الفصل 20 | من 21 فصل

رواية منك وإليك اهتديت الفصل العشرون 20 - بقلم زيزي محمد

المشاهدات
22
كلمة
5,398
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

وصلت السيارة المُقلة لزيدان ومليكة من المطار حتى البلدة التي كانت تقع على أطراف مدينة الأقصر.

قضت مليكة أغلب الوقت في الصمت بعدما نفذت طاقتها في الحديث، وخاصةً بعد رحلة الوداع التي خاضتها مع زوج والدتها. فقد أغرورقت عينيها بالدموع وهي تقابل نظرات الحزن الممزوجة بالأسف من قبل زوج والدتها، بينما كانت يداه ترفض ترك يدها الصغيرة وعقله يدفعه نحو ذكرياتهما معًا منذ بداية طفولتها حتى لحظة زواجها. لم يكن يعلم أن تلك اللحظة ستكون مهيبة بهذا الشكل، موجعة لأقصى حد وتحديدًا سفرها وبعدها عنه. لم يتقبله، فحين يشتاق قلبه لعناق أبوي، من سيشبعه بذلك الشعور غيرها!

لمن سيضيء وجهه لابتسامتها الرقيقة. بالنهاية هي من اختارت، لذا قرر الاستسلام وعدم المقاومة. وقد رأت ذلك في عينيه، مما أدى إلى تسلل الراحة لصدرها، فقد كانت تخشى ضميرها والذي كان سيتراقص بجنون فوق أوتار تماسكها إن غادرت ورأت نظرة اللوم في عينيه.

انتبهت مليكة ليد زيدان المربتة فوق يدها، فنظرت إليه ورأته يحثها للنزول من السيارة. حركت رأسها بإيماءة وهبطت تقابل حياة جديدة، محاولة أن تنسى ما يؤرق عقلها مؤقتًا. يكفي أنها ابتعدت ولم يعد لها أثر في القاهرة. وها هي هنا في مدينة بعيدة جدًا وبلدة متطرفة.

قابلت السكون المطبق على البلدة. وغرق وجهها بملامحه المُرهقة في التعجب. فاندفع رجل قمحي البشرة، قصير وجسده سمين بعض الشيء، يقابلهما بابتسامة مرحبة. وأول من كسر امارات التعجب فوق وجهها هو صوته المجيب: "عندنا البلد بتبدأ تنام من المغرب، نورتوا يا باشا." حرك زيدان رأسه بتحية بسيطة وتقدم نحوه في خطوات بسيطة. فتراجعت مليكة خطوة، تترك له المساحة الكافية للتحدث معه. بينما زيدان رفع وجهه للبناية قائلاً: "الشقة هنا؟

ارتفع صوت الرجل بتأكيد وقد سرق انتباه مليكة التي كانت تمرر بصرها على البناية الكئيبة ذات الأضواء الخافتة: "آه يا باشا... الشقة هنا في الدور الثاني." فأشار له زيدان بالتحرك وتحرك خلفه. ولكنه لاحظ وقوف مليكة وتحديقها بالبناية، فعاد إليها وحدثها بصوت خافت: "يلا يا مليكة، واقفة ليه؟ تقدمت نحوه ثم قالت بصوت مرتبك: "زيدان العمارة دي كئيبة قوي." نظر حوله بسخرية مردفًا: "المنطقة كلها مش دي بس."

أومأت برأسها تؤكد على حديثه. لمحت كفه الموضوع أمامها، فوضعت كفها الصغير بين قبضته الرقيقة. وتركته يحركها خلفه بلطف حتى وصلا لشقة بالطابق الثاني. دخلا سويًا. كانت الإنارة جيدة والأثاث مغطى بأغطية بيضاء كثيرة يملأها الغبار، فيبدو أنها كانت مهجورة لفترة كبيرة.

شعرت مليكة بيد زيدان التي تركتها، فوقفت بالمنتصف تحدق بأرجاء الشقة. بداية من الصالة فكانت متوسطة حجمًا، وغرفة واحدة موجودة أمامها مباشرة، ومرحاض بجانبها، والمطبخ في الجهة الأخرى. فخرج صوتها يسأل بضيق: "زيدان دا مفيش إلا أوضة واحدة." قابلها زيدان بثبات وهتف ببرود: "آه ما أنا أخدت بالي." كادت تواصل حديثها، ولكن الرجل نظر لزيدان بنظرة غامضة وابتسامة ماكرة التصقت بشفتيه: "أصل يا هانم الشقق هنا كلها أوضة واحدة بس."

وضحكة غريبة خرجت من جوفه. فضرب زيدان وجهه بخفة هامسًا: "الله يخربيتك يا عباس." تقدمت نحوهما تسأل في تعجب: "معقولة البلد كلها كدا، طيب واللي معاه أطفال يعمل إيه! تدخل زيدان سريعًا وحرك عباس نحو باب الشقة: "يلا أنت بالسلامة طرقنا." فهمس عباس له بحماس: "إيه رأيك يا باشا فيا، فهمتها إن الشقق كلها فيها أوضة واحدة." وغمز بطرف عينيه. فابتسم زيدان له بسماجة ودفعه نحو الخارج مردفًا: "متشكرين لأفضالك يا عم."

من ثم أغلق باب الشقة مرة واحدة. ثم التفت نحو مليكة مرتديًا قناع الغضب وهو يقول: "إيه يا مليكة دا كلام تتكلميه مع الراجل؟ "أيوا جايبلنا شقة فيها أوضة واحدة إزاي." ردت بضيق. فأجاب بسخرية: "ما تروحي تقوليله على الاتفاق اللي بينا وهو يروح يفضحنا في قسم الشرطة بين زمايلي." حاولت التحدث، ولكنه هتف ببصرامة وحزم: "أنا وافقت على كلامك عشان مزعلكيش بس مش معنى كدا إن أي حد يعرف باللي بينا. المفروض تحافظي على وضعي قدام أي حد."

تحرك بعدها نحو الغرفة، فاندفعت خلفه تقول بخجل: "أنا مقصدش على فكرة، بس أنا محرجة إننا هنام جنب بعض." توقف فجأة وهو يهتف بصوت مرتفع: "يا ستي هبقى أنام على الأرض، ارتاحتي." "أنت متعصب ليه؟! قالتها بتعجب خالط فيه الاستنكار لحدته. فرمقها بنظرة مطولة وخرج يجلب حقيبته ثم دخل مرة أخرى وهو يتمتم بصوت حاد: "أنا هدخل أستحمى."

زمت شفتيها بضيق وقررت أن تتركه وتخرج للصالة تتجول بها وتستكشف قطع الأثاث والمطبخ. بينما هو فتح حقيبته بغيظ جاذبًا بعض قطع ثيابه القطنية المريحة متمتمًا بحقد: "حظي هباب أنا عارف أقسم بالله."

ترك الحقيبة مفتوحة على مصراعيها ثم خرج نحو المرحاض ولم يلاحظ الحقيبة التي قد أعيدت غلقها بإحكام. دخل المرحاض وبدأ في خلع ثيابه والحنق يتملك من وجهه فبدا محمرًا للغاية وجسده يتشنج مع نزول قطرات المياه. فقرر الاسترخاء قليلاً لذا التفت نحو ستارة صغيرة مُعلقة حول حوض الاستحمام وأغلقها عليه. مع صعود البخار أغمض عينيه وانشغل عقله في كيفية كسر الحواجز الحائلة بينه وبين مليكة. ومع صوت قطرات المياه المتساقطة استمع لصوت آخر

خلفه. فاستدار ببطء وفتح عينيه بصدمة حينما رأى الستارة مفتوحة كما كانت من قبل وكأنه لم يلمسها. فحرك رأسه بعنف شديد وزفر بغيظ لتهيؤات ساذجة تسربت لعقله. ثم أعاد غلقها، وقرر استكمال رحلة الاستحمام الغريبة. فجذب الصابون وبدأ في فركه بقوة ثم وضعه فوق وجهه. ولكن نفس الصوت اخترق عقله. ففتح عينيه نصف فتحة ورأى الستارة مفتوحة كما كانت من قبل.

فارتفع صوته بتوتر: "إحنا هنهزر ولا إيه!

أغلقت الإضاءة لجزء من الثانية ثم عادت مرة أخرى. هنا تأكد أن هناك شيء مريب يحدث بذلك المرحاض. فقرر غسل الصابون عن وجهه في ثبات تام ثم فتح عينيه مرة واحدة ولكنه وجد الستارة مغلقة بالكامل. كاد أن يضحك بحماقة عما يحدث معه، ولكن استكمل ما يفعله حتى ينهي ذلك المزاح، وخاصةً حينما دفعه عقله نحو عالم الجن. وعندما التفت وجد الستارة فتحت على مصراعيها. كتم اعتراضه بداخله وخرج من حوض الاستحمام نحو ملابسه. ولكنه وجد سترته البيضاء

فقط وسرواله غير موجود. استدار عدة مرات يحرك بصره في أرجاء المرحاض لم يجد شيء. لوهلة شك بنفسه. فارتدى ملابسه الداخلية وسترته وفتح الباب يبحث عن مليكة. استمع لصوت جلبة بالمطبخ فتأكد أنها هناك. خرج سريعًا ودخل الغرفة نحو حقيبته وجدها مغلقة بإحكام وكأنها لم تفتح من قبل.

فهمس لنفسه بثقة: "أكيد مليكة اللي قفلتها." فتحها مرة أخرى وبحث عن سرواله الأسود لم يجده. فقد كاد يجن. لقد رآه قبل دقائق وأمسكه بين يديه. ورغم كل هذا لم يرد تصديق ما يؤل إليه عقله. لذا جذب سروال آخر وخرج للصالة فوجد مليكة واقفة تحدق بالشرفة، فسألها: "إيه يا مليكة! "مين فتح البلكونة دي.. أنت! ووجهت إصبعها نحوه. فتمالك نفسه وهتف بثبات: "آه."

ثم توجه نحوها ليغلقها ولكنه رأى سرواله معلقًا فوق الحبال. توسعت عيناه واستدار بجسده يسألها عما إن كانت هي فعلت ذلك. ولكن تقاسيم وجهها تعطيه إجابة مناقضة لما يريد سماعه. جذب سرواله في صمت وتقدم نحوها عندما قالت متعجبة: "أنت إزاي أخدت شاور والمياه مقطوعة في المطبخ." تشابكت الحروف لديه ولم يعد يعلم كيف يجيب عليها وقد تأكد من ظنونه. فتظاهر بلامبالاة حتى لا يثير الرعب لديها.

"عادي تلاقي شوية مشاكل في مواسير المطبخ، هنحلها بعدين." "طيب هدخل أخد شاور." ترك السروال جانبًا ورمقها بنظرة غامضة: "بلاش أنتِ كدا حلوة." "ليه جايين من سفر، والشاور هيخليني أفوق." كتفيه باستسلام وهو يتمتم: "بس افتكري إني قولتلك بلاش." وقفت في طريقها وهتفت بسؤال: "ليه؟ "شايفك مأفورة في النضافة وانتي زي العسل، خليكي كدا." "دي مجاملة ولا معاكسة ولا بتزهقني ولا في إيه؟ قالتها بعدم فهم امتزج فيه السخرية.

فابتسم وقال بمزاح مهزوز: "بهزر معاكي، ادخلي يلا، بس متقفليش ستارة الحمام... شملته بعدم فهم. فسارع بالتوضيح: "عشان البخار خايف عليكي." "أوكي.. شكرًا." همست بها وتوجهت نحو المرحاض بعد أن جهزت ثيابها. وفور إغلاقها للباب اندفع زيدان نحو الأسفل بعدما جذب هاتفه وأجرى اتصالًا بعباس الذي أتى مهرولًا من إحدى البنايات المجاورة وقابل زيدان بأسفل البناية.

وقف يرتجف بخوف وهو يقابل زيدان بملامح وجهه الشرسة، مختنقًا بكلمات الأسف محاولًا إظهار بعض من التجاهل بعد أن رأى نظرات التهديد والغضب منبثقة نحوه كالسهام، فتغاضى عن فعلته وعقد حاجبيه وهو يسأله: "خير يا باشا نازل ليه؟ ضغط زيدان فوق أسنانه بغيظ شديد وهو يتمتم: "جايبلي شقة فيها عفاريت." "عفاريت! ردد خلفه باستنكار. فهز زيدان رأسه مؤكدًا والشر يتطاير من عينيه. بينما سارع الأخر بكلمات اختلط فيها السخرية:

"ما عفريت إلا بني آدم يا باشا." "متخلنيش أقل منك وأنت راجل كبير، دول فتحوا عليا ستارة الحمام وأنا بستحمى تلات مرات." رسم عباس ابتسامة لزجة وهو يقول: "تلاقيه مدام سعادتك بتهزر معاك يا باشا." أخشن صوت زيدان بنبرة معنفة: "أنت هتهزر معايا." أطرق للحظات واقترب من عباس يهدده بنظراته الشرسة: "أنا قافل باب الحمام بإيدي." "يمكن متهيالك يا باشا." قست ابتسامة زيدان والغيظ يأكله من ذلك المستفز حيث كان واضحًا جدًا كذبه.

ولكنه قال بصرامة: "لا إزاي والبنطلون اللي واخدة معايا، لقيته فجأة منشور على البلكونة." ضحك عباس وهتف بمزاح رغم نبرته المرتجفة: "طب كويس بيخدموك أهو." اختصر زيدان المسافة وقبض فوق عنقه. فاهتزت ابتسامته بخوف من رد فعل زيدان التالي. وكما توقع أبدى زيدان غضبه بشكل واضح: "لما أنت عارف إنها مسكونة، جايبهالي ليه؟ "آآ... أنا قولت يا باشا إن الظباط مبيخافوش من الجن، مش أنتم يا باشا مبتخافوش من أي حاجة." سخر زيدان بصوت مختنق:

"اسكت مش طلعوا بيخافوا وزي باقي البشر، رد على سؤالي." ارتفع صوته بنبرة مهددة، فأجاب عباس بصدق: "ما هو يا باشا أنت فضلت تقولي عايز فيها أوضة واحدة وتأكد عليا، وأنا خوفت أجيبلك حاجة غير طلبك أزعلك." التوى فمه بتهكم وأردف بغيظ: "والمركز دا كله مفيهوش إلا الشقة دي، ما ترد." أطرق عباس بنظراته أسفل وهتف بأسف:

"الراجل صاحب العمارة قالي لو أجرت أي شقة فيهم هيديني مكافأة كبيرة، فأنا اخترت أقل شقة بيحصل فيها لامؤاخذة حاجات وقولت أنت ظابط ومش هتخاف." "ليه العمارة كلها فاضية؟ "آه يا باشا." اشتدت ملامح زيدان بالغضب الشديد منه، فهتف بنبرة خشنة قاسية: "حالاً تجيبلي شقة تانية غيرها."

"مش هينفع يا باشا الناس هنا نايمة والشقق الحلوة مُلاكها موجودين في نفس العماير. الصبح بدري هجيبلك أحلى شقة بس الصبح مينفعش نتعدى الأصول ونخبط على أي حد بليل كدا." كانت نظرات النفي في أعين عباس صادقة. وقد تأكد زيدان بسبب خلو الناس من الطريق، وأحاديث زملائه عن قواعد تلك البلدة. فقرر السكوت ملتزمًا بالهدوء النسبي وصبر نفسه بالساعات المتبقية من الليل.

لذا تركه على مضض وصعد للأعلى. فوجد مليكة كادت تخرج من الشقة ولكنه قابلها فجأة. قرأ علامات الذعر بعينيها وصوتها يرتجف بخوف: "زيدان أنت كنت فين، ومين أخد هدومي من الحمام." دفعها للداخل وهو يحاوط كتفيها مهدئًا إياها. ولم يجد إجابة مناسبة لسؤالها. فنظرت إليه بشك: "أنت اللي أخدتهم وحطيت تاني في الشنطة." همس بسؤال واحد: "هدوم إيه؟ مسكت قطع ثيابها التي كانت ترتديها قائلة بغيظ: "دي.. اللي أنا لابساها." "ولقيتها فين؟

زفرت بضيق: "في الشنطة ولبستها مع إني كنت واخدها معايا في الحمام. وبعدين أنت إزاي تعمل فيا المقلب دا مفيش غيرك يقدر يعمل كدا." التوى فمه بغيظ به لمحة من الحقد: "طيب ما كنت استنى اللحظة اللي هتخرجي فيها من الحمام." ثم همس بحنق: "أقسم بالله نحس فعلاً ما كنت استنى شوية." ضربت بخفة فوق كتفه قائلة بتهديد: "أنت بتقول إيه؟ وازاي تعمل كدا؟ "معملتش حاجة."

همس بها دون وعي. ولكن نظرات الرعب جذبتها للحالة التي انتابتها. فقال سريعًا بابتسامة واسعة: "لا عملت كدا طبعًا، يعني أنا فيا طبع بحب أهزر مع أي حد بيستحمى." تجاهلت حديثه وهي تقول بابتسامة مرحبة: "أهلاً بحضرتك.. إحنا جيرانكم الجداد، تعالوا اتفضلوا." التفتت زيدان ببطء للخلف يخشى ما سيراه. ولكنه لم يجد أحد. فعاد يسألها بترقب: "مين.. بتكلمي مين؟ "واحدة وبنتها الصغيرة كانوا ماشيين، شكلهم رايحين الشقة اللي جنبنا."

اختلطت التعابير لدى زيدان وترك مليكة ثم تقدم نحو الباب بخطوات ثقيلة للغاية. ومد برأسه يتابع الطرق التي تفصله بينه وبين الشقة المقابلة، فلم يجد أحد. دخل وأغلق الباب. فوجد الغيظ يأكل مليكة: "ست سئيلة بشكل المفروض كانت ترد عليا، والله لو شفتها ما عابرها." "آه أوعي تكلميها." هتف زيدان مؤكدًا. وقليل من الخوف بدأ يسيطر عليه. ولكن نبرة مليكة المملوءة بالغيظ جذبت انتباهه:

"زيدان متهزرش معايا كدا تاني لو سمحت، أنا بجد خوفت وشكيت إن في حاجة في الشقة... بس قولت إنك استغليت إنّي قفلت ستارة البانيو." "وفي حد فتحها ولا لا... سألها بشك. فأجابت بغيظ من أسئلته الغامضة: "أنت بقيت تسأل حاجات غريبة قوي... لم تكمل حديثها وفتحت أبواب الشرفة على مصراعيها بقوة. فعادت للخلف عدة خطوات برعب ثم ركضت نحوه حيث كان يقف يتابع ما يحدث بصمت وثبات يحسد عليه. التصقت به وهي تشير بخوف: "مين فتح البلكونة؟

خرج صوته مبحوحًا يجيبها: "الهوا." إجابة مقتصرة لم يستطع أن يخرج غيرها. وعيناه تعلقت بأبواب الشرفة. فلم ينتبه لمليكة التي كانت تحتضن خصره بذراعيها تنظر لنفس المكان بارتجاف. ومع ارتفاع حرارة جسده بسبب قربها انتبه لوجودها. فاستغل الوضع وحاوط جسدها بذراعيه قائلاً بمشاكسة لطيفة: "أنا بشكر الهوا اللي خلاكي تحضنيني بالشكل دا." ابتعدت في خجل قائلة بصوت مهزوز: "آآ... أنا بس خوفت.. يلا هدخل أنام."

تحرك خلفها وسمح لبصره بالتجول فوق جسدها بحرية بعد أن أصبحت زوجته. فقد كانت ترتدي منامة بيضاء اللون بأكمام طويلة وسروال طويل. لم تكن المنامة تشف جسدها ولم تصفه، لقد حرصت على اختيارها باهتمام. ولكن ما جعله يبتسم بسعادة هو خصلات شعرها المنسدل فوق ظهرها. فتعلق بصره به ولم يحاول إصدار مغازلة صريحة لها حتى لا تعاند وتقوم بتخبئته أسفل حجابها. والدافع لذلك هو اتفاقية الأصدقاء التي قد عقدتها معه. فقرر التعامل بشكل طبيعي ودخل

الغرفة معها يسألها بحيرة: "هنام فين؟ شعور ما هاجم صدرها بعدم الراحة لتلك الشقة. فلم تعلم لِمَ خرجت إجابتها بهذا الاندفاع والسرعة: "نام هنا على السرير معايا." لم ينتظر زيدان ووجدته يتوسط الفراش بابتسامة كبيرة. فعادت تقول بتبرير: "حرام تنام على الأرض يعني، فقولت تنام هنا." وأشارت على طرف الفراش وتوجهت هي للطرف الآخر تقول: "وأنا هنام هنا."

وبالفعل رقدا فوق الفراش وحاول زيدان إغلاق الإنارة. ولكنها صاحت بذعر ترفض إغلاقها. ففتح إضاءة بسيطة واستدار نحوها يتساءل: "كدا حلو! نبرته الحانية جعلتها تبتسم له بحب قبل أن تغلق عيناها. فاستدار هو بجسده وأعطاها ظهره حتى يعطيها الحرية الكاملة وأغلق عينيه مستسلمًا للنوم محاولًا تجاهل ما يحدث بتلك الشقة. ولكن صوت جلبة جذبت انتباهه وجعلته يفتح عينيه. فهمس بضيق: "بدأنا." اقتربت مليكة منه بجسدها بل والتصقت به

من الخلف وهي تقول بتلعثم: "إيه الصوت دا؟ تركها تحتضنه من الخلف وهمس بلطف: "متخافيش تلاقي جيرانا." "زيدان أنا حاسة إن في حد بيتنفس ورايا." كان صوتها مختنق بعض الشيء والبكاء كان على مشارفه لديها. التفت سريعًا ولم يجد أحد. فقال وهو يبادلها العناق يجذبها نحو صدره العريض: "مفيش حاجة يا حبيبتي.. متهيألك." رفعت بصرها تتعلق بنظراته تسأله بشك: "بجد والله."

هز رأسه بتأكيد، فأغلقت عينيها ترفض التخلي عنه وذلك الإحساس يسيطر عليها بوجود أحد خلفها. ولكن جسد زيدان المحاوط لها جعلها تطمئن قليلاً. وبعد دقائق من الصمت اخترقت حاسة الشم لديهما رائحة طعام شهي. ففتحت عينيها وهمست برعب: "ريحة الأكل دا جاي منين؟

انتظر ثوان ولم يستطع الإجابة فالرائحة تزداد وكأن أحدهم يطهو في الشقة وأصوات الجلبة تزداد. وفجأة فُتحت صوت أغنية قديمة لأم كلثوم. تشبثت مليكة به أكثر ودفنت وجهها بصدره. حتى زيدان قد شلت حركته تمامًا وتوقف عقله عن العمل. ولكن صوت أنثوي خارج الغرفة وطرق بسيطة فوق الباب أيقظ خلاياهما المصابة بشلل مؤقت: "يلا يا حبيبي الأكل خلص خلاص."

هب زيدان واقفًا يجذب مليكة التي كانت ترتجف بخوف والدموع تتساقط فوق وجنتيها تزامنًا مع ترديدها لآيات قرآنية. بدأ زيدان في لملمة أشيائهما والبحث عن حجابها فوضعه فوق رأسها. بينما كانت تسبل ذراعيها جانبها وتغلق عيناها بقوة. استمعت له وهو يردد: "إحنا هنخرج من هنا وعلى الباب على طول ولا تبصي يمين ولا شمال، فاهمة."

أومأت بارتجاف والآيات القرآنية ترددها بشكل سريع. أمسك زيدان بالحقائب الكبيرة، وترك يدها رغمًا عنه بسبب كبر الحقائب. تحركت مليكة خلفه تضع بصرها في الأرض وهي تتجه خلف زيدان مباشرة. ولكن هناك فضول دفعها للنظر نحو للمطبخ. وما أنقذها هو إغلاق زيدان لباب الشقة. حاولا التحرك نحو الدرج ولكن أصوات نسائية تصرخ بالاستغاثة بالشقة المقابلة فتوقفت وهمست لزيدان: "حد بيضرب الست اللي جوا هي وبنتها."

دفعها زيدان نحو الدرج أمامه قائلاً: "مفيش حد ساكن في العمارة كلها.. بسرعة." " لا في الست.." قطع حديثها بنبرة حازمة: "بقولك مفيش بشر غيرنا.. بسرعة." توسعت عينيها بذعر حقيقي وصرخت وهي تهبط الدرج: "إيه... يالهــــــوي." هبطت الدرج بسرعة كبيرة متناسية زيدان خلفها. فقد كانت أشبه بمن ركب بساطًا سحريًا وهي تركض نحو الطريق وزيدان خلفها يحاول إيقافها. ***

تحرك إبراهيم في الصالة ذاهبًا وإيابًا والغضب يحتل كل ذرة به. فقد كاد يجن بعدما دخل الشقة هو وسمير ولم يجد نهى ولا حتى خالد. حتى ثيابهما وحقائبهما اختفت. أصابه الجنون حينها وأسرع يحاول إجراء اتصالاته ولكنه لم يصل لشيء. حتى أنه قرر إبلاغ ميرفت التي صاحت بجنون وشر لغبائه هو وسمير وتلقى منها توبيخًا لاذعًا بعد اعترافهما بكل شيء وخسارتهما للمال ولجوئهما لخالد والإقامة معه.

ساعات طويلة مرت عليهما وهما على نفس ذات الوضع. هو يتحرك بعنفوان في الصالة وسمير يجلس على نفس صدمته بعد أن أخذ خالد كل متعلقاته من الشقة ولم يترك ورقة واحدة أو أي شيء آخر يخصه. وعند تلك النقطة صاح بحقد: "ابن ال*** قاصدها وساب لنا الشقة واحنا نلبس." استدار إبراهيم بصوته الخشن يسأله: "قصدك إيه؟ "الواد قاصد يسيبنا من غير سكن ولا فلوس والشيخ قاسم لما يعرف هيسبنا. قولتلك الحقد بياكله من جواه من ناحيتنا مصدقتش." زفر إبراهيم

بغيظ شديد وهو يردد: "مش مشكلة، مش هنعرف الشيخ قاسم أصلًا لغاية ما نوصلها. هو يعني هياخدها ويروح فين؟ أكيد سافر مصر وهيرجعها لأمها." وقف سمير يردف بتفكير محاولًا لملمة جميع الأمور المبعثرة: "وإن مكنش عند ماما يبقى عند زيدان حبيب القلب. ووقتها إحنا نضغط على زيدان يا أما نعرف سليم بحوار خطوبته منها... يا أما يرجعها وهو هيرجعها عشان يخاف يخسر أخوه." صاح إبراهيم بحماس شديد:

"أيوا صح يا سمير بدأت تشغل دماغك، هاتلي التليفون نقول لامك تبعت حد يراقب بيت خالك." سارع سمير بجذب الهاتف وأعطاه لوالده الذي سارع للحديث مع ميرفت الغاضبة والتي لم تعلم عن نهى شيء حتى الآن متوعدة لها بأقصى عقاب. أما سمير حاول ضبط نفسه وعدم السماح للخوف بالسيطرة عليه. فلن يفقد أحلامه وآماله بسبب سذاجة أخته التي تركت أموالًا طائلة من أجل أمور تافهة. سيعطيها ويرغمها على الزواج الذي سيكون بمثابة طاقة القدر له. ***

في إحدى الفنادق الكبيرة في القاهرة كانت نهى تجلس في قاعة الاستقبال تنتظر خالد كي ينهى إجراءات الإقامة لعدة أيام كما أبلغها. لم تصدق أنها تركت قطر أخيرًا. فقد كانت الأيام التي قضتها هناك كبيسة ومخيفة بشكل كاد يخنقها. تلألأت دموع الفرح بعينيها حينما تمسك بها خالد وحاول مساعدتها بكل الطرق بداية من تجهيزه لسفرهما معًا حتى مجيئهما لذلك الفندق. ولوهلة شعرت أنها في حلم تعيشه بكل تفاصيله بداية من الخوف للترقب وصولًا للسعادة التي ملأت صدرها.

تقدم منها خالد وهو يشير لها باتباعه. فخطت خلفه على استحياء وكلمات الشكر تتجمهر بجنون على طرف لسانها تتمنى التعبير عن امتنانها بشكل يليق به بعدما جازف بكل شيء من أجلها. وصلا أخيرًا أمام غرفتين متجاورتين. فأعطى لها مفتاح الغرفة الإلكتروني وهو يبتسم بإرهاق: "مفتاح أوضتك."

مدت أصابعها الرقيقة والتقطته منه والخجل يطغو فوق وجهها فأضفى على ملامحها جمال فريد وهي تنظر له على استحياء وكأنها تشبه الهر الصغير حينما يكافئه صاحبه بطعامه المفضل. "شـ... شكرًا أوي يا خالد." "وفري أي شكر لما ندخل ونريح خالص، في صداع بيعمل شقلباظات في دماغي." ضحكت بخفة وأومأت بصمت بينما هو دخل لغرفته وتركها وحدها. ابتلعت لعابها بتوتر وهمست لنفسها بتساؤل قلق: "هو ندمان ولا إيه؟!

لم تعطي لنفسها فرصة للتفكير أكثر ودخلت للغرفة تضع حقائبها جانبًا ثم توجهت للشرفة تفتحها على مصراعيها. دخلت وهي تنظر لأسفل تحاول استنشاق الهواء العليل. فشعرت بالدوران الطفيف وعادت رهبة خوفها من المرتفعات تسيطر عليها. لذا عادت للخلف خطوة. ولكن الشرفة المجاورة جذبت انتباهها فقد آل عقلها أنها لخالد. لذا ابتسمت واقتربت بحذر كالأطفال تحاول النظر فيها. وقد ساعدها تجاور الشرفتين بشكل كبير. ولكن ظهر خالد فجأة من خلف الزجاج يبتسم لها بمشاكسة، فتسرب الحرج إليها ورفعت يدها تشير له مرحبة به بحماقة.

فتح الباب الزجاجي وهو يقول بسخرية: "لاقيت حد متطفل بيحاول يبص عليا، قولت يا ترى يكون مين." تقدم للسور الفاصل بينهما يستند عليه وهو يوجه حديثه إليها مباشرة بضحك: "قولت مفيش حد غير نهى." أشارت نحو نفسها وهمست بعتاب: "أنا متطفلة! "أومال بتبصي عليا ليه يا قليلة الأدب." صاحت بنفي وهي تقول: "لا لا أنت فهمت غلط، أنا كنت بحاول أطمن إن البلكونة دي بتاعتك." ضحك بصوت عالٍ وهو يومئ برأسه بتأكيد: "قولت مفيش حد غير نهى."

عبست بوجهها وهمست: "أنا آسفة مكنتش أقصد على فكرة، وإن كان على البلكونة أنا مش هدخلها تاني، عن إذنك." دخلت وتركته ينظر لأثرها بتعجب. ولكنه هز كتفيه بلامبالاة وعاد لتدليك رأسه. بينما كانت تتحرك بضيق في الغرفة وهي تردد: "قليل الذوق.. بس أنتي بردو غبية." زفرت بضيق واحتدت مشاعرها فتوجهت صوب حقيبة يدها تخرج أشياءها وهي تلوم نفسها: "مكنش المفروض أتقمص بسرعة وهو كتر خيره ساعدني.. يووه."

لمست يدها أقراص طبية مسكنة للصداع. أمسكتها بتفكير وتردد. ولكنها حسمت أمرها وخرجت نحو غرفته ثم طرقت الباب بخفة. وما هي إلا ثوان وفتح خالد الباب. فرفع حاجبيه معًا وابتسامة وقحة تسلقت فوق شفتيه: "والمرادي بتحاولي تتأكدي مين في الأوضة دي؟! قدمت له الأقراص الطبية وقالت بصوت حانٍ لطيف: "دي حبوب هتساعدك تنام وترتاح، تصبح على خير."

أخذ الأقراص منها مبتسمًا بامتنان لاهتمامها الذي داعب مشاعر يحاول لجمها بعقليته. وفرت تلك الغازلة الحزينة من أمامه لغرفتها دون أن تعطيه فرصة للشكر. دخل الغرفة وهو يتناول قرصًا ومن بعدها ارتمى بجسده فوق الفراش يغلق عينيه محاولًا نفضها من عقله حيث أصبحت تحاصر كل جانب فيه بهمساتها... صوتها المبحوح... عينيها ذات النظرة الحزينة...

أما عن ملامحها الرقيقة فقد استحوذت على عاطفته وأشعلت به لهيبًا يهدد بانفجار مشاعره الجياشة. فشعر بحرارة غريبة منه ورغمًا عنه همس: "ودي هخلص منها ولا هتخلص عليا."

هاجمته رغبة ملحة لمواصلة الحديث معها ربما يكمن الدواء فيها وحدها. وذلك بعد أن جرب الأقراص ولم تفعل شيئًا حتى بعد مرور دقائق عديدة. توجه نحو هاتف الغرفة ورفع السماعة مجريًا الاتصال برقم غرفتها. وذلك بعد أن أوهم نفسه بالاتصال بها لتقديم الشكر ليس إلا. ولكن رنين المتواصل جعله يهتف لنفسه بنزق: "لا هتردي متأخر هلم مشاعري وأوزعهم على الفقرا."

انتظر رنين الهاتف بفارغ الصبر متعجبًا من ذاته التي باتت تتصرف بشكل جنوني. هو لا يستطيع تفسيره سوى أنه قد أعجب بها. ولوهلة عاد يضحك وهو يضع الهاتف لموضعه هامسًا: "دي أكيد لعنة. كل ما أشوفها أعجب بيها."

قديمًا كان يظن أنها مجرد لحظات من المراهقة الساذجة المليئة بعنفوان الشباب بوقعه صريعًا لنهى تلك الفتاة البسيطة التي كلما رآها يدق قلبه بشكل جنوني. وعندما واجه والدته بحقيقة مشاعره ذات مرة سعدت كثيرًا وأخبرت ميرفت من باب توفيق الاثنين لبعضهما. ولكن جاء ردها اللاذع أن ابنتها لن تتزوج سوى من شخص مرموق له مكانة عالية بالمجتمع. وأكدت عن إعجاب نهى الشديد بزيدان الذي له سيكون له مستقبل باهر. فتحطمت آماله وقسى قلبه من

ناحيتهم جميعًا. ورغم أن نهى كانت تناقض تمامًا شخصه الشرس. فكانت طباعه جامحة لا أحد يستطيع إيقافه. ولكنه دفن جزءًا من شخصيته داخله بسبب ضغوطات الحياة وتعرضه لعدة صدمات أنهكت من شبابه. فرضخ للتعقل وهو يرفع راية الاستسلام. وها هو يعود كالابله يعجب بها من جديد. فمجرد النظر إليها يسحره نحو عالم تملكه بعينيها المسبلة وكأنها تخبئ خلف جفنيها نقوشًا من الحزن تجعله مسحورًا بها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...