كانت نادية تجلس منهارة، تبكي بخوف وبجوارها چوليا تحاول تهدئتها وتربت على كتفها وهي تقول: ـ متقلقيش يا مامي، چيلان هترجع إن شاء الله. في تلك اللحظة دخل عمر برفقة والده حيث عادا من مديرية الأمن بعد أن قدما بلاغًا عن اختفاء چيلان. أسرعت نادية نحوهما وهي تتساءل بلهفة: ـ عملتوا إيه يا سالم؟! تنهد سالم بتعب وهو يجلس على الأريكة ويقول:
ـ قدمنا بلاغ وسيبنا صورة ليها وأرقام تليفوناتنا، وعمر سابلهم تليفونات صحابها وعناوينهم.. بس رسميًا مش هيبدأوا يتحركوا غير بعد ٢٤ ساعة. ـ وبعدين؟! يعني أنا هفضل قاعدة أستنى ٢٤ ساعة لحد ما ألاقي بنتي؟! ـ ويمكن أكتر.. بقولك هيبدأوا البحث بعد ٢٤ ساعة، يا عالم هيلاقوها امتى. قلبت چوليا عينيها بضيق من أسلوبه المستفز، وأخذت تربت على يد أمها وهي تقول: ـ متقلقيش يا مامي، إن شاء الله خير. ـ خير إزاي بس، هييجي منين الخير!
أختك أول مرة تختفي من غير ما تبلغ حد وتقفل تليفونها، دي أكيد اتخطفت. تنهد سالم وقال: ـ متقلقيش على چيلان يا نادية، چيلان واعية وميتخافش عليها. ود لو أكمل وأخبرها أن الخوف كل الخوف منها، وليس عليها مطلقًا، ولكنه رأف بحالتها والتزم الصمت، بينما نهض عمر من جواره وجلس بجوار أمه وهو يحيطها بذراعه ويحاول تهدئتها قائلًا: ـ اهدي يا ماما من فضلك، الزعل مش هيفيد بحاجة، لازم كلنا نكون هاديين عشان نعرف نفكر.
ـ هو إحنا لسه هنفكر يا عمر! أختك اتخطفت بقول لك، ويا عالم اللي خطفها دلوقتي بيعاملها إزاي ولا عمل فيها إيه.. ـ هيكون مين بس اللي خطفها يا ماما؟ چيلان طول عمرها مالهاش عداوة مع أي حد، وإحنا كمان مالناش عداوة مع أي حد، مين اللي هيخطفها وهيخطفها ليه؟! تحدث سالم فقال: ـ قومي يا نادية اطلعي أوضتك ارتاحي، چيلان هترجع متقلقيش. ونهض متجهًا نحو الدرج، وصعد إلى غرفته، وقام باستدعاء زينب، فأسرعت بالحضور أمامه وهي تقول:
ـ اقفلي الباب وادخلي يا زينب. فعلت كما أمرها، ثم وقفت أمامه مجددًا فقال: ـ اسمعي اللي هقول لك عليه دلوقتي وتنفذيه بالحرف الواحد من غير غلط.. لازم تدخلي أوضة جيلان وتدوري فيها لحد ما تلاقي الحاجة اللي اتسرقت من الخزنة، أنا واثق إنك هتلاقيها في الأوضة بس دوري بضمير. نظرت إليه بتعجب فقال: ـ انتي لسه هتقفي وتتنحي؟! اتحركي يلا واوعي حد ياخد باله منك أو يعرف انتي بتدوري على إيه.
أومأت بموافقة، وانصرفت لكي تنفذ الأوامر، بينما هو ظل شاردًا يفكر فيما ستؤول إليه الأمور. *** استيقظت چيلان وهي تشعر بالألم يغزو رأسها من كل جانب، أمسكت رأسها بكلتا يديها وهي تفرق بين أهدابها ببطء، إلى أن بدأت الرؤية تتضح أمامها، فذهلت لكونها موجودة في مثل ذلك المكان! نهضت من السرير وهي تتلفت حولها وتتفحص أرجاء الغرفة من حولها بتعجب، ثم أدارت مقبض الباب بخوف وببطء، لتتفاجأ بحسن أمامها فصرخت بفزع وهي تتراجع للخلف.
دخل هو الغرفة مبتسمًا بمكر، وأغلق الباب خلفه فقالت بصوت مضطرب: ـ انت؟! ـ أيوه أنا.. عندك مانع؟ رأته يدنو منها فتراجعت أكثر وقالت: ـ عايز مني إيه؟ وجايبني هنا ليه؟ لم يجبها، بل تقدم منها أكثر حتى باتا في مواجهة بعضهما البعض فأخذ ينظر إليها مبتسمًا بمكر وهو يقول: ـ تعرفي إن شكلك حلو وانتي قايمة من النوم؟ ابتلعت ريقها بخوف، ونظرت إليه بشراسة مفتعلة وهي تقول بحدة: ـ عايز مني إيه انطق! ـ كل خير.. وتركها
وجلس على الفراش وقال: ـ اعتبري نفسك هنا في مهمة إنسانية، وجودك هنا مقابل رجوع نغم. قطبت جبينها بتعجب وقالت: ـ نغم؟! وانت إيه علاقتك بنغم؟ وضع قدمًا فوق الأخرى، وأخذ ينظر إليها بهدوء، ثم قال: ـ نغم بنت خالتي. ازداد تعجبها، وتساءلت: ـ معقول؟! أومأ وتابع: ـ وحبيبتي. رفعت حاجبيها باستغراب فقام بتقليدها ورفع حاجبيه وقال: ـ إيه الغريب في كده؟ كانت تحاول ربط الأمور ببعضها فقالت بتفكير: ـ وايه علاقتك بعمر أخويا؟
وإزاي اتعرفت عليه أصلًا؟ ـ لأ علاقتي بعمر خليها على جنب.. أنا لسه عارف من يومين بس إنه عمر يبقى فرد من أفراد العيلة الكريمة. ثم نظر إليها وغمزها بمشاكسة وهو يقول: ـ يوم ما شفتك معاه يا جميل إنت. طالعته بغيظ وتنهدت بارهاق، ثم جلست على المقعد المجاور للسرير وهي تقول: ـ أنا مش فاهمة حاجة.
ـ واضح إن المنوم لسه مأثر عليكي، على العموم مش لازم تفهمي، إنتي كل اللي عليكي هتقعدي هنا معززة مكرمة لحد فريد يرجعلي نغم، سلم واستلم ويا دار ما دخلك شر. مسحت على وجهها بضيق وهي تقول: ـ وإيه اللي مخليك واثق إن وجودي هنا بالضرورة يخلي فريد يرجعلك نغم؟ ـ ازاي بقا؟! معقول هيفضل واحدة غريبة على أخته؟! متجيش يعني. تلاقت حاجباها باستهجان، وضحكت ضحكة مبتورة وقالت: ـ لأ.. غالبًا انت فاهم غلط.. أنا مش أخت فريد.
رفع حاجبه متعجبًا وقال: ـ مش أخته ازاي بقا؟! أومال عمر كان بيشتغلني ولا إيه؟! هو بلسانه قالي إنك أخته. ابتسمت ساخرةً من ذلك الموقف العبثي، ثم قالت موضحةً: ـ لأ عمر مش بيشتغلني.. أنا فعلًا أخته. ـ وبعدين بقاااا…. قالها بضجر. فقالت متعمدةً استفزازه: ـ دي الحقيقة، أنا أخت عمر.. لكن مش أخت فريد. قطب جبينه وكأنه يرى أمامه أحجية طاغية الصعوبة، فتابعت وهي تسند ساقًا فوق الأخرى وترتاح بالمقعد بكل هدوء وتقول:
ـ لكن عمر وفريد إخوات. ظهر الضيق على وجهه وأخذ ينظر إليها شزرًا ثم قال: ـ انتي بتحاوريني مش كده؟! هزت كتفها بهدوء ولا مبالاة، ثم أسندت يدها أسفل خدها وهي تقول: ـ وأنا هعمل كده ليه؟! كل الحكاية إن عمر أخويا من أمي، وفريد أخوه من الأب.. إذًا عمر أخويا وفريد لأ.. بالرغم من إنهم إخوات. وأشارت بيدها بطريقة مسرحية وهي تقول: ـ That’s all.
بالطبع لم يفهم كلمتها الأخيرة، ولكنه استوعب حل الأحجية الآن، فأخذ نفسًا عميقًا مستاءً وهو يمسح على وجهه بضيق شديد ويقول: ـ والله.. يعني عمر أخوكي بس فريد مش أخوكي مش كده. أومأت فهز رأسه بملامح ممتعضة وقال: ـ عفارم عليك يا حسن، نشنت. رآها تبتسم بتشفي وتحدي يصرخ داخل زرقة عينيها الغادرتين فقال بحنق: ـ بتضحكي على إيه انتي كمان، بردو مش هتمشي من هنا غير لما نغم ترجع.. مات الكلام. استطاع إثارة غيظها،
فنظرت إليه بحدة وقالت: ـ يعني إيه؟! هفضل محبوسة هنا ولا إيه؟ ـ حاجة زي كده. ونهض فأردفت بحدة وهي تُقر بحقيقة تؤلمها كثيرًا ولكن لا فرار من الاعتراف بها: ـ تبقى غبي لو فكرت إن فريد هيرجعلك نغم عشان خاطر تسيبني. توقف لثوانٍ وهو لازال يوليها ظهره، ثم التفت إليها وقال: ـ لو مش قلبه على بنت مرات أبوه فاكيد هيكون قلبه على أخوه.
نهضت فجأة وركضت نحوه، وأدارته إليها ليواجهها قسرًا، ونظرت إليه بتحدٍ وقوة يفتقرها في كل النسوة اللاتي يُحِطن به، وقالت: ـ تقصد إيه بكلامك ده؟! تقصد إنك ممكن تحاول تأذي عمر؟! هز كتفيه باستهتار وقال: ـ متستبعديش حاجة.. مع حسن العقرب كل شيء جايز. وغادر الغرفة ليصطدم بأمه ونهال اللتين كانتا تلتصقان بالباب يسترقان السمع إليهما، فهدر بهما قائلًا بغضب: ـ في إيه انتوا الاتنين؟! في إيه ياما؟!
بدل ما انتي اللي تعقلي الهبلة دي بتعملي زيها؟! أطرقت عائشة برأسها أرضًا، وقالت: ـ معلش يا حسن متزعلش مني، وبعدين ما انت عارف إني قلقانة من ساعة ما جبتها هنا امبارح وكنت عايزة أعرف إيه حكايتها. وتابعت بحماس وهي تقول: ـ قالت لك إنها مش أخت فريد مش كده؟! أومأ مؤكدًا بضيق فتمتمت بارتياح: ـ كنت حاسة. قطب جبينه متعجبًا وقال: ـ كنتي حاسة بإيه؟! تلعثمت بتوتر وهي تجيب: ـ أقصد يعني إني… قاطعها بضيق وضجر:
ـ خلاص ياما خلاص.. يلا شوفي لها لقمة تاكلها وهدومة تلبسها، القعدة شكلها هتطول. ونظر إلى نهال بطرفي عينيه وهو يقول بتحذير: ـ وانتي، إياكي تدخلي جوه بدل ما أقطع رجلك انتي سامعة؟! رمشت بعينيها بانزعاج وتركته واتجهت نحو الأريكة المقابلة للتلفاز وجلست عليها، وتصنعت بالانشغال عنهما بالرغم من أنها كانت ترهف السمع إليهما. ـ بقول لك إيه ياما مش عايز جنس مخلوق يعرف إن البنت دي هنا انت سامعاني.. لحد ما نشوف هنتصرف إزاي.
ـ خايفة عليك يا حسن، خايفة تكون بتلعب لعبة مانتاش قدها يا ابني. ـ ابني قد أي حد يا أم حسن متقلقيش، وبعدين نغم تستاهل إني ألعب عشانها مليون لعبة، وألعب قصاد التخين كمان، ويا غالب… يا غالب. مفيش خيار تاني. وتركها وغادر، فظلت تنظر إلى أثره بندم، وقد بدأ شعور بالذنب يراودها. دخلت إلى المطبخ وأعدت فطورًا، ثم أخذته ودخلت إلى چيلان، التي بمجرد أن رأتها صرخت في وجهه بعصبية وهي تقول: ـ مش عايزة زفت.. اخرجي وسيبيني.
غادرت عائشة على الفور، وأغلقت الباب بالمفتاح كما كان، وأعادت الطعام إلى المطبخ وهي تقول بنزق: ـ ده إيه الأشكال دي؟! بتعمل فينا وفي نفسك كده ليه بس يبني. *** بعد مرور يومين. استيقظ فريد من نومه وهو يشعر بالارهاق الشديد، وكان قد قرر أن يذهب إلى المشفى للاطمئنان على نسيم ومن ثم سيذهب إلى الشركة لكي يتابع أعماله المهملة منذ فترة طويلة. جلس على طرف الفراش لكي يستجمع شتاته أولًا، ثم نهض وبدأ بالاستعداد.
وبعد أن أصبح جاهزًا غادر غرفته، واتجه صوب مكتب والده، طرق الباب ودخل فوجد والده يجلس برفقة نادر، فأشار له سالم بالاقتراب ففعل. ـ صباح الخير. ـ صباح النور. ـ ها.. في أخبار؟ قالها فريد وهو ينظر لنادر الذي قال بأسف:
ـ للأسف لسه، المكان اللي وقفت فيه العربية مفيش فيه أي كاميرات مراقبة وده مصعب الموضوع جدًا.. زائد إن مفيش أي بصمات غريبة على العربية، يعني لو حتى الاحتمال بتاع إنها اتخطفت صحيح.. وده الاحتمال الأرجح يعني.. فلو صحيح اتخطفت ده بيأكد إن اللي خطفها كان حريص جدًا وعارف هو بيعمل إيه كويس بحيث ميسيبش وراه دليل. تنهد فريد باستياء وقال: ـ طيب المفروض إيه اللي يحصل دلوقتي!
ـ المفروض إن التحقيقات هتفضل مستمرة لحين الوصول لطرف خيط، من جهتي أنا مش ساكت وبعمل كل ما في وسعي، ومن جهة الشرطة كمان بيعملوا اللازم. أومأ فريد موافقًا، ثم نهض واستأذن منهما، وغادر، فنظر سالم إلى نادر وقال: ـ وعملت إيه في الموضوع التاني؟ لسه مش عارف توصل للبنت اللي اسمها نغم بردو؟ أومأ نادر بنفي، فزم سالم شفتيه باستياء وقال: ـ جرى إيه يا نادر، إنت كبرت وعجزت ولا إيه، ده أنا كنت مسميك رجل المهام الصعبة.
ضحك نادر وقال: ـ أنا محامي يا باشا مش ساحر، يعني أكسب قضية، أحل مشكلة في الشغل، أجيبلك ورق، إنما أدور على حد مفقود مش مهمتي، وبعدين البنتين ملهمش أي أثر، أخشى ما أخشاه إن يكون جرالهم حاجة يا سالم باشا. تنهد سالم بحيرة وهو يقول: ـ الموضوع فيه لغز محير، وفيه كمان عامل مشترك بين الحكايتين بس مش قادر أحدده. *** في منزل حسن.
فتح حسن باب الغرفة وهو يحمل صينية وُضع فوقها أطباق عديدة من نفس الأصناف التي تناولها هو ووالدته للتو، وخطا بقدميه للداخل وهو يرفع الصينية بيد وبالأخرى ضغط زر الضوء، وتلقائيًا وقعت عيناه عليها وهي تتمدد فوق الفراش الصغير فأخذ يتفحصها للحظات، سروالها الجينز الضيق ذو الخصر المرتفع الذي يحاكي رسمة خصرها ببراعة، وفوقه بلوزة قصيرة بفتحة عنق واسعة وسحاب جانبي، تشبه حورية البحر كثيرًا في ملامحها وانحناءات جسدها الفارهة.
صرف نظره عنها وهو يهز رأسه بيأس، ثم تقدم من الطاولة ووضع صينية الطعام فوقها، ثم اتجه نحو حورية البحر لكي يوقظها. ـ انتِ.. يا آنسة.. لم تجب، على ما يبدو أنها تغط في نومٍ عميق، وهذا ما أدهشه بحق. فمد يده يهز ذراعها برفق وهو يكرر: ـ يا آنسة.. اصحي بقى كل ده نوم؟ فتحت عينيها ببطء، وما إن لمحت قدماه التي تقابل عينيها حتى فتحت عينيها على آخرهما ونهضت فجأة وأخذت تحدق به بعينين مذعورتين وهي تقول: ـ انت عايز مني إيه؟
ضحك متعجبًا هيئتها الخائفة، وسحب المقعد وجلس مقابل السرير وهو يقول متهكمًا، متعمدًا إثارة غيظها: ـ واضح إن النومة عندنا مريحة لدرجة إنك بقالك يومين نايمة، يا رب الخدمة عندنا تكون عجباكي. نجح فيما كان يرغب في فعله، حيث أنها سددت نحوه نظرات جحيمية وهي تقول بحدة: ـ بقالي يومين نايمة لأن سيادتك خدرتني وأنا مش سهل أفوق من أي مخدر بسهولة، مش لأن القعدة هنا عجبتني ولا حاجة.
تنهد مطولًا وهو يهز رأسه بهدوء يخفي بداخله وعيدًا مؤجلًا وقال وهو يستهدف عينيها الفريدتين ويقول: ـ مسيبتوش قدامي حل غير كده. زفرت بيأس وقالت: ـ وأنا قولتلك إنك لو فضلت خاطفني من هنا للسنة الجاية ده مش هيغير حاجة! مال نحوها بتحفز وهو يلقي بحدة صارمة: ـ لا هيغير كتير، ومتتعشميش إنك تخرجي من هنا قبل ما نغم ترجع. مفهوم ولا لأ؟ ونهض واقفًا فهتفت بصوت عالٍ أشبه بالصراخ: ـ وافرض مرجعتش؟! ـ انتِ كمان مش هترجعي.
ألقاها بجمود جعلها تتيبس بمكانها بصدمة، فتجاهلها ثم أشار للطعام قائلًا: ـ يلا افطري بدل ما تقعي من طولك، كُلي كويس عشان اليومين الجايين محتاجينك تبقي بصحتك. تذكرت أنها لم تأكل منذ يومين فعلًا، وفي نفس اللحظة انبعثت أصوات معدتها تخبرها أنها على شفا الانهيار، فنظرت إلى الأطباق الموضوعة أعلى الصينية باستسلام، سرعان ما تحول إلى تعجب، وارتسمت ملامح النفور على وجهها وهي تشير بسبابتها نحوها وتتساءل: ـ إيه ده؟
لم يجهل نظرة النفور بعينيها، ونظر إلى الصينية وأخذ يعدد: ـ فضلة خيرك فطار معتبر، عِجة وبصارة وبطاطس ومسقعة. كانت على وشك الإصابة بانهيار عصبي من مجرد سماع أسماء الأطباق، ونظرت إليه بتيه وهي تقول: ـ لأ مستحيل.. أنااا.. أنا مقدرش آكل الأكل ده، ممكن يحصلي تسمم!! رفع حاجبه مجددًا وهو يتفحص ملامحها الفاتنة بتعجب وقال: ـ تسمم إيه؟! ما أنا بقالي تلاتين سنة باكل من الأكل ده وقدامك أهو زي الفل.
هنا تدخلت عائشة التي كانت تقف بالقرب من الباب وتساءلت بشفقة لما بدا الإعياء واضحًا عليها: ـ طيب يا بنتي نعملك إيه تاكليه؟ ما هو لازم تاكلي انتِ بقالك يومين على لحم بطنك! تنهدت بعجز، ورضخت أخيرًا لاستغاثات معدتها، ثم نظرت إليها وقالت باستسلام: ـ خلاص هفطر وافل أو كرواسون وأي عصير فريش.
نظر إلى والدته وتبادلا النظرات المستفهمة، ثم نظرا إليها مجددًا باستغراب بينما هي تنظر إليهم باستغراب مماثل. فانسحب هو من أمامها ونظر إلى والدته قائلًا: ـ بقوللك إيه ياما، طقّشي لها بيضتين! وتركها وخرج من الشقة وهو ينزع هاتفه من جيبه ويجيب ذلك الاتصال اللحوح من فيفي وهو يقول بضجر: ـ نعم يا فيفي خير متلهوجة على إيه عالصبح؟ ـ تعالى لي دلوقتي حالا يا حسن!! ـ في إيه اخلصي أنا مش فاضي لك.
ـ محروس قاللي إنك خدت عربيتي السودا من الجراج أول امبارح بالليل، صحيح؟ ارتبك للحظات، ثم أجابها بقوة: ـ أيوه صحيح. ـ و ليه مقولتليش؟ ـ وأقول لك ليه؟! كنت رايح مشوار مهم واحتاجت العربية، فيها حاجة دي؟ ـ لأ أبدًا مفيهاش حاجة بس واجب كنت تعرفني، انت عارف إن العربية دي بالذات أنا مش بخرجها من الجراج إلا للمناسبات، طيب كنت خد التانية. فأجابها بضجر وهو يقول:
ـ أهو اللي حصل بقا يا فيفي، أحمد زي الحاج أحمد.. دي عربية ودي عربية، وبعدين هو إحنا بيننا الكلام ده ولا إيه؟ أومال فين بقا انت المدير وانت صاحب المصلحة والمال مالك والأونطة اللي بأكلها فطار وغدا وعشا منك كل يوم دي. تراجعت حدتها وأردفت بنعومة مفتعلة: ـ أكيد يا أبو علي، أنا وكل ما أملك تحت أمرك. ـ لما نشوف. ـ طب بقول لك إيه، مش هتيجي؟ ـ ما تتهدي بقا يا فيفي عالصبح، انتي مش وراكي شغل؟
وأنا كمان ورايا شغل ومشاوير مهمة لازم تخلص. ـ بشوقك يا سونة.. بكرة شوقك يجيبك. أنهى الاتصال وهو يزفر بضجر وانزعاج وهو يتمتم: ـ يخرب بيت أبوكي مرة عاملة زي اللزقة. *** كان فريد يجلس في مكتبه، يحاول لملمة شتاته بأي طريقة ولكنه فشل، يحاول أن يصب كامل تركيزه على الملفات و كومة الأوراق المكدسة أمامه ولكنه لا يستطيع.
ترك القلم من يده، وأخذ يضغط بين عينيه بتعب وارهاق، ثم تنهد بيأس، ونهض من مقعده، دخل إلى غرفته الموجودة بالمكتب وقام بتبديل قميصه أملًا منه أن يتجدد نشاطه، ثم قام بتحضير قدح قهوة مضاعفة خالية من السكر كما يفضل، وعاد إلى المقعد من جديد، وأمسك بملف يجمع تحديثات جديدة لمشروعه الأخير، وحاول أن يمعن النظر به ويقرأه جيدًا. استمع إلى طرقات على صوت الباب فأمر الطارق بالدخول، فدخل أيمن مبتسمًا وهو يقول:
ـ حمدالله على السلامة يا فريد بيه. أومأ وقال: ـ الله يسلمك يا أيمن، متشكر. وضع أيمن أمامه جدول أعمال اليوم وقال: ـ ده جدول بمواعيد الاجتماعات والمقابلات الضرورية، حضرتك طلبت أجمع كل المواعيد المهمة. قاطعه فريد بإيماءات متعددة، وأخذ ينظر بالجدول أمامه وهو يقول: ـ في اجتماع كمان ساعة! أومأ أيمن مؤكدًا وقال: ـ ممثل شركة إن تك كان طالب مقابلة من أسبوع، بس حضرتك مكنتش متواجد بالشكل المطلوب فأجلناها.
ـ أوكي.. بلغه يكون موجود كمان نص ساعة وأول ما يوصل بلغني. ـ تحت أمرك. فنظر فريد مجددًا إلى جدول أعماله وقال: ـ بالنسبة لعشاء العمل مع الوفد الروسي احضره إنت، أنا مش هقدر أكون موجود بالليل.. وابعتلي ملخص الاتفاق على الإيميل وأنا هدرسه بعدين. ـ اللي تشوفه حضرتك، واضح إنك مرهق جدًا.. لو تحب نأجل اجتماع الساعة ٦ مفيش مشكلة. ـ لأ مش هينفع نأجل تاني. أنا بس محتاج أفصل شوية قبل الاجتماع ومش عاوز إزعاج.
هم أيمن بالخروج، ولكن فريد استوقفه قائلًا: ـ لحظة يا أيمن من فضلك. التفت أيمن نحوه ووقف بمكانه، فوجد فريد ينهض من مكانه ويتقدم منه، ثم وضع يده على كتفه وقال: ـ أنا آسف إني نسيت أشكرك على وقفتك جمبي ووقفتك لوحدك في الشركة المدة اللي فاتت دي كلها، إنت أجدع صاحب أنا عرفته بجد. اهتزت ابتسامة أيمن، ونظر إليه قائلًا:
ـ ده شغلي وبتقاضى أجر عليه ولازم أعمله على أكمل وجه يا فريد بيه، وبعدين حضرتك ليك جمايل كتير عليا ومهما أعمل عشانك مش كفاية. ابتسم فريد بتقدير وقال: ـ متشكر جدًا.
غادر أيمن بينما عاد فريد إلى مكتبه، أمسك بالملف وهو يتمتم مستغفرًا، محاولًا العمل بجدية ولو لقليل، ولكنه وجد نفسه بعد دقائق يترك الملف من يده ثم فتح درج المكتب، وأخرج ذلك القرص المدمج الذي احتفظ بتسجيل فيديو الحفل عليه، وضعه بالحاسوب وفتح المقطع، وأخذ يشاهد لحظة دخول نغم إلى الحفل، كانت تبدو مرتبكة، تفرك يديها ببعضهما وهي تتطلع حولها بتوتر، ثم اقتربت نحوه، وقفت أمامه، ومنحتهُ أحلى قبلة كان ليحصل عليها من امرأة، قبلة كانت هي الأولى بالنسبة لكلا منهما، قبلة كلما تذكرها طاف مذاقها الحلو فوق شفتيه من جديد.
تنهد بيأس وهو يغلق الحاسوب ويسند رأسه على ظهر المقعد، وأغمض عينيه للحظات ومن فرط إرهاقه ارتخى جسده ودخل في سبات لحظي، ليراها بين ذراعيه، يتبادلان الهمسات المحمومة ويتشاركان لحظاتٍ خطرة للغاية، وفجأة فتح عينيه ونفض رأسه بضيق، ثم نهض من مقعده وهو يستعيذ لكي يصرف ذلك الشيطان الذي صورها إليه بتلك الطريقة، ثم دخل إلى الحمام الموجود بالغرفة الملحقة بالمكتب، ووقف أمام الحوض، ثم انحنى وغمر رأسه بالماء البارد، واستقام ينظر لنفسه في المرآة باستياء، وكم شعر بالضيق من نفسه في تلك اللحظة.
خرج إلى المكتب من جديد، وجلس يحاول صرف تركيزه عن ذلك الحلم الذي لا تتعدى مدته دقيقتان ولكنه استحوذ على كل جوارحه، فتذكر نصيحة الطبيب له عندما نصحه بإنشاء موضع ألم لكي يساعده في صرف تركيزه عن أي فكرة وسواسية لا يرغب فيها، فأخذ يضغط على باطن رسغه بقوة إلى أن شعر بالألم وقد غزا جميع خلاياه العصبية وجعله يئن متألمًا وهو ينظر إلى أثر تلك الكدمة الحمراء التي تركها إبهامه عليها.
زفر بهدوء، ثم أخذ يدون بعض الملاحظات الخاصة بالمشروع الجديد، ولكن هاتفًا وردهُ فجعلهُ يتوقف عن الاسترسال، ثم أجاب الاتصال بصمت ليصله صوت شاب يتساءل: ـ حضرتك فريد بيه؟ ـ أيوه، مين حضرتك؟ ـ أنا دكتور هلال صاحب الصيدلية. وقبل أن يستكمل الدكتور قاطعه فريد بلهفة، وهب واقفًا وهو يقول: ـ أيوه أيوه افتكرتك، ها شوفتها؟
ـ أيوه.. هي دلوقتي موجودة عندي في الصيدلية بس طبعًا متعرفش إني بكلمك. بس يا ريت حضرتك تيجي في أسرع وقت لأني مش عارف أسيطر عليها وعمالة تزعق ومنفعلة جدًا. ـ تمام.. مسافة السكة وهكون عندك، مع السلامة. أنهى فريد الاتصال، وغادر مكتبه مسرعًا، فتح الباب فاصطدم بأيمن الذي كان بصدد الدخول إليه وهو يقول: ـ الاجتماع بعد عشر دقايق يا فريد بيه. ليجيبه فريد وهو يهرول نحو المصعد: ـ أجله وقت تاني يا أيمن.
مط أيمن شفتيه بيأس وهو يتطلع في أثر فريد الذي كان مستعدًا قبل قليل للاجتماع والآن يطلب تأجيله، ثم تنهد بقلة حيلة وهو يعود إلى مكتبه لكي يبلغ أعضاء مجلس الإدارة والضيوف بإلغاء الاجتماع. *** ـ ممكن أعرف انت حابسني هنا ليه؟ إنت عبيط في دماغك؟! قالتها نغم وهي تنظر إلى الطبيب بعصبية، فنظر إليها وتنهد بيأس، فأردفت وهي تقترب منه أكثر وتقول بحدة: ـ ما تتكلم بدل ما أهد الدنيا فوق دماغك. رأته يتأفف بصمت فنظرت إليه بغيظ وقالت:
ـ انت كمان هتنفخ، يعني خاطفني هنا وبتنفخ، طب إيه رأيك بقا إني هصوت وهلم الدنيا كلها عليك وهقول لك إنك خاطفني. ـ يا ستي اهمدي بقا انتي كمان خاطفك إيه!! اصبري شوية وانتي تفهمي كل حاجة. تنهدت بعمق وأخذت تنظر حولها وهي تتمتم بانفعال: ـ اللهم طولك يا روح.
استسلمت عندما رأته يتابع عمله بهدوء ولا يحاول التعرض لها، فقررت الالتزام بالصمت إلى أن يظهر ما يتطلب عكس ذلك، مرت بعدها لحظات ثقيلة جدًا، كانت تتخيل فيها كل السيناريوهات المرعبة التي من الممكن أن تحدث، ولكن ما رأته جعل عقلها يتوقف عن العمل والتخيل تمامًا، رأت سيارة فريد تصطف أمام باب الصيدلية، ثم نزل هو منها وتوجه نحوها.
خفق قلبها بقوة، وأخذت تنظر إليه ثم إلى الصيدلي الذي تنهد بفراغ صبر عندما رأى فريد. لا إراديًا امتدت يداها تهندم شعرها وملابسها بارتباك، وتعلقت عيناها بالباب الزجاجي الذي انفرج وظهر من خلفه فريد، بدا وجهه شاحبًا بشكل مقلق، يدل على أنه لم يذق طعم الراحة خلال الأيام الماضية، ارتبكت لما تلاقت أعينهم ورأته يتفرسها بطريقة أثارت جدلًا واسعًا في قلبها، فتخطاها وشكر الصيدلي، ثم أخرج من جيبه ظرفًا ووضعه أمامه وهو يقول:
ـ متشكر جدًا. واتجه نحو نغم، وقف أمامها يطالعها بنفاذ صبر وقال: ـ اتفضلي قدامي. نظرت إليه بتعجب، ثم إلى الصيدلي الذي ينظر نحوهما باستغراب وقالت: ـ إنتوا متفقين مع بعض بقا!! أشار إليها وقال بلهجة آمرة تعجبتها: ـ من فضلك امشي قدامي من غير ولا كلمة.
وسار للخارج وهو يمسك بيدها رغما عنها ويسحبها للخارج، دار حول السيارة وفتح الباب وأشار لها بالدخول ففعلت بصمت، ثم عاد إلى مقعده وصفق الباب بقوة، وسحب نفسًا طويلًا ملأ به صدره استعدادًا لمواجهتها، ثم نظر إليها قائلًا: ـ ممكن أعرف بقا إيه اللي عملتيه ده؟ هو انتي مش هتبطلي جنان؟ نظرت إليه بضيق وقالت: ـ أنا اللي المفروض أسألك إيه اللي عملته ده؟ وبعدين عرفت منين إني هاجي هنا؟ نظر إليها بضيق وانزعاج وهو يقول:
ـ لأني عارف بتفكري إزاي، بتفكري بطريقة مفيش طفل صغير عنده عشر سنين يفكر بيها. نظرت إليه بغيظ فأردف: ـ يعني عارفة ومتأكدة إن حسن بيدور عليكي في كل مكان تقومي برجليكي تيجي لحد المستشفى اللي خالتك بتتعالج فيها وعارفة إنه بيكون معاها، يعني احتمال كبير جدًا يشوفك.. ومع ذلك جاية وكأنك بتقولي له أنا أهو. تنهدت بانزعاج وقالت: ـ مكانش قدامي حل تاني، خالتي وحشتني وعايزة أشوفها.
ـ وأنا هخليكي تشوفيها، بس بالعقل.. من غير ما تأذي نفسك وتوقعي نفسك في كارثة. نظرت إليه بلهفة وهي تقول: ـ بتتكلم جد؟ هتخليني أشوفها؟ أومأ بهدوء فابتسمت واللمعت عينيها بحماس، فابتسم لاإراديًا ولكن تلك الابتسامة سرعان ما زالت عندما رآها تنظر نحوه بغيظ وتتساءل: ـ إنت عرفت منين إني هنا؟ تنهد وأخذ يسرد عليها ما حدث بالتفصيل فقال:
ـ قلبي حس إنك هتحاولي تيجي هنا عشان تشوفي خالتك، بصراحة مكنتش متأكد ولكن كانت مجرد محاولة، ما انتي مشيتي فجأة.. ولا كنت عارف عنوان أروحه ولا حد أسأله.. كل اللي أعرفه إن خالتك بتكون موجودة في المستشفى تلت أيام في الأسبوع، عشان كده قابلت دكتور هلال صاحب الصيدلية وطلبت منه لو شافك يتصرف ويبلغني فورًا. وتابع وهو ينظر إليها بحنق ويقول:
ـ كنت عارف إنك هتعرضي نفسك للخطر عادي جدًا بدون ما تتعبي نفسك وتفكري لخمس دقايق بس، وعلى فكرة مش دكتور هلال بس اللي طلبت منه يبلغني لو شافك.. ده كل المحلات اللي في الصف اللي قدام المستشفى. ضحك فضحكت وتمتمت: ـ إنسان غريب. ـ وإنتي أغرب.. اتفضلي سيادتك دلوقتي حالا قوليلي مشيتي ليه وإزاي تمشي كده منك لنفسك؟ أطرقت برأسها أرضًا، ثم قالت وهي تتذكر ما قالته چيلان ونطقت بخيبة أمل: ـ لأن ده الصح. ـ و ليه مقولتيليش إنك ماشية؟
لأنك عارفة إني مش ممكن أسمح لك تمشي مش كده؟ انتهزتها فرصة، فنظرت إليه وقالت: ـ ليه؟ ـ ليه إيه؟ تساءلت وهي ترجوه بعينيها أن يمنحها إجابة ترشدها لبر الأمان: ـ إيه اللي يخليك تمنعني أمشي؟ صمت لقليل، حاول أن يصرح لها عما يشعر به، ولكن قبل أن يجيبها كانت قد نطقت وقالت بحزن: ـ لأنك مصمم تعرف مين ورايا مش كده؟ متمسك بوجودي في الڤيلا لأنك مش مصدقني ومصمم إني بتجسس عليك لصالح حد. قطب جبينه متعجبًا وقال: ـ إيه الكلام ده؟
أكيد لأ. تجمعت الدموع بعينيها وهي تتذكر ما قالته چيلان عن علاقتهما وارتباطهما العاجل، وتحدثت إليه بغضب وخيبة الأمل ترسم انعكاسها على وجهها: ـ أكيد أه.. مع إني قولتلك من البداية على كل حاجة بس انت مصدقتنيش وبتحاول تفهمني إنك واثق فيا بس الحقيقة غير كده. سالت دمعاتها فاضطرب أكثر، ونظر إليها بتردد ثم قال: ـ اللي بتقوليه ده مش صح أبدًا يا نغم، أنا صدقتك لأني عايز أصدقك، ووثقت فيكي ومتأكد إن ثقتي فيكي في محلها.
أومأت بتهكم وقالت: ـ والله كتر خيرك. قطب جبينه مجددًا وتنهد باستياء وقال: ـ نغم.. خليكي مباشرة لو سمحتي وقولي عايزة تقولي إيه! نظرت إليه بحدة وفجأة ألقت بدون تمهيد: ـ انت فعلًا بتحب چيلان وهتخطبها؟ قطب جبينه متعجبًا وقال: ـ مين اللي قال لك كده؟ ـ چيلان!! تنهد بضيق وقال: ـ وقالت لك إيه تاني؟ تجهمت ملامحها وقالت:
ـ وقالت لي إنك متمسك بيا عشان تعرف بس مين اللي ورايا.. وإنها متأكدة إن حد زاققني عليك.. ولمحت كمان إن بينكوا حاجة. قطب جبينه بتعجب وتساءل: ـ حاجة زي إيه؟ رفرفت بأهدابها بتوتر وهي تنظر بعيدًا عنه فقال باستدراك: ـ وانتي زي الهبلة صدقتي مش كده؟ نظرت إليه متفاجئةً، وتمتمت: ـ متقولش هبلة. فأضاف بقليل من المرح:
ـ للأسف يا نغم دي الحقيقة واحنا مخبيين عليكي، انتي فعلا هبلة ومجنونة كمان.. كل اللي يقولك كلمة تصدقيها، كل اللي يقول لك حاجة تعمليها.. بتثقي في أي حد ثقة عمياء.. مع إني حذرتك قبل كده وقلت لك بلاش تدي الأمان المطلق للناس وخليكي حذرة.. فضلت تهزي راسك وتقولي فاهمة فاهمة واتضح إنك كنتي بتاخديني على قد عقلي. شعرت بالحرج لتوبيخه لها بتلك الطريقة، ولكنها لم تفلح كذلك في إخفاء ابتسامتها فتساءلت:
ـ أفهم من كلامك إن اللي قالته چيلان كدب؟ قطب جبينه وتساءل: ـ اللي هو إيه؟ ـ إنك بتحبها وهتخطبها؟ فأردف متصنعًا الجدية: ـ لأ الجزئية دي بالتحديد صح. تراجعت ابتسامتها وبهتت ملامحها من جديد فانفجر ضاحكًا بقوة ضحكة رنانة أسرت عقلها وقلبها، وجعلتها تهيم في ملامحه بتيه. أطالت النظر إليه وهي تقاوم تلك الرغبة المجنونة التي تلح عليها لعناقه والاعتراف له أنها قد اشتاقته حد الهلاك.
ـ انتي مش معقولة بجد.. والله هتجننيني.. يا بنتي أرجوكي لازم يكون عندك ثبات انفعالي شوية، انتي كده هتضيعي نفسك وتضيعينا معاكي. تنهدت بغيظ مكتوم، وأشاحت بوجهها جانبًا فحمحم ثم قال: ـ طيب عالعموم أنا آسف متزعليش، أنا بهرج معاكي مش أكتر. أجابت بضيق: ـ خلاص مفيش حاجة. ـ طيب مش هتقوليلي بقا كنتي فين اليومين اللي فاتوا؟ نظرت إليه وجحظت عينيها بصدمة وهي تقول: ـ عم اكرامي!!!! ـ مين عم اكرامي؟ ـ هحكيلك بعدين.. اتحرك بسرعة. ***
توقف كما أمرته أمام كورنيش النيل، وأخذت تتطلع أمامها من خلف زجاج السيارة وهي تقول بارتياح: ـ الحمد لله لسه مجاش. ونظرت إليه لتجده في انتظار التفسير فقالت: ـ عم اكرامي ده راجل زي السكر.. عنده عربية بيعمل عليها بليلة ورز بلبن وحمص الشام.. عملت معاه موقف جدعنة كده فقرر يشغلني معاه.. وفتح لي بيته كمان كنت بات مع بناته ومراته. نظر إليها بتعجب يشوبه الضيق وقال: ـ كنتي باتي في بيت ناس متعرفيهاش؟ بالسهولة دي؟
فرفعت حاجبيها بتعجب وقالت: ـ على أساس إن إنتوا من بقية أهلي وأنا معرفش؟ تنهد يائسًا منها وقال: ـ أوكي.. بس على الأقل عرفتينا واتعودتي علينا وضمنتي إن محدش منا هيأذيكي، إنما عم اكرامي بتاعك ده تعرفيه منين؟ ـ أهو اللي حصل بقا. زفر وقال: ـ وبعدين موقف إيه اللي عملتيه معاه ده فقرر يساعدك؟ ابتلعت ريقها بتوتر وهي تقول:
ـ كان في واحد من الزباين بيحاول ينشله من غير ما ياخد باله، أنا بقا لقطته واديته من المنقي خيار.. وطبعًا بقية الزباين اتلموا عليه و كَل علقة مكلهاش حمار في مطلع. ابتسم وأخذ يحدق فيها مسحورًا، يشعر أنه يرى أمامها نغم مختلفة، أكثر شقاوة ومشاكسة، مختلفة عن نغم الهادئة الحزينة التي كانت عليها خلال بقاءها معهم. ـ طيب.. إحنا هنستنى عم اكرامي الجميل ده ييجي ونشكره، وبعدها هترجعي معايا على الڤيلا. اضطربت نظراتها مجددًا وقالت:
ـ مش هينفع للأسف، أنا كده مرتاحة أكتر، بشتغل وعايشة على قد فلوسي، وقريب هتصرف وأشوف مكان أقعد فيه.. حتى بطلت أفكر في الرجوع لخالتي.. يظهر إني خلاص انكتب عليا أعيش لوحدي. تنهد بضيق وقال متجاهلًا كل الحماقات التي تفوهت بها وقال: ـ إحنا هنستنى عم اكرامي ونشكره، وبعدها هنرجع على الڤيلا، تظبطي نفسك كده وتلبسي هدومك اللي مستنياكي هناك دي، وهاخدك ونروح نزور نسيم. اتسعت عينيها بحماس وهي تقول: ـ هي فاقت؟ أومأ مبتسمًا وقال:
ـ الحمد لله. تنهدت بارتياح وقالت: ـ والله كنت بدعي لها دايما. ابتسم بتقدير وأردف: ـ عارف.. وهي مستنية تشوفك على فكرة وبتسأل عليكي كل شوية. زمت شفتيها بتوتر وقالت: ـ بلغها سلامي وقول لها إني مبسوطة أنها اتحسنت. نظر إليها بإصرار وقال: ـ مش هبلغها حاجة، وهتيجي معايا بنفسك وتقولي لها كل ده. تنهدت بأسى وهي تنظر إليه برجاء وتقول:
ـ فريد.. عشان خاطري متغصبش عليا، أنا مرتاحة كده صدقني.. مش عايزة أرجع أعيش مع ناس مش قابلين وجودي، ولا أرجع أعيش عالة عليك وعلى أهلك.. ولا عايزة أرجع وأضطر أشارك سالم بيه في خطط وحكايات أنا مش قدها.. أنا ما صدقت رجعت لأصلي، رجعت لحقيقتي.. دي أنا.. دي نغم.. اللبس اللي عليا ده لبسي، والمكان اللي أنا فيه مكاني.. والناس اللي أنا قاعدة عندهم شبهي… أنا كده مرتاحة وراضية وحاسة إني مبسوطة أكتر. ابتلع ريقه بتوتر وقال:
ـ مش هينفع يا نغم.. أنا مش هقدر بعد ما لقيتك أسيبك تاني وأمشي. تنهدت وقالت: ـ لو على الاتفاق اللي بيننا فأنا لسه عند كلامي، وموافقة.. عرفني قبلها وأنا هجهز وأكون معاك في الحفلة. زفر مغتاظًا بنفاذ صبر وقال: ـ بردو هتقوليلي اتفاق؟!
شيلي موضوع الاتفاق ده من دماغك تمامًا، أنا خلاص مبقاش فارق معايا أعرف مين اللي عمل كده ولا عمل كده ليه.. أنا كل اللي فارقلي دلوقتي هو انتي.. مينفعش تفضلي شغالة على عربية البليلة دي ولا تفضلي قاعدة عند ناس متعرفيهاش.. وعلى العموم لو مش عايزة ترجعي الڤيلا فانا عندي حل تاني. نظرت إليه باستغراب وقالت: ـ حل إيه ده؟ ـ تيجي تقعدي عندي في بيتي. رفعت حاجبيها بتعجب وقالت: ـ نعم؟! ـ نعم إيه؟!
يعني بتثقي في عم اكرامي بتاع البليلة ومش بتثقي فيا؟ قالها متصنعًا الضيق فقالت: ـ مش حتة ثقة، بس على الأقل عم اكرامي معاه عيلته يعني مش قاعدة معاه لوحدي. ـ ومين اللي قال لك إنك هتقعدي معايا لوحدك؟ إنتي هتقعدي في البيت عندي وأنا هفضل زي ما أنا في الڤيلا.. وإذا كنتي مش عايزة حد يعرف إني لقيتك اطمني مش هقول لحد.. بس على الأقل أبقى مطمن عليكي وعارف انتي فين. تنهدت بحيرة، وأخذت تفكر طويلًا، ثم قالت باستسلام: ـ أنا موافقة.
تبسم بارتياح وقال: ـ كويس جدًا. نظرت إليه مجددًا وتساءلت: ـ ممكن أعرف إنت بتعمل معايا ليه كده؟ كان رجاءً أقرب منه إلى سؤال، ودت لو أجابها بتلك الإجابة التي تراها الآن في عينيه، ولكنه أجابها بمراوغة أحبطتها: ـ لأنك تستحقي كل خير، إنتي وقفتي معانا، مرة مع عمر، ومرة مع نسيم.. فأقل واجب إني أساعدك. تنهدت بهدوء وأومأت فقال: ـ هاا. يلا بينا؟ أومأت باستسلام وقالت: ـ يلا. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!