بخفوت: -في البقالة. منها لله البت نهلة اللي ساكنة فوقينا، هي اللي ملت راسها بالكلام البطال ده، لحد ما وافقت علشان تجيب ليا العلاج. أنقذ بنتي يا أكرم وبوصيك عليها، خلي بالك منها، خلاص النهاية قربت. ربت على كتفه وهو يقول: -إن شاء الله ربنا يبارك لك في عمرك وتشوفها أحسن الناس. استرسل في الحديث: -اتفقت معاها هتروح فندق تقابل راجل كبير في السن وتضحك عليه، تحط له منوم، وتمشي بعد ما ينام على طول.
أنا مش عايزها تهوب ناحية الفندق ده من الأساس. ابتسم بهدوء قائلاً: -متقلقش، وعد مني هجيب لك بنتك زي ما هي. وبعد ذلك أنهى الحديث معه وغادر. وقام بمراقبتها جيدًا، وعندما خرجت ذهبت للفندق الذي أعطى والدها له عنوانه، وسأل عن اسم الشخص ليفاجأ بعمر الشاب الذي أكمل الثلاثين منذ فترة، أيقن أن الفتاة الأخرى قامت بخداعها.
وقف هو أمام الفندق ينتظر قدومها ورآها تنزل وتدلف، وكان أيضًا يراقب مجيء الشاب الذي أجرى بحثًا عنه وعلم أنه ابن رجل أعمال معروف، وعندما يأتي سيتدخل ليعوق الأمر. ولكنه وجدها تخرج راكضة من الفندق، فابتسم أنها علمت أن ما كانت مقدمة عليه هو خطأ فادح لا محال. *** صدرت شهقات مسموعة منها، وهي تسمع منه ذلك وعلمت أن والدها علم بكل شيء مما جعل خجلها يتزايد. هتف أكرم بعتاب كبير: -كده يا بنتي، والدك في البيت مستنيكي وخايف عليكي.
هتفت بدموع وخفوت: -أنا والله عملت كده علشانه، بابا مريض ومحتاج دوا، غصب عني. ردد بلوم: -وأنا روحت فين؟ أردفت بخجل: -حضرتك مش متعودة آخد حاجة من حد. ضيق عينيه بغضب ليتحدث من بين أسنانه: -فت روحي تعملي اللي كنتي رايحة تعمليه ده عادي، إنما تطلبي مساعدة من حد لأ، ده إيه المنطق الغريب ده. أردفت ببكاء عند هذه النقطة: -مقدرتش أعمل حاجة زي دي أبدًا، حتى لو مش هيقرب مني. ضحك بسخرية على غبائها ليقول:
-أنتِ عارفة البني آدم اللي كنتي رايحة عنده ده سنه قد إيه؟ هزت رأسها بنعم لتقول بتأكيد: -أيوه، نهلة قالت لي أنه عجوز يجي فوق الستين كده. أردف بغيظ: -علشان يبقى درس تتعلمي منه يا بنتي، متوثقيش في أي حد والسلام، الراجل ده مش عجوز أبدًا، ده شاب عنده تلاتين سنة. شهقت بصدمة وهي تنظر له بذهول لتردد بتلعثم: -إيه؟ تلاتين سنة! يا مصيبتي، هطلع بكرشك يا نهلة الكلب، بس أشوفك. أردف بصرامة:
-خلاص قفلنا على الموضوع ده، البنت دي ملكيش أي علاقة بيها بعد كده، ويا ريت تكوني اتعلمتي. ردت بمرارة: -لا اتعلمت واتعلمت كويس أوي كمان، شكرًا لحضرتك، لولاك كان زماني ضعت. أردف بابتسامة بسيطة: -أنا معملتش حاجة، أنتِ اللي أنقذتي نفسك بنفسك، بس عاوزك تعرفي لما تقابلنا مشكلة لازم نلاقي ليها حلول، مش نجري على طريق مش تمام علشان نحلها، حتى ولو كان حجم المشكلة دي إيه، أوعي تفرطي في نفسك أبدًا مهما يحصل.
هزت رأسها بموافقة ومن ثم التزمت الصمت وهو كذلك وتابع القيادة نحو بيت محمد. *** على الجانب الآخر، تجلس باسترخاء على الأريكة وهي تضحك بخبث وتفكر في سبيل، وأنها بالتأكيد تحت وطأة يده الآن، وأنه قضى عليها ومن لا يعرف قاسم العمري ذلك الذي يود الحصول على شيء لا يتنازل عنه. رن هاتفها فجأة فنظرت للمتصل لتجده هو، قطبت جبينها بدهشة، أليس من المفترض أنه الآن يقضي وقته معها؟ حسمت أمرها بالأخير وردت عليه ليأتيها
صوته الحاد يصرخ بوجهها: -فينها يا نهلة؟ مجاتش ليه؟ ردت عليه بتعجب: -إزاي مجاتش؟ ده أنا منبهة عليها إنها تكون هناك قبلك كمان، يكون تاهت! رد بعصبية: -هي جات ومشيت، الاستقبال قالي كده، عارفة لو مجاتش أنا هطربق الدنيا فوق دماغك. رددت بخوف: -طيب أهدى بس يا باشا، أنا هبعت لك واحدة تروق مزاجك لحد ما أشوف إيه الحكاية. صرخ بعنف: -مش عاوز زفت، اقفلي دلوقتي. أنهت المكالمة معه وهي تقول مع نفسها: -إيه ده؟ إزاي مراحتش؟
أما أروح أشوفها. وفي طريقها للنزول توقفت فجأة تختبئ عندما وجدت سبيل برفقة أكرم، ازدادت دهشتها عندما دلفا الشقة سويا. هزت رأسها بحيرة وعزمت على معرفة الأمر منها بالغد، وحقدها ازداد أنها سليمة لم يحدث لها شيء وأنها نجت من الفخ الذي نصبته لها، ولكن ستقف على رأسها حتى تلين وتوافق. *** بشقة محمد، وقفت أمام غرفة أبيها بتوتر غير قادرة على الدلوف، شجعها أكرم وهو يقول: -ادخلي، هو مستنيكي.
فتحت الباب بخفوت ومن ثم دلفت وهي تنظر للأسفل بخجل شديد من فعلتها. نظر لها والدها لها بلهفة واطمأن عندما وجد برفقتها أكرم خلفها، هذا يعني أنه تم إنقاذها. هتف بتعب وعتاب في ذات الوقت: -تعالي يا سبيل، قربي يا بنتي. وكان ذلك بمثابة الإشارة إذ ركضت نحوه وجلست أرضًا قبالته، ومسكت يده تقبلها وهي تقول بدموع: -سامحني يا بابا، أنا مش عارفة كنت هعمل كده إزاي، أرجوك سامحني يا بابا. ربت على رأسها وهو يقول بدموع هو الآخر:
-ولو إني زعلان منك، بس الحمد لله ربنا نجاكي، أنا كان عندي الموت أهون ولا تروحي تعملي كده، هي دي بردو تربيتي ليكي يا سبيل، قصرت معاكي في إيه؟ انفجرت باكية وهي تقول بندم: -أنا آسفة يا بابا، أنا مش عارفة إزاي سبت نفسي لشيطاني كده، بس والله يا بابا كل ده علشانك أنت. ردد بحزن: -عارف يا بنتي، قدر ولطف. أردفت بدموع وخوف على والدها:
-متقلقش يا بابا، هجيب لك الدوا إن شاء الله، اشتغل خدامة، مش هسيبك أبدًا يا حبيبي، بس أوعى أنت تخلف بوعدك وتسبني لوحدي، أرجوك يا بابا، أنا مليش غيرك في الدنيا دي. ابتسم لها بضعف وهو يقول: -متخافيش يا حبيبتي، قومي يلا أعملي لنا كوبيتين شاي، عمك أكرم يقول علينا إيه بخلا! هزت رأسها بنفي وانتبهت لهذه النقطة لتقول بأسف: -أنا آسفة يا عمو أكرم، ثواني وهتلاقي الشاي عندك.
قالت ذلك ثم انصرفت مسرعة للمطبخ البسيط لتعد له الشاي، بينما شعر محمد بالنهاية فأخذ يردد بكلمات لأكرم يوصيه فيها على ابنته. بعد وقت قصير دخلت وهي تحمل الشاي، تحدثت بمرح: -عملت لك يا بابا أحلى كوباية شاي. وقفت فجأة حينما رأت أكرم ينكس رأسه للأسفل، وأبيها مغلق العينين. وضعت الشاي بإهمال على الطاولة وقالت بحذر: -هو بابا نام يا عمو؟ رفع رأسه ليقول بحزن: -شدي حيلك يا بنتي، البقاء لله.
وكأنه لم يقل شيئًا إذ توجهت ناحية أبيها وأخذت تهزه قائلة بعدم وعي: -بابا قوم يلا، شوف عمو بيقول عليك إيه؟ يلا قوم ورد عليا يا بابا قوم. وحينما لم يجد منها رد صرخت بقوة وهي ترجوه بأن يفتح عينيه فعقلها مغيب وترفض تمامًا فكرة فقدانها لوالدها: -يا بابا قوم، أنا عارفة إنك بتهزر، قوم متخضنيش عليك، هجيب لك الدوا والله بس قوم الله يخليك.
صرخت بقهر وصوت شق جدران المكان باسم أبيها، وقد انهارت تماماً وبكت كما لم تبك من قبل حينما بدأ عقلها يستوعب هذه الطامة الكبرى. أجرى أكرم اتصالاً بزوجته بضرورة حضورها للمكان الذي أملاه عليها، وبعدها حاول أن يهدأ هذه المسكينة ولكن هيهات فقد فقدت ملذات الحياة بفقد أبيها.
بعد وقت عج المكان بالسيدات وتولى الرجال أمر العزاء وإجراءات الدفن، وبداخل غرفتها تجلس متكورة كالجنين دموعها تغرق وجهها الذي انطفأت معالم الفرح فيه، وإلى جوارها تجلس شهد برفقة ابتهال يشاطرونها الحزن، لم يصدر منها صوت حتى الآن وكأنها انعزلت عن العالم أجمع لا ترى ولا تسمع شيء. هزتها شهد برفق وهي تقول: -سبيل ردي عليا. لم تتحدث معها وبعد فترة أتى أكرم ليخبر سبيل بأن تأتي لدفن والدها وتوديعه إلى مثواه الأخير.
وبعد ذلك عادت لتجلس بالمنزل تتلقى العزاء، ولجت نهلة وهي ترسم الحزن والشفقة بجدارة وهي تحتضن سبيل قائلة: -البقاء لله يا حبيبتي، شدي حيلك، قلبي عندك يا أختي. نظرت لها بغضب وتحولت عينيها الخضراء ذات المروج النضرة للون داكن، وفجأة دفعتها بكل ما أوتي لها من قوة لتكون الدهشة من نصيب الأخيرة لتقول بهدوء: -مالك يا سبيل؟ أنا عارفة إن الصدمة كبيرة عليكي يا أختي.
ولم تكمل كلامها حينما وجدت صفعة قوية نزلت على وجنتيها أحدثت دوي في المكان تحت أنظار الموجودات المتابعين للموقف بصدمة كبيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!