تسمرت ملاذ في مكانها، مبهوتة من قربه، قلبها يرقص في صدرها بخوف وتوتر. سفيان كان مركزًا في عينيها، كأنه يقرأ في داخلها سطرًا سطرًا. لأول مرة في حياته يرى البراءة هذه متجسدة في إنسانة، ولأول مرة يتسحر من نظرة. مد يده برفق، حمل خصلة متمردة من شعرها، وقرب من أذنها، صوته واطئ بس ثقيل: "إيه يا قطة… لسانك اتاكل ولا إيه؟
عينه تركت عينيها ونزلت لشفتيها، قرب منها خطوة بخطوة، وهي تلخبطت. سيطرت عليها دوامة مشاعر غريبة… لحظة وافتكرت كل ما حصل بسبب وجودها في حياته: أهلها الذين رفضوها، ماضيه المظلم الذي لم تعرف عنه شيئًا، وصورته أمامها كقاتل لا يعرف الرحمة. فجأة دفعته بعيد بكل قوتها، ووقفت أمامه لأول مرة بدون خوف، صوتها عالٍ ومرتجف معًا: "ممكن أفهم حضرتك تريد مني إيه بالضبط؟!
أدخلتني في حكايات ليس لها أي علاقة بي… وتزوجتني غصبًا… وأهلي تخلوا عني بسببك! أنا الآن أقف أمام واحد غامض، لا أعرف عنه شيئًا سوى أنه قاتل! كانت تتنفس بسرعة وكأنها تغرق، أما سفيان… لم يكن يسمع أي كلمة مما قالته. كل تركيزه كان على تفاصيل، القميص الحريري الذي يغرق جسمها ويحدد كل تفاصيلها المهلكة. ملاذ أحست بنظراته التي تحاصرها، افتكرت فجأة أنها لابسة إيه. قلبها وقع وهي ترى عينيه تلتهمها.
في لحظة، سفيان تحرك كالعاصفة… قام فجأة، أمسكها ودفعها على الحائط. صرخة صغيرة خرجت منها وهي تحاول تبعده بيديها، لكنه أمسك يديها الاثنتين وثبتهما فوق رأسها، جسمه يضغط عليها، وبيده الأخرى حاوط خصرها بقوة وقربها إليه أكثر. قرب بشفتيه من شفتيها، ونبرته واطئة بس مشتعلة: "ستعرفين الآن… أنا أريد منك إيه."
وبعنف ممزوج برقة غريبة، انقض على شفتيها. قبلها قبلة مجنونة، فيها غضب ورغبة، فيها سيطرة وجوع، وهو لا يعطيها فرصة تلتقط نفسها… أما هي فكانت مصدومة، محبوسة بين يديه ونفسه. *** كانت نائمة على الكنبة، استيقظت على صوت جرس الباب يرن. قامت متلخبطة لبست الإسدال بسرعة وفتحت… وجدت كريم واقفًا أمامها بابتسامة دافئة. قال بهدوء: "عاملة إيه دلوقتي؟ أحسن؟ ردت بخجل وهي تطرح عينيها في الأرض:
"كويسة الحمد لله… وشكرًا على اللي حضرتك عملته معايا امبارح. الآن سألبس وأمشي." بمجرد ما أنهت جملتها، ملامح كريم تبدلت، قرب منها وقال بلهفة لا يستطيع إخفاؤها: "أمشي؟ تروحي فين؟! ده أنا صدقت لقيتك…" بلع ريقه وتنحنح، حاول إخفاء اندفاعه وقال بنبرة غاضبة قليلاً: "وبعدين تمشي تروحي فين؟ مستحيل أسيبك ترجعي لبيت أبوكي اللي قاعد مع شوية خمورجية! نهى رفعت عينيها عليه بضيق: "طب وأنا هقعد هنا في شقتك أعمل إيه؟!
إيه الرابط اللي يربطني بيك؟ كريم تنفس بعمق، قرب خطوة منها وصوته صار أهدأ لكنه واضح: "أنا سأخرج الآن… وبعد العصر تكوني جاهزة. سنخرج سويًا." وسابها وخرج وهي تنهدت وقعدت بقله حيله. *** عند ملاذ وسفيان: بعد ما خلاها تتجمد بين يديه… فجأة سابها، وهو نفسه لا يفهم كيف قدر أن يفعل ذلك. رجع خطوتين للخلف، عينه متعلقة بها كأنه يرى بداخلها شيئًا لا يريد أن يبينه. قال بصوت متحشرج قليلاً، فيه قسوة لكن وراءها وجع:
"أنا لن أؤذيكي يا ملاذ… بس إوعي تفكري إنك تعرفيني. أنا دنيتي سكة أخرى، سكة سوداء لا يمكن أن تسيري فيها معي." ملاذ واقفة أمامه، أنفاسها متلخبطة، عينيها كلها دموع بس في نفس الوقت فيها فضول: "طب لو مش عايزني… ليه أدخلتني حياتك أصلًا؟ ليه أخذتني من أهلي؟ هو سكت، نظر ناحيتها للحظة كأنه يريد أن يقول "لأني أحببتك"، بس ابتسم ابتسامة باردة وقال: "اعتبري نفسك مجرد ورقة في لعبة أكبر منك… وأكبر مني."
وبعدين اتجه للباب، بس قبل ما يخرج وقف ثانية، نظر عليها وهي لا تزال واقفة متوترة، وقال بهدوء شبه همس: "نامي يا ملاذ…" وخرج وقفل الباب وراءه، سابها محتارة بين حنيته وكلماته الأخيرة التي قالها. *** عند أدهم: كان جالسًا في مكتبه في المستشفى، عينيه محمرة من السهر والتفكير، يده تخبط بالقلم على الترابيزة بشكل هستيري، شكله بجد صار شبه المجانين.
ملاذ غائبة منذ فترة، وهاتفها مقفول… حتى نهى، أقرب صديقة لها، اختفت هي أيضًا منذ يومين. القلق يأكل قلبه. الباب فتح فجأة، دخل الرجل الذي عينه ليسأل ويجلب له أخبار ملاذ. شكله مرتبك، وصوته واطئ مليء بالرهبة: "دكتور أدهم… أنا سمعت خبر… بس مش عارف أقوله لحضرتك إزاي." أدهم هب واقفًا، أمسكه من ياقة قميصه بقوة عيونه كلها جنون: "انطق… في إيه؟! ملاذ حصل لها إيه؟ الرجل بلع ريقه وقال مترددًا: "الآنسة ملاذ… تزوجت."
الكلمة وقعت كسهم في قلب أدهم. وجهه احمر من الغليان، نفسه انقطع، رجليه خانته وقعد على الكرسي وهو ماسك رأسه بين يديه. همس بصوت مبحوح: "يعني إيه تزوجت؟ يعني راحت مني خلاص؟! مين… مين دا اللي خطفها مني؟ رفع رأسه فجأة، عيونه كلها نار، وقال للرجل بنبرة غضب هادي تخيف: "أريدك أن تعرف لي من الكلب الذي أخذها مني… كيف… ولماذا. وترجع تقول لي كل شيء." *** عند أهل ملاذ:
في بيت بسيط بس مليء بالحزن… أم ملاذ جالسة على الكنبة، عينيها منتفخة من كثر البكاء، ووجهها يبدو عليه الهزال. تنظر حولها كأنها تبحث عن ابنتها التي لم تعد معهم. الأب واقف عند الشباك، سيجارة منه مضاءة في يده، بس لا يسحب منها نفسًا… واقف صامت وعيونه تائهة، صوته مبحوح وهو يقول: "البنت دي وحشتني… وحشتني يا أم ملاذ. دي ملاذ روحنا… ما عندناش غيرها." الأم انفجرت في البكاء أكثر، مسحت دموعها وهي تقول:
"إزاي يا رب… إزاي آخدها في حضني تاني؟! دي راحت مني،! إزاي أعيش من غيرها وهي دمي ولحمي؟ الأب أمسك رأسه بيده، صوته مليء بالوجع والكسر: "البيت صار فارغًا… مالهوش طعم من غيرها. كل ضحكتها، كل خطواتها… راحت." دموعه نزلت غصبًا عنه، وهذا كان نادرًا جدًا منه… لأنه لم ينكسر بهذا الشكل.
وقال لها: "أنا متأكد أن ابنتك أُجبرت على الزواج هذا بس مش بيدي أعمل حاجة. قالت موافقة حتى لم تقل مكانها فين. أنا سأتجنن عليها لازم أشوف مكانها وأروح لها وأتكلم معها." *** بيت نهى –الصباح: كريم طلع السلم بخطوات ثقيلة، قلبه ثابت بس في عينيه نار. خبط على الباب جامد، حتى فتح له صبحي الغباشي… رجل سمين، عينه مليئة بالطمع، وصوته ناشف. دخل كريم وقعد أمامه بدون أن يرمش. صوته جاء واطئ بس فيه قوة:
"أنا جاي اليوم أقول لك كلام واضح… أنا أريد أن أتزوج ابنتك نهى." صبحي قعد يتفرج عليه لحظة وبعدين مالت شفتيه بضحكة رخمة: "تتزوج ابنتي؟ … طيب، تدفع كم يا باشا؟ كريم شد نفسه، نظراته كلها قرف من الكلمة. رفع حاجبه وقال ببرود: "زواج إيه اللي له ثمن؟ أنا جاي أطلبها مش أشتريها." صبحي مال لقدام، صوته غليظ ومليء بالجشع: "اسمعني جيدًا… ابنتي لن تخرج من هنا إلا بمليون جنيه. معك… تصير زوجتك."
كريم أمسك كوب الماء الذي أمامه، ضربه بقوة على الطاولة، الماء تناثر وعيونه اشتعلت غضبًا: "مليون؟ … سأعطيك المليون. بس مش عشانك أنت… عشان ابنتك تعيش مكرمة حتى لو أبوها باعها كالسلعة." صبحي توتر فجأة، أحس أن الكلام جد بزيادة. بدأ يتأتأ وهو يحاول تعديل جلسته: "أصل… أصل نهى ليست هنا الآن… كانت من أمس بالليل عند عمها… يعني يعني ليست موجودة." ضحكة باردة خرجت من كريم، ابتسامة كلها سخرية وهو ينظر إليه بنظرة قاسية:
"ابنتك أنا أعرف مكانها جيدًا… وهي في أمان. لا تقلق عليها… واليوم بعد العصر، أنا راجع ومعي المأذون… وهي ومعي الفلوس التي تتمناها." صبحي عيونه لمعت بالطمع رغم توتره، حاول إخفاء ارتباكه، وقال بسرعة: "عيوني يا باشا… المأذون والفلوس تأتي، والباقي عليّ." كريم وقف، عدل جاكيتُه ونظر إليه من فوق لتحت، صوته مليء بالاشمئزاز: "أنا سآخذها لتكون في حضن رجل يحافظ عليها… ليس في حضن واحد باعها بدون أن يسأل حتى أين ذهبت." ***
عند سفيان في الشركة: سفيان وهو جالس في مكتبه بالشركة أنهى آخر ورقة أمامه، نفخ وهو ينظر في الساعة. رن على واحد من الخدم وقال بصوت حازم: "اسمع… أحد يخرج يقول لملاذ تجهز، أنا مارّ عليها الآن." الخادمة ذهبت لملاذ، خبطت على الباب، ملاذ قامت مفزوعة من النوم، لا تزال تفوق. لبست الروب بسرعة فوق ملابسها وقالت بصوت مبحوح: "تفضل…" دخلت الخادمة بابتسامة هادئة: "سفيان بيه يقول لحضرتك أن تلبسي… لأنه مارّ ليأخذك."
ملاذ أغمضت عينيها لحظة، قلبها دق بسرعة، ابتسمت بصعوبة وقالت: "ماشي يا حبيبتي، شكرًا." الخادمة ابتسمت لها بحنان وخرجت. ملاذ وقفت أمام المرآة، عينيها مليئة بالقلق، دخلت تأخذ شاور سريع، لبست طقم شيك، لفت طرحتها، وقعدت تنتظر سفيان وهي من داخلها تشعر بخوف غير مفهوم. *** المشهد عند نُهى: نهى كانت جالسة في شقة كريم ملامحها متوترة وقلبها مليء بالقلق. فجأة سمعت خبطًا على الباب، قامت بسرعة تفتحه، ولقت كريم واقفًا أمامها.
نهى بصتله وقالت له: "أنا هفضل هنا لحد امتى؟ كريم ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يحاول يطمئنها: "اطمني… أنا روحت لباباكي دلوقتي." نهى فتحت عينيها بصدمة: "رُحت له؟! وقلت له إيه؟ كريم قرب منها خطوة، صوته هادئ لكنه مليء بالجدية: "طلبتك للزواج… ووافق." نهى دموعها لمعت وهي تبص له بذهول: "وافق؟! إزاي؟! كريم مسك إيدها برفق، عينيه كلها حنان: "ما تفكريش في إزاي دلوقتي… المهم إنه حصل." نهى: "بس أنا مش عايزة أتجوز بالطريقة دي."
كريم تنهد وقرب منها أكثر، وحط إيديه على خدها بلطف: "أنا عاوزك ومشاريكي والله وأنتي كمان محتاجاني عشان تبعدي عن أبوكي وتحسي بالأمان." نهى عينيها دمعت أكثر، وقالت بصوت مكسور: "أنا خايفة يا كريم… خايفة ييجي يوم وأندم." كريم بسرعة مسح دموعها بإبهامه، وصوته كان كله حنان: "لا يا نهى، مش هتندمي طول ما أنا جنبك." ابتسامة صغيرة طلعت على وجه نهى رغم دموعها، وحست للحظة إن خوفها مطمئنة عشان هتكون بعيد عن أبوها.
كريم قال لها: "جوازنا هيكون في السر لفترة وصدقيني هيجي يوم وأعلنه، متخافيش." أومأت نهى وقالت: "طالما باباها موافق مش مشكلة." *** سفيان روح على القصر أخد ملاذ ومشي قال بصوت هادئ فيه حنية غريبة: "تعالي معي… سأوديك عند أغلى حد في حياتي، لازم يشوفك." ملاذ تفاجأت من طريقته، بس فضولها غلبها، نفسها تعرف هو رايح بيها لمين. الطريق أخذهم لبيت ريفي شكله فخم، مليء بالهيبة والهدوء.
ركن سفيان السيارة ونزل، ماسك إيد ملاذ كأنه لا يريد أن يتركها. خبط على الباب، فتحت ست كبيرة في السن بابتسامة: "سفيان بيه! أهلًا وسهلًا، تفضل." رد عليها باحترام: "إزيك يا مدام صفية؟ عاملة إيه؟ وجدتك أخبارها إيه؟ "الحمد لله يا بني، صحتها صارت أحسن كثير… هي في الصالون تنتظرك." مسك إيد ملاذ ودخل بها. هناك، رأت ست كبيرة جالسة على كرسي متحرك، ملامحها مليئة وقار وحنان، ماسكة مصحف وتقرأ فيه. أول ما رأت سفيان، قفلت المصحف
وقالت بصوت مليء بالشوق: "صدق الله العظيم… سفيان! حبيبي." سفيان ترك إيد ملاذ، جرى عليها، باس إيدها وارتمى في حضنها: "وحشتيني أوي يا جدتي." ضحكت بدموع: "وأنت كمان، يا حتة من قلبي." ملاذ وقفت محرجة، لكن الجدة لاحظتها وقالت بابتسامة دافئة: "مين البنت الحلوة دي يا حبيبي؟ سفيان رجع لها، أخذ إيد ملاذ وقال بابتسامة هادئة: "دي ملاذ… مراتي." عيون الجدة لمعت، رحبت بها بحرارة: "أهلًا يا بنتي… نورتينا."
قعدوا شوية يتكلموا، وسفيان قام يعمل تليفون. الجدة مسكت إيد ملاذ وقالت لها بصوت مليء رجاء: "تعرفي يا بنتي… أول مرة أشوف في عيون سفيان أمل بعد ما اتكسر من اللي حصل له. مش هسألك اتجوزتوه إزاي ولا ليه… بس بطلب منك حاجة واحدة: تقفي جنبه وتساعديه، هو هيحكيلك كل حاجة في وقته." ملاذ هزت رأسها موافقة، بس عقلها تاه… مش قادرة تفهم هو إزاي بيجمع بين الغموض والقسوة، وفي نفس الوقت الحنان ده.
رجع سفيان وقال بهدوء: "يلا يا جدتي، لازم نمشي الآن، وأوعدك أجيلك أنا وملاذ ثاني قريب." قبل إيدها بحب، وقال: "مش هتيجي تعيشي معي بقى؟ ضحكت وهزت رأسها: "لا يا حبيبي… أنا مرتاحة هنا. خلي بالك من مراتك، شكلها بنت حلال وطيبة." سفيان أومأ باحترام، وأخذ ملاذ وخرج. ركبوا السيارة، والهدوء سيطر عليهم حتى لاحظ سفيان أن في سيارات وراهم. أمسك تليفونه بسرعة، يكلم الحراسة تأتي في الحال… فجأة دوى صوت رصاص يضرب السيارة من كل ناحية!
صرخة ملاذ ملأت المكان، وسفيان أمسك إيدها وهو يحاول السيطرة على الموقف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!