الفصل 3 | من 23 فصل

رواية محكمة الحياة الفصل الثالث 3 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
21
كلمة
1,409
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

مضت عدة أيام ولم تذهب جميلة إلى عملها، ولكنها ملّت من الجلوس في المنزل، فوالدتها دائمًا نائمة أو تتصنع النوم. طلبت منها جدائل أن تذهب إليها، فذهبت.

دَلفت إلى حديقة منزله وأخذت تدور مثل الأطفال حتى انتبه لها وهي تنتفض من دوران الأرض من حولها. تجمدت وهو يلحقها حتى لا تقع على الأرض. انتبهت له وليده التي تمسكها بعصبية مفرطة. بدأ قلبها ينبض بشراسة كأنه يبعث لها إشارات عاطفية. شعرت بحماقتها وهي تتصارع أنفاسها تحاول السيطرة على نفسها. كانت أنفاسه مثل النيران التي ألهبتها. حضوره في هذه اللحظة كان طاغياً، لم يكن هذا من ذي قبل. عيناه لم تتحقق منها ومن رسمتها ومن لونها. كل تفاصيله أصبحت موضحة أمامها. بالرغم من أنها رأته عدة مرات وكان لا يفصل بينهم أي شيء، ولكن هذه المرة مختلفة تماماً. هي تعرفه جيداً منذ عام تقريباً. قابلته مرات كثيرة، ولكن هذه المرة إشارة مقدمة لها لما سيحدث بعد ذلك.

تركها ما إن تأكد أنها فاقت من الدوار الذي أصابها. توقعت توبيخه لها على الحركة الطفولية، ولكن حمحم وتركها سريعاً وغادر المنزل. "لازم حد يلحقك بعد لعب العيال اللي انتي بتعمليه ده. الحمد لله إن أكمل بنفسه اللي لحقك. لو كمال كان سابك وقعتي وضحك عليكي. وكويس إن أكمل ما وبخكيش." التقطت جميلة كوب العصير من جدائل وارتشفته مرة واحدة، ثم تجشأت مثل الأطفال قائلة:

"هاتيلي بقى سيرلاك من اللي بيبقى معاكي للأطفال لأحسن بقالي كتير مش باكله وبتكسف أقول لبابا يجيبه." جاءت جدائل تتحدث فأخرستها جميلة بوضع قطعة الشيكولاتة في فمها، وهذا نظراً لعشقها لها وللنوع المفضل لديها. انتهت جلستها مع جدائل وقررت الرحيل، ولكن صممت جدائل أن يستقلها أكمل إلى منزلها. تذمرت جميلة لهذا القرار وتذمرت أكثر عندما علمت أنه طلب المستشار هشام والدها.

جلست بجواره في سيارته الصغيرة وهو صامتاً لا يتحدث، كأنه أبكم لو أراد يحدثها لسيبحث عن ورقة وقلم لكي يملي عليها ما يريده. تتعجب من أنه رجل قانون، ولكنها لا تفهمه، حتى شقيقته نفسها لا تفهمه. دائمًا يتركهم يحترقون ولا يفهموا ما يدور بخلده، ولا أحد فهم ما يدور بدفتر عقله. تذكرت المشهد الذي حدث بينهم في بداية زيارتها اليوم، ويالها من مشهد بالغ الخطورة. كانت عيناه مثل الشيطان. شعرت أنه سيطلب منها أن تتنحى عن مغامراتها الطفولية حتى لا تقع.

نظر إليها في المرآة ليشعر أنها متلهفة لتبادل الحديث معه أثناء ذهابهما. "انتي كنتي متابعة حالة والدك في الفترة الأخيرة علشان كده مش بتنزلي الشغل صح؟ جميلة بملل: "كان نفسي أقولك صح، بس للأسف أنا احتمال كبير أسيب الشغل، علشان الناس اللي بيهددوا بابا. شكلهم عايزين يقتلوني زي ما قتلوا أخويا." "اللي حصل كان علشان أخوكي سمح بكده، وبعدين من امتى وإنتي بتشيلي الهم وبتبيقي قد المسؤولية. اللي أعرفه عنك إنك ضرباها طناش."

"ماشي، أنا فعلاً مش فارقة معايا، بس ماما ذنبها إيه؟ مش كفاية أخويا. على فكرة بقى كون إني أسيب الشغل ده على عيني، بس أعمل إيه؟ نفسي أعيش في هدوء." ابتسم لها أكمل حتى اندهشت لابتسامته. "تعرفي إنتي غلطتي لما اتخصصتي أطفال. كان المفروض تبقي دكتورة نفسية. واثق إن المرضى بتوعك هييجوا عاقلين، ويروحوا مجانين." "إن شاء الله طبعاً. هو في أحلى من الجنان والبساطة في التعامل؟

أنا مش عارفة إنتوا مصعبين الحياة على نفسكم ليه. في أحلى من السلام النفسي؟

سلط عينيه عليها بغموض صعب قراءة وتفسير نظراته، لتتبين من سوداوية عينيه مثل ما شاهدته عندما كانت ستسقط في حديقة منزلهم. وبالرغم من أنها سوداء، إلا أن نظراته ساحرة تقيم الأشياء تقييماً عالياً، ولكن كلما بصّرت عيناها نحوه تشعر بالعتمة. بالنسبة لها نظراته ليست لطيفة. تذكرها بالقصص والحواديت التي كانت تسمعها في الماضي وهي صغيرة عن الأشباح. كلما اقتربت نظراته من عينيها تشعر بشيء يسحبها نحوه مثل المغناطيس أو المنوم. أدارت بوجهها نحو الجانب الآخر، لتشعر أن الشارع فارغ من المارة، لا يوجد سواهما وسيارتهم. نظراً لأنه أخذها إلى مكان ضيق وأشعة الشمس حارقة فيه، لتفهم أنها بطريق صحراوي. التفتت لتجده ينظر نحو عينيها وعيناه مظلمة معتمة، لتخشي وترتعد منه.

"ممكن حضرتك تروحني علشان اللي بيحصل ده غلط." "ليه مش إنتي مش بتخافي والحياة سهلة ومافيش صعوبات." زفرت جميلة بحنق قائلة: "إيه اللي انت بتقوله ده؟ إنت معاهم صح؟ علشان كده صممت توصلني." "عايزة تروحي ليه؟ مش إنتي كارهة البيت؟ عموماً هما دقايق هتكلم معاكي في موضوع مهم." "وأنا مش عايزة أسمعك. من امتى وانت بتحب تتكلم معايا؟ ده أنا حسيت إنك أخرس كل أما تشوفني." "ليه هو سكوتي مزعلك في حاجة؟

جربي تعملي زيي يمكن ترتاحي من الدوشة اللي في دماغك. إيه مش بتتعبك؟ ردت عليه جميلة بحدة قائلة: "ممكن حضرتك تروحني علشان ما أعملكش مشكلة مع بابا. وأنا أوعدك مش هاجيلكم تاني، ما أنا فاهمة إنك كاره صداقتي لجدائل." "لو حاجة تعمليلي مشكلة مع المستشار هشام، اعملي أنا مش همنعك. بس مش هنمشي من هنا قبل ما تسمعيني وتركزي معايا ومتعصبنيش." ارتعدت وهبطت من السيارة بخوف قائلة: "إنت اتجننت؟ مين إنت علشان تقولي متعصبنيش؟

إنت عايز مني إيه؟ "متخافيش، اللي هقوله كله لمصلحتك ومجبورة تصدقيني وبعده اللي هقوله إنتي استحالة تخافي مني." ردت عليه جميلة بكل حده قائلة: "جايبني هنا والله أعلم عايز تعمل فيا إيه وتقولي استحالة أخاف منك. ده أنا وجودي هنا أذى في حد ذاته. ده إنت شوية شوية هتسيبني وتمشي." رد عليها أكمل بثقة قائلاً:

"واضح كده إنتي لا يمكن هتصدقيني، فتمام اركبي هروحك حالا. بس مترجعيش تندمي وتقولي ياريتني كنت سمعته. كان كلامي معاكي هيفرق في حاجات كتير في حياة والدك ووالدتك." لم تظن للحظة أنه جاء بها إلى هنا ليتحدث في موضوع يخص والدها ووالدتها، وبعد أن عزمت أمرها أن ترحل، خفق قلبها خوفاً مما ينوي قوله. "يعني مش هتأذيني ولا هتقولي ابعدي عن أختي صح؟ طب ليه تجيبني مكان صعب زي ده؟ وعايز مني إيه؟

"طبعاً إنتي عارفاني كويس وعارفة بشتغل إيه وكنت زميل أخوكي اللي مش حابب أتكلم وأخوض في حرمته وهو ميت. عارفة طبعاً أنا ابن مين." لم تبدِ أي رد فعل لحديثه عن شقيقها، بل ظلت تنظر له في صمت. "إنتي طبعاً دكتورة أطفال متعرفيش حاجة عن مجالنا ولا حابة تهتمي أصلاً. بمعنى أدق لا تصلحي للمعاناة. لذلك هتكوني مستهدفة أكتر مننا." "المفروض بقى إني أعرف كل شاردة وواردة في مجالكم؟ طب ما جدائل أهي ولا في دماغها. وكاميليا خطيبتك كمان؟

عايزين إني أهتم. والكل خايف عليا ومعتبرني مستهدفة لمجرد إني شخصية مليش في شغلكم. طب ما أخويا كان منكم والوحيد اللي طالته إيديهم. طب ما إنت أهو إنت وأخوك عيني باردة عليكم. شايفة حوت واقف قدامي مستعد يبلعني. لا استنى نسيت انت برج الأسد. الحمد لله إني جدي غلبانة أنا وجدائل في معاشرة أمثالكم." تعالت ضحكات أكمل ولأول مرة تراه يضحك لتظهر غمازته.

"طول عمري أسمع من جدائل عن إيمانك بالأبراج بس مكنتش متخيل إن كلامك هيضحكني كده. عموماً عرفت معلومة جديدة. عينيكي زرقا بس للأسف مدورة وبتحسد عيني عينك. أنا لو جرالي حاجة هيبقي بسبب عينيكي دي." ارتبكت جميلة من حديثه وخجلت بشدة، فابتسم هو الآخر مجدداً وتحدث عالياً حتى تفيق من التيه التي بقت فيها.

"إن شاء الله بعد بكرة هجيب والدي وأخويا وجدائل وكاميليا. قبل ما أقولك إحنا جايين ليه، حابب أعرفك نقطة مهمة. أنا وكاميليا بنت عمي مش مخطوبين ولا حاجة. ده مجرد كلام بين والدي ووالدها الله يرحمه. بس لا أنا حابب ولا هي عندها رغبة. أعتقد إنك بدأتي تفهمي أنا جاي أنا وعيلتي ليه بعد بكرة. بس خايف تكوني مش مستوعبة لذلك هقولك. إحنا جايين نخطبك. تحبي أسيبك تفكري لمين ولا أقولك؟

مع إن الموضوع مش محتاج تفكير. أنا العريس يا جميلة. أتمنى تفكري كويس في اليومين دول، قبل ما ترفضي. ولو حابة توافقي بشروط معنديش مانع. عارف إني عرضي سخيف بس كان لازم أعمل كده، علشان تعرفي إن دي طبيعتي وأسلوبي. أخاف أبقى رومانسي وأرجع أتغير تتقهرى."

كادت أن تفقد وعيها من أثر كلماته المرصوصة وراء بعضها البعض. شعر هو بصدمتها، فأسّرع الخطى وفتح لها باب السيارة وأجلسها بنفسه. شعرت للحظة أنه تطفل عليها وعلى حياتها دفعة واحدة. كيف امتلك الجرأة لكل ذلك؟

استطاع خطفها من عالمها الهادئ إلى عالمه الملئ بالعذاب. تتساءل منذ متى وهو ينظر لها على أنها جميلة. هي ليست مثله، هي كقطعة حلوى من يقترب منها يشعر باللذة. هي تريد عالماً بنكهات متعددة وهو يريد عالماً رتيباً. كيف سيجعلها تتذوق وتحس بمشاعره وهي ترى أن في عينيه هلاك محتم لأي شخص يعارضه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...