جوه القسم، ووراء القضبان الباردة... كان يحيى قاعد لوحده، الظلمة حواليه... لكن السواد الحقيقي كان جواه. عينيه شاردة في الفراغ، عقله بيعيد المشهد ألف مرة: جواز ياسمين من خالد... اللحظة اللي هدمت كل خططه في لحظة! إزاي؟ إزاي ينهار كل شيء بالسهولة دي؟! عينيه ولعت بالغضب، وملامحه اتشدت بكره صامت. توعد جواه، بقسم ما نطقوش لكنه سمعه كويس: -مش هسيبهم يتهنوا... طول ما أنا عايش... مش هيعرفوا يعني إيه أمان. .........
في شقة معتصم، صباح يوم جديد. زينة فتحت عينيها على هدوء غريب مالي المكان... حاسة بدفا وراحة أول مرة تحس بيهم في حياتها. كانت نايمة جوه حضن معتصم، وقلبها بيرقص من جوه. عينيها وقعت على ملامحه الهادية، وشه كان قريب منها قوي، لدرجة إنها حست إنها بتحلم. مدت إيديها، ولمست وشه بحنية كأنها بتتأكد إنه حقيقي. ابتسامة صغيرة خرجت منها غصب عنها، فرحة مالهاش وصف سيطرت على قلبها. لكن فجأة، عينيه فتحت على لمستها.
اتصدم شوية واستغرب اللي هي بتعمله، وهي اتفاجئت واتكسفت جدًا، وحاولت تقوم تبعد بسرعة. بس إيده كانت أسرع منها، مسكها ومنعها تتحرك، وقربها منه أكتر. ابتسم لها، ونبرة صوته كانت دافية مليانة حب: -عاملة إيه دلوقتي؟ ردت بخجل وهي مش قادرة تبص في عينيه: -كويسة... أنا هقوم أجهزلك الفطار. قامت تتحرك، بس هو شدها عليه وقال بهدوء: -خليكي... هننزل نفطر برا النهاردة. عيونها لمعت بفرحة شبه طفلة صغيرة: -بجد يا معتصم؟ هتخرج معايا أنا؟!
ضحك برقة: -آه يا زينة... قعد قصادها على السرير، مسك إيديها وقربها منه أكتر، وبحب واضح، قرب شفايفه من أيديها وباسها وقال: -وبتمنى تقبلي تخرجي معايا... زينة كانت على وشك إنها تطير من الفرحة، قلبها بيخبط بسرعة، نفسها متلاحق، حاسة إن حلم كبير اتحقق. ضحكت وقالت بحماس وفرحة خارجة من قلبها: -آه طبعًا.. دي أكتر لحظة كنت بتمناها طول عمري. معتصم بص لها بعمق، وعينيه شايفة حب حقيقي في كل نظرة منها. سألها بصوت كله لهفة:
-واتمنيتي إيه تاني يا زينة؟ اتكسفت، وبصت له بخجل وسكتت. رفع وشها بإيديه، وبص في عينيها بتركيز وقال: -هو أنا إزاي مكنتش شايف الحب اللي في عنيكي ده كله؟ سكتت، قلبها هيقف من الخجل، وكلماته كانت بالنسبالها أجمل من كل أحلامها. قامت بسرعة وقالت بحماس طفولي: -أنا هجهز بسرعة، مش هتأخر! معتصم قعد يراقبها وهي بتتحرك، وافتكر الكلام اللي سمعه صدفة إمبارح... كان جايب لها عصير، ووقف بره الأوضة لما سمعها بتقول لياسمين:
"يحيى ده مجنون وأنا كنت مرعوبة منه، بس... بسببه اتحقق حلمي! أنا عشت لحظة كنت بتخيلها طول عمري... كان نفسي تبقي معايا وتشوفيه... معتصم هو اللي أنقذني، وشكله كان رهيب وهو ماسك سلاحه وبيجري عليا بخوف... كنت مبسوطة، مبسوطة أوي." وقتها فهم قد إيه زينة بتحبه... وقد إيه هي تستاهل حب كبير... يمكن أكبر من حبها له. عند خالد وياسمين. خالد صحي على صوت رنة تليفونه. بص حواليه، ياسمين لسه نايمة جنبه، ملامحها هادية ونفسها منتظم.
بص على اسم المتصل، وأول ما شاف رقم والده، قعد بسرعة وهو حاسس بقلق. رد: -أيوه يا بابا؟ صوت والده كان قلقان: -إنت فين يا خالد؟ -أنا كنت نايم... خير، في حاجة؟ ياسمين بدأت تفتح عينيها على صوت خالد وهو بيتكلم بجدية، شافته بيقوم من على السرير. والده كمل: -أمك تعبانة من امبارح، جبتلها دكتور، قال إن ضغطها عالي ومش راضية تاخد الدوا... ومش عارف أتعامل معاها. خالد قال بهدوء رغم توتره باين في نبرته:
-حاضر يا بابا، أنا جاي دلوقتي أطمن عليها. قفل المكالمة، وقعد لحظة سرحان، القلق باين على وشه. ياسمين قربت منه، صوتها كله حنية: -في إيه يا خالد؟ خالد: -ماما تعبانة شوية... ورافضة تاخد دواها، فلازم أروح أشوفها. ياسمين بدهشة: -رافضة ليه؟! هز راسه بمعنى "مش عارف"، وقال بسرعة: -يلا نغير هدومنا، أوصلك عند زينة، وأنا هروح اطمن عليها وأرجعلك، وبعدين نروح شقتنا.
ياسمين وقفت لحظة، الكلام بيدور في دماغها، واستوعبت حاجة مهمة لأول مرة. بصت له وسألته بقلق: -خالد... عيلتك لسه ميعرفوش إننا اتجوزنا؟! وسكتت لحظة كأنها بتسترجع كل حاجة بسرعة، وقالت بنبرة متوترة: -أنا إزاي ماخدتش بالي إننا اتجوزنا بسرعة كده؟! أكيد هما لسه مش عارفين... صح؟ خالد قرب منها، حط إيده على كتفها وبص في عينيها وقال بثقة: -لا يا ياسمين...
أنا بلغت أبويا قبل كتب الكتاب، وبعد ما كتبنا الكتاب، رجعت وقولت ل أمي وجدي، وكل عيلتي دلوقتي عارفين. -وهما... موافقين؟ نظرتها كانت مليانة شك وخوف وهي بتسأله. رد خالد: -طبعًا موافقين... أنا حبيتك واخترتك تبقي مراتي.. وعيلتي واثقين في اختياري. ياسمين سكتت، ملامحها كانت بتقول إنها مش مصدقة 100%، قلبها مش مرتاح، وكأن في حاجة مستخبية. خالد حاول يقطع لحظة الشك وقال بسرعة: -هدخل أغير هدومي بسرعة، وانتي كمان جهزي نفسك.
هزت راسها بالموافقة وهي قلبها متقلب، ضيق غريب مالي صدرها، وإحساس إنها مهما فرحت، فرحتها عمرها ما هتكمل. جهزوا بسرعة، ونزلوا من الأوتيل. وأول ما ركبوا العربية، خالد اتصل على معتصم وهو بيشغل العربية... ........ في مكان هادي وراقي جدًا. زينة كانت قاعدة مع معتصم على ترابيزة فطار شيك في مكان كله رُقي وهدوء... الديكور رومانسي، والإضاءة ناعمة، والمزيكا في الخلفية هادية كأنها معمولة مخصوص ليهم.
بس رغم الجو الجميل ده، زينة كانت متوترة جدًا... شكلها من برا بيضحك، لكن من جواها قلبها بيخبط، ومعدتها بتوجعها من شدة التوتر. كانت نفسها تاكل، الأكل شكله يفتح النفس، لكن التوتر والخجل كانوا أقوى من جوعها. معتصم كان بيبصلها بنظرة مختلفة، نظرة حب صافي... فيها إعجاب واهتمام حقيقي. عيونه كانت فيها لمعة غريبة، لمعة زينة ما شافتهاش قبل كده... حست إن عيونه النهارده فيها حاجة تانية، فيها دفء وسكون، وكلام كتير من غير ولا كلمة.
وفجأة رن تليفونه، بص على الشاشة، لقى خالد بيتصل. رد وهو لسه عينه على زينة: -أيوه يا خالد، صباح الخير. خالد من ناحيته سأل: -صباح النور، إنت فين؟ معتصم: -بفطر برا أنا وزينة. عند خالد في العربية: خالد لما سمع إنهم برا البيت، فهم إن مش هينفع يسيب ياسمين عندهم، سكت لحظة. بعدين سأل بصوت هادي: -وزينة عاملة إيه دلوقتي؟ معتصم: -الحمد لله، أحسن بكتير. خالد:
-طب كويس، أنا كنت بطمن عليكم، وكمان كنت هجيب ياسمين تشوف زينة.. لكن خلاص، هكلمك بالليل ونيجي نقعد معاكم شوية. رد معتصم: -ماشي يا خالد، هنستناكم. خالد قفل المكالمة، وسرح. عينه فضلت ثابتة قدامه وهو سايق... جواه قلق كبير مش قادر يخبيه، مش عارف ياخد ياسمين معاه لبيت أهله ولا لأ. خايف والدته تقول كلمة تجرحها... وفي نفس الوقت مش مطمن يسيبها لوحدها في أي مكان. هو حاسس إنه بين اختيارات كلها مش مريحة.
ياسمين كانت ساكتة، بس إحساسها مش ساكت... قلبها مش مرتاح، وحاسه إن في حاجة مش مفهومة بين خالد وأهله، حاجة تخص جوازهم. اتكلمت بصوت هادي مليان حزن وكأنها بتكتم حاجة: -أنا ممكن أستناك في العربية لحد ما تطمن على مامتك وترجع... خالد بسرعة بص لها: -لا طبعًا... انتي هتيجي معايا، وكمان علشان تتعرفي على أهلي. ردت بتوتر واضح في ملامحها وصوتها: -بس... ممكن نأجل الموضوع ده دلوقتي؟ مامتك تعبانة، والوقت مش مناسب للتعارف...
خالد حس بقلقها، وفهم إن ورا كلامها شك: هل أهله رافضينها؟ هل هي عبء عليه؟ مسك إيديها وقرب منها، وباسها بحنية واهتمام وقالها: -هتيجي معايا يا ياسمين. هي سكتت، بس قلبها بيقول كلام تاني... فيه خوف، فيه قلق، فيه إحساس إن في اعتراض مستنيهم ورا الباب ده، اعتراض على وجودها في حياة خالد. بس فضولها كان أقوى من خوفها... عايزة تشوف بعينها، وتفهم الحقيقة بنفسها. بعد شوية، وصلوا عند بيت "الدريني".
خالد وقف بالعربية قدام البيت، وسكت لحظة... كان بيبص على البيت كأنه بيستعد لمعركة. من جواه، دعى ربنا إن أمه تبقى هادية، ومتقولش حاجة تضايق ياسمين. بص لها بابتسامة وشجعها: -يلا يا ياسمين. نزلت من العربية، وأول ما رجليها لمست الأرض، حست برجفة وتوتر... كأنها داخلة امتحان مصيري، مش مجرد زيارة عادية. خالد قرب منها، مسك إيديها، واتفاجئ بحرارتها الباردة جدًا... -إيدك متلجة كده ليه؟ إنتي كويسة؟ ردت برعشة خفيفة وهي
بتحاول تخبي اللي جواها: -آه... كويسة. خالد شك شوية، بس مردش، هز راسه واخدها من إيدها ودخلوا البيت... أول ما دخلوا البيت، كان سالم الدريني، أبو خالد، هو اللي واقف في استقبالهم. ياسمين أول ما شافته، حست براحة خفيفة كده خبطت في قلبها... كان شكله طيب، وابتسامته فيها هدوء وحنية، ما خلتهاش تحس إنها غريبة. قرب منهم وهو بيضحك من قلبه وقال بترحاب صادق: -وأخيرًا شوفت مرات ابني... بسم الله ما شاء الله... نورتي بيتك يا بنتي.
ياسمين اتنهدت براحة بسيطة، رغم إن قلبها لسه بيدق بسرعة. سلمت عليه بهدوء وخجل، وخالد دخل في الموضوع بهزار عشان يكسر التوتر: -إيه رأيك في ذوق ابنك؟ أنا كده اكسب، صح؟ ضحك سالم وقال بحب واضح: -تكسب ونص! ... إنت اخترت ست البنات. بعدين بص لياسمين وقال: -تعالي يا بنتي، اتفضلي اقعدي. قعدت ياسمين وهي لسه متوترة شوية، وحاسه إن في حاجة جاية مش سهلة. خالد سأل أبوه بصوت فيه قلق واضح: -ماما فين؟ فوق في أوضتها؟ رد سالم:
-أيوه، فوق... ومعاها خالتك وكارما. الاسم وقع على ودن ياسمين زي الصدمة. كارما؟! كارما أختها؟! معقول اللحظة دي جات؟! لحظة المواجهة؟! خالد حاول يطمنها، وبص لها بنبرة دافية: -أنا هطلع أشوف أمي بسرعة وأنزل. وبعدين بص لأبوه بهزار وقال: -مرات ابنك أمانة معاك يا حاج. ضحك سالم وقال: -دي بنتي وملكش دعوة بينا وشوف انت رايح فين. خالد ضحك وبص لياسمين وقال لها: -خلاص انتي كده خطفتي قلب الحاج سالم الدريني، زي ما خطفتي قلب ابنه.
ياسمين وشها احمر، وبصت في الأرض بخجل. سالم زعق لخالد وهو بيضحك: -كسفت البنت يا واد... امشي بقى، سيبني اتكلم معاها شوية. خالد مشي وسابهم، وسالم بص لياسمين بلطف وسألها: -تحبي تشربي إيه يا بنتي؟ ياسمين ردت بتوتر: -شكرًا. قال بإصرار وابتسامة: -شكرًا إيه بس... انتي مش غريبة، ده بيتك... لازم تشربي حاجة. إيه رأيك نشرب شاي مع بعض؟ قالت بخجل: -ماشي.
الخادمة كانت قريبة، أمرها سالم تعمل شاي، وبعد كده أخد ياسمين وخرجوا يقعدوا في الجنينة. الهوا والورد والطبيعة حوالين ياسمين هدوا قلبها شوية. بدأت تحس إنها قادرة تتنفس، وإن الجو أخف من اللي كانت متوقعاه. سالم الدريني بص لها وسألها بحنية: -خالد عامل إيه معاكي؟ لو زعلك في أي وقت، تعاليلي وانتي تشوفي أنا هعمل فيه إيه... من النهاردة، اعتبريني أبوكي. كلامه دخل قلبها بسرعة... بس اللي كمل الصدمة، هو لما قال:
-أبوكي الله يرحمه... كان غالي عليا أوي. ياسمين بصت له بدهشة: -حضرتك كنت تعرف بابا؟! ضحك سالم وقال: -طبعًا يا بنتي... نسيتي إن أبوكي كان متجوز خالة خالد؟ كان راجل طيب ومحترم... منهم لله اللي خدوه للطريق ده لحد ما ضيعوه. ياسمين وشها اتغير، وقالت بصوت فيه حزن: -أنا مبقتش عارفة حاجة..!
أنا عشت عمري كله فاكرة إن بابا معندوش عيلة وإنه كان مسافر طول الوقت عشان شغله.. لما كان بيجي في الإجازات يقضيها معانا.. كانت دي أجمل أيام حياتي.. بس بعد ما عرفت الحقيقة.. حسيت إن أنا مكنتش أعرفه.. حسيت إنه شخص غريب معرفوش.. غير بابا اللي عرفته طول حياتي! سالم رد بثقة وهو بيبصلها في عينيها: -أبوكي اللي انتي عرفتيه هو الحقيقي.. هي دي شخصيته الحقيقية.. لكن اللي كان عايش هنا في بيت الشرقاوي، ده اللي كان مزيف...
كان مضغوط ومجبر يعيش حياة مش بتاعته. وبص قدامه وقال بهدوء مليان يقين: -أبوكي اتظلم يا ياسمين... وبكره الأيام هتكشفلك كل حاجة. ياسمين فضلت ساكتة... بس عقلها شغال. بصت قدامها وسرحت... واضح إنه يعرف حاجة هي متعرفهاش. بصت قدامها بتفكير في كلامه. فوق في أوضة والدة خالد. خالد دخل بسرعة وهو قلقان، لقاها نايمة على السرير وتعبانة، وخالته عبير قاعدة جنبها. وكارما كانت قاعدة على كرسي قدام السرير، أول ما شافت خالد قامت بسرعة.
قرب من أمه وهو بيكلمها بنبرة مليانة قلق حقيقي: -خير يا أمي؟ إيه اللي حصل؟ ليه مش بتاخدي الدوا بتاعك؟! بص لخالته وكارما بنظرة سريعة وقال بأدب: -إزيك يا خالتي... إزيك يا كارما. خالته ما ردتش عليه، كانت ملامحها زعلانة. أما كارما، فكانت بتبصله بلهفة واشتياق واضحين في عنيها، نفس النظرة اللي خالد مش شايفها، أو يمكن مش عايز يشوفها! أمه ردت عليه بصوت فيه عتاب تقيل: -لسه فاكر إن ليك أم يا خالد؟
معقول تقعد كام يوم لا تسأل ولا تطمن؟! خالد مسك إيدها بحنية وقال بصوت كله ندم: -عندك حق يا أمي... أنا آسف، بس المهم دلوقتي صحتك... لازم تاخدي الدوا. خالته عبير بصت له بضيق واضح وقالت ببرود: -هنسيبكم شوية لوحدكم. وبصت لبنتها وقالت: -يلا يا كارما. كارما كانت واقفة بتبص لخالد بعيون مليانة حزن، هو مش شايف، مش حاسس، مش مهتم. سابت الأوضة ونزلت ورا مامتها، وكسرة في قلبها بتكبر. خالد قرب من أمه أكتر وقبّل إيدها، وقال برجاء:
-عشان خاطري يا أمي.. لازم تاخدي الدوا بتاعك ومتقلقنيش عليكي. والدته ردت بصوت ضعيف متعمد، كأنها بتستعطفه بس بتحاول تجرحه: -هو أنا بقيت مهمة في حياتك يا خالد عشان تهمك صحتي! ما أنت خلاص، بعت أمك وعيلتك كلها عشان خاطر البنت اللي منعرفش وقعت علينا منين! خالد عض على شفايفه من الغيظ، وقال بنبرة فيها كتمان غضب: -من فضلك يا أمي... بلاش نفتح الموضوع ده دلوقتي. أنا كل اللي يهمني دلوقتي... إنك تاخدي علاجك وأطمن عليكي.
بس أمه ما كانتش ناوية تسكت، وقالت بعناد: -لو فعلًا تهمك صحتي... سيب البنت دي وارجع بيتك هنا، ارجع لأهلك. قلبي بيوجعني عليك كل لحظة يا خالد، ومش قادرة أصدق إنك مش عايز تريح قلب أمك! خالد قعد قدامها، وبص لها باستغراب ممزوج بغصة وقال بهدوء غامض: -يعني حضرتك مش بتاخدي علاجك... عشان الموضوع ده؟! فاكرة إنك كده ممكن تضغطي عليا؟! أمه سكتت، بس عينيها قالت كتير. خالد بص لها وقال بحسم:
-أنا بحب ياسمين يا أمي، ومفيش أي قوة في الدنيا هتبعدني عنها. نزلت الجملة تقيلة عليها، وساد صمت مشحون. ما بين دمعة في عين الأم، ونار في قلب ابنها، بيحاول يطفيها بحبه لمراته. تحت في جنينة بيت الدريني، كانت ياسمين قاعدة تضحك من قلبها، على حكايات الحاج سالم عن خالد وهو صغير. حكايات طريفة ولطيفة، رجّعت البسمة لقلبها، حتى لو للحظات.
عبير وكارما كانوا نازلين من فوق، ولما وصلوا للدور الأرضي، واحدة من الخدامين قالتلهم إن الحاج سالم قاعد في الجنينة. كارما بصت من بعيد، وشافت أبو خالد قاعد بيضحك مع بنت غريبة، أول مرة تشوفها، بس رغم كده، قلبها اتشد لها! حست بشعور غريب، وشها مش غريب عنها، كأنها تعرفها من سنين، كأنها بتبص في مراية جواها، وش مألوف وحاسّة إنه منها! عبير شافت بنتها واقفة متجمدة مكانها، وبتبص على الجنينة بنظرة مش مفهومة، قربت
منها وسألتها باستغراب: -بتبصي على إيه كده يا كارما؟ كارما ما ردتش، عينها لسه على البنت الغريبة. عبير بصّت ناحيتهم وشافت سالم جوز أختها، قاعد بيضحك وبيرغى مع البنت، وفهمت على طول إن البنت دي أكيد هي نفسها مرات خالد.. بنت يحيى جوزها من الست اللي كان بيخونها معاها! انفجرت جواها نار، ومش قدرت تسيطر على نفسها، واندفعت ناحيتهم بخطوات عصبية وصوتها بيعلى: -مين البنت دي؟! وبتعمل إيه هنا؟!
ياسمين اتفاجئت ووقفت مكانها كأن الزمن وقف. كارما جريت ورا مامتها وهي مش فاهمة سبب الانفعال ده! سالم قام من مكانه متضايق، وقال بحدة وهو بيبص لعبير: -صوتك عالي ليه كده يا عبير؟ دي ياسمين مرات خالد ابني! عبير اتصدمت، وكارما اتجمدت مكانها وهي بتبص لياسمين، وعنيها بدأت تدمع من غير ما تفهم ليه. فيه حاجة في وشها وجواها، حاجة بتشدها! أما ياسمين، فبصت لكارما بعينين متفاجئين، وقلبها دق بقوة، حست بحاجة عمرها ما حستها قبل كده!
حاجة بتقولها: دي أختك... دي كارما! لكن عبير ما سكتتش، وصرخت وهي بتقرب من ياسمين بصوت كله غضب: -إنتي إزاي تتجرّئي وتيجي لحد هنا كمان؟! إنتي حقيقي بجحة زي اللي خلّفتك! الكلام وقع على ياسمين زي الصفعة، بس ما سكتتش، وعيونها ولعت وهي بترد عليها: -إنتي بأي حق تغلطي في اللي خلفتني؟ كنتي تعرفيها منين عشان تحكمي إذا كانت هي اللي بجحة ولا إنتي!! عبير صوتها علي أكتر، وقالت بانفعال: -إنتي بنت قليلة الأدب!
وقربت منها بسرعة ورفعت إيدها، كانت هتضربها بالقلم، لكن خالد كان نزل من فوق بسرعة، ومسك إيد خالته قبل ما توصل لياسمين، ووقف قدام مراته، بيحميها بجسمه، وقال بصوت حاد وقوي: -مراتي مش قليلة الأدب. عبير بصّت على إيد خالد اللي مسك إيدها ومنعها، وكانت الصدمة باينة على وشها، نزلت إيدها وهي بتبص له بذهول وقالت بحدة وانكسار: -إنت كمان؟! إنت واقف قصادي وبتدافع عنها يا خالد؟ بتدافع عن بنت الست اللي جوزي كان بيخوني معاها؟!
الكلام نزل على ياسمين زي النار، اتجننت من الإهانة للمرة التانية لأمها اللي ماتت بشرف، فبعدت من ورا خالد، ووقفت قدامهم بصوت عالي كله قهر وغضب: -أمي عاشت وماتت ست شريفة ونضيفة! بابا كان متجوزها على سنة الله ورسوله.. واللي مش فاهماه بجد، إزاي بابا اتجوز على أمي واحدة زيك إنتي؟! اللي حواليهم اتصدموا من كلمتها الأخيرة وردها الإهانة لعبير، عبير وشها اتقلب واتجمدت مكانها، وخالد بص لياسمين بقلق وقرب منها يحاول
يهديها وقال بصوت قوي: -خلاص يا ياسمين.. كفاية كده. لكن ياسمين كانت حاسة إن قلبها بيتقطع، دموعها ماليه عنيها، بس بتحاول متنزلهاش قدامهم. ردت بصوت بيترعش من الغيظ والانفعال: –لا مش كفاية يا خالد. الست دي لازم تفهم إن أمي ست شريفة، وكانت حب بابا الأول والأخير، ومحدش ليه حق يهينها بالشكل ده! عبير ردت عليها بسخرية قاسية وهي بتضحك بغل: –شريفة؟! ولما هي شريفة اتجوزت جوزي في السر ليه؟! ليه محدش من أهله كان يعرف بجوازهم؟
ليه كانوا مخبيين إنهم متجوزين ومخلفين؟ ولا كانوا بيصلحوا الغلط بغلط تاني؟! سالم الدريني اتدخل بقوة، وصوته علي من شدة غضبه: –عيب الكلام ده يا عبير! ما يصحش تقولي كلام زي ده لمرات ابني وأنتِ في بيتها. عبير بصت له وهي مش مصدقة، وشها كله غضب وعيونها بتلمع: –مرات ابنك؟! وده بيتها؟! أنت مدرك أنت بتقول إيه؟! سالم رد بهدوء وصرامة: –أيوه… ومدرك كويس أنا بقول إيه. وأي حد يغلط في مرات ابني… مش مرحب بيه هنا.
وفجأة دخلت بهيرة، والدة خالد، وصوتها طالع بغضب وهي بتبص لجوزها: –إيه الكلام اللي بتقوله لأختي ده يا سالم؟! عبير دخلت في الكلام بسرعة وهي مش قادرة تمسك نفسها: –جوزك بيطردنا يا بهيرة! وبيقول إن البيت ده بقى بيت البنت اللي ضحكت على ابنك واتجوزته من وراكم! الكلام وقع على ياسمين زي السكاكين، وشها اتشد، ونفسها اتحبس، وحست بكل حرف زي خنجر بيطعنها فكرامتها ووجع قلبها. بهيرة بصت لياسمين بعين كلها كره، ووشها كان
قاسي وهي بتقول بأمر ورفض: –اخرجي برا بيتي حالًا! مش عايزة أشوف وشك هنا ولا في حياة ابني تاني! خالد وقف قدامهم بصوت عالي كله غضب وحسم، ومسك إيد ياسمين بإصرار: –كلمة زيادة في حق مراتي، وهتخسريني لآخر يوم في عمري. وبعدها بص لياسمين، ورفع إيدها بكل حب ووجع، وباس إيديها قدامهم وهو بيقول بحزن حقيقي: –أنا آسف يا ياسمين… أنا اللي حطيتك في الموقف ده.
ياسمين كانت مش شايفة قدامها، الدموع مغرقة عيونها… بس بتحاول تمسك نفسها، وما تنهزش قدامهم… رغم إن قلبها كان بيصرخ. خالد مسك إيديها بحماية وحنان، وخرج بيها من بيتهم، وقلبه بيغلي من كل كلمة اتقالت، ومن نظرة القهر اللي شافها في عنيها. كارما كانت واقفة، عنيها مش قادرة تسيبهم، شايفة المشهد كله ووشها متجمد. اتأكدت إن خالد عمره ما حبها!
شافته وهو بيحضن ياسمين بنظراته، شافت خوفه عليها، شافت وجعه على وجعها… واتأكدت إنها كانت بتضحك على نفسها. وأمها وجدها كدبوا عليها وقالولها إن جواز خالد كان تمثيلية، وهي صدقتهم… ورجعت تتعلق بالأمل، بس دلوقتي؟ الأمل مات. فجأة صوت خالتها بهيرة قطع شرودها وهي بتزعق لسالم: –إزاي تستقبل واحدة زي دي في بيتي يا سالم؟! وكمان تطرد أختي عشانها؟! عبير اتحركت وهي مولعة وقالت:
–أنا هعرف بابا بالإهانة دي يا بهيرة… والبيت ده مش هدخله تاني، لا أنا ولا بنتي… يلا يا كارما. ومسكت إيد كارما وسحبتها وراها بعصبية. كارما بصت وراها وهي ماشية، نظرة فيها حيرة… وجع… ومليون سؤال مالوش إجابة. بهيرة بصت لجوزها وقالتله بحدة: –البنت دي لو دخلت البيت تاني يا سالم… قبل ما تفتحلها الباب… تكون مطلقني. واتحركت جوه وهي بتزق الأرض من تحتها. سالم الدريني وقف مكانه، غضب صامت في عينيه… بس ساكت… علشان خاطر ابنه.
في العربية… ياسمين كانت قاعدة جنب خالد، والدموع مش بتنشف من عنيها، بتعيط بانهيار… كل حاجة جواها مكسورة. خالد كان سايق ومش عارف يهديها، كل شوية يبص لها، ويقول: "أنا آسف، حقك عليا…" بس هي مش سامعة… ولا كلمة كانت بتدخل عقلها. فجأة رفعت وشها له، عنيها حمر من كتر البكا، وقالت بكسرة ووجع: –طلقني يا خالد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!