الفصل 28 | من 32 فصل

رواية من انا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم حليمة عدادي

المشاهدات
20
كلمة
3,530
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

صرخات "يونس" لم تتوقف، بل ازدادت حدة، كأنها رعب يقطع سكون الليل بسكين باردة. خرج الجميع من غرفهم مذعورين، ووقفوا أمام غرفة "يونس" يطرقون الباب بهلع، والخوف ينهش ملامحهم. أما في الداخل، فكان "يونس" يلتوي على سريره، وقد تغير لون جلده تمامًا، واشتعلت عيناه بحمرة كالدم. نصف وجهه تحول بقوة غريبة، حتى صار مرعب الملامح، بينما يتلوى من ألم يمزق جسده، وشعر باختناق يطبق على صدره.

هرعت "تقى" إلى عباءتها، ارتدتها بعجلة وهي تبكي، ثم وضعت حجابها على شعرها بإهمال، واندفعت نحو الباب. فتحته وهي تنتحب وتردد بصوت مرتجف: -بابا الحق "يونس"! مش عارفة ماله... بالله عليك، اعمل حاجة! اندفع الجميع إلى الداخل في حالة من الفزع، بينما ركض "حسام" خارجًا.

جلست "تقى" إلى جانبه، ممسكة بيده، ودموعها تتساقط. كان والداه في حالة من الرعب الشديد، ولم يشعروا بالعجز من قبل مثلما شعروا في تلك اللحظة، وهم يرون حالته بهذا الشكل! كان جسده يتلوى في منظر مزق القلوب، فيما كانت خيوط الدموع تسيل من عيني "تقى". غير قادر على التحكم في نفسه بسبب شدة الألم. لم يعرفوا كيف يتصرفون، وكل ما كانوا يفعلونه هو محاولة تهدئته حتى دخل "حسام"، راكضًا، وقال: -ابعدوا شوية، هقرأ عليه قرآن، يمكن يهدأ.

ابتعد الجميع من أمامه، فقفز "حسام" إلى السرير، جالسًا بجانب "يونس"، ثم أمسك بيده وبدأ في قراءة ما تيسر من القرآن. وفي الجهة الأخرى، كانت "تقى" ممسكة بيده بين كفيها، وهي تبكي وقلبها يرتجف خوفًا. وتتمنى لو كان بإمكانها أن تشاركه الألم، وأن تعيش مع وجعه. أما "زينب"، فقد كانت لا تقل حزنًا عنهم، ودموعها تنهمر على وجنتيها، وقلبها ينفطر، تدعو الله بقلق أن يخفف عنه.

بعد فترة، بدأ جسد "يونس" يعود إلى طبيعته، وأغمض عينيه، واستكان جسده على السرير. نظرت إليه "تقى" بقلق شديد وقالت بصوت مرتجف: -هو ماله؟ غمض عينيه وما بيتحركش ليه؟ هو كويس يا بابا، هو سامعني؟ قالت كلماتها وهي تبكي، عيناها تراقبان "يونس" حتى شعرت به يحرك يده بين كفيها. ابتسمت وسط دموعها، ثم قبلت راحة يده، وهتفت بصوت مرتعش: -"يونس"، أنت سامعني؟ أنت كويس؟ رد عليَّ. توقف "حسام" عن القراءة، ثم نظر إليهم وقال:

-سيبوه يرتاح شوية، هو إيه إللي خلاه يوصل للحالة دي. والأهم دلوقتي، إنه محتاج يخلص من اللعنة دي قبل ما تضمره. تنهد "أحمد" بضيق وقلق مما هو قادم، تملأه عاصفة من الهلع والخوف، وهو يرى ابنه ساكنًا بلا حراك، ضعيفًا كما لم يره من قبل. لم يرَ دموعه طيلة شبابه، وها هي الآن تنهمر دون إرادة، كأنه فقد السيطرة على نفسه. لقد انهار الجبل، وخارت قواه!

خرج الجميع من الغرفة، ولم يتبق سوى "زينب" بجانبه، بينما "تقى" لا تزال تبكي بحرقة، وقد غير الحزن ملامح وجهها. كانت تراه يتألم، يتعذب في كل ثانية، وعجزت عن فعل أي شيء. لم تجد في قلبها قوة، ولا في عقلها صبر. لقد انهارت بالكامل، وكاد عقلها أن يصاب بالجنون. تنهدت تنهيدة باكية، ثم قالت: –هنعمل إيه يا ماما؟ مش قادرة أشوف "يونس" كده... قلبي بيموت ألف مرة وأنا شيفاه كده... أنا مستعدة أعمل أي حاجة، المهم هو يفضل بخير.

ربتت "زينب" على يدها، وهي تشعر بنفس الألم، هناك ثقل في صدرها، وحزن عميق يغزو قلبها. –ادعيله يا بنتي، يلاقي الست اللي عملت فيه كده... وتقدر تقوله سر فك اللعنة دي. أنهت "زينب" كلماتها، ثم أمسكت يد "يونس" وهي تبكي وتدعو في سرها. فجأة، سمعته يقول بصوت هامس: –متخافيش يا ماما أنا كويس، بلاش تعيطوا. جففت "زينب" دموعها بسرعة، ثم مسحت بيدها على شعره وقالت: -حبيبي، إنت كويس؟ حاسس بحاجة بتوجعك؟ قول يا حبيبي ماتخبيش علينا؟

رد بصوت ضعيف، أقرب للهمس: –حاجة واحدة إللي بتوجعني دموعكم يا ماما. "تقى"، بلاش تعيطي علشان خاطري. جفت "تقى" دموعها وهي تبتسم ابتسامة باهتة، يترافق معها اضطراب في صدرها، وتلك العبرة لا تزال محصورة في عينيها. قلبها كالعاصفة لم يهدأ، كأن لهيبًا يتأجج في أعماقها. أمسكت بيده برفق، وقبلتها بنعومة وهي تنظر في عينيه، ثم قالت بصوت مرتعش: –المهم تبقى كويس يا (ننّوسي) ، وأنا مش هعيط تاني، وعد.

ابتسم ابتسامة باهتة، لكنها حملت دفئًا صادقًا، كما لو أن كلماتها تُنعشه وتخفف من ألمه. حرّك شفتيه بتعب، وقال: –طالعة منك زي العسل (ننُّوسي) دي... طيب يا قلب (ننُّوسك) ، امسحي دموعك. أطلقت "زينب" حمحمة خفيفة وهي تبتسم، تخفي داخلها فرحًا بالعلاقة الجميلة بين ابنها وزوجته. في قلبها رجاء صادق بأن يُشفى ابنها، ويحيا مع زوجته حياة هانئة.

انتبه "يونس" و"تقى" إلى وجودها، فخجلت وقد أطرقت رأسها حياءً. أما "زينب"، فتقدّمت نحوه بخطى هادئة وقالت برقة، وهي تتحرك في اتجاه الباب: –ارتاح يا حبيبي شوية لو احتجت حاجة؛ ناديني علطول. قالت كلماتها بابتسامة دافئة، ثم خرجت من الغرفة وهي تتنهد، تحمل في داخلها قلقًا من القادم، لكن قلبها مملوء بأمل كبير في الله. خرجت "زينب" وأغلقت الباب خلفها، بينما سكن "يونس"، وقد بدا الحزن واضحًا على ملامح وجهه.

شعر برعشة في يده التي كانت بين يدي "تقى"، التي نظرت إليه بقلق حين رأت الحزن في عينيه، وكأن ذلك الحزن سحابة مظلمة غطت محياه. شعرت برعشة يده، واهتز كفها نتيجة لذلك، فضغطت على كفه بحنان محاولة أن تهدئه. بصوت حزين مصحوب بقلق، تحدثت "تقى" قائلة: -"يونس"، بلاش تفكر كتير يا قلبي، وتهلك نفسك. ارتاح دلوقتي، مش وقت التفكير. أنت محتاج راحة. أغمض "يونس" عينيه، محاولًا الهروب من نظراتها التي كانت كأمواج لا يستطيع مقاومتها.

اغمض جفونه ببعضها بقوة، وشعر بغصة في حلقه، وكأنها قطع زجاج تمزق أحبال صوته. كان ما يريد البوح به عالقًا في حلقه، لا يستطيع إخراجه. لكنه شعر أنَّه لا مفر، ولا بدَّ من البوح. تنهد بعمق، وابتلع ريقه، وكأنه يزيد الغصة في حلقه، ثم قال بحزن عميق: -"تقى"، أنا هكون سبب حزنك.... طول عمري مش هقدر أكون زوج ليكِ، و هحرّمك من إنك تبقي أم. بقيت حاسس إني لعنة، بسبب الحزن اللي أنا جايبه ليكم كلكم...

توقفت كلماته حين شعر بأنامل "تقى" على شفتيه، وكأنها تمنعه من أن يواصل. كان هناك غضب في عينيها، فقالت بنبرة حازمة: -يونس، آخر مرة أسمعك تقول كده. أنت عمرُك ما كنت حزن ليَّ. أنت سندي، وعوض ربنا ليا. أنا جنبك في الحلوة والمرة. وإذا كنت فاكر نفسك لعنة، فأنا اللي اخترت أكون معاك. يا إما نعيش سوا، أو نموت سوا، يا "يونس"؟!

لم يستطع "يونس" أن يبوح بأي شيء آخر، فكل كلمة كانت كالسيف يمزق قلبه. كان يموت رعبًا من فكرة أن تبتعد عنه، ويخشى أن تكون حياته سبب تعاستها طوال عمرها. كان يخاف أن يظل هكذا، يعيش في قلق مستمر، ولا يطاوعه قلبه أن يفرط فيها، خوفًا من أن يجلب لها الحزن.

يشعر أنه لا يستطيع التنفس دونها، فهي التي أضاءت حياته بعد وحدة عاشها طيلة طفولته. هي التي جاءت وآنست وحدته، وضمدت جروحه. كانت، ولا تزال، مثل مسكن للألم، تريح قلبه وتشفي جروحه لم يعد يريد شيئًا في هذه الحياة سوى سعادتها، وابتسامتها التي تنير حياته. بين كل النقاط السوداء، هي النقطة البيضاء، التي تمنح حياته الأمل من جديد.

طال صمته وهو يفكر، مما زاد من قلق "تقى"، فشعرت بجفاف في حلقها، وبدأت الدموع تلمع في عينيها. كان نبض قلبها مسموعًا من شدة توترها وقلقها الذي بلغ ذروته. بصوت مهزوز، قالت: -"يونس"، بالله عليك، بلاش تخوفني عليك. ده وجع... هيمر، كل الصعاب هتمر، وجاي أيام حلوة إن شاء الله. خلي عندك أمل في ربنا.

صوتها الحزين جعل قلبه يتألم، فحاول النهوض ببطء حتى جلس، ثم جذبها إلى حضنه بحنان، يمسح على ظهرها حتى شعر بسكونها بين يديه، وصوت أنفاسها يعلو بسبب بكائها. تنهد بعمق، وقال: -خلاص بلاش تعيطي، حبيبتي دموعك غالية عليّ. هكون كويس علشانك. هعمل كل حاجة علشان الكرب ده ينتهي، و أشوف ابتسامتك تاني. مسحت دموعها بأطراف أصابعها، ثم ابتعدت عنه قليلاً وقالت بتساؤل: -"يونس"، فين المكان اللي بنلاقي فيه راحتنا سوا؟ ابتسم ابتسامة هادئة،

وقال: -ركن الصلاة والقرآن...... ده المكان اللي جهزته مخصوص علشانك. تبادلا الابتسامة، وعينيها تلمع بالدموع، وكأن ابتسامته كانت مرهمًا لحزنها. ثم قالت: -يلا نتوضأ ونصلي مع بعض علشان نلاقي راحتنا، وندعي ربنا يحقق لنا كل اللي نفسنا فيه. دخل ليتوضأ، بينما "تقى" وقفت تراقبه، استعدادًا لتوضؤها هي الأخرى. قلبها مشغول بالدعاء، تتمنى أن تجد راحة لنفسها ولزوجها، وأن تشكو همومها إلى الله. لم يعد يشغلها شيء سوى أن ترى زوجها بخير.

بعد قليل، انتهيا من الوضوء، وقف يونس أمامها وهي خلفه، ثم بدأ كل منهما الصلاة بخشوع. قلبها كان مطمئنًا وعقلها ساكنًا، وعندما سجدت، لم تستطع منع دموعها من السقوط، فقد شعرت بضعف شديد في قلبها، وكأن كل أعباء الحياة تساقطت في تلك اللحظة. كانت تتضرع إلى الله أن يشفي زوجها، وأن يفتح له أبواب الفرج، ويبارك لهما في مستقبلهما معًا.

أما يونس، فكان يدعو بقلب مرتجف، ودموعه تتجمع في عينيه. كان يرفع يديه إلى السماء، يتضرع إلى خالقه أن يخفف عنه الألم، وأن يشفيه ليعيش حياة خالية من المعاناة. انتهوا من الصلاة، وما زالت دموع "تقى" تذرف، وهي تضع يدها على صدرها، تأخذ نفسًا عميقًا، وعبرتها ترتفع شيئًا فشيئًا. عندما رفعت رأسها، وجدت "يونس" ينظر إليها. جففت دموعها بسرعة حتى لا يشعر بالحزن. ثم قامت، حملت السجادة وضعتها في مكانها، وجلست بجوار "يونس" وقالت:

-يونس، قوم علشان تنام شوية، الوقت اتأخر، وبكرة هتسافر. استدار إليها بابتسامة، ثم مسك رأسها بين يديه، ولثم جبينها بقبلة، ثم ابتعد وقال: -يلا، أنت كمان علشان ترتاحي. تعبتك معايا أوي الليلة. مسكت يده، وقاموا معًا متجهين إلى سرير النوم، وكل واحد منهم كان داخله أمل وأمنية أن يمر الغد بسلام، وأن يحصلوا على ما يتمنون.

في الصباح، أشرقت الشمس بنور ساطع، تبعث الأمل في القلوب ودفء في النفوس. كانت "زينب" تقف في المطبخ برفقة أم "تقى"، يعدان طعام الإفطار، وهما يتحدثان معًا، حتى دخلت "تقى" وألقت عليهما التحية، ثم تقدمت منهما وقبلت وجنتيهما، وقالت: -صباح الفل على أحلى أمهات في الدنيا كلها! ليه ماصحتنيش عشان أعمل الفطار؟ ليه تعبتوا نفسكم؟ ضحكت "زينب" بخفة، وهي تضع إبريق الشاي على الغاز، ثم قالت مازحة:

-أمك بتقول إنك كسلانة في الطبخ، قلت أسيبك تنامي شوية. أكملت "زينب" كلماتها وضحكت هي ووالدة "تقى"، بينما كانت تقى تنظر إلى والدتها بذهول، وعيونها تكاد تخرج من مكانهما، ثم قالت بصدمه: -أخس عليكِ يا ماما! أنا كده؟ مش تقولي على بنتك شاطرة وتخليني أتعلم! ضحكوا جميعًا بصوت واحد، مليء بالبهجة، بينما تقدمت "تقى" إلى الخارج. وقبل أن تغادر، توقفت عند كلمات "زينب" التي قالت: -تقى هتسافري مع "يونس" للبلد؟

عادت "تقى" إلى المكان الذي كانت تقف به "زينب"، ثم تحدثت بجدية قائلة: -أكيد يا ماما، إذا وافق طبعًا، علشان مش هكون مطمنة غير لو كنت معاه. تحدثت "زينب" بصوت دافئ: -إن شاء الله يا بنتي. يلا روحي صحيه علشان الفطور جاهز والكل صحي. أجابتها "تقى" بسرعة وتغادر: -ماشي يا ماما، هروح أصحيه علشان ما نتأخرش. انتهت من حديثها وخرجت مسرعة إلى غرفتهما. دخلت بهدوء، وحينما كانت على وشك الدخول، وجدته يقف أمام المرآة يعدل هندامه.

وقفت في مكانها، تراقب كل حركة له بإعجاب. عيونها كانت تتابع كل تفصيلة، وكأنها تشيع حبًا في كل ما يفعله. مسك المشط بعناية وصفف شعره، ثم أخذ عطره ورش منه القليل. كان هذا العطر يأخذها إلى عالم آخر. وحين انتهى، توجه ليخرج، ليجدها متكئة على الباب، بابتسامة تزين شفتيها وعينها تلمع بالبريق.

وقفا في تلك اللحظة، يتأمل كل منهما الآخر وكأنهم في مشهد من عالم آخر، وكأنها لوحة فنية أبدعها الخالق. شعر "يونس" في تلك اللحظة أن جمالها أصبح ملك قلبه وعقله، وأنه كل يوم يقع في حبها أكثر. تقدمت "تقى" نحو يونس، وما زالت الابتسامة تزين وجهها، ثم وضعت يدها على صدره وهتفت بنبرة مشاكسة: -إيه الجمال ده يا نانوسي؟ كده مش هسمح لك تخرج يا أستاذ!

ضحك "يونس" بخفة، كلماتها كانت موسيقى تدغدغ مشاعره. جذبها إلى حضنه بقوة، كأنها جزء منه، وكأن هذا هو المكان الطبيعي لها. وضعت رأسها على كتفه، ثم رفعت رأسها لتلتقي عيونهم. قال لها في هدوء: -الجمال جمال عيونك إللي سحرتني. وليه مش مسموح أخرج يا توته؟ زمت "تقى" شفتيها وضيقت عينيها بشكل طفولي، ثم قالت بعناد: -علشان الكل هيبصلك، وأنت عارف لو بصتلك أي ست مش مسؤولة عن إللي هعمله فيها يا نانوسي. ابتسم "يونس" بحب وقال:

-قلبي وعقلي وكل حاجة في حياتي ملك توته، ومستحيل أفكر في حد غير توته. ختم كلماته بقبلة كلها حنية على رأسها، ثم أبعدها عنه قليلاً وقال: -"تقى"، أنا هسافر، خلي بالك من نفسك، وبلاش عياط أو زعل، ماشي يا عيوني؟ نظرت إليه في صمت للحظات، ثم قالت بصوت هادئ، وقد شعرت بالحزن يتسلل إليها: -بس أنا هروح معاك يا "يونس" علشان مش هقدر أبقى مطمئنة عليك لو مكنتش معاك. أمسك بوجنتيها بين راحتيه وهو ينظر في عينيها بعمق، ثم قال بجدية:

-بصي يا توته، ده موضوع صعب. إحنا مش عارفين هنتعرض لإيه هناك، وكده ده ممكن يكون خطر عليك. خلينا نعرف الأول إذا كانت لسه عايشة، وبعدها نبقى نفكر. عبست ملامحها وأخفضت رأسها، تنظر للأرض وكأنها تتصارع مع مشاعرها، ثم قالت بقلق: -بس مش هقدر أكون مطمئنة عليك. عايزة أكون جنبك يا "يونس" بص هعد في العربية مش هنزل منها. ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال: -أنتِ في قلبي يا توته، معايا في كل مكان. كل اللي محتاجه دلوقتي هو دعواتك.

رفعت رأسها مجددًا، وابتسمت ابتسامة هادئة مصحوبة بتنهيدة، ثم قالت: -هدعيلك يا قلبي، ترجع لي بالسلامة وتحقق كل إللي في قلبك. يلا، علشان تفطر قبل ما تسافر. أمسك يدها، ثم تقدما إلى الخارج. كان الجميع مجتمعين حول المائدة. ألقى عليهم تحية الصباح، ثم جلس بجانب "تقى". بدأو الفطور في هدوء تام حتى انتهوا، ثم نهض "حسام" و"مؤمن" للذهاب إلى المطعم، بينما تجهز "أحمد" و"يونس" للسفر. تقدم "حسام" صوب شقيقه، ثم ربت على كتفه وقال:

-هترجع بالبشرى، هترجع بالخبر الحلو باذن الله، وتلاقي اللي كنت رايح علشانه.... ربنا كبير يا حبيب أخوك. لم يكن رد "يونس" سوى ابتسامة، بينما كانت عيناه تراقبان تلك التي تقف بجانبه حزينة، حتى وإن حاولت إخفاء مشاعرها، كان يراها بوضوح في عينيها. مهما حاولت التماسك، كان الحزن يثقل قلبها، ويشعر جسدها بالإرهاق. كان ذهابه كأنه فصل جزءاً منها عن نفسها، لتبقى نصف جسد. مسك يدها برفق وضغط عليها بحنان، ثم قال:

-"تقى"، بلاش الحزن ده اللي في عيونك، وإلا مش هروح. جاهدت كثيرًا لكي تخفي حزنها، ورسمت بسمة على شفتيها، وهي تهرب من النظر في عينيه، ثم قالت: -مش زعلانة يا "يونس"، إنت بس مكبر الموضوع. يلا، علشان تروح. رغم أنها حاولت إخفاء مشاعرها، إلا أنه كان يعرفها جيدًا. لكنه كان مصممًا على الذهاب لمَ هو عازم عليه، ليعيشوا بسلام بقية حياتهم.

تقدم إلى والدته وعانقها، ثم ودع البقية، وخرج مع الجميع إلى السيارة. استقل أحمد مقعده بينما "يونس"، عاد إليها ووضع قبلة على جبينها، ثم همس في أذنها قائلاً: -هرجع ليك يا توتيه، بلاش حزن يا قلبي. أنهى كلماته، ثم ركب جانب والده، وانطلقوا في طريقهم، وكلهم أمل ينبض داخلهم. بينما ذهب "حسام" و"مؤمن" إلى العمل، دخل البقية إلى المنزل. في سيارة "أحمد"، استمر الصمت بينهم سوى صوت أنفاس "يونس" المضطربة، وقلبه الحزين على محبوبته.

كان يشعر بالخوف الذي يتراكم داخله من عدم إيجاد علاج لهذه اللعنة، وأنه ربما يعود إليها وقد جرّ خلفه خيباته، ويحرّمها من سعادتها. أخرجه من شروده صوت "أحمد" قائلاً: -اطمئن يا "يونس"، إن شاء الله خير، وبلاش تفكر كتير. تنهد "يونس" بعمق، ثم نظر إلى الطريق يراقب الأشجار الكثيفة التي كانت على جانب الطريق، وكان الطريق المؤدي إلى القرية فارغًا، لا يوجد به سوى الأشجار الكثيفة.

بعد مدة من الوقت، وصلوا إلى القرية، وتوقفوا. نظروا إلى المارة، ثم نظر "أحمد" إلى ابنه وقال: -هنزل أسأل حد عن بيت السحارة "نيرة"، يمكن حد يدلنا على مكانها، لأننا مش عارفين هي فين؟ فور أن أنهى كلماته، نزل من السيارة وتوجه صوب مجموعة من الشباب. ألقى عليهم التحية، ثم تحدث متسائلًا: -حد يعرف فين بيت السحارة نيرة أو معاه عنوانها؟

فور أن أنهى كلماته، فر الجميع هاربين، كأنما طرح عليهم قنبلة، وليس مجرد سؤال. وكل من سمع السؤال، هرع بعيدًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...