شعر "يونس" بقلق وخوف من احتمال تعرض الفتاة للأذى بسببه. حاول النهوض، لكن تلك القيود كانت تعيق حركته، ولم يستطع تحرير نفسه منها، رغم محاولاته المستميتة لجمع قواه والتحرك نحوها. حاول أن يهتز ويترنح بشكل عشوائي ليجعل المقعد الذي يجلس عليه يتحرك! لكن بسبب سرعته وقوته سقط المقعد أرضًا، تأوه من الألم عند اصطدامه بالأرض، وضغطت عليه القيود. زحف بالكرسي حتى اقترب منها وفجأة، سقط القناع الذي كان يخفي وجهه.
حاول أن يحرك يده لاسترجاع القناع، لكنه لم ينجح. لذا ترك أمره لله ثم هتف منادياً: -تقى، تقى بالله عليك ردي عليا أو إتحركي حتى عشان أطمن. فتحت عينيها ببطء وحركت بصرها في المكان بعشوائية، حتى وقع نظرها على وجه "يونس" المخيف! اتسعت عيناها بشكل مفاجئ، وانتفضت من مكانها لتصبح جاثية على ركبتيها، بينما انكمشت ملامح وجهها التي عبرت عن خوف عميق. انعكس بوضوح على تعبيراتها.
أدرك "يونس" أنها شعرت بالخوف من مظهر وجهه، لكنه لم يكن معنيًا بذلك، إلا أن هذا الأمر كان يؤلمه دائمًا. رأى كيف أن الناس تخشى الاقتراب منه، فتنفس بعمق ثم قال: -متخافيش من شكلي، ممكن تساعديني أقوم؟ إيدي بتوجعني، بسرعه علشان نفكر إزاي هنطلع من هنا؟ عندما أنهى كلماته، نهضت بسرعة واقتربت منه، محاولةً دعمه لرفعه عن الأرض. كانت المهمة صعبة نظرًا لجسدها النحيف، ولكنها تمكنت بعد جهد جهيد من رفعه.
جلست أمامه تلهث، بينما كان هو يصك على أسنانه من شدة الألم ثم قال: -أنتي كويسه؟ في حاجة بتوجعك؟ عارف إن كان صعب ترفعي الكرسي بيا! رفعت بصرها إليه، وشبه ابتسامة ارتسمت على شفتيها، ثم هزت رأسها في إشارة رفض. بعد ذلك، وقفت واقتربت منه، وبدأت تتأمل السلاسل، محاولةً إيجاد حل لفكها. حاولت سحب يده من قبضة السلاسل، لكنه تأذى وأطلق تأوه ألم، فابتعدت عنه بسرعة ونظرت إليه بتعبير أسف. تنهد بضيق مدركًا عجزه عن فك هذه القيود.
سرت في ذهنه آلاف الأسئلة حول سبب ملاحقته وما الذي يريده منه الآخرون، والآن يبدو أن الجميع يتعرض للأذى بسببه، حتى الفتاة التي لجأت إليه، فقد وجدت نفسها في مأزق بسببه. نظر إليها فوجدها تحدق به في صمت دون أن تصدر عنها أي رد فعل. شعر أنه يتوق لإفشاء ما في داخله، فاستجمع أنفاسه وقال: -مش عارف أنا مين؟ وليه دايما بهرب و ليه ديما أهلي بيحاولوا يخبوني؟! و ليه الناس دي بيدوروا عليا؟
أنا بقيت حاسس إني مجرد خطر على أقرب الناس ليا؛ كلهم بيتأذوا بسببي! تجلت آثار الحيرة على ملامحها وراودتها تساؤلات داخل ذهنها. رفعت يدها كأنها تسأله، لكنه لم يتمكن من فهم ما تود التعبير عنه. زمت شفتيها بدافع من الإحباط. وبعد دقائق من الصمت استطاع أن يفهم ما ترغب في قوله، فضحك وقال: -آسف بجد .. مش قادر أفهمك كويس، إنتي قصدك ليه بهرب؟
أومأت برأسها تأكيدًا ثم جلست تستمع إليه باهتمام، لتكتشف سبب وجوده، حيث كان الفضول واضحًا في عينيها للتعرف على هذا الشخص الذي بدا غريبًا. -هتصدقي لو قلت لك مش عارف ليه بهرب؛ بابا رفض يقولي حاجة حتى عن سبب التشوه الغريب اللي في وشي! بينما كان يتحدث، كانت هي تنصت له في صمت. وفجأة سمعت صوت خطوات قادمة، فانتفضت من مكانها وركضت نحوه.
وقفت خلفه كمن تبحث عن ملاذ، أمسكت به بقوة وجسدها يرتجف من الخوف، وبدأت دموعها تتلألأ في مقلتيها. شعر بخوفها من حركة يدها التي كانت تتشبث بها في ذراعه، فتحدث إليها محاولاً تهدئتها قائلاً: -متخافيش ربنا معنا، إهدي متبينيش ليهم إنك خايفة، تمام؟ فتح الباب ودخل رجلان يرتديان ثيابًا سوداء، يتبعهما رجل يبدو من مظهره أنه طبيب، حيث كان يحمل حقيبة بيده.
اقتربوا من "يونس"، وبدأ الطبيب بفحصه بدقة، مشيرًا إلى وجهه بتعبير من الاشمئزاز. ثم قام برفع ملابسه عن ذراعه، ليشهق بفزع عندما لاحظ ذراع "يونس" الغريبة، حيث كان جلده يشبه جلد الثعبان! مما أثار الخوف في نفسه. شعر "يونس" بغل شديد يملأ صدره، واشتدت حدة نظراته حين بدأوا يبعدون ملابسه عنه، وظهرت علامات الاشمئزاز والقرف على وجوههم! لم يستطع تحمل هذا الموقف، فانفجر هاتفا بغضب: -شيل إيدك عني إنتوا عايزين ايه مني؟
إنتوا مين و بتعملوا كده ليه؟ عندما رصدت "تقى" ملامح الغضب على وجه "يونس"، استجمعت قواها وتركت ذراعه التي كانت تمسك بها بقوة، ثم تقدمت نحو الطبيب ودفعته بقوة إلى الوراء. نظر إليها الطبيب بعبوس قبل أن يقترب منها، ويأخذ خصلات شعرها بين يديه ضاغطًا بقوة، ثم أطلق لها هذه الكلمات: -بصي لولا إن الباشا طلب مني ماحدش فيكم يتأذي؛ كنت قتلتك.. افضلي مكانك و إلا هفصل دماغك عن جسمك.
انفجرت مشاعر الغضب لدى "يونس" بشكل قوي فتسبب في تحريك الكرسي بعنف! لكن تم الإمساك به بإحكام. ترك الطبيب "تقى" وتقدم نحو "يونس" مرة أخرى، ثم فتح حقيبته وأخرج منها حقنة تحتوي على سائل. أمسك بذراع "يونس" ليوجه الحقنة نحوه، وفجأة أطلق صرخة وسقطت الحقنة من يده! وصل "أحمد" إلى الغابة، فنزل من سيارته وقلق كبير يعتصر قلبه. ركض نحو المنزل بقلب ينبض بشدة، وعندما لمح الباب مفتوحًا؛ تملكه الذعر.
دخل المنزل صارخًا بأسماء أبنائه، ولكنه لم يتلق أي رد! هرع نحو المطبخ، وعندما وصل إلى هناك، كانت الصدمة في انتظاره؛ عندما رأى إبنه يفترش الأرض وتحت قدميه بركة من الدماء. هوى قلبه وتجمد الدم في عروقه. تقدم نحوه بجسدٌ يرتعش من الخوف والرعب جثا بجانبه، ثم رفع رأسه عن الأرض وصرخ بذعر قائلاً: -"حسام".. "حسام" يا بني رد عليا إنت سامعني، استحمل يا بني.
أنهى كلماته وحاول حمل إبنه على ظهره، لكنه لم يفلح فأمسكه من ذراعيه وسحبه ببطء، وكان قلبه يتألم من أجله. وبعد معاناة، تمكن من مساعدته للوصول إلى السيارة، وبعد جهد كبير استطاع إدخاله فيها، ثم استقل مقعده وانطلق بسرعة جنونية. شعرت "مريم" بالذهول عندما اكتشفت أن من كان في الخارج ليست إلا ابنة عمها "شهيرة". حدقت بها دون أن تتفوه بكلمة، وكانت عيناها تعكسان سعادة غامرة.
استيقظت من حالة الصدمة عندما اقتربت منها "شهيرة" وعانقتها بحرارة، ثم صاحت فرحة: -وحشتيني أوى أوى يا مريومه قلت أعملها لكم مفاجأة. فصلت "مريم" بين العناق، ثم مدت يدها لتسحبها إلى الداخل، وهتفت تعبر عن فرحتها قائلة: -أجمل مفاجأة يا شوكي وحشتيني اوي.. اوي تعالي ندخل عند ماما هتفرح اوي.
دخلوا الغرفة ليجدوا "زينب" جالسةً في حالة من الحزن، حيث كانت تضع رأسها بين يديها ولم تلاحظ دخولهم على الإطلاق؛ إذ كان ذهنها مشغولاً بأبنائها وزوجها. كانت تشعر بالخوف الذي ينهش في أعماقها، وتعاني من ضيق يكاد يخنقها. فجأة.. انتشلها من أفكارها صوت "مريم" الذي يتردد في أرجاء المكان، وهي تصيح بسعادة قائلة: -ماما.. ماما بصي مين جه! شوكي وصلت أخيرا البيت نور.
رفعت "زينب" رأسها، محاولةً رسم ابتسامة على ثغرها، لكن خيوط الألم كانت واضحة في ملامح وجهها، ودموع متلألئة تجمعت في جفونها. انتاب "شهيرة" شعور بالقلق عندما رأت وجه زينب، حيث اجتاحها الخوف في تلك اللحظة! فاقتربت منها، وحيّتها ثم أمسكت بيدها، وهتفت بقلق متسائلة: -مالك يا طنط؟ إنتي كويسه.. ليه في دموع في عيونك؟ هو إيه اللي حصل يا "مريم" و ما قلتليش.
لم تتمكن "زينب" من كبح دموعها، فتدفقن على وجنتيها، بينما كان داخلها تعاني من وجع يفتك بها ببطء. ثم هتفت قائلة: -"يونس" و "حسام" في خطر و عمك راح كمان و أنا لسه مش عارفه حاجة عنهم خايفه اوي اوي و لا حد اتصل حتى لغاية دلوقتي! تبدلت ملامح "شهيرة" وتغلغل الحزن في عينيها، ثم وقفت تلامس وجهها بيدها بشكل متقطع. أخذت نفسًا عميقًا عندما شعرت بصعوبة في التنفس، ثم نطقت قائلة:
-نبلغ البوليس أو نعمل حاجة ليه قاعدين كده، مش عارفين عنهم حاجة؟ قطع حديثهم رنين هاتف "زينب"، الذي أعلن عن استقبال اتصال كانت بانتظاره بشغف. وعندما لمحت اسم زوجها، أسرعت بفتح الخط ووضعت الهاتف على أذنها للاستماع إلى ما حدث، بينما كان القلق يتسرب إلى قلبها. انشغلتا "مريم" و"شهيرة" بترقب تعابير وجهها لمعرفة ما وقع. فجأة، تبدلت ملامحها وأنهمرت دموعها، فسقط الهاتف من يدها.
تحولت ملامح "وليد" إلى ملامح الغضب، حيث أمسك بفكها بين يديه وضغط عليه بقوة، مما جعلها تتأوه من الألم وتظهر معالم المعاناة على وجهها. لم تتمكن من النطق، فقد شل حركتها، ثم تحدث قائلاً: -عاملة نفسك مش عارفه يا "منة" اومال الطفل اللي جوزك كان مخبيه، و بعته لصاحبه أنتي مش عارفة أن اللي هياخد الطفل هيبقى غني؟ ترك فكها، ثم ابتعد عنها، وعلى شفاهه ابتسامة تحمل في طياتها شيئاً من المكر. استمر قائلاً:
-هسيبك إنتي و بنتك بس بشرط لو نفذتيه هتتحرري مني. أخذت أنفاسها المرهقة وهي تتنفس بصعوبة من شدة التعب، ثم قالت متسائلة: -إيه هو الشرط ده؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!