وقف ممدوح أمامها، عيناه مليئة بالوجع. قلبه كان يتقطع على الطفل الذي كان يتمناه طوال عمره، وضاع منه في لحظة. لكن وجعه كان ممزوجاً بغضب عميق. "كنتي حامل بعد السنين دي كلها... بس شوفي حكمة ربنا، رتبتي الواقعة دي لزينة عشان تحرميها من الخلفة... بس جت فيكي انتي، ودوقتي اللي كنتي هتعمليه فيها." سكت لحظة، نبرة صوته تحولت إلى جمود وقسوة، وعيناه لم تهتز وهو يقول: "انتي طالق يا زينب." في البيت عند زينة.
كلهم كانوا مع زينب والبيت فاضي إلا زينة. كانت قافلة على نفسها في أوضتها، قلبها مقبوض وخوف يملأها، لم تستطع استيعاب كيف كانت زينب تنوي فعل ذلك بها. معتصم ركن سيارته أمام البيت. زينة أول ما سمعت صوت السيارة، قلبها دق بسرعة وفكرت أنهم رجعوا. خرجت من غرفتها، ولسه هتنزل السلم، لكن تذكرت مشهد زينب وهي تقع. رجلاها تجمدت من الخوف، لم تعرف كيف تتحرك. معتصم دخل البيت، الحيرة واضحة على وجهه وهو يرى كل أنوار البيت مضاءة.
أول خطوة له في الداخل، وقعت عينه على نقط دم متناثرة على الأرض. النقط كانت تسير في خط حتى بقعة دم كبيرة أمام السلم. رفع عينه بصدمة، ورأى زينة واقفة في الأعلى، عيناها حمرا ودموعها تنزل. أول ما رأته، نطقت اسمه وهي تبكي: "معتصم... قلبه وقع من مكانه، وعقله ربط على الفور الدم الذي على الأرض بزينة. جرى عليها بخطوات سريعة، لم يشعر بنفسه ولا عرف كيف وصل أمامها. أمسكها بلهفة وصوته مليء بالرعب: "زينة... إنتي كويسة؟
إيه اللي حصل؟ زينة وهي تشهق من البكاء: "مش عارفة يا معتصم... مش قادرة أحرك رجلي." نظر بسرعة إلى بطنها، وسألها بلهفة وخوف: "الدم ده بينزف منك؟ هزت رأسها بالنفي وهي تبكي: "لأ... الدم ده من زينب. وقعت من على السلم... أنا اللي كنت هقع مكانها، بس ممدوح منعني أنزل." كلامها كان متقطعاً من البكاء، ومعتصم لم يستطع فهم التفاصيل. لكن أول ما استوعب أن الدم ليس منها، ارتاح قلبه قليلاً. انحنى ورفعها من الأرض بحرص، وشالها
وهو يكلمها بصوت حنون: "خلاص... اهدي، تعالي أوضتي نتكلم." دخل بها غرفته، ووضعها على السرير بهدوء: "ارتاحي هنا." جلس على طرف السرير، أمسك يديها بحنان وقال: "المهم إنتي كويسة؟ الدم ده مش منك صح؟ هزت رأسها بالإيجاب وهي لا تزال تبكي: "أيوه." ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يهز رأسه براحة: "طب اهدي... واحكيلي بالراحة إيه اللي حصل." مع شروق شمس يوم جديد، خالد أخذ عائلته ورجعوا كلهم إلى البيت.
بهيرة لم تستطع مسامحة عبير، لم ترد حتى النظر إليها. بداخلها وجع وغضب لم يستطيعا الخروج بكلام أو عتاب. عبير قلبها مكسور، تشعر أن حياتها تلخبطت فجأة، كل شيء تدمر في لحظة دون أي إنذار.
أمسكت كارما، ابنتها، بيدها، ورجعت بها إلى بيتهم. دماغها مشغولة بخطة حياة جديدة. تأخذ كارما وتسافر بعيداً. لم تستطع تخيل نفسها تعيش هنا وأبوها في السجن، وأختها لا تسامحها. وكارما تحتاج أن تكمل علاجها وتبدأ حياة جديدة بعيداً عن كل الذكريات المؤلمة التي عاشتها هنا. ياسمين جهزت لأخيها أحمد الغرفة التي كانت تنام فيها الفترة الأخيرة، ونقلت حاجتها إلى غرفة خالد مرة أخرى.
بهيرة طوال الوقت ساكتة، لا تطاق الكلام. الإحساس بالعار والخيانة يسيطر عليها، وصدمتها في أبيها وأختها ثقيلة على قلبها. تحتاج وقتاً طويلاً لتستوعب وتلملم نفسها. سالم كان كل تركيزه على عائلته... زوجته، ابنه خالد، وضحكته التي عادت مع ياسمين. وأحمد، أخو ياسمين، الذي يحاول أن يعوضه غياب الأب الذي حُرم منه. البيت كله كان يستعد لبداية صفحة جديدة... حياة هادئة، بدون كذب، بدون خيانة، وبدون صراعات تكسرهم مرة أخرى.
عند مهاب ومنة. منة كانت تشعر بالقلق على مهاب، منذ آخر مرة رأته وهو يأخذ أحمد منها، اختفى ولم يعد له أي أثر. وقفت أمام باب شقته، قلبها يدق بسرعة وهي تحمل آدم في يديها. يداها ترتجف وهي تضغط على زر الجرس، مترددة كأنها لا تعرف إن كان ما تفعله صحيحاً أم خاطئاً. مهاب كان غارقاً في النوم، واستيقظ على صوت الجرس المزعج. قام بكسل، فتح الباب، واتسعت عيناه بدهشة أول ما رآها. منة كانت واقفة أمامه، ملامحها فيها حياء وتوتر، وقالت
بخجل وهي تعدل طرحة شعرها: "صباح الخير." ابتسم ابتسامة دافئة وقال: "صباح النور." قالت بخجل: "أنا جيت أطمن عليك، من آخر مرة لما أخذت أحمد أخو ياسمين من عندي وانت مختفي! رد بهدوء وصوته فيه راحة: "كنت طالع مأمورية صعبة شوية... بس الحمد لله عدت على خير." نظر إلى آدم بابتسامة، وانحنى على الأرض ليحمله بين يديه وهو يكلمه بمرح: "إزيك يا بطل؟ وحشتني أوي."
منة ابتسمت من قلبها وهي تراه يتعامل مع ابن أختها بحنية. عيناها ثبتت عليه دون أن تنتبه، وفي نظرة إعجاب واضحة خرجت منها غصب عنها. مهاب رفع عينه فجأة، وعندما رأى تلك النظرة، شعر بشيء يلمسه من الداخل. منة كسفت بسرعة، أنزلت عينيها للأرض وقالت بتوتر: "أنا لازم أمشي." مدت يدها لتأخذ آدم، لكن مهاب أمسك يدها فجأة، لمسته كانت دافئة، ونظر إليها وقال بهدوء: "هتروحي فين؟ توترت أكثر من لمسته، وقالت بخجل وهي تسحب نفساً:
"هروح الشغل... أنا اتأخرت." رد بثبات ونبرة فيها جدية: "منة... أنا عايز أكمل في جوازنا... إنتي إيه رأيك؟ فتحت عينيها بصدمة، وسحبت يدها من يده بسرعة: "تكمل في جوازنا إزاي؟ مش فاهمة! قال بصوت واضح وصريح: "يعني نجرب نقرب من بعض ونعرف بعض أكتر... حاسس إننا ممكن نكون زوجين ناجحين في حياتنا مع بعض." منة ردت بحزن وبصوت مهزوز: "مش عارفة! خايفة ييجي يوم وتقولي أنا اتجوزتك عشان أنقذك من جوازة تانية...
في لحظة معينة شوفت الحيرة والتردد في عينيك بعد ما قولت قدام خالي إنك عايز تتجوزني! أخذ نفساً عميقاً وقال بهدوء: "طبيعي أكون محتار ومتردد... أنا مكنتش جاهز ولا مستعد لفكرة الجواز مرة تانية." هي تفاجأت وقالت: "إنت كنت متجوز قبل كده؟ نظر إليها بصدق وقال: "اتجوزت وطلقت بعد كام شهر... مقدرناش نتفق مع بعض." ملامحها تبدلت لقلق: "يعني ممكن بعد فترة تسيبني برضه وتقول مقدرناش نتفق مع بعض؟ هو رد بثقة وعيناه مثبتة عليها:
"تجربتي في جوازتي الأول بتأكد إننا هنتفق... لأني أول مرة اتجوزت بعقلي، المرة دي بتجوز بقلبي." منة تلخبطت وقالت بحيرة: "طب إحنا ممكن نعمل فترة خطوبة الأول... نتعرف على بعض من قريب، ولو اتأكدنا إننا نقدر نكمل... نتجوز بجد." مهاب هز رأسه بابتسامة فيها رضا: "موافق... يعني من دلوقتي هتكوني خطيبتي؟ هي ابتسمت بخفة وهي تأخذ آدم من يده: "لما تجيب أهلك وتيجي تخطبني الأول... وأخد وقتي وأفكر." نظر إليها بصدمة:
"أجيب أهلي واجي اخطبك ازاي وانا قولتلهم إني اتجوزت؟ طب أجيبهم يتعرفوا عليكي ماشي." ردت بثقة وهي تتحرك ناحية الأسانسير: "لأ... لازم يجيوا يطلبوني للجواز عشان أتأكد إنك واخد الموضوع جد... ياسمين نصحتني بكده." مهاب نطق باستغراب وصدمة: "يااااااسميييين! في سوهاج. البيت كان هادئاً، لكن الهدوء كان مليئاً بالحزن. معتصم كان جالساً بجانب زينة على الكنبة، يده تمسك يدها بحنان وكأنه يحاول طمأنتها دون كلام.
عمته زهيرة وأبوه جالسان أمامهما، نظراتهما على الأرض، والحزن يملأ وجوههم. أما ممدوح فكان في غرفته في الأعلى، قافلاً على نفسه منذ عودته. أبو معتصم كسر الصمت وهو يتنهد بحرقة: "سبحان الله، لما ربنا يرزقهم بالعيل اللي بيتمنوه بقالهم سنين، يروح منهم بالطريقة دي." زهيرة ردت بنبرة فيها ضيق مكتوم:
"حكمة ربنا يا أخويا، هي كانت ناوية تأذي بنتي، أهو ربنا جابها فيها، وقلبها اتحرق على ضناها زي ما كانت عايزة تحرق قلبي وقلب بنتي على اللي في بطنها." معتصم شد يد زينة بحنان زائد، ونظر في وجهها لحظة قبل أن يقوم ويقف: "أنا هطلع أشوف ممدوح." صعد السلم بهدوء، وقف أمام باب غرفة أخيه وخبط بخفة، وعندما لم يسمع رداً فتح الباب. ممدوح كان ممدداً على السرير، عيناه معلقتان في السقف كأنه يكلم نفسه بداخله.
معتصم قرب منه وجلس على طرف السرير، صوته فيه قلق: "شكلك تعبان يا ممدوح؟ مش قولت هتطلع تنام شوية؟ ممدوح عدل جلسته، مسح وجهه بيده وقال بصوت مكسور: "أنام إزاي بعد ما اتأكدت النهاردة إني كنت بنام جنب حية! إزاي مشوفتش الحقد والغل ده في عنيها قبل كده! أنا دلوقتي بحمد ربنا إنه حرمني من الخلفة طول السنين دي! إزاي كانت هتبقى أم لعيالي!؟ كانت هتعلمهم إيه؟ معتصم نظر إليه بثبات وقال:
"ربنا محرمكش من الخلفة يا ممدوح، ربنا كان رؤوف بيك، إن شاء الله هتتجوز تاني وهتخلف وعيالك هيملوا الدار." ممدوح هز رأسه بأسى: "لا جواز تاني إيه بقى! لا تاني ولا تالت. أنا شكلي مليش حظ لا في حريم ولا عيال! معتصم وضع يده على كتف أخيه وضغط عليه بحزم:
"لا يا ممدوح، إنت عمرك ما كنت كده ولا إيمانك ضعيف بربنا. كلنا بنقع ونقف تاني، وكلنا أمل بالله. الحياة هتكمل، وهتتجوز واحدة بنت حلال، بتتقي ربنا، وربنا هيرزقك معاها بالذرية الصالحة إن شاء الله." في بيت الدريني. مهاب دخل البيت وصوته عالٍ وهو ينادي: "خااالد! .. يا خاااالد! .. متحاولش تخبيها مني." خالد كان في غرفة والدته يطمئن عليها، وأول ما سمع الصوت خرج بسرعة، ملامحه فيها قلق واستغراب، وقرب من مهاب وهو يقول بدهشة:
"في إيه يابني؟ داخل بتزعق كده ليه؟ مهاب واقف متوتر ويتكلم بغيظ واضح: "ياسمين فين؟ متحاولش تخبيها أو تهربها." خالد عقد حاجبيه وقال بجدية: "وأخبيها وأهربها من مين؟ انت اتجننت ولا إيه؟ في اللحظة دي، ياسمين نزلت على السلم بعد ما سمعت صوت مهاب العالي، ملامحها فيها استغراب. مهاب أول ما رآها، خطى خطوات سريعة نحو السلم وصوته مليء بالغيظ: "كده يا ياسمين؟ تعملي فيا أنا كده؟
طب اعملي حساب إن أنا اللي جوزتك ابن الدريني، دا أنا حتى شاهد على جوازكم! ياسمين ردت بابتسامة هادئة، وكأنها تستفزه أكثر: "أنا معملتش حاجة! هي سألتني عن رأيي وأنا نصحتها." خالد واقف بينهم مش فاهم حاجة، وصوته فيه حيرة: "أنا مش فاهم حاجة... حد فيكم يفهمني؟ مهاب لف له وقال بانفعال: "الهانم مراتك بتنصح منة إني لازم أجيب أهلي يخطبوها، وأنا أصلاً قولتلهم إني اتجوزت... إزاي هقولهم عايز أخطب مراتي؟! ياسمين نزلت خطوتين كمان،
عيناها ثابتة عليه وهي ترد: "حقها... لازم تطمن إن أهلك موافقين وكمان تتأكد إنك واخد الموضوع بجد، مش تجربة! عجبتك تكمل، معجبتكش تقولها 'متفقناش'." مهاب نظر إلى خالد كأنه يستنجد: "عجبك كلامها ده؟ وبعدين رجع ينظر لياسمين بحدة: "مين قال إني واخدها تجربة؟! ياسمين ردت بثقة وهي تواجهه: "انت قولت كده لمنة... مش قولتلها 'خلينا نجرب'؟ مهاب فتح عينيه بصدمة: "هي لحقت تحكيلك؟! ياسمين ردت بنفس الثقة:
"البنت ملهاش حد، ومن حقها تخاف وتبقى عايزة تطمن." مهاب رجع ينظر إلى خالد بصوت فيه رجاء: "خالد... اتدخل في الموضوع ده... أنا صاحب عمرك." خالد، ومن الواضح عليه نفاد الصبر، قال: "انت عايز إيه دلوقتي؟ مهاب رد بسرعة: "عايز أكمل جوازي من منة، بس بعيد عن أفكار ياسمين." خالد وجه كلامه لياسمين: "وانتي عايزة إيه؟ ياسمين بتحدي: "عايزة منة تطمن إنه عايز يكمل بجد، مش واخدها تجربة ولا هزار... مشاعر البنت مش لعبة." خالد
وقف بينهم ونبرته حاسمة: "يبقى نتكلم في أرض محايدة، ونوصل لحل يناسب الكل." في المساء. داخل كافيه راقٍ، كلهم كانوا متجمعين. ياسمين وزينة ومنة كانوا جالسين جنب بعض، متقاربين وكأنهم فريق واحد، يتكلمون بصوت همس بينهم. الكلام لم يكن واضحاً، لكن النظرات بينهم كانت تقول إنهم يخططون لشيء. قصادهم، خالد ومعتصم ومهاب جالسين جنب بعض، وكل واحد منهم تظهر عليه علامات القلق والترقب.
خالد كان جالساً وعيناه تذهب وتأتي على ياسمين وهي تهمس للبنات... شكلها هي العقل المدبر والبنات يستمعون إليها بتركيز. معتصم جالس متماسك لكن يده تخبط بخفة على الطاولة أمامه. أما مهاب فكان ينظر إلى البنات بتركيز كأنه يحاول قراءة كلامهم من حركة الشفاه. خالد كسر الصمت وقال بنبرة هادئة: "خلونا نتكلم يا جماعة ونتناقش بهدوء وتحضر." رد مهاب عليه: "انت هتقول خطاب تنحي الرئيس! اختصر." خالد تكلم:
"دلوقتي منة طلبت إن أهل مهاب ييجوا يتقدموا لخطبتها... وده طبعاً حقها، بس المشكلة عند مهاب إنه بلغ أهله إنه اتجوز... ومش هينفع يقولهم تعالوا اخطبوا البنت اللي اتجوزتها! ردت ياسمين على خالد بتحدي: "والله دي مشكلته هو! يعني هي توافق دلوقتي وييجوا أهله بعد كده يقولولها إحنا مش موافقين عليكي وانتي مش مناسبة لابننا! خالد فهم أن الكلام موجه له ورفع حاجبه لياسمين. تكلم معتصم وهو يرد على كلام ياسمين:
"ما هي لازم تبقى فاهمة إن كفاية هو شايف إنها مناسبة له واختارها بإرادته." زينة رفعت حاجبها وردت على كلام معتصم: "ولو هو متجوزهاش بإرادته وكان مجبور في الأول!؟ مش من حقها تحس زي أي بنت إنه بيحبها واختارها بإرادته! مش طول الوقت تفضل تفكر نفسها إنه مكنش في دماغه يتجوزها أصلاً! معتصم فهم أنها تقصده هو وهمس: "الله يخربيتك يا مهاب! قلبوا علينا احنا! مهاب نظر لهم وقال: "لا أنا مليش دعوة بكل العقد بتاع جوازكم دي...
انتوا هتطلعوها عليا أنا مالي! هو أنا اللي هحقق لكم أحلامكم! وشاور على خالد ومعتصم وقال: "هما يحققوا أحلامكم برحتهم، أنا اللي عليا هعمله." وبص لمنة وقام وقف قدامها وخرج علبة قطيفة من الجاكيت بتاعه ونزل على ركبته قدامها وفتح العلبة وكان فيها خاتم زواج: "تتجوزيني؟ كل اللي في المكان سقفوا بانبهار وشجعوهم. منة عيونها دمعت من الفرحة، عمرها ما تخيلت إنه يعرض عليها الزواج بالطريقة الرومانسية دي. معتصم ضحك وهمس لخالد:
"الحق... مهاب بطيخة عامل فيها رومانسي." رد عليه خالد بنفس الهمس: "دا احنا هنشوف أيام سودة بعد الحركة." ياسمين وزينة عيونهما لمعت من جمال الحركة الرومانسية اللي مهاب عملها. منة هزت رأسها بالموافقة وكل الموجودين في المكان شجعوهم أكتر ومهاب بيلبسها الخاتم. خالد همس لمعتصم وهما بيضحكوا جنب بعض: "قوم اسنده مش هيقدر يقوم يقف وهيفضل مريح على الأرض كده." رد معتصم بنفس الهمس: "أنا شايف مارك أنطونيو بيتقدم لكليوباترا."
خالد وهو بيضحك: "مارك أنطونيو إيه دا واكل محشي قبل ما يجي." معتصم ضحك من قلبه والاتنين كانوا بيضحكوا وهما بيتهامسوا. مهاب لبس الخاتم لمنة وقام وقف قدامها وهو يمد يديه لها، منة كانت هتموت من الخجل وهي شايفاها كل العيون عليهم. قامت وقفت معاه. معتصم همس لخالد: "هو هياخدها ويرقصوا سلو ولا إيه؟ رد عليه خالد بنفس الهمس: "يرقصوا إيه دا هياخدها المطبخ تجهزله حاجة ياكلها بعد المجهود اللي عمله ده."
معتصم وخالد كانوا بيضحكوا من قلبهم بجد لدرجة إن عيون معتصم بدأت تدمع. مهاب أخذ منة ومشوا مع بعض. وياسمين وزينة كانوا بيبصوا عليهم وعيونهم بتطلع قلوب، الطريقة الرومانسية اللي مهاب اتقدم بيها لمنة قدام الناس عجبتهم وكأنهم بيتفرجوا على فيلم رومانسي. عيونهم رجعت على معتصم وخالد وهما جالسين جنب بعض بيتهامسوا وهيموتوا من الضحك. فجأة معتصم وخالد بصوا قدامهم وهم بيضحكوا ولقوا ياسمين وزينة بيبصوا لهم بغيظ وعيونهم بتطلع نار.
الضحك وقف بينهم ومعتصم همس: "شكلنا هنشوف ليلة نكد زي الفل." خالد: "هما طبعاً فاكرين إن صحبتهم هتقضي ليلة رومانسية على الورد والشموع." رد معتصم: "ما يعرفوش إنها هتروح تولع البوتاجاز وتعمله صنية مسقعة بالبشاميل." الاتنين ضحكوا أكتر وخالد من كتر الضحك سند رأسه على الطاولة وهو مش قادر. زينة سألتهم بدهشة: "نفسي أعرف بتضحكوا على إيه؟ ردت ياسمين عليها: "عشان عارفين إنهم ميقدروش يعملوا زي مهاب." خالد رفع رأسه وقالها:
"أنا عن نفسي مبحبش المسقعة بالبشاميل... أنت بتحبها؟ وبص لمعتصم: "أنت بتحبها؟ رد معتصم بسرعة: "والله أبداً حتى اسألها." ياسمين وزينة بصوا لبعض وقالوا: "مسقعة إيه!؟ معتصم قال لخالد وهو بيضحك: "أنا بقول كفاية كده ونروح واحنا وحظنا." رد خالد: "أنا بقول كده برضه." بعد مرور شهر. داخل قاعة المحكمة، الجو كان مشحون بالصمت والترقب. كل العيون على المنصة في انتظار لحظة النطق بالحكم.
خالد كان جالساً، عيناه على جده وحيد الأسيوطي وهو واقف جوه قفص الاتهام، ملامحه منكسرة وحزينة، وكل لحظة يسأل نفسه في سره: ليه عمل كده؟ ليه خسر نفسه وبلده؟ راشد جالس وعيونه وقلبه في قفص الاتهام، ابنه يحيى واقف بضعف، ملامحه كلها تغيرت، وجهه شاحب وساكن وعيونه شارده كأنه فقد الأمل في الحياة خلاص.
جنب يحيى، كان جلال الشرقاوي واقف، ملامحه متجمدة ما بين الندم والخذلان، مش عارف يلوم نفسه على اللي ضيعه من عمره، ولا على اللي عمله في حق ابنه وحفيده. فجأة، ارتفع صوت الحاجب: "محكمة! الكل وقف في لحظة واحدة، العيون على القاضي وهو يجلس على مقعده، الجو كان ثقيلاً لدرجة أن النفس أصبح صعباً أن يُؤخذ. القاضي نظر أمامه، صوته جاء ثابتاً وحاسماً: "حكمت المحكمة حضورياً، على كلٍّا من... جلال الشرقاوي...
ويحيى راشد الشرقاوي، بالسجن المؤبد مع الشغل والنفاذ." سقطت الكلمات على القاعة كأنها حكم على الوقت نفسه بالتوقف، والأنفاس احتبست بين جدران المحكمة. القاضي:
"وحكمت المحكمة حضورياً على المتهم وحيد الأسيوطي والمذكور أسماؤهم في القضية المعروفة إعلامياً بـ'قضية استغلال السلطة والتعاون مع العدو الخارجي'، والمتهمين فيها بارتكاب جرائم الاشتراك في جماعة إجرامية منظمة بغرض تهريب السلاح، واستعمال النفوذ في تسهيل الأعمال الإجرامية التي من شأنها المساس بأمن وسلامة البلاد، وذلك بالسجن المشدد لمدة خمسة وعشرين عاماً لكل منهم، ومصادرة كافة الأموال والممتلكات، ووضعهم تحت المراقبة لمدة خمس سنوات بعد انتهاء العقوبة، مع إلزامهم بالمصروفات الجنائية."
جلال الشرقاوي سقط مكانه بسكتة قلبية أول ما سمع الحكم. نفس السكتة القلبية التي ماتت بها سماح، مامت ياسمين، عندما حرمها من ابنها. اللي معاه في القفص قربوا منه ليشوه، لكن كان خلاص، مات. يحيى كان واقف متجمداً، خلاص حياته انتهت، سيقضي عمره كله في السجن! موت جده كان رحمة له، لكن هو لا يزال يعيش وأمامه سنين طويلة لا نهاية لها سيقضيها في السجن. أما وحيد الأسيوطي، فالكبرياء لا يزال يسيطر على قلبه "أنا، سأكون سجيناً؟
بعد كل السنين دي؟ مستحيل." أخذوهم من القفص ليرحلوهم إلى السجن. أمام المحكمة، استغل وحيد الزحمة وسحب سلاحاً من العسكري الذي كان متكلباً معه، وقبل أن يلحق أحد بالاستيعاب، وضع السلاح في رأسه وضغط الزناد... الطلقة دوت في المكان، وصوت الصرخة خرج من أكثر من حنجرة في نفس اللحظة. خالد تجمد في مكانه. ومشهد انتحار جده أمام المحكمة، كان آخر مشهد ليقفل به ملف وحيد الأسيوطي. وتكون نهايته عبرة لكل خائن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!