رواية ملحمة الحب والانتقام — الفصل 8 — بقلم ندي ممدوح
جلست أمل برفقة والدة سراج في حجرة الصالون، وقد استبد بها القلق على ابنتها التي أختفت على حين غرة من بينهم كمن انشقت الأرض وبلعته.
انبعث فجأة صوت عثمان وهو يخرج من حجرته مناديًا:
_ صفية وينك يا بتي.
فهبت صفية من جوار أمل، وهتفت في لهفة وهي تعدو نحوه:
_ أيوه يا عمي أنا إهنه.
غمغم عثمان متسائلًا، وهو يتصنع الهلع والريبة:
_ إيه إللي حُصل مالكم الرجالة بدور على إيه؟
تحسرت صفية، وهي تقول بحزنٍ يشوبه القلق:
_ والله يا عمي مش عارفه أقولك إيه؟ البت ملك أخت خطيبة سراج كانت إهنه وفجأة أختفت.
فهدر عثمان متصنع الثورة:
_ كيف يعني، كيف تختفي من بيتي، دا اللي عملها فتح قبره بيده، فين الرجالة.
أجابته صفية على عجل:
_ طلعوا يدوروا عليها يا عمي…
وأردفت تقول بقلق وصوتٍ خافت:
_ وأمها مموتة نفسها من العياط.
تنهد عثمان وقال:
_ والله حقها، خديني عندها يا بتي اطمنها.
قادته صفية حيث أمل، التي وقفت لتستقبله باحترام ولكن.. وما همت ان تستدير، وتقع عينيها عليه، حتى اتسعتا في هلعٍ وتقهقرت للخلف وغامت عينيها بالدمع، وبدا كأنها ستفقد الوعي من شدة الخوف والإرتعاش.
وضيقت صفية عينيها في ذهول، بينما جز عثمان على اسنانه وهو يرمقها شزرًا، ثم سارت أمل مبتعدة عنه حتى إن وصلت للدرج وأرتقته في سرعة.
بين ركام الرماد الذي لم تذروه الرياح، جلس مالك وهو يضم جسده بذراعيه كطفلًا صغير فقد أمه ووجد نفسه وحيدًا في الحياة دون مأوى يأوى إليه قلما أثقلته الحياة.
وبغتةً وجد فرحة باسمة تطوف حوله بوجهٍ مشرق، فتبسم المحيا وهو يفك عقدة ذراعيه من حول جسده وينهض في تأنٍ كأنما يخشى أن يغيب طيفها.
إذ نهض واثبًا، عيناه لم تحيدان عن طيفها المبتهج الذي أختفى غرة، فطفق يدير بصره في الإنحاء كالمجنون بحثًا عنها، وصوته يناجيها بغصة بكاء تدمي الفؤاد وتضني الصمُّ الصلاب.
ثم تصلب جسده بشكلٍ مهيب، ورحل شطر سيارته التي قادها كالمتغيب، ودخل منزل عثمان ليقابله سراج الذي ركض إليه مرتابًا من هيئته التي يعلوها الرماد.
وتمتم في قلقٍ:
_ مالك يا مالك إيه إللي حُصل لك، ومال حالتك إكده غريبة ومش على بعضك.
رفع مالك إليه عينين فارغتين، خاليتين، وقال ببسمة ساخرة:
_ ومن إمتى مالك كان على بعضه؟!
وسكت لهنيهة، ثم سأله بصوتٍ أجش:
_ ليه؟
قطب سراج حاجبيه في توجس، وأجابه في حيرة:
_ إيه إللي ليه؟
أسبل مالك جفناه، وقال في جمود:
_ ليه أنا إللي بيحصل معايا كُل ده؟ ليه مش مكتوب ليّ أفرح؟ ليه كل شيء بيروح مني؟ ابوي وأمي رموني وانا صغير عشان اعيش يتيم! ويربيني راجل يستعبدني ويخليني اعمل حاجات مش عايزها؟
ثم اطلق ضحكة عالية، جعلت سراج يرفرف أهدابه في دهشة عما يقول، ثم تحرك مبتعدًا عنه للداخل وصدى ضحكته لا تزل تدوي.
خمدت عندما وجد مالك عثمان يحدجه في صرامة، وقال قبل أن يتحرك بكرسيه مبتعدًا:
_ تعال وراي.
سار مالك وراءه حتى دخلا الحجرة واغلق الباب وراءه، بينما عثمان يواجهه، قائلًا بغضبٍ:
_ من إمتى وأنت بتضحك وبتكدب على عثمان يا مالك؟
ازدرد مالك لعابه في ثقل ولم ينبس ببنت شفة، بينما، زأر عثمان هاتفًا:
_ قُلت ليّ إنك خلصت على أخت الضابط وطلعت بتكدب عليّ.
أرتجف مالك، وأنتفض قلبه، وعلم إن عثمان هو من احرق فرحة، ولن يستطع فعل شيء! سيقف عاجزًا مطأطأ الرأس في سكون هذا أقصى ما يفعله، لكن تجددت به الحياة وعثمان يقول متبسمًا في رزانة:
_ ولكن متخفش هي بخير دلوك، وفي الحفظ والصون، مستحيل جدك عثمان يوجع قلبك يا ولدي.
انكب مالك جاذبًا كف عثمان ناويًا تلثيمه، لكن عثمان سحب يده وهو يربت على رأسه، قائلًا:
_ في المقابل رايد منك شيء.
همس مالك في حماس:
_ اللي انت عايزه يا جدي انا تحت امرك فيه.
تبسم عثمان وهو يؤمأ برأسه في رتابة، وقال:
_ عشان حبيبتك تكون بخير، عايزك تقتل كل عيلة خطيبة سراج بما فيهم خطيبته.
أطل الرعب من مقلتاي مالك الذي أرتعد جسده بشكل ملحوظ، وهو يتمتم في صدمة:
_ كيف يعني؟ وليه يا چدي؟
_ عشان انا رايد إكده، ها قُلت إيه ولا مش عايز تشوف حبيبتك تاني؟
هز مالك رأسه نفيًا، وأومأ برأسه، قائلًا:
_ هعمل اللي تقول عليه.
في صباح اليوم التالي، كانت مليكة تجلس بجانب والدتها في قلق التي ممدة على الفراش منكمشة على نفسها.
بينما مليكة تقول:
_ يا ماما قوليلي مالك مش كفاية ملك اللي مش عارفين اراضيها، وبابا اللي من امبارح مرجعش عشان يدور عليها؟!
لم تتلقَّ ردًا من والدتها التي لم يند عنها إلا شد الغطاء لتدثر به رأسها في سكون.
وفتح الباب فجأة وأطلت صفية وهي تقول:
_ مليكة يا بتي چدك عثمان عايز يقعد مع والدتك شوية.
وتنحت جانبًا وبرز عثمان على كرسيه عند باب الحجرة، التي دخلها في هدوء وهو يقول بأمر:
_ اخرجي يا بتي عايز اتكلم مع امك وحدينا.
لم تلاحظ مليكة وهي تنهض ارتجاف والدتها، ولا الدموع التي انسابت فوق وجهها وهي تغادر مغلقة الباب وراءها.
بينما اقترب عثمان دون ان ينبس، وفجأة قال في غضب:
_ أنتِ، قومي وكلميني.
لم يند عن أمل أية حركة لثوانٍ، ثم اعتدلت في بطء وهي تنظر إليه بعينين هلعتين، وتراجعت لآخر الفراش.
بينما عثمان يميل بطريقة أتسعت لها عينيها رعبًا، وارتعدت فرائصها لها ارتجافًا، وقال بنبرة كالفحيح:
_ إياكِ أنتِ وجوزك تفتحوا بقكم بحرف، أقسم بالله أقتل بناتك الاتنيين قدام عينك زي ما قتلت والدك.
صمت متبسًا وهو يراقب في تلذذ دموعها، قائلًا:
_ لساعك فاكرة يوم ما قتلت والدك قدام عينك.
وضحك في خفوت وهو يسترسل في تسلية:
_ إنسي بتك ملك مش هترجع وخدي التانية وغوروا من إهنه بدل ما تخسريها هي كمان، إيه اللي وقعكم بس في طريقي تاني؟! كل ما نتقابلوا تخسروا عيل من عيالكم.
بدت أمل كجسدٍ فارقته الروح وهي تحدق فيه فقط بصمت.
كانت لا تزل ملك مقيدة اليدين والقدمين في حجرةٍ مظلمة إلا من ضوءٍ بسيط يشعل من اللمبة المعلقة في السقف وهي تتأرجح، وجهها كان مليء بالكدمات والدم المتحجر.
عندما دخل مالك وفي يده نصلٍ حاد، ما أن رأته ملك حتى هزت رأسها نفيًا في جنون وعيناها مسلتطان على النصل الذي بيده، وقد أدركت نهايتها.
ووقف مالك مقابلها بجسدٍ متوتر، وقلبٍ يرفرف كالذبيح، وبدا إنه سيتراجع لكن ذكرى فرحة حالت دون ذلك وجعلته يتقدم من ملك التي كانت تزوم هائجة تبغي فك قيدها وتتلوى في ألم.
ودار مالك حتى وقف وراءها وكمم شفتاها فجأة ورفع رأسها، وأشهر النصل بيده وأسبل جفناه وهو يضعه على عنقها و…