اقترب من الباب حتى يتحقق من هوية الطارق، وهو يدرك تمامًا أنه لا يتوقع زيارة أحد في هذا الوقت! ولكن ما يعانيه من قلق هو احتمال حدوث أمر ما للفتاة، فتح الباب ببطء، وعندما انفتح، اندفع شخص مبلل إلى الداخل وهو يصرخ بغضب، نظر إليه الآخر بنظرة يملأها الاستياء من تصرفه غير المقبول، وقال: -جاي تعمل إيه في وقت زي ده يا "حسام"؟ أنا قولت لك مش عايز حد يجي عندي. أخذ "حسام" نفسًا عميقًا، جفف وجهه بطرف يده، وهتف قائلاً:
-ده مش وقت كلام! ادخل هاتلي هدوم ألبسها وأكل أنا جعان، وحطب كثير علشان أتدفى، إيه هتبخل عليا يا يويو؟ اقترب منه وأمسك بثيابه قائلاً: -أنا حذرتك قبل كدا متجيبش الاسم ده على لسانك تاني، اسمي "يونس" أنا مش عارف إنت اتحدفت عليا من أنهي مصيبة! ابتسم "حسام" إذ كان دائمًا قادرًا على استعداء غضب شقيقه، بعد ذلك، جرى نحو المطبخ، لكن "يونس" حاول منعه، إلا أنه فات الأوان؛ دخل إلى المطبخ ليجدها منكمشة على الأريكة تبكي،
نظر إليها ثم صرخ وقال: -هي دي آخرة تربيتك يا "زينب" ابنك المحترم جايب بنت على بيته؛ سمعتنا راحت ليه كدا يا بني. غضب من تسرع شقيقه، ثم قام بدفعه إلى الخارج وعاد إلى الفتاة قائلاً: -ماتخافيش دا أخويا بس هو مجنون شوية، خليكِ هنا لغاية ما أرجع. سمع صوت "حسام" يصدح من الخارج قائلاً: -أنا سامعك على فكرة؛ بتسوء سمعة أخوك قدام البنت يا ظالم. أغلق "يونس" الباب وخرج إلى حيث كان يجلس أخوه، وجده أمام المدفأة، ثم
أحضر له بعض الملابس وقال: -أنا قولت لكَ متجيش هنا مش عايز حد يجي ورايا. هتف "حسام" ونظره مثبت على باب المطبخ قائلاً: -مين البنت دي وليه خايفه بالشكل دا؟! أنت مش النوع إللي بيتعرف على بنات! تنفس الصعداء وبدأ يسرد له كل ما جرى، حتى حين سمع طرقاته على الباب، وعندما أنهى رواية ما حدث، هتف قائلاً: -أنا مش عارف أتصرف إزاي؟ باين عليها خايفه، والمشكلة إنها مش بتتكلم!
توقف "حسام" لبرهة، مفكراً في ما قاله شقيقه، ثم تحدث قائلاً: -أنا خايف تكون عاملة عملة؛ وجاية تستخبى عندك هنا، وتودينا في داهية! ومن جهة ثانية خايف نسيبها وتتأذى، باين عليها إن في حد كان بيعذبها! وقف "يونس" أمام النافذة، يراقب الأمطار بتفكير عميق؛ غارقاً في حوار داخلي يدور في ذهنه حول ما قاله شقيقه، كان في صراع داخلي، غير مدرك أياً من أفكاره يستمع إليها؟
هل يتوجب عليه أن يتركها معه ويحاول البحث عن أهلها، أم أنه يجب عليه تركها تخرج وتواجه مصيرها وتعود من حيث أتت؟ أوقف صوت المنبه شروده، معلناً عن قدوم وقت صلاة الفجر. تحرك من مكانه باتجاه الحمام، فتوضأ وأدى صلاته، ثم جلس يدعو (الله) أن يرشده إلى الطريق الصحيح. وعند انتهائه، لاحظ أن شقيقه قد غفا، توجه إلى المطبخ لإعداد وجبة الإفطار، وطرق الباب لتنبيهها قبل الدخول، لكن لم يكن هناك أي رد!
حاول مرارًا، ومع ذلك، في اللحظة الأخيرة، انتابه شعور القلق؛ ففتح الباب بسرعة. ما إن خطى إلى الداخل حتى صُدم، وتوسعت عيناه على مصرعهما على مشهد، وظل متصلبًا في مكانه حين أبصر. وقفت في صمت، عينيها مثبتتين عليها دون أن تنطق بكلمة، بينما كانت تدور في ذهنها آلاف الأسئلة حول دافع "نورهان" لإنقاذها، رغم كونها من بين أكثر الأشخاص كراهيةً لها؛ هل هناك خطة محكمة وراء ذلك؟ قاطع صوت "نورهان" شرودها قائلةً:
-"منة" دا مش وقت تفكير؛ خلينا نخرج من هنا الأول وأنا هقولك ليه أنقذتك مع إني بكرهك! على الرغم من قلق "منة" والخوف الذي يعتري قلبها؛ فإنها تجد نفسها مضطرة لوضع ثقتها في "نورهان" والخروج من هذا السجن الذي تآكلت جدرانه حولها، في حين يشتعل قلبها لفراق أبنائها. -تمام يا "نورهان" خلينا نمشي بسرعة، بس هنخرج من هنا إزاي وهما بره والحراسة مشددة؟! أتمت "نورهان" فك الحبال التي كانت حول "منة"، ثم قالت: -إنتي ناسيه أنا مين؟
أنا أقدر أدخل أي مكان من غير ما حد يعرف أو يحس! همست "منة" بحديث خافت قائلةً: -لأنك حية هتقولي ليا، مش ناسيه يا ختي. أنهت فك الحبال المتشابكة، ثم تحركوا ببطء نحو الباب، نظرت "منة" إليه بحيرة، متسائلةً عن كيفية تمكنهم من الفرار وهو مغلق؟! وفي خضم حيرتها، أخرجت "نورهان" مفتاحاً من سترتها، ثم أقدمت على فتح الباب.
ونظرت إلى الخارج، وجدت جميع من كانوا يحرسون المكان نائمين، فمنهم من ركن رأسه إلى الحائط، ومنهم من افترش الأرض الصلبة! نظرت إليهم باستغراب حالهم، ولكن "نورهان" كانت الأسرع، فسحبتها من يدها إلى الخارج، ثم انطلقوا بعيداً عن المكان. بينما أسرع الاثنتان في خطواتهما، بدأت الشمس تبزغ بنورها المتألق معلنة بدء يوم جديد.
شعرت "منة" بإحساس الحرية، فتوقفت واستنشقت الهواء بعمق حتى ملأت رئتيها، وكانت مفعمة بالسعادة، إلا أن هذه السعادة لم تدم طويلاً، حيث توقفت فجأة سيارة أمامها ونزل منها عدد من الرجال؛ لم تنجح في الهروب، حيث كانوا أسرع منها وتمكنوا من الإمساك بها بسهولة، ثم اقتربت منها "نورهان" وهتفت قائلة: -الثقة الكبيرة مش كويسة يا "منة"؛ وعدوك هيفضل عدوك حتى لو مدلك إيده علشان يساعدك! اجتاحت "منة" مشاعر الغضب بشكل شديد، فصاحت قائلةً:
-إنتي فاكرة إنك لو أخذتيني هتوصلي للي عايزاه؛ إنسي يا "نورهان" أنا معرفش حاجة عن (الأمانة) تقدمت "نورهان" نحوها، وقد كانت تلمح في عينيها لمعة من الشر، وقالت: -أنا معايا حاجة تخصك يا "منة" ولما تشوفيها؛ هتعترفي جوزك خبى (الأمانة) فين؟ هاتوها يلا. قاموا بسحبها بقسوة إلى السيارة رغم مقاومتها، لكن محاولاتها كانت بلا جدوى أمام قوتهم.
ثم انطلقوا حتى وصلوا إلى مبنى متهالك، حيث أدخلوها داخله وقيدوها بإحكام، في تلك الأثناء، دخل رجل برفقة فتاة صغيرة كانت تبدو في حالة مزرية! نظرت "منة" إليها بصدمة، والدموع تملأ عينيها وقالت: -إيلول؟! اجتمع مع أفراد عائلته حول مائدة الإفطار في أجواء من الصمت، حيث كان كل منهم يتناول طعامه بهدوء، كسر هذا الصمت والدهم "أحمد" قائلاً: -"زينب" هو "حسام" فين أنا مش شايفه؟! و"يونس" لسه ما رجعش من الغابة؟
وضعت "زينب" ما كانت تحمله في يديها، ثم قالت: -"يونس" لسه مارجعش، و"حسام" راح وراه؛ أنت عارف إنه مش هيرضى يسيب أخوه لوحده بيخاف عليه. ابتسمت ابنتهم ثم أضافت بسخرية: -مش عارفه ليه بحس كأن "يونس" لسه عيل صغير الكل خايف عليه، و "حسام" مش بيسيبه، وأنتم بتسألوا عليه في كل وقت! أطلق "أحمد" تنهيدة عميقة، ثم نطق بكلمات لم يفهمها سواه: -لازم نخاف على "يونس" أوي الفترة دي لأن حياته مهددة بالخطر!
نظرت زوجته إليه بدهشة عندما رصدت قلقه، ثم قالت: -مالك يا "أحمد" ليه كل الخوف دا؟! اطمن "يونس" بقى راجل وهيعرف يحمي نفسه و"حسام" معاه. بينما كان مشغولاً في الحديث مع عائلته، وصلته رسالة، وعندما قرأ محتواها، انتفض من مكانه بفزع وهتف قائلاً: -مش ممكن!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!