نزلت كلمات تلك السيدة إلى مسامعهم كقذيفة مفاجئة، فاستداروا نحوها في لحظة واحدة، ملهوفين، يبحثون في حديثها عن بارقة أمل لإنقاذ "يونس". كان كلٌّ منهم يتمنّى أن يكون ما تقوله هو الطريقَ الوحيدَ الذي قد يُنقذه. وحين رأوه وبدأوا يتعرّفون على هويّتها، تجمّدت الأنفاس، وتوقّفت اللحظات في أعينهم. أما العائلة، فقد وقفوا مشدوهين أمام تلك السيدة التي كانت في سن "زينب"، تقف ثابتة بلا تعبير على وجهها، كأنها تمثال.
الأبناء لم يتعرفوا عليها، لكن "زينب" فزعت حين رأتها، وعرفت على الفور من هي! " أحمد" كذلك، لكن صدمتها لم تدم طويلًا. ابتعدوا نظرهم عنها وركضوا بسرعة إلى "يونس". حملوه في عجلة إلى غرفته وسط نحيب "تقى" الذي كان يمزق القلوب... وضعوه على سريره، فركض "حسام" نحو هاتفه وقال: -بابا، هكلم الدكتور بسرعة، يجي يلحق أخويا من اللي صابه. "يونس" مش محتاج دكتور يا ابني، "يونس" محتاج قرآن.
قالت السيدة ذلك وهي تتقدم نحو "يونس" بنظرة جامدة، ثم أضافت: -حد منكم يقرب منه، ويحط إيده على رأسه، ويقرأ قرآن بسرعة لو عايزين تنقذوه. لم يعطِها "حسام" فرصة لتكمل، فركض إلى جانب شقيقه بدون تفكير، وجلس بجانبه ووضع يده على جبينه، وبدأ يتلو ما تيسر من القرآن بصوت هادئ، بينما قلبه كان ينبض رعبًا خوفًا من أن يحدث شيء لشقيقه.
كلما ارتفع صوته في التلاوة، بدأ العرق يتصبب من جبين "يونس" كالسيل، وحرارته ارتفعت كأن جسده وسط نيران مشتعلة. جسده بدأ يتحرك بشكل عشوائي، ودموعه تتساقط بغزارة. كان وجهه شاحبًا، جلده أصبح شبيهًا بجلد الثعابين، ونصف وجهه الآخر بدا مخيفاً. كلما ساءت حالة "يونس"، زاد صوت "حسام" قوة في تلاوة القرآن. وبعد فترة قصيرة، بدأ "يونس" يسترخي شيئًا فشيئًا، حتى هدأ جسده وعاد إلى طبيعته. ثم فتح عينيه وحرك جفونه بصعوبة،
وقال بصوت خافت: -ميه... ميه... هرعت "تقى" بسرعة إلى الخارج، ولم تمر سوى ثوانٍ حتى عادت تجري وفي يدها كأس من الماء. جلست بجانب "يونس"، ورفعت رأسه قليلاً وساعدته على شرب الماء. ابتلع الكأس دفعة واحدة وكأنه لم يشرب الماء منذ وقت طويل. أبعدت الكأس عنه، فبقي يلهث وكأنه ركض مسافة طويلة، ثم أعاد رأسه إلى المخدة وقال بصوت خافت: -أنا آسف يا "تقى"، أنا آسف. بلهفة، احتضنت "تقى" كفه بين يديها، وابتسمت وهي تحاول تخفي مرارة قلقها،
وقالت: -بتتأسف على إيه؟ المهم إنك تكون كويس، ومفيش حاجة تانية تهم. لمعت عيناه، وهو ينظر إليها، وأول مرة يغرق في تفاصيل عينيها ويقرأ ما في قلبها. فالعين تبوح بما في القلب، وكان يشعر بوحشية الدنيا ومرارة الأيام، وكأن حياته كانت محطمة. ولكن حين ظهرت هي، كنسمة دافئة، جلبت السكينة إلى حياته، وصارت مرارته حلواً، وحطام حياته ربيعاً مشرقاً.
طال التحديق في عينيها وكأنهما مغناطيس يجذبهما، ولم يعد يرى شيئاً سوى تلك الكلمات المتحجرة في صدره، التي كانت تبوح بها عيونه. ازداد احمرار خجلها، وأمسكت بوجنتيه بين راحتي يديها، وقطعت لحظة الصمت قائلة: -ارتاح دلوقتي يا "يونس" علشان تبقى كويس، إنت تعبان. وضع يده على يدها التي كانت على خده، وابتسامة عذبة ظهرت على شفتيه، وقال: -بس إنتِ دواء تعبي ومسكن ألمي. خليكِ معايا علشان يخف ألمي.
احمرت وجنتاها بشدة، ودفء الخجل غمر وجهها حتى كاد يلتهمه. نظرت إلى الأرض سريعًا، وكأنها تهرب من عيون الجميع التي كانت تترقبها بنظراتها المتسائلة. قلبها كان ينبض بسرعة، وشعرت وكأن الأضواء مسلطة عليها، فكل نظرة من الحضور كانت تجعلها تزداد توترًا. لم تكن تتوقع أن يكون هذا الموقف بهذا الشكل، وكلما حاولت رفع عينيها، شعرت بأن أعينهم تلاحقها أكثر.
تنبهت "زينب" إلى الموقف سريعًا، وطلبت من الجميع الخروج ليأخذوا قسطًا من الراحة. لم ينبس أحد منهم بكلمة، وخرجوا تباعًا، تاركين "تقى" مع "يونس". وعندما خرج الجميع، أغلقت "زينب" الباب وراءها ثم توجهت إلى الخارج حيث مكان الجلوس، حيث جلس الجميع في انتظار معرفة هوية تلك السيدة. أما "أحمد" و"زينب"، فقد كانا يعرفان هويتها جيدًا، وقد زادت زيارتها قلقًا بالنسبة لهما. كسر صمت المكان المشحون بالتوتر صوت تلك السيدة،
التي بدأت حديثها قائلة: -على فكرة الأستاذ أحمد ومراته أكيد عارفين أنا مين؟ بس، الأولاد لأ. أنا "فاطمة" أم "يونس". نظروا إليها بدهشة وحيرة، متسائلين في أنفسهم: "هل هذه هي أم "يونس"؟ هل هي من تخلت عنه وهو في تلك السن الصغيرة؟ ألم تخشَ عليه من اليتم؟ ألم تخشَ عليه من قسوة الحياة؟ تركتـه في مصير مجهول؟ كل هذه التساؤلات دارت في أذهانهم، وقد أدركت هي ما يفكرون به، فتركت لهم فرصة للاستفسار عما يدور في عقولهم.
كُسر هذا الصمت المتوتر، حين هتف "حسام" متسائلًا: -مستحيل! تكوني أم؟! مش ممكن. إزاي تسيبي "يونس" لوحده كده وترجعي دلوقتي بكل البرود ده؟ سؤال "حسام" لم يُحرّك جفنًا من عينيها أو يُشعرها بالندم، بل على العكس، زادت ملامح وجهها قسوة، واسودّت عيناها كأنها تخبرهم عن قسوة قلبها، وأن لا مكان للحنان في داخله. حدّقت بهم، وهي تشبك يديها ببعضهما البعض، ثم بدأت حديثها بصوت بارد:
-كنت أجمل بنت في القرية، وكانوا كتير عايزين يتجوزوني، بس أنا كنت بحب واحد تاني. لكن القدر فرقنا، لما جوزني أبويا غصب عني لراجل أكبر مني بسنين كتير. عشت معاه أيام سودة، وسط حريمه التلاتة، وكل واحدة كانت بتحارب علشان تاخد ممتلكاته، وبيتباروا مين تخلف الولد. وقتها، حاولت بكل الطرق علشان أخلف، روحت عند ست كانت دجالة "ساحرة" عشان تساعدني. قالت لي وقتها إن لازم أدفع ثمن مقابل مساعدتيها دي...
صمتت لحظة، والجميع كانوا منتظرين تكمل حديثها، ليس بسبب حماسهم لسماع القصة، بل لأنهم كانوا يريدون معرفة سبب اختفائها وتركها ابنها وراءها كأنها رمت قطعة قماش دون قيمة. وكان من المؤكد أن معرفة الحقيقة ستدمرهم. ثم تابعت حديثها بنفس البرود: -طلبت مني إن لو خلفت ولد، تاخد مني ذهب كتير، وإن حد من قرايب جوزي يكون هو القربان بعد ما أخلف.
لكن لو خلفت بنت، كانت هتاخد البنت مني. وافقت وقتها، لأن كان كل همي أخد كل حاجة من ممتلكات جوزي مهما كان الثمن. كنت بنفذ كل طلباتها، وهي كانت منتظرة الخبر لحد ما في يوم اكتشفت إني حامل، فرحتي كانت كبيرة. مش علشان الحمل، لكن علشان هأخد كل حاجة. ثم، بينما كانت تحاول استكمال كلامها، قاطعها "حسام" بنبرة غاضبة مليئة بالكراهية والغضب، وعيناه مليئتان بمشاعر لا توصف تجاه هذه السيدة:
-بصي، كملي باختصار، عشان بدأت أزهق من حكاياتك الخيالية بسرعة، قبل ما يصحى "يونس". رمقته بنظرة غاضبة شديدة بسبب تدخله المتكرر في حديثها. لو كانت النظرات تُحرق، لكان الحريق قد اجتاح المكان من شدة الغضب. كانت مشاعرها ظاهرة على وجهها، والغضب يسيطر على عينيها. ثم، استمرت في سرد قصتها وهي تقول:
-بعد الحمل، كنت بروح لها كل يوم لحد ما ولدت ابني. كنت فرحانه أوي، وجوزي وقتها قال لهم إن كل الممتلكات هتبقى ليا، لكن زوجاته ما تقبلوش إللي حصل. زوجته الأولى قتلتُه، وبعد موته دخلت السجن، وأنا بقيت لوحدي مع زوجته الثانية، اللي كانت دايمًا بتقابل واحد اسمه "وليد". ما كنتش فاهمة هو عايز إيه. لحد ما في يوم وأنا ماشية في الجنينة ومعايا ابني، لقيت قدامي الدجالة. "فلاش باك:
وقفت وسط حديقة منزلها الواسعة، تستنشق هواءً نقيًا، تحتضن ابنها إلى صدرها، والبسمة تعلو وجهها.
حصلت على كل ما تمنته: طفل، وكل ممتلكات زوجها بالكامل. خلاص، هي كانت في غاية السعادة. كل شيء كان قد تحقق، وكانت مثل الطير الذي يطير في السماء. لكن كما يحدث دائمًا، لا يدوم الحال على ما يرام. بينما كانت تمشي بين الشجيرات، شعرت بشيء غريب، شخص ما يتتبع خطواتها. في لحظة، أصابتها نوبة من القلق، وبدأ قلبها ينبض بسرعة. استدارت بسرعة، محاولةً اكتشاف من يقترب منها، لكنها لم تجد أحدًا. فجأة، هتفت بقلق: -في حد هنا؟ مين هنا؟
اطلع بسرعة. وفور انتهاء كلماتها، ظهر أمامها آخر شخص كانت تتوقعه. كانت تلك الساحرة العجوز، التي تقدمت إليها بمظهرها المخيف، ثم قالت: -هل نسيتِ اتفاقنا يا أم "يونس"؟ فين حقي؟ فين كل إللي طلبته منك؟ غضبت أم "يونس" من تلك الساحرة، ولم تكن تنوي منحها أي شيء مما حصلت عليه. الطمع كان قد أعمى عينيها، وأصبح لا شيء يوقف رغباتها. لم تعد ترى سوى ما تملكه. نظرت إلى الساحرة باحتقار، وقالت:
-روحي من هنا، مالكيش حاجة عندي. بدل ما أطلب لك البوليس، اطلعي من هنا. تجهمت ملامح الساحرة، وتحولت إلى شيء مرعب، كما أصبح لون عينيها أسود، وكأن داخلها حريق يخرج دخانه حتى زاد السواد في عينيها. لم تستطع بلع الخدعة التي نصبته لها "فاطمة"، وتجمع في قلبها كل الحقد والشر في لحظة واحدة وهي تحدق في الرضيع، ثم قالت بصوت قوي يثير الرعب في النفوس: -هيدفع أبنك ثمن غدرك بيا!
هتدمره بلعنتي وسحري، وهيعيش بنص وش مشوه، وجلده هيبقى زي التعبان. السحر هيفضل ملازمه. مش هيرحمه حد! تفوهت الساحرة بتلك الكلمات التي كانت محملة بالغضب العارم، والتوعد، والإصرار على تنفيذ ما وعدت به. كانت تحترق من الداخل، ولم تستطع تقبل ما فعلته بها "فاطمة". لم تقبل تلك الخدعة التي نُفذت ضدها، فانصرفت غاضبة، حاقدة، ومصممة على هدفها، لن تتوقف قبل أن تنقض على ذلك الصغير الذي كان ضحية طمع والدته.
ومنذ ذلك اليوم، بعد اختفاء الساحرة، نسيت أم "يونس" أمرها، وعاشت مع ابنها أيامًا جميلة. وفي إحدى الليالي، بينما سكن الليل ونام الجميع، وهدأت النفوس، كانت أم يونس تغفو في سلام، لكنها استيقظت فجأة على صرخات طفلها التي لم تكن عادية. كان يبكي بصوت عالٍ دون توقف. حاولت احتضانه ليهدأ وينام، لكن دون جدوى. قامت بهلع، مسرعة، وأضاءت الغرفة، ثم هرعت إليه لتكتشف السبب وراء بكائه الشديد. وما إن رأت وجه طفلها حتى صُدمت. لقد أصبح نصف وجهه مشوهًا بشكل مريب ومرعب، وجلد جسده أصبح كالثعبان.
تجمدت أم يونس في مكانها، قلبها يكاد يتوقف من الصدمة. لم تستطع أن تصدق ما تراه عيناها. نظرت إلى وجه طفلها المشوه، ثم إلى جسده الذي تحول إلى شيء غير طبيعي. أصابها الذعر الشديد، وشعرت كأن العالم كله انهار أمامها. صوت قلبها كان يدق بسرعة غير طبيعية، وعقلها يحاول أن يستوعب ما حدث. كانت تشعر بخوف لا يوصف، وحيرة تلتهم عقلها.
كلمات الساحرة كانت كأنها جرس رن في ذهنها، وأيقنت أن الساحرة هي السبب فيما حدث لصغيرها. نظرت إليه لحظة، وهو يصرخ بين يديها. هل تختار صغيرها أم تختار المال الذي تركه زوجها؟ لكن لثانية، طغى الطمع على قلبها، فحملت صغيرها بين يديها وهي تفكر كيف تتخلص منه، وكأنه لم يكن جزءاً منها.
بعد عدة أيام، تقبلت شكل ابنها، أو بالأحرى، لم يعد يهمها. تركته على حاله، وكان في كل زيارة يأتي "وليد" إليهم، يطيل النظر إلى الرضيع، ويحمله ويداعبه. ولكن لم تكن نظراته نظرات حب، بل كانت تحمل خبثًا كبيرًا وشرًا ونية سيئة. لم تفهم "فاطمة" سبب زيارته لهم، ولا الصلة التي تربطه بضرتها. لكن حتى سمعت في إحدى الأيام حديثه مع ضرتها خفية، قائلًا:
-أنا هأخذ العيل ده لأنه فيه كل المواصفات اللي قال عليها الدجال، وهطلع بيه الكنز. وأنتِ بيعي كل حاجة حتى البيت، وسافري من هنا، واتخلصي منها كده محادش هيعرف حاجة... "باك" انهت كلماتها وهي لا تزال على نفس هدوئها وصلابتها، مع تلك الخطوط القاسية التي تميز ملامحها. أخذت رشفة من الماء، وقبل أن تكمل، قطع "حسام" حديثها مرة أخرى متسائلًا: -إزاي تكوني عملتي كدة؟ مستحيل تكوني بشر زيينا! إزاي ضحيتِ بابنك عشان الفلوس؟!
دمرتي حياته! إزاي لسه عندك ضمير تيجي بيه هنا؟! ردت عليه بكلمات مختصرة، وبكل جمود كما اعتادت: -حتى أبويا باعني عشان الفلوس، وحرق قلبي. مش بقي عندي قلب أحب بيه حتى ابني. -كملي كلامك بسرعة واطلعي من هنا، عشان مستحيل اسمح لك ترجّعي الحزن لقلب أخويا حتى لو كنت هقف قدامك علشانه. رمقته بنظراتها ثابتة، التي تشبه جمود الجليد، ثم اكملت حديثها بنفس نبرة الجمود تلك قائلة:
-يومها بقيت بدور على أي عيلة اشتغل عندهم، وأسيب "يونس" عندهم وبعدين أهرب بكل أملاك جوزي و مفيش حد هيدور ورايا. كنت عارفه إن "وليد" مش هسيب "يونس"! بس الفلوس كانت عندي أهم، جيت واشتغلت كام يوم هنا وبعدين سيبت ليهم "يونس"، ووقتها بعت كل ممتلكات جوزي وهربت بالفلوس وسبت كل حاجة ورايا حتى مراته سيبتها.
توقفت عن الكلام تبتلع لعابها لترطب حلقها الجاف من كثرة الحديث، وتنهدت بعمق، وكأن ذكريات الماضي تثقل كاهلها، لا ترغب في سرد ما قد حدث سابقاً أو بالأحرى لا يهمها ما مضى كانت تريد الخلاص منه بشتى الطرق، وتضحي بكل شيء مثلما فرطت بفلذة كبدها وهو لا يدري شيء.
دام صمتهم لدقائق كل منهم ينتظر أن يبوح أحد منهم بأسئلته التي تمكث في ذهنه وتزعجه، كسرت "زينب" لحظة صمتهم وأنقذت أدمغتهم من تلك الأسئلة التي تلتهم عقولهم في الداخل وتتحجر الكلمات في أفواههم لا تريد الخروج! -ليه رجعتي دلوقتي؟ وإزاي عرفتي إن "يونس" هتجيله الحالة دي في الوقت ده بالذات وإن القرآن علاجه؟
أعادت النظر لهم وتدافعت في ذهنها ذكريات مؤلمة وكل ما علمته حين تخلت عن ابنها من دون أن يرف لها جفن أو يتحرك لها قلب، وقد تجمدت كل مشاعرها وأصبحت كتلة جليد لا ينصهر، وذهب ضميرها واستحوذ عليه طمعها، وكأن ما فعله بها والدها يكون ضحيته ابنها البريء، الذي قد أتى لحياة مشبعة بالطمع ويلتف حوله مثل ثعبان الشر، ولكن الله كان به رحيماً، وسخر له عائلته الجديدة عوضاً.
-أنا رجعت علشان "يونس" يعرف الحقيقة، بعد ما سيبته ليكم رجعت عشت حياة مُرّة مع المرض إللي أخذ مني كل حاجة فلوسي صحتي، بقيت بس بدور إزاي أتعالج وألقي حل لإبني علشان يتفك من عليه اللعنة دي، بس عرفت أن هيبقى تجيله الحالة دي كل ما يفرح ومفيش حاجة هتهديه غير القرآن. نظروا لبعضهم متسائلين والدهشة أصبحت جالية على ملامحهم، وكأنها أدركت ما يجول في خواطرهم فاستطردت قائلة:
-عارفه هتقولوا إزاي عرفتي، إن "يونس" هيتعب إنهارده بالذات؟ أنا مراقبة "يونس" من زمان ولما عرفت إن إنهارده فرحه عرفت إنه هيجيله الحالة دي في أكتر أيامه سعاده. فور إنهاء كلماتها، انتفض "حسام" من مكانه واقفاً، والغضب واضحاً على معالم وجهه ثم قال بانفعال واضح من صوته: -واستنيتي لغاية يوم فرحه وفكرتي ترجعي له علشان تشوفيه بالحالة دي، وجاية بالبرود ده روحي لفلوسك يمكن تنفعك وابعدي عن أخويا.
نهض "أحمد" أيضاً ووضع يده على كتف ابنه وخاطبه قائلاً: -اطمن إحنا مش هنسمح لها تقرب من "يونس". ده ابننا. وقفت هي الأخرى، ومازال ذلك الجمود على ملامحها التي تتخللها خيوط الألم والمرض، ثم قالت بنفس نبرتها الباردة قائلة: -أنا رجعت علشان "يونس"، علشان أشوفه في آخر أيامي علشان المرض هدني والفلوس اللي رميته علشانها لازم يأخذها علشان حقه. بمجرد أن أنهت كلماتها، خيم صمتٌ لثوانٍ قليلة، حتى كسره آخر شخصٍ لم يتوقعه.
-حق أيه إللي آخذه أنا... ومين أنت؟ تملكتهم الصدمة والخوف، واتسعت حدقتا أعينهم خشيةً من أن يكون "يونس" قد سمع ما دار بينهم. سؤاله قد أصابهم برهبةٍ كبيرة. وكان الخوف من اكتشاف الحقيقة يهدد بتدميرهم جميعًا. تزايد قلقهم عندما اقترب منهم ووجه سؤاله إلى "زينب" قائلاً: -مين الست دي، وتعرفني منين، وحق إيه اللي بتتكلم عليه؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!