه، كان سيكون شبيهًا لوالدته. يطيح بكل شيء في مقابل أن يعيش حياة طويلة. حتى تعامله مع والدته كان تعاملًا سطحيًا، كأنها ليست والدته. ولكن جميلة، يكفي ابتسامتها فقط في وجه والدتها. التي يعتقد البعض أنها بلهاء، حيث أن ابتسامتها تثير الغرابة والدهشة. وتعجب البعض. كيف لها أن تبتسم بعد ما عاشوه مؤخرًا.
كانت قدرية تجلس في غرفتها المظلمة تتذكر ابنها ولحظات شبابه، وتدعي على الظالم الذي هدر شبابه في لحظة غدر. نظرت لها جميلة وأردفت بحزن قائلة: -كفاية بقى يا ماما، عشان خاطري وخاطر بابا. -أخوكي كان غالي، وما فيش حد عندي غالي من بعده. -دي إرادة ربنا يا ماما. ومين قالك إنه مش غالي علينا إحنا كمان. قدرية ببكاء وعويل: -أبوكي كمل في طريقه ولا كأن ابنه اتغدر بيه. فين حق أخوكي؟ طبعًا مش فارق. هو أصلًا كان بيتمنى موته.
انتفضت جميلة قائلة: -إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا ماما؟ وبعدين بابا هيعمل إيه؟ عايزاه يروح يقتل اللي قتله؟ مستحيل. وبعدين ما أخويا اللي عطاهم الفرصة لكده. زفرت قدرية بضيق قائلة: -أنتِ كمان مش فارق معاكي موته؟ زيك زي أبوكي. أنتِ أساسًا هايفة ومالكيش قيمة. -ماشي يا ماما. اللي تشوفيه. بس متنسيش إن ابنك كان محامي مش مظبوط، رغم إن كان متربي على إيدين راجل قانون. نظرت لها قدرية نظرات حاقدة وهي تقول:
-راجل قانون بس سمح إن ابنه يتدبح قدام عينه. بكرة هيسيبك تدوقي من نفس الكاس اللي أخوكي داقه. بس ساعتها مش هحزن عليكي. دلف عليهم هشام بعد أن استمع إلى صوت قدرية الذي يحمل في طياته الكثير والكثير من الجحود. -جرى إيه يا قدرية؟ إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنا ساكت من ساعة ما ابنك مات ومش راضي أجرح حرمته. ابنك كان محامي مرتشي. كان هيضيعنا كلنا. قدرية ببكاء وعويل:
-أنت بكلامك ده بتضيع حق ابنك. روح منك لله يا شيخ. ربنا ياخدك زي ما خده. نظر لها هشام بحزن قائلاً: -للأسف أنتِ مش عارفة إني أكتر واحد حزين على ابني. ربنا يسامحه ويسامحك على اللي بتقوليه. أنتِ بتعذبي روحه وأنتِ مش عارفة. نزلت العبرات منه. لتقف جميلة أمامه تترجاه قائلة: -متزعلش من ماما يا بابا. دي مهما كان أم. أكتر واحدة موجوعة فينا.
هز رأسه باستسلام ومن ثم تركهم ورحل. لتلتفت جميلة إلى والدتها تجدها تغطي وجهها تريد النوم، لتتركها وتخرج إلى عملها. *** ذهبت جميلة إلى عملها في إحدى المستشفيات قسم الأطفال، لتتفاجأ بزميلها نعمان يزفر بحنق جراء أن مديرهم أمره بعمل العديد من العمليات. مطت جميلة شفتيها بقسوة لصعوبة ما خلف أعماله. -بلاش تنكر إنه غرضه إنك تترقى بسرعة.
جلست لتضيء اللمبة الصفراء في وجهه لتضايقه، وكأنها مثل المجانين ليفهم حكمة الأمر الذي جاءه من كبير الأطباء. -أنا كده اتأكدت من نواياك. أنتِ اللي خربتي ليا الدنيا، ووصلتيه عليه. وطبعًا عشان أنا نفسي في ترقية وأنتِ ترتاحي.
راقصت حواجبها وهي تحتسي كوب النعناع الساخن، غير عابئة بحرارتها بالرغم من أنها شخصية حساسة للغاية. لينظر لها على أنها مريضة نفسية اغتصبت حقه في الراحة. يتعجب كيف تتمتع بهذا الغل. نهضت ومرت بجواره وهي تغمض عينيها. ليحسم أمره وينهض هو الآخر متوجهًا إلى مكتبه، يرمقها بنظرات صلبة جامدة. ولكن لم تمنحها أي معنى. دلف بعد خروجه صديقتها جدائل وشعرت بحزن نعمان وهو خارج. -واقفة كده ليه يا جوجو؟
وليه نعمان خارج زعلان من عندك برضه؟ صدتيه؟ -كنت باكل. نزلت النهارده من غير فطار. وأنتِ اتأخرتي. قلت أكيد مامتك رضيت عليكي وفطرت. -كنت باكل. نزلت النهارده من غير فطار. وأنتِ اتأخرتي. قلت أكيد مامتك رضيت عليكي وفطرت. -بعد كده تستنيني هنا. أنا مرضتش آجي الشغل غير بعد ما بابا راح شغله. خوفت عليه من ماما. بقت أوفر. -لاااا اقعدي كده واحكيلي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!