للأسف المريضة دخلت في غيبوبة. هزيت رأسي بعدم فهم، أو بالأصح بعدم تصديق، وقلت: غيبوبة!!! إزاي؟ مليكة اتعرضت لصدمة عصبية كبيرة، وده أثر على الدماغ بشكل كبير. بالإضافة إن دي مش أول مرة مليكة تتعرض للحالة وتدخل في غيبوبة. ضيقت عيني باستغراب وعلامات الاستفهام مرسومة على ملامحي. ممكن توضحي كلامك لو سمحتي، وبعدين إنتِ تعرفي مليكة منين؟ وعرفتِ منين إنها اتعرضت للحالة دي قبل كده؟ حركت الدكتورة نظرها في ممر المستشفى،
وقالت بهدوء: مينفعش نتكلم هنا! اتفضل معايا وأنا هشرحلك كل حاجة. بصيت لها بترقب، ابتسمت بخفة، وقالت: متقلقش حضرتك، إحنا هنتكلم في حالة مليكة ودي حالة تطول شرحها، حتى يمكن تسمع حاجة إنت مسمعتش عنها قبل كده. حركت نظري من على الدكتورة لباب الأوضة اللي فيها مليكة. حاسس إن مليكة وراها ماضي كبير أنا معرفوش. وحاسس إني محتاج وقت كبير عشان أفهمه وأكتشفه. هو أنا ممكن أدخل أشوفها؟ مش دلوقتي. أومال إمتى؟
هبلغ حضرتك بالوقت المناسب، بس حاليًا ممنوع عشان صحة مليكة. هزيت رأسي بهدوء، وعيني مثبتة على باب الأوضة. شعور بالذنب عمال يأنبني. وصداع جوا دماغي مش بيسكت. اتنهدت بتعب، وأنا بقعد على الكرسي اللي في مكتب الدكتورة. إنت خطيب الآنسة مليكة؟ زوج المدام مليكة. هزت الدكتورة رأسها بهدوء، وقالت: ليه اتجوزت مليكة؟ رفعت نظري اللي كان على اللاشيء باستغراب، وقلت: وده ماله بالموضوع؟
لا، ده جزء مهم جداً بالموضوع، وعلى حسب إجابتك هقرر لو هقولك اللي هقوله أو لا. ضيقت عيني بعدم فهم، وحسيت بقد إيه الموضوع كبير ومهم. وأخدت نفس عميق، وقلت بهدوء: مش عارف بس حسيت ناحيتها بالمسؤولية، في حاجة فيها شديتني وشديتني أوي. كنت بقول أي كلام طبعاً، مش دي الإجابة اللي جوايا. بس جزء من الإجابة صح أو كلها عامة. حقيقي مش عارف.
مليكة من الناس الجميلة اللي ممكن تقابلهم وتتعامل معاهم، أي نعم متعاملتش معاها لمدة طويلة، بس الوقت اللي كانت بتقعد معايا فيه كان من أحسن الأوقات عندي حقيقي. ابتسمت بحب لكلامها على مليكة، وقلت بهدوء: ممكن أعرف حضرتك عرفتي مليكة إمتي؟ من سنتين! قابلتيها فين؟ هنا. هنا فين؟ قلتها باستهزاء. هنا في المستشفى. وإتحركت لقدام وهي بتحط إيدها قدامها على المكتب، وقالت:
مليكة جات هنا بنفس الحالة اللي حضرتك جايبها بيها دلوقتي، بس زمان كان على أسوأ شوية. إزاي؟ بسبب وفاة مامتها، مليكة مستحملتش الصدمة، ودخلت في غيبوبة لمدة كبيرة أوي، حتى إننا كنا يئسنا من حالتها. كبيرة أوي! قد إيه يعني؟ 6 شهور. فتحت عيني بصدمة. إزاي أنا معرفش الكلام ده؟ إزاي مليكة محكتليش؟ أنا أي نعم كنت أعرفها أثناء وفاة مامتها بس مكنتش أعرف إنها في غيبوبة.. قالوا إنها سافرت برة عشان تقدر تتخطى أو تنسى.
ومين يا دكتورة اللي كان قاعد معاها المدة دي؟ هزت الدكتورة كتفها بهدوء، وقالت باستخفاف: مراد طبعاً، نن عين مليكة. ضحكت بخفة على جملتها الأخيرة، وقلت: كانت دايما تناديله كده عشان تغيظني. ابتسمت الدكتورة، وقالت: مليكة روحها في مراد، ومراد روحه في مليكة. دي حقيقة، أنا شفت علاقتهم والصراحة يا بختهم ببعض. عشان كده مراد فضل 6 شهور بايت في المستشفى، ومكنش حد من أهله بيجي يطمن عليه ولا على مليكة. حتى باباهم؟ قلتها بصدمة.
وأنا غير متوقع إن الكره ممكن يوصل لكده. دا ما يتسماش أب، دا إنسان قلبه من حجر. أنا شفت تعامله كذا مرة مع مليكة، ومكنش بيعجبني وكنت دايما بتصاله، بس متوقعتش توصلة لحد كده. وبالرغم من ده كله مليكة بتحبه. حد زي مليكة ميعرفش يكره. عامةً يعني مراد كان الشخص الوحيد اللي فضل ساند مليكة، ودايماً كان في ضهرها، ولا مرة سابها هنا لوحدها، وكان بيعمل كل اللي عليه عشان مليكة متضعش منه. ابتسمت بحزن، وقلت: حظها الحلو جه في أخوها.
دي حقيقة فعلاً. طب وهي بعد ما فاقت من الغيبوبة حالتها كانت عاملة إيه؟ كانت مستقرة قبل ما تيجي، وغير كده مراد هو اللي عرف يهديها، لولا كده مكنش حد قدر يسيطر عليها، وخرجت من المستشفى في نفس اليوم اللي فاقت فيه بناءً على طلبها. راحوا فين؟ سؤال سألته بتلقائية. أصل بعد المرمطة دي مستحيل يرجعوا لأبوهم. بيتهم! قالتها الدكتورة بقله حيلة. بالبساطة دي؟ هما متعودين على عدم الاهتمام من باباهم،
وبعدين مليكة كانت قالتلي: "مستحيل يعني يا دكتورة كنت أسيب بيت أمي للأفعى أم أربعين وش دي". ضحكت بخفة على تقليد الدكتورة لجملة مليكة، وقلت: مرات أبوها. بتاعة كده يا دكتورة متعرفلهاش وش من قفا، مش عارفه نظر أبويا كان فين وهو بيتجوزها. قالتها الدكتورة بضحكة. ضحكت بصوت عالي، لما استوعبت إن الجملة دي لمليكة. مليكة ما بتحبهاش ولا هي، ولا بنتها ولا ابنها.
لإنهم ما كانوش بيحبوها، وكانوا دايما يعملوها بطريقة وحشة، وشهد بنتها كانت بتغير من مليكة وكانت دايما تحرض باباها عليها، أما سعد ده ملهوش ملة وكان عايز مليكة بأي طريقة، حتى أنه مرة فكر يقرب من مليكة بس مراد علمه الأدب وبعدين دخله الحبس، ده السبب اللي خلى العلاقة ما بين مراد ومليكة وباباهم مستحيلة وكله بسبب مرات أبوهم. أنا أول مرة أسمع عن الموضوع ده. قلتها بتوهان، وكأني دخلت نفق ملهوش آخر.
والنفق ده هو حياة مليكة، وأنا الطرف التايه في الحكاية. قلت لحضرتك إنك ممكن تسمع حاجات مسمعتهاش قبل كده. هزيت رأسي بتوهان، وقلت: طب وهي مليكة هتفوق إمتي؟ ممكن تفوق النهاردة، وممكن بكرة ممكن بعد أسابيع، وممكن بعد شهر أو اتنين أو تلاته.. وممكن بعد سنة، حقيقي الحاجة دي مش بإيدينا. مستحيل. قلتها بهمس وأنا بتنفس بصعوبة، وكأن كنت بجري على أخر جهدي وبعدين وقفت. رفعت نظري للدكتورة، وقلت: مفيش أي حل يخليها تفوق؟
مليكة بتهرب من الواقع في هيئة غيبوبة، قوقعتها السودا والألم اللي جواها بيشدها ويقنعها إنها هنا في أمان ولازم تفضل كده. وعقلها الباطن بيسمع الكلام. بالظبط، فمليكة بتفضل في غيبوبة لحد ما تتغلب على الألم وصدمتها. مفيش أي طريقة نحاول نقنعها إنها تفوق؟ ممكن لو حد بتحبه، ويحاول كل يوم معاها، وممكن تقوم لوحدها عادي. حطيت رأسي بين كفوفي بتعب، وأنا معتش قادر ولا عارف أعمل إيه. أنا لو مكانها مش هقوم.
اللي مليكة اتعرضتله مش شوية. والصدمة الأخيرة باين جت على الجروح كلها. أنا لو أعرف إن ده هيحصل مكنتش اتكلمت ولا قلت حاجة. كنت خايف عليها، وكل همي إنها تبعد عن الصحبه السامة اللي كانت مصحباهم. مليكة طول عمرها بتطلع الأولى على الدفعة، ودايماً بتجيب امتياز. ودايماً تلاقيها في حالها، ملهاش علاقة بحد. تخرج من الجامعة على البيت، ومن البيت للجامعة. ونادراً جداً ما بتخرج عن الروتين ده.
وكنت بلمحها في البريك تروح الحرم الجامعي. أو تقضيه في المكتبة. مكنتش بتنزل الكافتريا قد كده، عشان التجمعات وهي مكنتش بتحب الاختلاط. ده اللي عرفته من فترة مراقبتي لها. بس جات في آخر سنة، واتعرفت على بنات لا هما شبهها ولا نوعها. وكانوا مصحبنها عشان يستغلوها نظراً إن مليكة شاطرة وممكن تغششهم. حاولت أنبهها كتير، بس هي كانت مبسوطة عشان بقى عندها صحاب، ومبقتش لوحدها، بس... كل حاجة كانت غلط من البداية.
أو يمكن أنا اللي مفكر كده. رب الخير لا يأتي إلا بالخير. وعلى كده بتحبها يا أستاذ أيهم؟ فقت على جملة الدكتورة. بصتلها بهدوء وابتسامة بسيطة. ورجعت ضهري لورا، وقلت: أنا بـ... دكتورة رحمة المريضة لازم تفوق في أسرع وقت عشان...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!