الفصل 2 | من 26 فصل

رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثاني 2 - بقلم مايسة ريان

المشاهدات
20
كلمة
4,522
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

اكتشفت زينة أن أكاذيب نبيلة لم تنتهِ عند هذا الحد، ففي الواقع لم يكن هناك زفاف من الأصل، وأنهما كانتا مسافرتان إلى الساحل الشمالي وليس إلى الإسكندرية كما ادعت. بل كانتا ذاهبتين لحضور حفل في فيلا يملكها أحد أصدقاء نبيلة، وكانت الفيلا في مكان منعزل ولها شاطئها الخاص على البحر. كان الضيوف من الأثرياء، يدل على ذلك السيارات الفارهة التي جاءوا بها، وكانتا هما الوحيدتين اللتين جاءتا بسيارة أجرة.

استغربت زينة أن نبيلة كانت تعرف معظم الحضور واندَمَجَت بينهم سريعًا كأنها واحدة منهم، وتساءلت زينة في نفسها: كيف ومتى تعرفت إليهم؟ توالت الصدمات على زينة عندما رأت نبيلة ترتدي ثوب سباحة فاضح وتستلقي على الشاطئ بلا حياء أمام أعين الشباب دون أن تبالي. لم تكن الوحيدة التي ترتدي هكذا، بل إن كل الفتيات كن يرتدين مثلها وأقل منها، ولكن نبيلة كان لها جسد جميل وهي تعرف هذا وتتباهى بما لديها.

ودت زينة لو كان لديها الجرأة والقدرة لتذهب إليها وتصفعها على وجهها وتجبرها على الرحيل من هذا المكان، ولكنها لا تستطيع أن تفعل هذا واكتفت بأضعف الإيمان. تعرفت زينة على بعض من الحضور، ولكنها لم تستطع مجاراتهم في الكلام أو المزاح، ففضلت أن تبقى وحيدة وجلست بعيدًا عن الجميع على أحد مقاعد الشاطئ. كانوا يقيمون حفل شواء وبالكاد تناولت الغداء.

عند الغروب، بَرَدَ الجو، فتركوا الشاطئ ودخلوا إلى الفيلا لتغيير ملابسهم والاستعداد لحفل المساء. وفي الغرفة التي خصصت لإقامتهما، أخرجت زينة ثوبها من الحقيبة وقد فارقها الحماس الذي كانت تشعر به في وقت سابق. قالت نبيلة ساخرة عندما رأت الثوب في يدها: –هل سترتدين هذا الشيء حقًا؟ نظرت إليها زينة بقلق وسألتها: –ماذا به؟ –موضته انتهت منذ قرن.. اتركيه.. معي فستان آخر سيكون واسعًا قليلاً عليك ولكنه أفضل من هذا الشيء.

أعادت زينة الثوب إلى علاقته بإحباط. انتهت نبيلة من تبرجها وارتداء ملابسها، وقد ساعدتها زينة في تجفيف شعرها وتصفيفه. وبطبيعة الحال، لم تستطع زينة التعليق على ثوبها الصغير جدًا، فهي كانت تعرف أنها ستغضبها ولن تستطيع منعها من ارتدائه. وبعد خروجها، بدأت زينة في ارتداء ملابسها بدورها. أخرجت الثوب الذي أخبرتها عنه نبيلة ولم تجد غيره في الحقيبة. وصُعِقَتْ لدى رؤيته: هل اعتقدت نبيلة حقًا أنها قادرة على ارتداء مثل هذا الثوب؟

كان بلا أكمام وبلا صدر تقريبًا وقصيرًا جدًا. ارتدته زينة لتجربته من باب الفضول، وكان واسعًا عند الصدر والردفين، وهاتان منطقتان تتميز بهما أختها عنها. وتذكرت مبتسمة عندما كانت مراهقة نحيفة جدًا تنظر إلى جسد أختها الكامل الأنوثة بحسد وإعجاب. وفي مرة، قامت بارتداء حمالة صدر من عندها وحشتها بالجوارب ليصبح لديها صدر كبير مثلها. واكتشفت نبيلة ما فعلته بمجرد أن نظرت إليها، فضحكت وسخرت منها وأخبرت أمها التي

قالت لها بابتسامة حنونة: –لا تتعجلي.. سوف تكبرين وجسدك سيتغير ويمتلئ مثل كل البنات. وعندما كبرت، امتلأ جسدها النحيف واستدار، ولكن لم يصل إلى درجة الأنوثة المتفجرة التي تتمتع بها نبيلة. خلعت زينة الثوب وارتدت ثوب صديقتها الذي كان من الحرير الصناعي، لونه أسود بأكمام طويلة من الشيفون. كان بسيطًا ورقيقًا. لم يكن مميزًا ولكنه جميل وقد أعجبها.

صففت شعرها البني الطويل الذي يصل إلى أسفل ظهرها بخصلات متعرجة ولكن ناعمة وكثيفة، ثم وضعت القليل من مساحيق التجميل، فقد كانت عازفة عن لفت الأنظار إليها. لاحظت زينة عند نزولها أن عدد المدعوين قد ازداد، وقد خصصوا مكانًا للرقص في منتصف القاعة. وسرعان ما لمحت نبيلة بثوبها الأخضر وهي تتنقل أثناء الرقص من شاب لآخر وهي تضحك بسعادة، فعبست زينة بقلق وحزنت من أجل والدها الرجل الطيب التقي.

كيف سيكون حاله لو رأى ابنته الوحيدة بهذا الشكل؟ وأمها.. المرأة الطيبة ربة المنزل التي لا تخرج من بيتها إلا لتذهب إلى سوق الخضار والتي حملت بها بعد أن فقدت الأمل في الإنجاب لسنوات. ماذا سيكون رأيها في تربيتها لابنتها؟ تركت زينة الفيلا بقلب مثقل بالحزن وخرجت إلى الشرفة ومنها إلى الشاطئ.

وكان الجو قد أصبح باردًا عما كان عليه في النهار، ولم تكن تملك سترة، ولكنها قررت البقاء في الخارج، فالبرد أهون عليها من رؤية أختها في هذا الوضع المخجل. جلست على الرمال وضمت ركبتيها إلى صدرها ونظرت إلى البحر الذي بدا مرعبًا بسواده القاتم. وكان الظاهر منه فقط هو تلك الموجات الصغيرة التي تأتي إلى الشاطئ لتلقي بزبدها الأبيض عليه، ثم تنحصر عائدة إلى الظلام لتعود مرة أخرى محملة بالمزيد، فهو بالنسبة لها عمل لا ينتهي.

أخرجها من تأملاتها صوت همسات، فأدارت رأسها إلى جهة اليسار التي يأتي منها الصوت، وقد شعرت بالخوف فقد كانت تظن نفسها وحيدة على الشاطئ. دققت النظر، وعلى بعد أمتار قليلة شاهدت شابًا وفتاة يجلسان على الرمال مثلها. الفتاة بثوب أحمر براق والشاب مستلقٍ على الرمال ويضع رأسه على حجرها، وكانت الفتاة تميل عليه وتقبله. شعرت زينة بالحرج الشديد ورمشت بعينيها غير مصدقة لما تراه وتساءلت: منذ متى وهما هنا وهي أيضًا هنا؟

وقفت بحدة لتترك المكان، فلفتت حركتها المباغتة انتباههما، ونظرا إليها غير مُفْزَعين أو مُحرَجين. فأسرعت الخطى عائدة إلى الفيلا وهي تسمع الشاب يقول شيئًا ما للفتاة جعلها تضحك. عادت زينة إلى داخل الفيلا حيث صوت الموسيقى الصاخب، وبحثت بعينيها عن نبيلة فلم تجدها، وأنتابها القلق. فصعدت إلى غرفتهما لتبحث عنها ولم تجدها هناك أيضًا، فعادت إلى أسفل خائفة وقلقة من سبب اختفائها.

وصورة الفتاة والشاب على الشاطئ ما زالت في ذهنها وتخشى أن تكون.. ولكنها وجدتها قد عادت إلى قاعة الرقص، فهدأ خوفها. أشارت لها بيدها تحاول لفت انتباهها، ولكنها كانت مشغولة بمحاولة شد انتباه شاب لم تره زينة من قبل. يبدو أنه وافد جديد، فلا يمكن أن ينساه المرء إن سبق ورآه. كان وسيمًا.. لا.. بل كان جميلًا.. إن صح أن يطلق هذا الوصف على رجل. حتى أن زينة عجزت عن إشاحة نظرها بعيدًا عنه.

كان يرتدي قميصًا رمادي اللون من الحرير أو ما شابه، يفصل العضلات البارزة لصدره وبطنه المسطحة، وسروالًا أسود حيك خصيصًا من أجل ساقيه الطويلتين. بدا لها كملك يقف بين الرعية، وخاصة النساء منهم. لم تكن خبيرة حكم على الشخصيات، ولكن هذا الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره لا يمكن أن يكون عاديًا. كانت زينة تتأمله بتركيز شديد.. فضولًا أكثر منه إعجابًا، فقد شعرت أن تحت جماله الظاهري تختبئ القسوة لا اللين.

ولم يريحها أن ترى نبيلة وهي شبه ملتصقة به. ومع شرودها في تأمله، لم تلاحظ نظراته التي سلطها عليها إلا بعد أن وصلت بتفحصها إلى عينيه، فأجفلت واحمر وجهها حرجًا وأشاحت به بعيدًا عنه بسرعة، وراحت تلهي نفسها بمراقبة الراقصين حريصة ألا تنظر في اتجاهه مرة أخرى. بعد فترة، شعرت زينة بالجوع، فأخذت طبقًا وضعت به القليل من الطعام وخرجت إلى الشرفة. وكانت قد بدأت في تناول طعامها عندما جاء صوت عميق هادئ من خلفها يقول: –مساء الخير.

ألتفتت إلى صاحب الصوت بدهشة، فطوال الحفل لم يعرها أحد اهتمامًا. وكاد أن يقف الطعام في حلقها عندما رأت أنه نفس الشاب الجميل الذي كانت تتأمله منذ قليل. حدقت به صامتة، فأبتسم قائلًا: –الجو بارد هنا. هزت رأسها موافقة، فمد يده ليصافحها وقال يعرف عن نفسه بابتسامة هادئة: –أنا اسمي خالد. ترددت للحظة قبل أن تمد يدها مضطرة وصافحته، ثم سحبت يدها بسرعة قبل أن يتسنى له الضغط عليها بأصابعه.

رفع حاجبيه بدهشة ولكنه لم يعلق وسألها مازحًا: –ألن تقولي لي اسمك؟ قالت بارتباك وهي تدعو أن يخرج صوتها طبيعيًا: –اسمي زينة. اتسعت ابتسامته الرائعة وقال: –اسمك جميل يا زينة وكذلك صوتك.. مع من أنت هنا؟ –مع نبيلة أختي. عبس يفكر وكأنه لم يسمع بهذا الاسم من قبل: –نبيلة؟ لا أعتقد أنني أعرف أحدًا بهذا الاسم. كيف لا يعرفها وقد كانت تقف معه منذ لحظات ملتصقة به تقريبًا؟ فقالت بتوتر:

–بالتأكيد ليس من الضروري أن تكون على معرفة بكل الموجودين هنا. ردد كلماتها الخرقاء مازحًا: –بالعكس.. يجب أن أكون على معرفة بكل الموجودين.. وهذا ما جعلني آتي خلفك لكي أتعرف عليك.. لأنك في الحقيقة ضيفة عندي. أربكها رده وأشعرها بالخجل. إذًا هذا هو صاحب الفيلا الذي لم يكن موجودًا عند حضورهما في الصباح، وكانت أختها قد شعرت بخيبة الأمل عندما لم تجده في استقبالها.

ولكن على حسب ما قاله لتوه، فهو لا يعرف نبيلة ويظن أنهما متطفلتان على حفلته. مدت له يدها بطبق الطعام، فأخذه منها مندهشًا وقالت بحرج شديد: –أنا آسفة جدًا.. لم أكن أعرف أن أختي جاءت من دون دعوة.. على أية حال، سوف نرحل حالًا. همت بالذهاب، فاستوقفها بلمسة من يده قائلًا بحيرة: –انتظري.. سترحلين إلى أين؟ –القاهرة.. نحن من هناك. قال ضاحكًا: –سترحلين لأنني سألتك عن اسمك؟ –لقد قلت أيضًا أنك لا تعرف أختي.

–صفيها لي.. هناك بعض من معارفي مسموح لهم بدعوة أصدقائهم. –كانت تقف معك منذ قليل.. تلك التي كانت ترتدي الفستان الأخضر. رفع حاجبيه بتعجب: –أنت تقصدين ناني؟ تنهدت براحة. ناني هو اسم التدليل الذي تفضله نبيلة عن اسمها الحقيقي والذي ترى أنه قديم ولا يناسبها، ولكنها ارتاحت على الأقل لأنه يعرفها. وقالت مبتسمة: –هذا هو الاسم الذي تحب أن ندللها به، ولكن أبي يرفض ويقول أن اسم نبيلة أجمل وله معنى وقيمة. ضحك ثم مد

لها يده بطبق الطعام وقال: –والآن أكملي طعامك. أخذت منه الطبق وانتظرت منه أن يذهب، ولكنه ظل واقفًا يتأملها بفضول. فشعرت بالضيق إضافة إلى الخجل، وكان يهم بالكلام عندما خرجت نبيلة إلى الشرفة وهي تقول بصخب: –خالد.. أنت هنا؟ نظرت إلى زينة بحدة وقالت: –آه.. لقد قابلت زينة. رد عليها وعيناه لا تفارقان وجه زينة: –لم تقولي أبدًا أن لديك أخت جميلة هكذا.

خشيت زينة للحظة أن تحرجها نبيلة أمامه وتنكر أنهما شقيقتان حقًا، ولكنها لم تفعل وتأبطت ذراعه وقالت مازحة: –خفت عليها منك.. لأنها ليست ند لك. لوى شفتيه وقال بخبث: –هل تقصدين أخافتها مني؟ ضحكت بدلال: –زينة غير معتادة على جوّنا هذا ومن الصعب أن تغير لها رأيها. لم تهتم زينة لما كانا يقولانه وودت لو يذهبا ويتركاها وحدها.

وقد ارتاحت عندما استطاعت نبيلة أخيرًا أن تقنعه بالدخول معها ليرقصا، فتنفسّت الصعداء وأخيرًا ستكمل تناول طعامها بهدوء. وما كادت تبتلع اللقمة الثانية حتى اندفعت فتاتان إلى الشرفة. تعرفت زينة على إحداهما، وكانت تلك هي نفس الفتاة التي رأتها على الشاطئ تقبل الشاب بلا حياء، وعرفتها بسبب ثوبها الأحمر اللامع. وكانت الآن منفعلة وغاضبة وهي تقول لصديقتها: –من تظن نفسها تلك الشحاذة النكرة لتقف أمامي.

حاولت صديقتها تهدئتها إلى أن لمحت زينة، فمالت على أذنها وهمست شيئًا ما جعلها تلتفت إلى زينة بحدة. غص حلق زينة بالطعام مرة أخرى وشعرت بالخوف من نظراتها الشرسة وهي تسألها: –أنتِ شقيقة ناني؟ ردت بتلعثم: –نعم. –قولي لها أن لا تأكل ما لا تستطيع هضمه.. وأنصحيها بأن تبتعد عن خالد فهي لا تعرف مع من تتعامل فهو..

ولكن صديقتها منعتها من المتابعة بأن جذبتها من ذراعها وهمست لها بشيء آخر جعلها تتوقف وتعود معها إلى الداخل بعصبية ظاهرة. وقفت زينة مذهولة لا تعرف معنى ما قيل أو ماذا أرادت الفتاة أن تقول لها قبل أن تمنعها صديقتها. هذا الموقف زاد من إحباطها وفقدت شهيتها، فوضعت طبق الطعام من يدها على سور الشرفة ودخلت إلى الفيلا وقررت أن تصعد إلى غرفتها لتنام وهي تدعو الله أن يأتي الصباح سريعًا وترحلا من هنا بسلام.

دارت زينة من حول الراقصين وكانت متوجهة إلى الدرج عندما اعترض طريقها شاب مخمور وسألها: –لما أنتِ كئيبة هكذا؟ انكمشت زينة مبتعدة عنه باشمئزاز، ورد عليه آخر ضاحكًا وهو يقترب منها بدوره حاملاً كأسًا به خمر: –لأنها لم تجد أحدًا يعطيها كأسًا. أجابه الآخر ضاحكًا: –نحن نعطيها. وقبل أن تستوعب ما يحدث، استدار الشاب الأول وأحاط بها بذراعيه من الخلف ليشل حركتها وهو يقول: –سأمسك أنا بها وأنت أسقها.

أقترب منها الشاب الآخر وقرب كأسه من فمها وهو يضحك. اتسعت عينا زينة رعبًا وهي تضم شفتيها بقوة. في ثوانٍ، أصبحت كلعبة بينهم، فقد تجمع حولهم بقية المدعوين يصفقون ويشجعون. حاولت زينة بيأس التملص من آسرها وراحت تتلوى بعنف وتدير وجهها يمينًا ويسارًا، تستميت حتى لا تلمس حافة الكأس شفتيها. ونتيجة لذلك، سكب الشاب الشراب على وجهها وملابسها، فشعرت بغضب شديد لم تشعر به من قبل في حياتها. فرفعت ركبتها وضربته بقوة ما بين ساقيه.

صرخ الشاب من الألم وهو يسقط بركبتيه على الأرض وسط عاصفة من الضحك. تركها الشاب الآخر الذي كان يكبلها وأسرع يختبئ خلف أصدقائه وهو يضحك بشدة. ملأت الدموع عيني زينة ونظرت حولها بيأس تبحث عن الوجه الوحيد الذي تعرفه وتأنس إليه. ورأتها تقف بعيدًا تنظر إليها بغضب وبجوارها وقف خالد يدخن سيجارة وهو يتابع ما يحدث لها متسليًا كالجميع.

كسرت زينة الدائرة المتحلقة حولها واندفعت إلى الدرج تصعده بسرعة وهي تبكي بحرقة من الإهانة والإذلال الذي تعرضت له على أيدي بضعة حمقى. لحقت بها نبيلة في الغرفة وراحت تعنفها بقسوة: –ما الذي حدث لكل هذا.. لقد كانوا يمزحون معك. ثم وصفت تصرفها بالتزمت المبالغ فيه. فقالت زينة بغضب وهي تبكي: –يمزحون؟ لقد حاولوا إجباري على الشرب. ثم أشارت إلى ثوبها المبلل والذي تفوح منه رائحة الخمر وتابعت بمرارة:

–انظري إلى نتيجة المزاح كما تسمينه.. يجب أن نرحل من هنا حالًا.. أنا لن أبقى بصحبة أمثالهم وما كان لنا أن نكون بينهم من الأساس. صاحت بها نبيلة بغضب: –ما كان لك أنتِ أن تأتي إلى هنا.. لولا أبي ومعارضته لما فكرت في دعوتك فأنتِ تخجلينني بتصرفاتك المعقدة. كان غضب زينة قويًا ولأول مرة تتهجم بالقول على أختها: –تصرفاتي أنا التي تخجلِك!! وماذا عن تصرفاتك أنتِ وتلك الأشياء التي ترتدينها بلا حياء؟

.. ومن تدعينهم بأصدقائك هم مجموعة فاسدين وأنتِ مثلهم فاسدة. ثم أخبرتها بالكلام الذي قالته لها الفتاة ذات الثوب الأحمر وتابعت باحتقار: –هل هؤلاء هم من تخجلين مني أمامهم؟ .. أنا التي يجب أن أخجل من وجودي معهم ولولا خوفي على صحة أبي وما يمكن أن يحدث له لأخبرته بما تفعلينه. قالت كل ما كان عليها قوله، فما كان من نبيلة إلا أن صفعتها بقوة على وجنتها. وقفت زينة مصدومة من تجرؤ نبيلة على ضربها.

وبعد خروجها، مسحت دموعها بعنف وبغضب ارتدت سترتها الجينز فوق فستان السهرة وحملت حقيبة ظهرها التي كانت تضع فيها ملابسها على كتفها وقررت أن ترحل من هذا المكان في الحال وأنها لن تنتظر حتى الصباح. تركت الفيلا عن طريق شرفة الطابق الأول والتي بها سلم يؤدي إلى الشاطئ حتى لا تجعل أحدًا يراها. الليل والقمر والنجوم.. صوت البحر ورنة كعب حذائها.. هذا كل ما كانت تراه وتسمعه. بدت الفيلات الأخرى مهجورة لا يسكنها أحد.

كان الغضب هو ما أعطاها الشجاعة لتخرج وحدها في هذا الليل البهيم، ولكن هذه الشجاعة المزعومة تبخرت بعد دقائق وبدأ الخوف والرعب يحلان محلها. سارت زينة مسافة طويلة يحثها عقلها على العودة وتأبى عليها كرامتها أن تفعل. خرجت من بوابة القرية السياحية تشيعها عيون حراس الأمن الناعسة، وتمنت لو يستوقفها أحدهم وينصحها بالعودة.

من بعيد تراءى لها الطريق السريع وظهيره الصحراوي الصامت المظلم على بعد مائة متر تقريبًا، فراحت خطواتها تتباطأ حتى توقفت تمامًا ونظرت برعب إلى السيارات التي تعبر بسرعة كالسهام على الأسفلت. وعاد عقلها للعمل: ما الذي هي بصدد القيام به؟ وتخيلت نفسها واقفة على الطريق تنتظر سيارة لتقلّها. وفي هذا الوقت من الليل.. ما نوعية السيارات التي ستقف من أجلها؟ وأخذت قرارها بأن تستدير وتعود من حيث أتت.

وفي تلك اللحظة تناهى إلى مسامعها صوت دراجة نارية تزأر من خلفها، فأستدارت ورأتها تقترب منها بسرعة كبيرة وتتجه نحوها مباشرة وكأن قائدها يقصد دهسها. فتجمدت في مكانها وقد شلت حركتها وأغلقت عينيها بقوة تنتظر لحظة الاصطدام. صرير مكابح الدراجة كان مرعبًا وعجلاتها تحتك بقوة بالأرض وتتوقف على بعد خطوات منها. فتحت زينة عينيها على اتساعهما ونظرت بذهول إلى خالد وهو يترجل عن الدراجة ويقترب منها بوجه غاضب: –هل أنتِ مجنونة؟

.. إلى أين تظنين نفسك ذاهبة وفي هذا الوقت من الليل؟ ردت بحدة وقد عاد إليها الغضب الذي شعرت به من إهانة ضيوفه لها في بيته وهو يقف متسليًا بما كان يحدث لها: –أي مكان هو أفضل لي من البقاء بصحبة أصدقائك السكارى. هدأ قليلًا وقال بلهجة اعتذار: –كانوا يقصدون المزاح فقط.. وأنا أعتذر عما بدر منهم وأعدك أن لا أجعل أحدًا يتعرض لكِ مرة أخرى. ما زالت نظراتها تحمل الشك والحذر بجانب الغضب، فتابع يقول بجدية:

–قلت أعدك.. لن يجرؤ أحد منهم على مضايقتك مرة أخرى. أطرقت برأسها. لقد ندمت بالفعل على تسرعها في الهرب وكانت تنوي العودة. رفعت رأسها ونظرت إليه بعيون دامعة وقالت بضعف: –سوف أعود معك فقط لأنني خائفة من أن أذهب وحدي. تجهم وجهه وقال: –أنتِ فتاة غريبة.. أو ربما أنتِ غريبة على محيطي أنا.. لقد نسيت أن هناك في هذا العالم أمثالك. ثم أردف ساخرًا عندما رأى عدم الفهم في عينيها: –كنت أظن أن من هن مثلك قد انقرضن منذ زمن.

همت لتسأله عما يقصد بأمثالها وقد أخذتها العزة بالنفس لتظن أنه يقصد تزمتها كما سبق لنبيلة ونعتتها به، ولكنه سبقها بالقول: –هيا بنا نعود قبل أن يفتقدنا أحد ويظن بنا الظنون. شهقت وقد احمر وجهها حرجًا، فضحك وقال: –أنا أمزح لا تقلقي. ابتسمت بخجل وتبعته حتى دراجته النارية وأمرها: –اركبي. تراجعت بحدة إلى الخلف فسألها: –هل تخافين؟ تلعثمت: –لا.. ولكن.. لا يصح أن أركب خلفك.

حدق بوجهها المحمر خجلًا للحظة دهشًا، ثم انفجر ضاحكًا، فشعرت بالضيق بسبب سخريته منها. إن كان يراها متزمتة كما قالت نبيلة فهذا شأنه، ولكنها راضية عن نفسها هكذا ولن تغير من مبادئها كي يرضى عنها المتحررون أمثاله. حاول أن يسيطر على ضحكه ويبدو جادًا عندما شعر بضيقها: –المسافة طويلة. صممت على موقفها قائلة: –لا شكرًا.. أحب المشي. لن تجرؤ على الركوب معه أبدًا.. هذه الفكرة مستبعدة تمامًا.

وتخيلت نفسها في إحدى أحلام اليقظة السريعة وهي تركب خلفه وتحيط خصره بذراعيها ووجهها يستريح على ظهره والدراجة تسير بهما بسرعة والريح تطير خصلات شعرها. إن مجرد التخيل جعل قلبها يقفز بين ضلوعها، فماذا سيحدث فيما لو كان واقعًا؟ لذلك أصرت على موقفها قائلة بعناد عندما رأت وجهه يعبس وكان يهم بمعارضتها: –سوف أسير على قدمي. استسلم خالد لإرادتها، وإن بدا متأففًا وهو يدفع دراجته بصعوبة ويسير بجوارها.

وأدركت أن الدراجة ثقيلة جدًا لتدفع هكذا، فأشفقت عليه قليلًا، ولكنها لم تكن لتتراجع. مرا من خلال البوابة عائدين، وعيون رجال الأمن التي كانت ناعسة غير مبالية منذ دقائق أصبحت الآن متسعة عن آخرها، يتلألأ فيهما مزيج مقزز من الخبث والسخرية. أحتقن وجهها وكأنها تسمع ما يدور في أذهانهم عنها. سألها فجأة: –إذا كانت طريقة حياتنا لا تروق لك.. ما الذي جعلكِ تنضمين إلينا؟ أجابت بصراحة والمرارة في صوتها:

–لقد كذبت نبيلة علي كما كذبت على والدينا.. كنت أعتقد أننا ذاهبتان إلى الإسكندرية لحضور زفاف صديقة لها، ولكني بدلاً من ذلك وجدت نفسي هنا. –آه.. فهمت. ثم ترنم قائلًا بسخرية: –وهكذا وجدت زينة البريئة نفسها داخل وكر الخطيئة. ثم راح يضحك بصوت مكتوم. فقالت بتلعثم: –لم أقصد.. لا أقصد إهانتك أو إهانة ضيوفك.. آسفة.. أنا فقط.. لوى شفتيه وقال وقد رفع كفه يمنعها عن المتابعة:

–لا عليك.. أفهم قصدك جيدًا وفي الحقيقة لا ألومك.. فبرغم أنهم أصدقائي إلا أنني لست بغافل عن عيوبهم والتي هي عيوبي كذلك. ثم سارا صامتين لفترة، وكانت أثناء السير تحاول أن تضع مسافة بينهما، فكان ينظر إليها من جانب عينيه وبدا متسليًا بحركاتها. وقالت في نفسها بعدما أصبحت خلفه بخطوتين: (هكذا أفضل) ولكنه توقف فجأة مما جعلها تصطدم به ثم ترتد بسرعة إلى الخلف متفاجئة وهو يقول:

–لقد تعبت.. لم أعد أقوى على دفع الدراجة أكثر من ذلك. –اركبي أنت. –وأنت؟ –كما أنا. ابتسم لها متملقًا: –لقد تعبت حقًا.. ألن تشفقي علي؟ ثم أمال رأسه إلى جانب واحد بحركة مداعبة، ففغرت فاها كالحمقاء تحدق في وجهه الوسيم وابتسامته الرائعة ببلاهة. ولكنها أجبرت نفسها على القول بصوت مبحوح: –لا. –لدي اقتراح.. سوف تجلسين خلفي دون أن تلمسيني وتتشبثين بالمقعد جيدًا وسأقود ببطء.. ما رأيك؟

نظرت إليه بثبات وزجرته بنظرة صارمة ثم استأنفت سيرها أمامه بخيلاء وهي تتساءل بحيرة: هل حقًا يقوم بإغرائها أم أنها تتخيل؟ قال متوسلًا: –أرجوكِ. ألتفتت إليه بحدة ورأت عيناه غارقتين في الضحك، فعقدت حاجبيها وزمت شفتيها. أشار هو إلى الدراجة وتابع: –جربي. نظرت إلى كرسي الدراجة النارية. كان كبيرًا وفكرت أنها تستطيع الجلوس خلفه دون ملامسته.

وبعد تردد هزت رأسها موافقة، فهي أيضًا قد تعبت وقدميها تؤلمانها بسبب الكعب العالي الذي لم يتسن لها الوقت لاستبداله. جلست زينة من جانب واحد بعيدًا عنه قدر استطاعتها وتشبثت بالمقعد بقوة وحقيبتها معلقة على ظهرها. إنها المرة الأولى التي تركب فيها دراجة نارية. سألها: –جاهزة؟ تنهدت وقالت: –جاهزة. انطلق ببطء فشعرت بالراحة وبدأ توترها يزول ومخاوفها تتبدد.

ولكن بعد بضعة أمتار زاد من سرعته بغتة، جعلتها تصرخ وتنزلق تجاهه وتتشبث بخصره بقوة مخافة أن تقع. جلجل صوته ضاحكًا وتردد صداه في ظلام الليل، فصرخت به غاضبة وتجاهل مطالبتها له بأن يتوقف. وصلا إلى الفيلا بسرعة، وذهب غضبها مقابل دهشتها عندما وجدت نبيلة تنتظرهما أمام باب الفيلا وتسرع إليها تعانقها وهي تبكي وتعتذر لها لما بدر منها وتخبرها:

–زينة حبيبتي.. كم قلقت عليكِ عندما ذهبت إلى الغرفة لأعتذر لكِ ولم أجدك.. كدت أموت من شدة خوفي لما قد يحدث لك. شعرت زينة بالأسف لما سببته لها من قلق وقالت بأسف: –آسفة.. أنا بخير. ثم التفتت إلى خالد وقالت بخجل: –لقد وجدني. ابتسم لها وقال: –من دواعي سروري. ابتسمت زينة ومن ثم أطرقت برأسها. فقالت نبيلة بمرح: –هيا بنا إلى الداخل. سأل خالد زينة: –هل ستنضمين إلينا؟ لم يكن هذا واردًا على الإطلاق، فقالت:

–شكرًا لك.. أنا متعبة ومعتادة على النوم باكرًا. لم يجادلها أي منهما. صعدت زينة إلى الغرفة عن طريق الشرفة، رافضة أن تمر عبر الصالة لمواجهة المزيد من أصدقاء نبيلة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...