وقفت نهى ترتجف بخوف في غرفة خالد تنتظر دخوله خلفها، وعقلها توقف تمامًا عن التفكير. انتشلت ما بين اللحظة والأخرى من وضع الهجوم للأمان الذي لم تشعر به إطلاقًا. حتى زيدان، رغم أنها كانت تتوق للحظة لقائهما، إلا أنها دومًا تشعر بعدم الراحة معه وكأن هناك أمر خطير سيصيبها. ولكنها كانت تدفن مخاوفها من أجل الاستمتاع بالوجود معه، فالقرب منه كان يكفيها.
تابعت دخوله الشرس وصوته الهامس بكلمات يبدو وأنها شتائم خرجت من فرط غضبه. وحينما لاحظ وجودها، ابتلع قاموسه الفريد من أجل الحفاظ على مكانته أمامها. فاندفع يقول بغيظ: -أبوك وأخوك مش هيهدوا إلا لما يطلعوا السافل اللي جوايا. ودا لو طلع مش هعمل حساب لقرابة ولا زفت.
هزت رأسها بإيجاب توافقه الرأي وكأنها لا تعي ما يقوله، فكل ما يشغل عقلها هو جسده المنتفض وملامحه الشرسة وكأنه خرج من حلبة مصارعة. رغم أنه لم يتشاجر معهما، ولكن يبدو أنه كان يحاول تهذيب نفسه وهذا أثره أكبر من العراك الجسدي. انتفضت بفزع وهو يقترب منها حيث قال بنبرة شرسة معنفة: -وإنتي هبلة سايبة المتخلف أخوك دا يضربك ليه؟ للوهلة بقيت كالصنم لم يصدر منها أي رد فعل. ومن بعدها بدأ الغباء يسيطر عليها وهي تنظر له ببلاهة
وصوتها مرتبك للغاية: -أمال أعمل إيه؟ -اضربيه، امسكي أي حاجة وافتحي دماغه. الجزمة وما يهمكيش، أنتي كدا هتبقى بتعملي خدمة للبشرية كلها. توسعت عينيها بصدمة وانفرج فمها وهي تتابع حديثه المائل للشراسة ونبرة صوته الخافضة اختلط بها الإجرام. لوهلة، فعاد الاندهاش يغزو ملامحها عندما واصل: -متخافيش، هو أنا جوايا مجرم قديم بس أكيد مش هطلعه على أهلك ميستاهلوش.
رمشت بأهدابها عدة مرات وكأنها لا تدرك مغزى كلامه. فمن الواضح بساطته وهو يحاورها ولكنه يملك جاذبية خطيرة تضعها أحيانًا في خانة الذهول. حيث لم تكن قادرة على محاوراته بل تظل صامتة كالبلهاء أمامه. وحينما طالت في صمتها خرجت جملة واحدة منها لم تعرف كيف انسلت من عقدة الصمت المسيطرة عليها: -أنا خايفة. التفت خلفه بتعجب وهو يتساءل: -من أيه؟ -منك ومنهم.
إجابتها كانت سريعة للغاية ففجرت إمارات الانشداه فوق تقاسيم وجهه، مما دفعه يشير نحو نفسه قائلاً: -مني أنا؟ ليه؟ وقبل أن تجيب اندفع يستكمل حديثه بجدية وصرامة: -أنا عمري ما هفكر أأذيكي يا نهى، لأني ببساطة ولا بكرهك ولا حتى بحبك. أنتي واحدة غريبة اتفرضت عليا غصب، وعشان أنا محترم بزيادة سكت زي ما سكت على وجود أبوك وأخوك عندي هنا. رغم اللي أنتم عملتوه فيا زمان، بس أنا مش زيكم ولا عمري هكون. فاهتضطر أتعامل معاكم بأصلي.
-أأ... أنا... مقصدش... كانت تحاول الدافع عن نفسها ولكنها لم تستطع التبرير بسبب نبرته الخشنة وهو يجذب كفها يفتحه ويضع به مفتاح: -دا مفتاح الأوضة دي. في العادة بسيبها مفتوحة بس من الواضح إنك معتوهة ومش هتعرفي تدافعي عن نفسك. لو حصل حاجة ابقي اجري واقفلي على نفسك الباب. غادر بعدها تحت صدمتها منه. فهمست غير مستوعبة ما قاله: -دا شتمني! هزت رأسها عدة مرات تستوعب ما حدث منه، وعادت تشير نحو نفسها: -شتمني بجد! وبعدين... عادت
تعقد حاجبيها بتفكير وضجر: -هو إحنا عملنا في إيه زمان؟ طيب هما ممكن يكونوا عملوا... أنا عملت أيه؟ *** -قوم يا بابا... سي زفت مشي وراح شغله. تجاهله إبراهيم وتظاهر بالنوم، فثار سمير بغضب قائلاً بتهديد: -قوم كلمني، أصل أروح أموتها من الضرب. التفت إبراهيم له بغيظ مردفًا: -أهو اتنيلت وصحيت. في إيه يا سمير يا حبيبي على الصبح؟ انتفخت أوداج سمير وهو يقول بحنق:
-في كتير.. هو خالد بيدخل ليه بيني وبين الزفتة اللي اسمها نهى، هي كانت أخته ولا أختي. زم إبراهيم شفتيه بضيق وعاد مرة أخرى لوضعه فوق الفراش: -متستاهلش عصبيتك دي، كمل نومك. انفجر سمير بغضب وكره وهو يصيح عاليًا: -هي ولا تفرق معايا واحد في المية أساسًا، أنا اللي يفرق معايا تهزيقه ليا، وزايد فيها أوي لما نهى جت. قصده إيه؟ تساءل في نهاية حديثه بشك لم يثر فضول إبراهيم حتى أنه رد ببساطة أزعجت ولده:
-ولا قصده حاجة، هو خالد كدا لسانه متبري منه. -أنت بتدافع عنه؟ شق الاستياء ملامح إبراهيم وهو يجيب: -ولا بدافع ولا بزفت، أنا بس شايف إنك مكبر الموضوع. وبعدين إيه الجديد ما خالد على طول بيهزقك كدا. ظهرت الاستشاطة في صوت سمير وهو يقترب من والده والشر يتطاير من عينيه: -أنت عايزني أتجنن دلوقتي؟ -ولا تتجنن ولا تعمل حاجة، تسكت خالص وتستحمل زي ما كنت بتستحمل. مسمعتش صوتك يعني إلا لما نهى جت؟
اضطر إبراهيم لإزالة قناع الهدوء فظهر الغضب جليًا لسمير الذي تراجع مردفًا بتلجلج يوضح وجهة نظرة: -آآ.. آه.. اسكت يعني واخليه يهزقني ويقلل مني قدامها وبعدين هي تشوف نفسها عليا. -مش هتقدر، أنا هقطع رقبتها. روّق بالك وتعالى نام ساعتين عشان نطلع للشيخ قاسم.
قالها إبراهيم وهو يجذب ذراع ولده نحو الفراش محاولًا امتصاص غضبه أو بتعبير أصدق مخاوفه من هدم شخصه أمام أخته. فقد تعود على معاملتها بقسوة كي تهابه وتخشاه ولا تتجرأ على الوقوف أمامه مهما كان السبب. ومن عزز فيه ذلك كانا والداه وخاصةً أنهما يريان نهى غبية لا تستحق التقدير أو الاهتمام بسبب أوهام الحب الغارقة بها. وبالطبع لن تجني منها سوى الدمار، فإن حدث ذلك فيكون الهلاك من نصيبها وحدها أما هم ففي مأمن بعيد عنها.
-الشيخ قاسم مبقاش عاجبه قعدتنا عنده وعايزنا نتجمع هنا في شقة خالد. انتبه إبراهيم على قول ولده الذي خرج في همس، فاندفع يفتح الإضاءة مجددًا يتساءل في تفكير: -هو عاملها نكاية في خالد ولا إيه؟ اعتدل سمير هو الآخر يجيب بحيرة: -والله يا بابا ما عارف، بس باين عليه بيكرهه. ثارت نفس إبراهيم بقلق فقال باهتمام: -طب واحنا مش عايزين نزعله مننا، نعمل إيه؟ بعد لحظات من التفكير انطلق سمير يحيك خطة خبيثة والبسمة تحلق فوق شفتيه:
-بص إحنا ممكن نجيبه وقت ما خالد يكون في الشغل وقبل لما يجي نطرقه بأي حجة. ضيق إبراهيم عينيه مفكرًا في أمر تلك الخطة من جميع النواحي. ورغم أنها أعجبته إلا أنه يخشى رد فعل خالد أن علم بذلك الأمر: -تفتكر هنقدر نعمل كدا من غير ما خالد يعرف؟ أجاب سمير مؤكدًا عليه: -آه، إحنا لازم نمسك العصاية من النص. خالد ومينفعش نسيب شقته وحاجات كتير بسببه اتشالت من علينا، والشيخ فلوسه حلوة بس لسه ابن *** قافلها علينا.
-هتفتح يا سمير بس نعمله كل اللي هو عايزه مهما كان الثمن وصدقني هنشوف عز أكتر من اللي كنا فيه في مصر. *** حركت مليكة خاتم الخطبة في إصبعها بابتسامة شاردة انبثقت من ظلام فرض هيمنته عليها وخرجت للنور أثلجت بها صدر زيدان المتوجس من عبوسها أغلب الوقت، فابتسم تلقائيًا رغم عنه لمجرد فقط سعادتها بخاتم خطبتهما. -مبسوطة؟ سألها بهمس وهو يميل بجسده نحوها، فنهرته بعينيها تمنعه عنها قائلة بخفوت: -زيدان ابعد بابا مصطفى يقول إيه؟
رمقها باستياء والتزم الصمت لم يدم طويلاً وذلك حينما صدح صوت يزن من خلفهما قائلاً: -مبروك يا عروسة ألف مبروك. تمتمت خلفه بخجل: -الله يبارك في حضرتك. رفع يزن حاجبيه ومال على زيدان بنصف جسده قائلاً بصوت لم يسمعه سواه: -كيوت أوووي مش لايقة عليك، أنت عايز واحدة مجرمة شبهك بالظبط. ضغط زيدان فوق شفتيه معبرًا عن غضبه من ذلك الفظ، ولكن تراجع وتمالك نفسه عندما قال مصطفى: -مكنش له لزوم نيجي كافيه عشان مليكة تنقي الشبكة.
-لا لا عادي خالص، معقول هناخدها بردو في المحل تنقي! قالها يزن بنبرة سريعة محاولاً تدارك الأمر وبعدما أنهى حديثه ألقى نظرة ماكرة نحو زيدان الذي أكد على حديثه بنبرة غامضة: -معقول بردو. ارتفع رنين هاتف يزن، فنظر في الشاشة وكانت الابتسامة تلوح فوق شفتيه ولكن سرعان ما اضمحلت بسبب رؤيته لأسم سليم. حتى أنه عبر عن خوفه بصوت مرتفع: -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، دا بيجي على السيرة. -سيرة إيه؟
قالها مصطفى بقلق وهو يدقق النظر بيزن الظاهر عليه علامات التوجس، حتى أن مليكة نظرت لزيدان باستفهام فحرك رأسه نحو مقعد يزن وما أن رأى أسم أخيه، قال بنبرة يملأها التهكم: -قوم رد عليه.. قوم يا حبيبي. -لوحدي، هكلمه لوحدي؟! تساءل يزن بصوت يغلب عليه الرجاء، فجاء الرد من زيدان بتحريك رأسه في إيجاب، مما اضطر للنهوض معتذرًا وابتعد عنهم بعيد في ظل عدم فهم مليكة ومصطفى لِمَ يحدث حتى أن زيدان تجاهل ذلك قائلاً:
-أطلبلك قهوة يا عم مصطفى؟ *** بينما على الجانب الآخر وبمسافة بعيدة عنهم وقف يزن يسرق بعض ذرات الهواء استعدادًا لتحدث مع سليم ثم قرر الرد، فخرج صوته المرح كعادته: -باشا المجرة والمجرات المجاورة. -أنت فين يا يزن؟ سؤال صارم عبر الهاتف وارتطم بأذن يزن الذي أخفى توتره ببراعة ورد بهدوء: -في الشغل يا حبيبي. -كداب، بتعك فين ومع مين؟ رفع يزن حاجبيه معًا بصدمة وهمس بتفكير: -حتى وأنت في أمريكا قافشني. -بتقول إيه؟
سأله سليم بعدم فهم بسبب همهمات وصلت إليه لم يدركها، فجاء رد يزن المشاكس: -بقول إيه شغل المباحث دا، أنا كنت أقصد رايح المعرض. -بعد كدا لما تتكلم معايا تتكلم بوضوح، إحنا هنهزر ولا إيه؟ كانت نبرته جامدة لاذعة، مما جعل يزن يرتبك حقًا معتقدًا أن والدته قررت إخباره بخطبة زيدان، فهدأ من اضطراب قلبه وأردف بتروٍ: -مالك يا سليم؟ إيه الطريقة دي هو أنت زعلان مني في حاجة؟ -إدارة المحل بلغتني إنك أخدت مجموعة خواتم منهم، في إيه؟
وواخدهم لمين؟ ابتلع يزن لعابه بتوتر وهتف بعدها بتريث: -هو أنا ممنوع آخد حاجة من المحلات؟ -لا طبعًا تاخد اللي نفسك فيه، بس أعرف لمين، وخصوصًا إن أخبارك بتوصلني ولسه بتعك. زفر يزن بارتياح وقد تبخر اعتقاده بعدما تأكد من عدم معرفة سليم بشيء، فرد بهدوء بعدما اختلق قصة محاولاً الهرب من حصار سليم له: -واحد صاحبي عايز يخطب وجبتله الخواتم لغاية عنده هو وخطيبته. -هو أنت ليك صحاب رجالة؟ تساءل سليم بسخرية ألهبت
حنق يزن الذي رد بخشونة: -آه يا عم ليا طبعًا.. ولكن سرعان ما سيطر عليه المزاح: -بس بخبيهم عشان الحسد.
كانت دومًا طريقة يزن مع سليم خاصة وفريدة حتى إن ظهر غضبه لم يفكر إطلاقًا في التمادي به محاولاً بشتى الطرق لجم ذاته المتمردة مع سليم بالأخص. لم يعرف لِمَ هو تحديدًا ولكنه شيء غرز في نفسه وأصبح سليم خط أحمر لا يتعداه أبدًا حتى وإن كان معه الحق. وإن وقف سليم أمامه يرتد للخلف. أيضًا سليم سرعان ما يتلاشى عنفوانه معه ويتراجع لذاته الحنونة معه، طالما اعتبره صغيره وليس أخيه، فمنذ أن تحمل المسؤولية وهو يحاول حمايته، الحفاظ
عليه بشتى الطرق، توفير كل السبل له حتى يظل في أمان بعيدًا عن أي تهديد قد يصيبه فأصبح مدلّله رغم أنه يحاول عدم إظهار ذلك ولكنه يشعر به تمامًا من خلال نظراته واهتمامه غير المباشر. وكانت تلك النقطة هي الدافع الرئيسي في تخطيط يزن لخطبة زيدان من دون علمه فهو يعلم مدى حبه لدى سليم مستعدًا لاستغلال ذلك، فكل ما يهمه هو مساعدة أخويه في إيجاد مرفأ الأمان. سليم وقد وجد الأمان في شمس وعادت السكينة تعم حياته بعد أن اعترف زيدان
بأخطائه وتنازلت والدته من برج الخوف واعترفت بأخطائها هي الأخرى. أما زيدان فقد احتار كثيرًا في توفير الراحة له إما كان شارد معظم الوقت أو عصبي لا يتحمل أحد وقد لاحظ تغيره منذ اللحظة التي علم بها بحبه لمليكة ومن هنا قرر مساعدته. فيبدو أن أخويه قد وجدا الهدى بنسائم الحب.
حمحم يزن بخشونة يبدو أنه شرد لثوان وترك عصبية سليم تنفرد بالاتصال وحدها: -خلصت زعيقك؟ -هخلص لما تخلص استظرافك. -كآبة حتى وأنت في أمريكا يا عم. تمتم بها يزن بغيظ، فزفر سليم بحنق ومن بعدها قال بنبرة أهدأ: -متزعلش مع إن أشك إنك زعلت، بس أنا مضغوط شوية. -هي شمس بتخليك تطبخ كتير ولا إيه؟ تساءل بضحك ساخر، فسمع لشتائم خافتة خرجت من سليم ومن الواضح أنه خفض نبرته حتى لا تسمعه شمس، فضحك يزن أكثر مما دفع سليم لتحذيره:
-لم لسانك معايا يا حيوان، أنا أخوك الكبير. -حاضر يا أبيه. -المهم روح وخد اللي أنت عايزه، أنا بس كنت بطمن خفت تكون بتعمل حاجة غلط. ظهرت نبرة الندم بصوت سليم الذي حاول إخفائها، ولكن يزن أدرك ذلك وحاول إلهائه بالمزاح قائلاً: -هو أنا بردو بعمل حاجة غلط، متقلقش أنت. -أنا هقولك! -نهايته.. زيدان عامل إيه؟
تساءل سليم محاولاً الاطمئنان عليه بطريقة غير مباشرة، فالتفت يزن للخلف يلقي نظرة نحو أخيه الذي وجده يركز ببصره عليه في قلق فرفع أصابعه وأشار إليه للاطمئنان فارتاح قلب زيدان واستدار يكمل حديثه مع مليكة وزوج والدتها الذي استغل الجلسة في التعبير عن حبه واعجابه بيزن. أما يزن قال بضحك ساخر: -زيدان زي الفل.. زي الفل خالص. -طيب ابقى سلم عليه، هقفل أنا وخلي بالك من ماما، وزي ما قولتلك اعمل اللي أنت عايزه بس من غير قلق.
أغلق سليم الاتصال فابتسم يزن بابتسامة عبرت عن مدى حبه وتقديره لأخيه الأكبر المحاول بشتى الطرق إرضائه فهمس برضا: -زي ما قولت قلبه قلب خساية. ***
بعد مدة قضاها زيدان في ملل يتابع حديث يزن ومصطفى، محاولاً لفت انتباه يزن الذي كان قاصدًا لإغاظته والجلوس معهم، أما مليكة كانت أحيانًا تتحدث معهم باهتمام ومرات أخرى تشرد بعيدًا وتسرق معها انتباه زيدان الذي أصبح قلقًا عليها بشدة ولكن تهربها بابتسامتها الصادقة ولمعة الحب المسيطرة على نظراتها تجعله يهدأ ويتحلى بالتريث في عدم الضغط رغم أن الشك طرق أبوابه، لدرجة أنه اعتقد أن خطوط الحزن المسيطرة على ملامحها السبب بها مصطفى ولكن معاملة الرجل لها كانت لطيفة صادقة يغلب عليها الحنو والأبوية فتراجع عن الشك به وترك الأمر مؤقتًا.
أخيرًا شعر يزن به وبحاجته للانفراد بها فقرر إعطائه فرصة طالما كان يملك مفاتيح مصطفى من أول جلسة: -يلا بينا يا عم مصطفى، آخدك أوريك المعرض، ونسيب زيدان يوصل مليكة المستشفى. لم يعترض مصطفى بل نهض موافقًا رأيه: -يلا بينا. تعجب زيدان من سرعة موافقة مصطفى، ولكن غمزة يزن له استفزته فاضطر لجذبه نحو مستواه قائلاً برجاء: -ما بلاش المعرض، الراجل هيشك فيك من اللي هيشوفه هناك. ضغط يزن فوق شفتيه السفلية ثم هتف بجدية زائفة:
-ولد عيب أخوك شريف. -شريف هيموت بسكتة قلبية من اللي هيشوفه، أبوس إيدك متضيعش هيبتنا قدام الراجل. أبعده يزن بخفة ورمقه بتحدِ ثم بعدها نظر لمصطفى الذي كان منشغلاً في الحديث مع مليكة: -يلا يا عم مصطفى، دا أنا هبهرك عندي في المعرض. ودع مصطفى مليكة وغادر مع يزن الذي تجاهل نظرات زيدان المحذرة، ومع اختفائهما انتبه لصوت مليكة الهادئ الذي بدأ يملك بحة غريبة تحفز غريزة الفضول حولها: -يلا بينا يا زيدان لازم أروح المستشفى.
زم زيدان شفتيه في ضيق ونهض دون أن يعبر لفظًا عن غضبه منها وتجاهلها المتعمد له من بداية خطبتهما. بعد فترة قصيرة وصل أمام المشفى، وقد قضى معظم الوقت في صمت، حتى أنه أوقف السيارة دون أن يتحدث ويودعها، فتراجعت عن المغادرة والتفتت نحوه تقول في توتر وخجل: -زيدان كنت سألتيني يعني إن كنت مبسوطة ولا لأ.
تحرك بنصف جسده ينظر إليها يعطيها كامل اهتمامه طالما تستحقه دومًا بخجلها المحبب لقلبه ولكنه يتمنى لو تتخلى عنه قليلاً وتعبر عما تشعر به عله يطفئ نيران الحب المتوهجة بقلبه. -مبسوطة طبعًا.. أكيد يعني مبسوطة بخطوبتنا بس أنا.. أطرقت للحظات تحاول استجماع قوتها في إخباره أمر واحد مما يسبب لها الأرق والخوف، ولكنها لم تستطع فلجأت للهرب منه بقولها: -مكسوفة، أو مش مستوعبة. -يمكن!
صدح صوته بقوله الملهب لخلايا تفكيرها، وأشعل لهيب القلق لديها من رد فعله الغامض، فسرعان ما حاولت سؤاله: -قصدك أيه؟ -قصدي إن في حاجة مضايقكي مش عارف إيه هي، جوز أمك ولا حاجة في المستشفى ولا يمكن أنا، حقيقي معرفش بس كل اللي بتمناه إنك لما تعوزي تتكلمي اكون أنا الشخص دا. جف حلقها وهي تتابع سلاسته في كشف خباياها ورغم أنها لم تكن كاملة إلا أنه لامس بدايتها فقبضت فوق حقيبتها وهتفت بتلعثم:
-لا مش مضايقة بالعكس أنا فرحانة أوي. اقترب بجسده منها وجذب كفيها رغم عنها قابضًا فوقهما برفق وبنبرة لطيفة هدأت من روعها أردف: -يا حبيبتي أنا كل اللي شاغلني خوفك اللي دايما ظاهرلي ومعرفش سببه، كنت فاكر بسبب إن مفيش رابط رسمي، بس اهو.. فتح قبضته ونظر لخاتم خطبتهما بتفكير: -اتخطبنا ولسه زي ما أنتي مفيش تغير. سقطت دمعة فوق كفه من عينيها وبصوت مرتجف أخبرته بصدق: -يمكن خايفة تسيبني في يوم من الأيام.
اقترب أكثر محاولاً إثبات حبه لها، ولو امتلك أحقية احتضانها وادخالها بين ضلوعه لفعل ذلك، ولكنه تراجع وهمس بحب صادق: -أنا بحبك ومعنديش استعداد أخسرك لثانية واحدة، أنا بحارب الدنيا عشانك وهحارب لغاية آخر نفس ليا، أنتي الأمنية الوحيدة اللي اتمنتها والدنيا مش سيعاني لما حققتها. -وأنا ك... كمان بحبك.
خرج اعترافها سهوًا منها ربما من فرط انفعال دقات قلبها بهمساته الشغوفة، أو بسبب اشتباك نظراتهما في عناق عاطفي عبر عن مدى العشق الكامن بقلبهما لا تعلم. ولم تشعر سوى باقترابه منها أكثر محتضنًا شفتيها بعينيه، محاولاً اختطاف أول قبلة لهما ولكنها نجحت في الفرار منه وفشل هو فيما يتمناه فلم يحظَ سوى بلمسة كفيها الرقيقين غير ذلك كان الإحباط محلقًا فوق تقاسيم وجهه. ***
بعد فترة طويلة قضتها مليكة في متابعة المرضى محاولة عدم التركيز على أمر ماجد فيبدو أن القدر يمهلها فرصة للخلاص منه، وعند تلك النقطة تلألأت كلمات زيدان لها من العدم وعادت من جديد تشعر بكم الاطمئنان الذي كانت تشعر به أثناء حديثه الصادق معها، لِمَ لا تخوض تلك المعركة وتخبره عن ماجد وتترك له أمر التخلص منه، تمنت لو تملك قدرة على إنهاء مخاوفها، ولكن مجرد التفكير فقط جعلها تشعر بالضيق يتوغل صدرها، فيجب التفكير بعواقب إخباره قبل معرفته بأي شيء. هل سيتركها مثلاً ويظن بها السوء؟!
نهرت ذاتها الخائفة وعللت ذلك بأنه يحبها بصدق بل ويعشقها بجنون. ستتخطى تلك الأوهام وتعترف له بكل شجاعة فهي لم تخطأ أبدًا. شجعت نفسها وهي تخرج من غرفة آخر مريض تتجه نحو غرفة الأطباء تتمنى أن تكون فارغة فتحادثه وتبدد خوفها. ولكن طالها الإحباط حين ظهر بعض الأطباء الجالسين بالغرفة يتحدثون بأريحية خالطها النميمة. ابتسمت باهتزاز لهم وحاولت الخروج ولكن صوت طبيب زميل لها جذب انتباهها.
-تعالي يا مليكة، اعرفي اللي حصل في الدكتورة شريهان، يمكن متفكريش تتجوزي خالص. وضحك بعدها، فتابعت فرح بابتسامة ساخرة حاقدة: -مش لما تتخطبي الأول.
عقدت مليكة حاجبيها لسخريتها المتعمدة لها، لِمَ تغيرت معها فرح بذلك الشكل وأصبحت لا تطيق التحدث معها تحاول تجنبها بالإضافة إلى نظراتها التي دائمًا تشعر من ناحيتها بالحقد والكره، كانت تتجاهل ذلك الأمر ولكنها لم تستطع تخطي أمر سخريتها تلك. ماذا لو علمت فرح أن محاولاتها لإهانتها لم تكن في محلها! وعلمت مثلاً بأمر خطبتها ماذا ستفعل؟!
لن يهم هي من اختارت عدم إخبارهم وفضلت أن تظل خطبتها في الخفاء حتى لا يصل الخبر لماجد فيعود إليها مدمرًا كل شيء فلا تستبعد أبدًا محاولاته في إثارة الشك في نفس زيدان، أو مثلاً استغلال تلك النقطة في الضغط عليها فتضطر للرضوخ أو إنهاء خطبتها مع زيدان بفضيحة تسحق شرفها حتى وإن كانت ظلم. -اقعدي يا مليكة فرح بتهزر معاكي. تركت مليكة المقبض بعدما انتبهت لطبيبة أكبر منهم سنًا فتحركت صوب مقعد وهي تقول: -مالها دكتورة شريهان؟
-أطلقت وجوزها ضربها حتة علقة مخلاش مكان سليم فيها. توسعت عيناها بصدمة قائلة: -ليه، عملت إيه؟ تابعت طبيبة أخرى قائلة بخفوت: -والله أعلم اكتشف إنها كانت مخطوبة قبل كدا ومقالتش والواد اللي كان خطبها مقدرش يستحمل إنها اتجوزت فبعتلها رسايل على الفيس جوزها بقا شافها وكلمه منه على كلمة منها ولع الموضوع أكتر واتطلقت. كتمت شهقتها مردفة من بعدها بحزن: -دول مكملوش شهر جواز. تابع طبيب آخر الحديث بفضول:
-الصراحة الموضوع دا له حق فيه، يعني إيه واحد يبعت كلام حب لمراتي واعرف إنهم كانوا مخطوبين، الغلط عندها من الأول كان المفروض تقول. دافعت طبيبة أخرى بشراسة: -في رجالة مبتفهمش فالبنات بتلجأ إنها تخبي عشان حياتهم تكمل. تابعت أخرى الحديث واندعت في البحث عن أساس المشكلة: -يا جماعة الغلط من تدخلات الأهل، أكيد أمه سخنته، الموضوع ميستاهلش دا كله، امال لو مسك عليها صور مش كويسة كان قتلها مثلاً، دا متخلف أوي.
وإلى هذا الحد نهضت مليكة سريعًا وغادرت المكان بعدما شعرت بانسحاب أنفاسها وانقباض صدرها بخوف. فاندفعت للمرحاض تنزوي به تبكي في صمت في ظل ارتجاف جسدها وكأن الطمأنينة التي كانت تشعر بها في غياب ماجد تبخرت وظهر طيفه يهددها من جديد يعبث بواجسها ويثير تخيلها لنهاية بشعة تلاحقها. *** مساءًا...
وقفت نهى تعد وجبة طعام وفقًا لأوامر والدها، حيث قرر أن تكون وجبة الطعام من إعدادها وتجهيزها كاملة قبل عودتهما حتى أنه وضع لها مواعيد تحضير الطعام وكأنها جاءت من أجل خدمتهما فقط. لقد قضت أغلب الوقت في البحث عن هاتفها ربما تصل إليه وتخبر والدتها بكل شيء وتعود لمصر مرة أخرى فالوضع هنا أكثر سوء مما كانت تتخيل وخاصةً مع وجود خالد الذي لم تعتاد عليه بشخصيته الغريبة تلك. وكالعادة فشلت حتى في إيجاد هاتفها أو أي هاتف آخر ولم تستغل فرصة عدم وجودهما.
قررت التركيز في الطهي خوفًا من تلقي توبيخ يصل لحد الضرب من والدها. ولكنها استمعت لصوت أقدام يأتي من الخارج، فشعرت بالخوف الشديد وجذبت سكين من أمامها وبحركة خفيفة تحركت صوب الخارج توجه السكين أمامها استعدادًا للدفاع عن نفسها. وقبل أن توجهها لقلب ذلك المتسلل كان خالد يمسكها بمهارة يبعدها عن يدها: -إيه يا نهى جو الأكشن دا. -آآ.. أنا والله ما كنت أقصد، كنت بحسبك حرامي.
لم تكن تعلم أنها بالقرب منه أمام وجهه مباشرةً تنظر لعينيه الراكضة فوق ملامحها بجنون لم يتملك منه من قبل، فخطف ملامحها في رحلة قصيرة بداية من بشرتها الباهتة بملامحها الحزينة رغم جمالها وأنفها الدقيق وشفتيها المنتفختين بلونهما الوردي مما أثارت فيه مشاعر لم يدركها من قبل وكأن هناك صوت يلح بالاقتراب أكثر لمعرفة إن كانا لونهما حقيقي أم زائف. أما هي كانت بين قبضته القوية وكأنه فارس مغوار التقى بحورية جميلة فبدت له وكأنها تميمة حظه مقررًا ألا يتركها فارضًا حصاره عليها.
-هو إيه اللي بيحصل دا؟ كان صوت سمير مفاجئ كالقنابل التي تُلقى فجأة على منطقة ساكنة. فأشعل نيران الخوف لدى نهى التي انتفضت بفزع وكأنه أصابها مس، وهي تنظر لوالدها وسمير برعب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!