رواية ملحمة الحب والانتقام — الفصل 1 — بقلم ندي ممدوح
جأتني كغيث أغاث قلبي من ممات.
الليلُ يغشى المكان، القمرُ هلالًا يتوسط عنان السماء، تحيطُ به حاشيته من النجوم الثاقبة، حفيف الأشجار يتعالى بسبب ملاعبة رياحُ البليلُ له، في تلك اللحظة كان شابٌ يرتدي جُلباب صعيدي واقفًا يعالج مزلاج باب خشبي، ثم دفع بابه في قوة لينفرج عن بيتٍ بسيط.
استدار ياسر هاتفًا بلهجة صعيدية هادئة:
_ إتفضلوا أُدخلوا آني عارف مش قد المقام بس احتياطي لحد ما نشوف بيت أحسن، إهنا هتكونوا في أمان محدش هيقدر يقرب منيكم ولا يعرف ليكم مطرح.
فأندست مليكة للداخل، يعلو وجهها الإشمئزاز، وغمغمت بإمتعاض وعينيها تدوران في أنحاء المنزل البسيط الحال:
_ إحنا هنقعد هنا؟!
فحدجتها والدتها شزرًا بنظرة رادعة، بينما أجاب ياسر في هدوء متأن:
_ معلِشِ يا ست مليكة آني عارف إن البيت مش قد المقام ولكن إحتياطي لحد ما نشوف الدنيا واخدانا على فين، والقضية هترسي على إي.
حدقت أمل ابنتها وهي تقول بلهجة صارمة:
_ أدخلي جوة يا مليكة أنتِ وأختك.
ضربت مليكة قدمها على الأرض بضجر، ثم توجهت للداخل غاضبة وهي ترغي وتزبد.
التفتت أمل إلى ياسر الشاب الذي يعمل لدى زوجها في شركته، وقالت بأعتذار:
_ معلش يا ياسر متزعلش من مليكة.
فأجابها ياسر بلهجته الصعيدية:
_ أنا مستحيل أزعل منها، أنا همشي دلوقت، في وحدة هتيجي قريبتي عشان لو عزتوا حاجة.
فشكرته أمل وهي تشيعه إلى الباب:
_ شكرًا يا ابني، من غيرك مش عارفة كنا هنعمل إيه، كان زمانا في الشارع.
فعاتبها ياسر برفق:
_ لا عاد متقوليش كدا، دا كله من خير عمي محمد، ياما ساعدني، همشي أنا وكل ما ألاقي فرصة هاجي أطل عليكم، وإن شاء الله عمي هثبت برائته متقلقيش.
فردت عليه أمل بإيماءة من رأسها:
_ إن شاء الله يا بني، طمني عليه أول ما توصل.
غمغم ياسر وهو يتأهب للأنصراف:
_ هخليه يكلمكم بس مش دلوقت، بعد فترة كدا تكون الشرطة هديت ووقفت تدوير عليه، يلا فوتكم بعافية.
فأغلقت أمل الباب وراءه وهي تتنهد بثقل، وهمست بينها وبين نفسها:
_ يا ترى إحنا فين والدنيا مخبية لنا إيه، يا رب.
لحظاتٍ وكانت تُعد مائدة الطعام وتستدعي ابنتيها اللآتين حضرتا فورًا، فجلست ملك بينما جالت مليكة ببصرها على الطعام الذي على المائدة بمقت، وقالت برفضٍ تام:
_ أنا مستحيل آكل الأكل ده أبدًا.
فأسبلت أمل جفنيها كي تهدأ من إنفعالها، وهي تجيبها بحدة:
_ دا اللي موجود يا ست، عجبك كلي مش عجبك نقطينا بسكاتك وحلي عن نفوخي، كفاية المصيبة اللي إحنا فيها.
ثم تنهدت وهي تقول:
_ أدي آخرة دلع أبوكي ليكِ.
فتمتمت مليكة وهي تسير بعجل صوب الباب:
_ طيب كلوا انتوا بقا الأكل ده وأنا هنزل أشوف أي سوبر ماركت وأجيب أي حاجة.
والتقطت حقيبتها وهي تركض نحو الباب بينما أمها تهب بفزع هاتفة:
_ استني يا بت أنتِ، تعالي هنا نازلة فين وإحنا في مكان منعرفهوش؟!
لكن عبارتها ذهبت أدراج الرياح والباب يُغلق بقوة، بينما كانت مليكة تتلفت حولها وسط الظلام الدامس الذي يغشى المكان بغرابة، وهي ترتدي بنطال من الجينز الضيق يعلوه تيشرت ضيق ذو أكمام طويلة، وأخذت تسير في الطريق بوجل وقد تسرب الخوف إلى قلبها واستوطن، وهمت بأن تعود وما كادت تفعل حتى أدركت إنها قد نست أيُّ الطريقُ سلكت، فتوقفت في منتصف الطريق عالقة في الضياع ثم تناهى لها أصوات رجولية فتتبعت أثر الصوت وهي تصيخ السمع وتسترق النظر بحذر وجزع وثوانٍ ووجدت نفسها تقف أمام ثلاث شباب ذو جلابيب صعيدية، توقفوا عن الحديث ما أن وقعت أبصارهم عليها بهيئتها تلك، وقد تجمدت أعينهم عليها بغرابة وهم يفترسوها بنظراتهم الحادة الرجولية، تراجعت برعبٍ وقد سرت رعدة باردة في أوصالها ودب الهلع روعها؛ عندما تقدموا الشباب منها، ونطق إحدهما قائلًا بصوتٍ غليظ وهو يبلل شفتيه بلسانه:
_ ووه إيه القمر اللي هل علينا دلوق من غير إحم ولا دستور!
وغمغم آخر ببسمة ساخرة:
_ دي مش من هنا عاد أصبر نشوف القمر منين.
وألتفت إليها، متسائلًا بنظرة حادة:
_ أنتِ مش من إهنا يا بت إنتِ صُح؟
تسمرت مليكة عن الحركة وتخشبت أطرافها وهي تزدرد لعابها بخوفٍ، وبصوتٍ متهدج من الهم الذي اعتلج فؤادها قالت:
_ لأ.. أنا مش من هنا فعلًا.
ثم أردفت تقول وهي تستدير:
_ و.. وهمشي حالًا.
وقبل أن تطأ قدمًا، أو تتحرك خطوةً واحدة، وجدت كفًا خشنًا غليظًا يقبض بإحكام على معصمها، فأستدارت في هلعٍ نما فوق وجهها وصرخت به مقلتيها، وحاولت ان تفلت يدها من بين أصابع الشاب لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، وافرجت شفتيها عن قولٍ ما عاد ينحبس بداخلها وقد اتسعت أعينها حتى بلغتا الذروة وهي تجد شابٌ آخر برز على حين غرة من اللامكان عريض المنكبين، بائن الطول يجز على أسنانه غضبًا وهو يلف أصابعه على ذراع الشاب الممسك بها، ويجأر بصوتٍ مميت أثار الهيبة في أعماقها:
_ هملها.
كانت كلمة واحدة تلك التي نطق بها، جعلت الشاب يرتجف كريشة في مهب الريح، وأعينه تتسعان حتى بلغتا الذروة، ويفغر فاهٍ متلعثمًا بكلماتٍ لا يتبين مهيتها:
_ سـ ســ سراج بيه.
_ إمشي غور من إهنا، متورنيش وشك واصل لحد ما أطلبك أنا.
في لمح البصر كانوا الشباب قد أختفوا، ونظرت مليكة في وجه الرجل الواقف بشموخ أمامها في صمتٍ عجيب، طالعته بنظرات مرتابة، لاحت ابتسامة ساخرة على شفتي سراج، وقال:
_ إيه ياك شايفة عفريت قدامك ولا إيه حُصل لك؟
انزعجت مليكة من سخرية صوت سراج وارتفاعه، وتلفتت يمينًا ويسارًا قبل أن تقول لائمة:
_ وطّي صوتك يا جدع إنت!
ارتفع حاجب سراج مندهشًا، وهو يغمغم:
_ وهوا أنا إكده صوتي عالي ولا إيه؟
صرخت مليكة في وجهه:
_ هو أنت مش سامع نفسك.
اجابها سراج بصوتٍ غليظ:
_ لأ…
وقطع عبارته وهو يقول مستدركًا:
_ أنتِ إيه اللي مطلعك من بيتك في نص الليل إكده.
وشملها بنظرة فاحصة من قمة رأسها لأخمص قدميها، وهو يتابع:
_ وبت مين أنتِ إهنا؟ وإيه اللي لابساه ده!
نظرت مليكة إلى ملابسها وهي تقول متعجبة:
_ وماله لبسي مش فاهمة!
ران عليهما الصمت للحظات، حدج سراج مليكة بنظرة ثاقبة وقال بجدية:
_ ساكنة فين أنتِ همي معاي أوصلك.
ازدردت مليكة ريقها وقالت بخفوت:
_ أنا شبه ضايعة ومش عارفه فين البيت لإن أول يوم أجي فيه هنا فمش عارفة المكان.
فسألها سراج باهتمام:
_ إنتِ ضيفة إهنا.
هزت مليكة رأسها إيجابًا، وأخذت تفرك أصابعها في توتر، حملق سراج في وجهها ثم سألها:
_ مش فاكرة جيتي من أي طريق إهنا، المكان ميتوهش كفاية بس تفتكري طريقك.
أشارت مليكة إلى ناحيةً ما، وقالت بصوتٍ خفيض:
_ غالبًا جيت من هنا.
فتجاوزها سراج وهو يقول:
_ همي بينا.
لحقت مليكة به بخطوات سريعة حتى يتسنى لها مجاراة خطواته.
_ بس هنا هو ده البيت.
صاحت مليكة بتلك العبارة ما أن وقعت أعينها على البيت الذي أمسى يأويها، فتوقف سراج وأستدار لها بنظرة مبهمة جعلت الريبة تغمر فؤادها، وفي لحظة كانت تهرول من أمامه تطرق باب البيت بلهفة وتختفي بداخله، وظل سراج لردحًا من الزمن بعينين معلقتين على الباب.
لم تخبر مليكة بما حدث معها لأمها وأختها، وإن ظلت تفكر بذاك الشاب الغريب.
***
استيقظ سراج من نومه على صوت المنبه الذي وقته على تمام الساعة التاسعة صباحًا، وما كاد يعتدل في فراشه حتى وجد الباب يُقتحم وولدته تدلف للداخل، قائلة:
_ سراج يا ولدي اصحى جدك رايدك في شيء ضروري.
فنزع عنه الغطاء الذي كان يتدثر به وهب واقفًا، وقال:
_ أنا صاحي يا مه، هغسل وشي وأنزل له طوالي.
لم يلبث أن كان يفتح إحدى الحجرات وعلى وجهه بسمة متسعة في وجه رجلٌ يجلس على مقعد متحرك، وشابٌ يقف أمامه، وقال بنبرات قوية:
_ صباح الخير يا جدي، كيفك يا مالك؟
قالها ويده تحط على منكب مالك الذي رد على سؤاله بهدوء، بينما الجد يخبر سراج في هدوء:
_ الشغل اللي في المصنع ع الجبل مش عاجبني يا سراج يا ولدي، في إهمال شديد ميتسكتش عليه، عايزك تروح بنفسك وتشرف على الرجالة هناك.
هز سراج رأسه، ورد على جده في لهجة واثقة:
_ إعتبر الشغل منهي يا جدي.
وقال وهو يتراجع خطوتين بظهره:
_ عن إذنك.
وأستدار مغادرًا وهو يغلق الباب وراءه، فانتظر الجد عتمان برهة من الزمن ثم رفع بصره إلى مالك المطرق في أدبٍ جم، وقال:
_ سراج هبعده عن إهنا، وإنت عليك تخلص ع الظابط ده، عايز خبر موته يوصل لي الليلة دي، فاهم يا مالك؟
هز مالك رأسه في طاعة، وقال بنبرة كالفحيح:
_ متقلقش يا حج عتمان، إعتبر رقبته وصلتلك من دلوك.
فتبسم الجد بسمة مقيتة، وقال في راحة:
_ عارف إنك قدها يا ولدي، ولكن إعرف ان الظابط ده مش ناوي على خير وعمال ينقب ويلف ويدور ورانا ومستني لينا غلطة لو وصل لها…
وتابع بنبرة شرسة، وهو يضرب على عنقه:
_ رقبتنا هتتلف حولين المشنقة.. فاهم يا مالك يا ولدي؟!
هز مالك رأسه مجددًا، وغمغم:
_ فاهم يا چدي، والأمر منهي متقلقش واصل.
***
خرجت مليكة من منزلها بحثًا عن أي مكانٍ تجلب منه طعامًا، لم تكن تدري أي شيء عن البلدة التي تقيمُ بها حاليًا، وإن ظنت إن الأمر هين كما القاهرة، وقد ظهر في طريقها بضع محلات بقالة ومن صغرها لم تحسب إنها ما تبغي، فأخذت تسير دون ان تسأل حتى أحدٍ عما تريد، وقد اعتقدت إن بإمكانها أن تجد بمفردها بغيتها، وفجأة وجدت نفسها في المقابر، وقد بدأ غروب الشمس يلوح في الأفق والشفق يغمر الأرجاء، فتابعت سيرها في جرأة حتى تسمرت قدميها على صوت رجلٌ يقول في غلظة:
_ إحنا هندفنوه الليلة والاثار هتتهرب برا البلد وهنعيشوا مبسوطين، كان لازم يعني يعمل إكدا، اديه هيترمي للتعابين تاكله.
فشحب وجهها وتتبعت أثر الصوت وهي تسترق السمع في اهتمام، وتخطو بحذر وبخطواتٍ متأنية، فوجدت رجلين يتناقشان عن دفن أحدٍ بعد ما يلقى حتفه على أيديهم، اتسعت عينيها في زعر وهي تشهق بصوتٍ عال، فأستدارت الرؤوس إليها، وأطل غضبٍ هائل في أعين الرجلين، وهتف إحدهما:
_ دي سمعتنا يا محمود أمسكها.. إوعاك تهرب منيك.
وتراجعت مليكة في هلعٍ دب في روعها، ثم استدارت وأندفعت تعدو في الطريق، بينما أندفع الرجلين خلفها في إصرار رهيب.