مسك إيده قبل ما توصل لياسمين، وضغط عليها بقوة خلت ملامح الشاب تتلوى من الألم. قال بصوت هادي بس فيه نبرة تهديد: طب إيدك بس لتوحشك. ودفعه خالد بقوة في صدره، رجعه لورا، كأنه بيبعد الخطر عن ياسمين بأي تمن. الشاب صرخ، عينيه بتبرق بجنون: البنت دي فتحتلي دماغي! ردت عليه ياسمين، ورعبها اتحول لغضب، والغضب لقوة دفعتها تتكلم من غير تردد: عشان أنت واحد قليل الأدب.
خالد رجع بنظره ليها، حس بنبض قلبه بيزيد لما شاف الخوف في عينيها لكنها بتحاول تخفيه ورا صوتها العالي. هو شاف اللي حصل من بعيد وياسمين بترمي حجارة على الشاب وهو في عربيته. بس ما كانش يعرف الشاب ده عملها إيه! سألها باهتمام: هو عمل إيه؟ ياسمين ردت وهي بتحاول تحبس رعشة صوتها: كان بيعاكسني وأنا ماشية! الشاب انفجر فيهم بزعيق هستيري، كأنه بيحاول يقلب الطاولة: كمان عايزة تلبسيني تهمة يا بت؟!
هو في واحدة محترمة تمشي لوحدها على طريق زي ده؟! آه، أكيد زبون هو اللي نزلك هنا لما اختلفتوا على السعر! الكلمات وقعت زي السهام على ياسمين، دموع القهر لمعت في عينيها. لكن قبل ما ترد، خالد اتحرك بسرعة الصاعقة... قبض إيده ولكم الشاب في وشه بقوة. الشاب ما لحقش يستوعب اللكمة القوية دي جت منين! لكمة تقيلة طلعت كل الغضب اللي جوا خالد، وخدت الشاب وطيرته على الأرض.
ياسمين شهقت بصدمة، حطت إيديها على بقها وهي شايفة المنظر قدامها، مبهورة وقلبها بيخبط من المفاجأة... ما كانتش متخيلة إن حد ممكن يدافع عنها بالطريقة دي! الشاب وقع على الأرض بيئن من الوجع، وإيده ملطخة بالدم، مش قادر حتى يرفع نفسه. عربيات كتير وقفت حوالين مكان الخناقة، الناس اتلموا، والكل بيحاول يبعد خالد عن الشاب بالعافية. خالد كان في قمة غضبه ومصمم إنه يعاقب الوغد ده اللي خوف ياسمين وغلط فيها قدامه.
ياسمين كانت واقفة خايفة لما شافت ناس كتير اتجمعوا حواليهم وكانت عايزة الموضوع ينتهي بسرعة وبدون ما يوصل لجدها أو يحيى. في وسط الزحمة، والناس بيبعدوا خالد عن الشاب بصعوبة.. الشاب استغل الفرصة، وجرى ناحية عربيته وهو بيترنح من الوجع، وركب عربيته بسرعة واختفى عن الأنظار. خالد كان عايز يمسكه تاني عشان ياسمين تعمل فيه محضر، لكن ياسمين رفضت وقالت إنها عايزة تروح وبس!
ياسمين كانت واقفة ملامحها مشوشة من الخوف، إيديها متشابكة قدامها كأنها بتحمي نفسها من العالم. خالد قرب منها بخطوات واسعة، مسك إيديها بحزم، فتح باب عربيته بإيده التانية، وقال بصوت آمر من غير ما ينطق بكلمة زيادة: اركبي. هي دخلت العربية وهي مش فاهمة بتعمل إيه، بس كان واضح عليها الرهبة. ركب خالد جنبها، قفل الباب بعصبية، ودوّر العربية بسرعة، وتحرك بيها وهو نفسه بيتهز مع كل نفس بياخده من كتر الغضب اللي بيغلي جواه.
اتكلم وهو عينيه مسلطة على الطريق وصوته مليان غضب مكبوت: ممكن أفهم ليه رفضتي تعمليله محضر؟! ياسمين بلعت ريقها، صوتها كان خافت ومهزوز من التوتر: مش عايزة مشاكل... خالد ضرب إيده على الدركسيون بخفة وهو بيتمالك نفسه بالعافية وقال بصوت مشحون: مشاكل! ده قليل الأدب كان ممكن يأذيكي لو أنا ما كنتش موجود... وبعدين أنتي ليه تمشي على طريق زي ده لوحدك؟!
ياسمين كانت حاسة إنها سامعة صوت نبضها بيخبط في كل جسمها من التوتر، ردت بسرعة كأنها بتحاول تشرح وتبرر خوفها: أنا كنت مخنوقة.. ونفسي أمشي لوحدي شوية... ما عرفتش إن كل ده هيحصل. خالد بص لها بطرف عينه نظرة طويلة، فيها خليط بين اللوم والخوف عليها، وقال: ما فيش بنت بتمشي لوحدها هنا وعلى طريق زي ده. ياسمين ردت وهي بتضم جسمها بخوف: أنا ما فكرتش في أي حاجة غير إني عايزة أتنفس لوحدي بحرية! خالد بص لها وبعدين سكت.
حاول يهدى نفسه، أخد نفس عميق، وركز في السواقة بدل ما ينفجر غضبه أكتر من كده. ياسمين كانت قاعدة مكانها، ضامة نفسها، بتفرك صوابعها بتوتر. كل تفكيرها كان رايح على فكرة واحدة بتخوفها: لو جدي عرف... لو يحيى عرف... مش هيسمحوا إني أخرج من البيت أو المدرسة لوحدي تاني! كانت حاسة إنها فقدت سيطرتها على حياتها من ساعة ما دخلت بيت جدها... والنهاردة الإحساس ده بقى كأنه قيد حديدي مش هتعرف تهرب منه أبدًا.
خالد كان سايق وعينيه مركزة قدامه، وصوته طالع هادي بس فيه لمحة استفهام حادة: كنتي رايحة فين؟ ياسمين اتلخبطت، اتحركت في مكانها بقلق، وردت بصوت واطي: مش عارفة... لف وشه ناحيتها لحظة، حاجبه مرفوع بدهشة مش مصدق: يعني إيه مش عارفة؟! ياسمين بصت له بحذر، عينيها مليانة توتر، وقالت: أنا ما عرفش أي حاجة هنا.. أنا لسه جاية البلد هنا من فترة قليلة وما عرفش أي حاجة فيها. خالد انتبه
على كلامها وسألها بفضول: أنتي قولتيلي إنك عايشة في بيت جدك هنا.. هو جدك مين؟ ردت بعفوية: جدي اسمه جلال الشرقاوي. خالد بلع ريقه وهو على بعد لحظات من معرفة الحقيقة منها وسأل: أنا أعرف الحاج جلال الشرقاوي وأعرف إن عنده ولدين بس.. راشد الشرقاوي ابنه الكبير ويحيى الشرقاوي ابنه الصغير.. أنتي بنت مين فيهم؟ ردت ياسمين: أنا بنت يحيى جلال الشرقاوي. خالد قلبه دق بعنف وكأنه في صراع وسألها بتوتر: وليه ما كنتيش عايشة معاهم هنا؟
ياسمين اتحرجت تقوله إن مامتها الزوجة التانية ليحيى الشرقاوي وكان باباها باعدهم عن عيلته وقالت بتوتر: بابا وماما اتجوزوا في القاهرة وكنا عايشين هناك.. ولما حصلت الحادثة واختطاف أحمد جدي أصر إننا نيجي نعيش معاه هنا. وسألته فجأة: هو أنت شفتني إزاي هنا؟ رجع يبص للطريق، وقال بنبرة عادية وكأنه بيحكي حاجة عابرة: كنت ماشي على الطريق بالصدفة... وشوفتك بتجري والولد ده بيجري وراكي. وبعدين لف وشه ليها تاني،
وعينيه بتلمع بإصرار: هنروح القسم دلوقتي تعمليله محضر، وأنا هعرف إزاي أجيبه. ياسمين شهقت بخوف، وشها شحب واتكلمت بسرعة وهي بتترجاه: لأ! لأ محضر لأ! .. لو جدي عرف باللي حصل مش هيخرجني من البيت تاني... ويحيى ابن عمي مش هيسكت. خالد ضيق عينيه بفضول، سألها وهو مش قادر يخفي اهتمامه: يحيى ابن عمك مش هيسكت؟ هيعمل إيه يعني؟ ياسمين خفضت وشها بسرعة، كأنها خايفة حتى تعبر عن اللي جواها، وسكتت.
خالد لاحظ ارتباكها، حس إن في حاجة أكبر من مجرد خوف من ابن عمها، بس ما رضيش يضغط عليها أكتر. الدنيا حواليهم بدأت تبقى أهدى وهما داخلين طريق عمومي وسط زحمة ناس ماشية وعربيات وقربوا من الشارع اللي فيه بيت جد ياسمين. ياسمين رفعت راسها وبصت من الشباك، جسمها بيترعش خفيف من التوتر، وقالت بصوت أقرب للرجاء: ممكن أنزل هنا لو سمحت؟ خالد بصلها باستغراب، وسأل بدهشة حقيقية: ليه هنا؟ ردت بسرعة، وكأنها عايزة
تهرب من الموقف ومنه كمان: البيت قريب من هنا.. هاخد تاكسي يوصلني البيت... كده هكون مرتاحة أكتر. خالد اتنهد، وهو بيركز تاني قدامه، وقال بنبرة خفيفة فيها شيء من خيبة الأمل: أنا ممكن أوصلك بيت جدك.. أنتي ما تعرفيش حاجة هنا وممكن تتوهي! ياسمين ابتسمت ابتسامة متوترة، وقالت بهمس: شكرًا... أنا عارفة عنوان البيت وهكون مرتاحة أكتر لما أرجع لوحدي. خالد سكت، وحس إنها محتاجة فعلًا تكون لوحدها.
ما حبش يضغط عليها وركن على جنب بهدوء، وعقله مليان علامات استفهام حواليها، وحوالين الخوف اللي في عينيها. ركن العربية على جنب بهدوء، ياسمين ابتسمت برقة وقالت بنبرة فيها خجل وامتنان: شكرًا يا حضرة الظابط... وآسفة على اللي حصل. ابتسم خالد ابتسامة خفيفة ما لهاش تفسير غير إنه مستغرب المسافة اللي فجأة رسمتها بينه وبينها، ورد عليها بنفس الرسمية بس بابتسامة دافية: تحت أمرك يا آنسة ياسمين...
وزي ما بيقولوا: الشرطة في خدمة الشعب. ياسمين بصت له بدهشة خفيفة، وهو كمل كلامه بضحكة خفيفة كسرت الرسميات اللي بينهما: يعني أنتي هتقوليلي حضرة الظابط، وأنا أرد عليك آنسة ياسمين؟! إيه الرسميات المملة دي؟ خلينا ياسمين وخالد عادي، من غير تكليف وكلام يزعل. ضحكت ياسمين من قلبها، ولأول مرة من ساعة ما ركبت معاه تحس إنها مرتاحة، وقالت وهي بتبتسم: ماشي... شكرًا يا خالد. ابتسم لها أكتر، وفي عينيه بريق خفيف من
الإعجاب وقال بمزاح واضح: العفو... يا آنسة ياسمين. ضحكت بصوت أعلى، وهو اتأملها للحظة كأنه بيشوف نور خفيف ظهر وسط يومه الكئيب. بص لها بخبث ظريف وقال: هو أنا لو طلبت رقمك دلوقتي أبقى رخِم شوية... صح؟ وشها احمر فجأة، وحست بالخجل لدرجة إنها ما قدرتش تبصله وهي بتهمس: مش عارفة... خالد رفع إيده وحك شعره وهو بيضحك وقال: إيه الإحراج ده!! ضحكت ياسمين تاني، وهو حاول يخفف الموقف وقال بهزار: بصراحة...
أنا كنت عايز رقمك عشان أكلم صاحبي أحمد... وأطمن عليه. ياسمين حست إنه بيحاول يهرب من إحساسه الحقيقي، فابتسمت وقالت بمودة: وأحمد كمان مش بيبطل زنّ، طول الوقت بيسأل عليك وعايز يكلمك. قال خالد بنبرة مليانة خفة دم: خلاص... يبقى أخد رقمك عشان أكلمه وأطمن عليه براحتي. هزت راسها بالموافقة، وأخذت الموبايل منه وسجلت رقمها، وبابتسامة هادية قالت: كده الرقم بقى عندك. على طول، خالد اتصل بيها وهو بيبتسم وقال: عشان يبقى عندك رقمي...
وأول لما توصلي البيت، تخليني أكلم صاحبي أحمد... وأطمن إنك وصلتي بالسلامة. ابتسمت ياسمين ابتسامة خجل بريئة، ونزلت من العربية بسرعة، وكأنها بتحاول تهرب من مشاعر بدأت تخوفها. خالد قعد يراقبها بعينيه وهي واقفة تدور على تاكسي، ولما لقت تاكسي وركبته، مشي وراها بعربيته بهدوء، محافظ على مسافة آمنة، لحد ما شاف التاكسي بيقرب من بيت الشرقاوي.
شافها وهي بتنزل من التاكسي وتدخل بوابة البيت الكبيرة، ولما اتأكد إنها دخلت بأمان، لف بعربيته وتحرك ناحية القسم، بس عقله لسه مشغول بيها. في آخر اليوم. ياسمين كانت قاعدة في أوضتها بتفكر في اللي حصل النهاردة وفي الصدف الغريبة اللي دايما تجمعها بخالد! قررت تكتب يومياتها وبدأت باليوم اللي قابلت فيه خالد أول مرة يوم الحادثة لأن اليوم ده كان غريب ومميز بالنسبة لها.
وهي بتكتب رن تليفونها برقم خالد.. أول لما شافت رقم خالد على الشاشة، قلبها دق بعنف كأنه هيطير من مكانه، وبلعت ريقها بالعافية قبل ما تضغط على زر الرد بإيد مرتعشة. ـ ألو... نطقت الكلمة بصوت خافت ومهزوز، وكأنها خايفة حتى من نفسها. ـ ألو... إزيك؟ جالها صوت خالد دافئ عبر السماعة، فيه نبرة مريحة غريبة خلت قلبها يزيد دقاته أكتر. ـ الحمد لله... ردت عليه بخجل، وهي بتحاول تهدي رجفة صوتها.
خالد كان واقف في بلكونة أوضته، والهوا البارد بيلمس وجهه بخفة. وهو بيبص على جنينة الفيلا بتاعتهم اللي عمره ما حس بجمالها زي النهاردة. قال بنبرة خفيفة فيها عتاب لطيف: "أحمد صاحبي مكلمنيش ليه؟ أنا مستني مكالمته من الصبح." ابتسمت ياسمين بتوتر، وقالت وهي بتحاول تخفي خجلها: "أحمد... جاله شوية ألعاب جديدة النهاردة، ومش عايز يخرج من أوضته خالص." خالد ابتسم لنفسه وهو بيسمع صوتها، وحس إن كلامه
بيخرج لوحده من غير تفكير: "يعني أحمد مشغول عني... وأنا اللي كنت بفكر فيه، وقولت أكيد هو كمان بيفكر فيا." جملته دي خبطت قلب ياسمين خبطة جامدة، حست إنه مش بيكلم عن أحمد أصلًا، وكأنها هي اللي في باله مش غيرها. الخجل لف وشها، وكانت لسه هترد، لكن فجأة... باب الأوضة اتفتح بقوة عنيفة خلتها تنتفض من مكانها، والتليفون وقع من إيدها على السرير بصدمة. دخل يحيى ابن عمها، بيقتحم الأوضة بانفعال وعصبية، صوته
بيعلى وهو بيزعق بكل قسوة: "هو انتي مش عايزة تسمعي الكلام ليه! فاكرة إن مَلَكيش كبير يحكمك! ياسمين اتجمدت مكانها، عينيها بتلمع من الخوف، ودقات قلبها مش سيبالها نفس تفكر. انتفضت ياسمين من فوق سريرها بصدمة، جسمها كله اتجمد من الرعب. كانت لابسة بيجامة منزلية، وشعرها البني الطويل سايب على كتفها من غير الحجاب... عينيها اتسعت وهي مش مصدقة إن يحيى دخل عليها بالشكل ده! يحيى اتجمد مكانه، عينه ماتحركتش عنها.
لأول مرة يشوفها كده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!