رواية ملحمة الحب والانتقام — الفصل 2 — بقلم ندي ممدوح
كُن نسمة هواء داعبت القلب بمحبة، وغادرت بسلام.
انطلقت مليكة تعدو دون أي سبيل، واندفع وراءها الرجلين، والليل بدا رويدًا رويدًا يغمر الدنيا بظلامه ويعسعس. استعبرت مقلتاها حزنًا عما أوقعت نفسها فيه، وبينما هي تعدو تند عنها لفتة رأس إلى الوراء لتبصر الرجلين، تعثرت في حجر غليظ فسقطت إثر ذلك على ركبتيها وكفيها وانتحبت وهي تهب واقفة وتتابع ركضها بنشيج، ودمعًا لا يرقأ.
وهاجس رهيب سيطر عليها إن الموت قريب.. قريبًا جدًا.
قاب قوسين أو أدنى من ذلك. إنه يجوس حولها في انتظار لحظة سلبها الحياة.
أمسك أحد الرجال بساعد الآخر ليوقفه قائلًا بأنفاس متلاحقة أثر الركض المتواصل:
_ وقف…
وسكت يلتقط أنفاسه المسلوبة وهو يتنفس في سرعة، ثم قال بصوت منخفض مشيرًا له بالرجوع:
_ كفاية أكده، إحنا بينا نرجع…
فقاطعه الرجل الآخر قائلًا باستنكار:
_ ونسيبها كيف يا واد عمي، دي لو خبرت حد باللي سمعته هنروح فيها.
فهدأ هذا الأخير من روعه، قائلًا:
_ ع مهلك يا واد عمي، إحنا مش هنسيبها ولا حاجة.
وسكت لهنية شردت فيها عينيه إثر مليكة التي أصبحت على مد البصر، وقال:
_ إحنا بس هنهملها تجري في الجبل لحد ما يطلع عليها ديب ميسبش في جدتها حتة سليمة واصل.
وتبسم الآخر في إدراك، وقد تهللت أسايره، هاتفًا:
_ أيوه صُح معاك حق.
وأطلقا ضحكة شيطانية كأنما خرجت من الجحيم.
جحيم الموت.. كانت لا تزال مليكة تعدو، بفكرة واحدة تسيطر على كل أوصالها وهي النجاة مهما كلفها الأمر، حتى استبد بها التعب، ونهش جسدها الضئيل نهشًا فسقطت أرضًا باكية. والتفتت باحثة عن الرجلين لكنها لم تجد أيًا منهم، فتوحشت لعدم وجودهما. ودار بصرها في الأنحاء لتجد نفسها وحيدة ولا نور يضيء سبيلها إلا ضوء القمر الذي أمسى كالبدر في ليلة تمامه. فسمحت لجسدها أن يسترخي قليلًا رغم الخوف الذي زحف يأكل فيها دون هوادة. أحست فجأة بعينين مسلطتين عليها فرفعت نظرها وفي لحظة كانت نظراتها تتخشب وهي تحدق في ذئب ضخم يقف بشموخ، وعيناه لا تنحدران عنها قط. فازدردت لعابها وهي متسمرة أمامه كتمثال صلب، جحظتا عينيها وهي تقف في تأنٍ مصدوم. وعلى حين غرة أطلقت صرخة مدوية زلزلت الأرض أسفلها، وشقت فؤادها في هلع وهي تولي هاربة وفي أثرها الذئب الذي اندفع عاديًا وراءها وقد اتسع فكه بهيئة مرعبة بعد عواء كاد يوقف نبض فؤادها.
وأمامها مباشرةً برز شاب أمامها مصوبًا فوهة سلاح بيده نحوها. وزادت صرخاتها بقوة وهي تصد أذنيها مع دوي الرصاص الذي عبر من جوار رأسها مصيبًا الذئب الذي أخذ يعوي عواء متألم قبل أن يسقط هامدًا.
لم تقو مليكة على التحرك، فوقفت مكانها تذرف مآقيها دمعًا غزيرًا. وصل إليها سراج وهو يلهث من فرط الانفعال، وسألها بنبرة باردة:
_ كيفك أنتِ؟ زينة في أي حاجة وحشة حصلت لك؟
لم تجبه مليكة وهي منغمسة في البكاء، والارتجاف فرق قلب سراج، وقال في هدوء:
_ متخافيش أنا معاكِ دلوك.
كفكفت مليكة دموعها، وتوسمت في ملامحه، ثم سألته وأثر البكاء في صوتها:
_ أنت؟
أومأ سراج برأسه ولم ينبس ببنت شفة، ثم قال بغضب:
_ أنتِ بتعملي إيه ع الجبل؟
غمغمت مليكة بصدمة:
_ الجبل؟
هز سراج رأسه بامتعاض، وجز على أسنانه وهو يقول:
_ أنتِ إيه حكايتك يا بت أنتِ؟!
لم تدر مليكة بما تجيبه فأطرقت في هدوء، وهي تقول بصوت خفيض:
_ صدقني جيت هنا غلط.
ثم رفعت رأسها إليه، وهي تقول بحدة فجائية:
_ وأنت بتعمل إيه هنا.
نفخ سراج بضيق وهو يغمغم:
_ العربية عطلت فعلقت إهنا زي ما أنتِ شايفة.
هزت مليكة رأسها دون أن تعلق بكلمة، ثم تلفتت حولها في خوف دب في أوصالها، وتساءلت في حيرة:
_ إحنا هنعمل إيه دلوقتي وهنتصرف إزاي؟
رد سراج بصوت أجش:
_ والله أنا شايف إن إحنا دلوك ندارى في أي حتة عشان المنطقة دي بليل بتكون فيها ديابة كتيرة.
أطل الرعب من مقلتاي مليكة وهي تنظر له في وجل، وهمت بقول شيء ما، لكنه أسرع يقاطعها، قائلًا:
_ متقلقيش أنا عارف المنطقة إهنا كويس، تعالي.
سارت مليكة بجانبه ولا يزال الخوف يحوطها من كل جانب، وما بين لحظة وأخرى كانت تتلفت ذات اليمين وذات الشمال، وأمان من السائر بجانبها بدأ يتسرب إليها.
***
كان التوتر والقلق يسودان منزل مليكة، ويعتري أفئدة الأحبة. تسير أمل أيابًا وذهابًا في جزع، وهي تتمتم:
_ يا ترى فينك يا مليكة يا بنتي روحتي فين؟
وهزت ملك قدميها في توتر، وهي تغمغم محادثة نفسها:
_ دي أكيد حصل معاها حاجة، أنا لازم أنزل أدور عليها.
ثم سكتت لبرهة وتابعت تقول:
_ بس هنزل أدور عليها فين، أنا معرفش المكان هنا.
وعادت تهز رأسها في يأس، وهبت واقفة وهي تقول:
_ أنا هنزل أدور عليها.
فصاحت والدتها وهي تقف قبالتها:
_ تدوري عليها فين أنتِ كمان؟ مش كفاية وحدة مش عارفين هي فين؟
_ يا ماما لازم أنزل أشوفها، مش هنقعد كده ساكتين. افتراض حاجة حصلت معاها، أوعدك مش هغيب.
لم تجد أمل بداً من الموافقة على مضض، وخرجت ملك بحثًا عن أختها. كانت تتلفت وهي تسير في الطرقات، تفتش عن وجه أختها بين وجوه المارة، عندما أعترض طريقها مالك، وهو يقول بغرابة:
_ مالك يا آنسة؟ بدوري على إيه؟ أقدر أساعدك؟
أحست ملك بالريبة تجاهه، وهي تتفرس النظر في ملامحه الرجولية، ثم قالت بعنف:
_ وأنت هتعرف تساعدني إزاي؟
حدجها مالك بنظرة ثاقبة، وهو يقول بنبرات قوية:
_ جربي ومش هتندمي، باين عليكِ إنك مش من إهنا عشان إكده متعرفيش مين مالك إبن الحج عتمان.
كان مالك يعرف بأنه ابن عتمان لأنه من قام بتربيته، ولأن مالك كان يتيم الأبوين ادعى الحج عتمان أنه وجده وهو لا يزال طفلًا رضيعًا فرق قلبه وعاش في كنفه وترعرع على يديه.
غمغمت ملك بتريث:
_ أختي خرجت من ساعات ومرجعتش.
ضيق مالك عينيه باهتمام، وقال:
_ كيف يعني مرجعتش؟
هزت ملك كتفيها وأجابته في حدة:
_ يعني مرجعتش، أعمل إيه؟
رد مالك في بساطة أدهشتها:
_ ولا تعملي أي حاجة، ترجعي بيتك، وتسيبي لي أنا البحث عن اختك لحد ما أرجعها.
رمقته ملك بشك، وقالت بريبة:
_ وأنا إيه يخليني أصدقك؟
أجابها مالك في حنق:
_ مش مهم تصدقيني يا ستي، مطلبتش منك ولكن أختك أنا هعرف إزاي ألاقيها، ولحد ما ده يحصل اقعدي في بيتك ومتخرجيش.
وأشار إليها بأمر، قائلًا بصرامة:
_ يلا.
ولم تدر ملك كيف أذعنت وأستدارت لتعود إلى المنزل التي تقطنه دون أدنى اعتراض. ولكن وقبل أن تصل إلى بيتها بقليل، وجدت نفسها أمام المرأة التي أرسلها لهم ياسر، فلاذت ملك بها وقصت عليها اختفاء مليكة المثير للقلق. فتنهدت المرأة وهي تقول برثاء:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. خير إن شاء الله يا بتي. متقلقيش. وعليكِ وعلى الحج عتمان، هيعرف أراضيها بإذن الله.
فتساءلت ملك متعجبة:
_ مين الحج عتمان ده وألقيه فين؟
تأبطت المرأة ذراعها لتسير بها وهي تقول:
_ الحج عتمان ده عمدة قريتنا وكبيرنا، وهوديكِ لحد عنده، وهو هيتصرف وهيخلي رجّالته تعرف فين مليكة. هي أكيد ضايعة إهنا ولا إهنا ومعرفتش ترجع لوحديها.
***
جلست مليكة في إرهاق مسندة الظهر إلى صخرة وهي تئن في ألم. أنين فطر قلب سراج الذي أخذ مكانًا بعيدًا عنها وإن لم تستطع أعينه عن التزحزح عنها في احتواء مس قلبها. وتلاقت عيناهما خلسة من الزمن، قبل أن يهتف سراج بهلع، وهو يقفز واقفًا:
_ اثبتي، متتحركيش.
أحست مليكة مع قوله بشيء يلُف حول جيدها، فأتسعت عينيها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وهي تدرك ماهية الشيء الذي التف حول عنقها، ورأس الأفعى تزحف حتى باتت أمام وجهها مباشرةً. وراقبت مليكة هسيسها بعينين هلعتين، ثم أسبلت جفنيها في استسلام، وانساب الدمع بغزارة على وجهها.
***
في ظلام الدجى، كان مالك يسير بمحاذاة البحر وقد اصطفت الأراضي الذراعية على جانبه الآخر وأوراق الشجر الخضراء يداعبها الهواء فتصدر خشخشة مميزة. أقترب مالك من فتاة تجلس أمام البحر في شرود، وهي تتأمل مياهه الراكدة في هُيام.
للبحر أسرار لا يبوح بها إلا لعشاقه، وهي كانت رفيقته، وعشيقته، لا تمل منه، ولا يمل منها.
عندما أحست بقدوم مالك الذي وقف دون صوت محدقًا فيها بحنو يسلب اللب.. وأعينه ضمتها في احتواء رائع. فما المحب للحبيب إلا سكن واحتواء، وود لو يُدثرها في شغاف الفؤاد كلا ينطفئ مصباح روحه الذي لم يتوهج إلا بحبها.
انتفضت فرحة في غضب، وقالت بعصبية:
_ لساتك فاكر فرحة إللي قاعدة مستنياك من بدري وانت ولا همك.
فدنى منها في هدوء، وهو يقول ببسمة لطيفة:
_ حقك عليَّ، كان غصب عني التأخير والله.
غمغمت فرحة عابسة، وهي تشيح بوجهها، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها:
_ مش مسامحاك.
ثم قالت وهي تواجهه بحدة:
_ وعقابك إنهاردة إني ماشية من غير ما أقعد معاك عشان زمان يحيىٰ على وصول.
وأسرعت تغادر من أمامه منصرفة وقد يممت وجهها شطر الأراضي الذراعية، لكن مالك اعترض طريقها وهو يطلق ضحكة صافية، قائلًا:
_ اهدي يا فرحة، خلينا نعرف نتفاهم يا بت الناس، ميبقاش قلبك أسود إكده.
فسألته بنظرة غاضبة:
_ أنا قلبي أسود؟
فنفى بهزة من رأسه:
_ قلب فرحة عيون مالك مستحيل يبقى أسود.
فتبسّمت فرحة في خجل، وغمغمت باستحياء:
_ طيب إوعى بقا من طريقي.
فأجابها مالك برفض:
_ لا مش هتعدي غير لما تقعدي معايا شوية، بلاش تحرميني من كام دقيقة اللي بشوفك فيهم، بلاش تحرمي قلبي من الفرحة يا فرحة.
البسمة شيء ينبع من الفؤاد لمن يسكنه.
جلست فرحة أخيرًا بجانبه، أمام البحر وقد شردت في مياهه، بينما مالك يجلس بجانبها في راحة، يتأمل ملامحها الحبيبة في صمت.
تنبه من هيامه بها على صوتها الخفيض:
_ مالَك يا مالِك؟ حاسة إنك زعلان، أيه إللي مضايقك؟
أفتعل مالك ضحكة وهو يهز رأسه، قائلًا:
_ مفيش حاجة.
ملئت فرحة كفها بالماء، ونثرته عليه في مرحٍ، وهي تقول بضحكة رقيقة:
_ كداب.
فحذا مالك حذوها، وأخذ ينثر عليها الماء، وهو يغمغم:
_ الكداب هيوريكِ هيعمل إيه دلوك فيكِ.
وتعالت ضحكاتهما.
الوجد ثم هناك في سويداء القلب يسكن، لا يُرى إلا لعزيز سكن شغاف الفؤاد.