قال زيدان بملامح صارمة: -ومحكتيش ليا ليه؟ كانت مليكة تخفض بصرها، تخفي نظراتها عنه بحرج بعدما كذبت عليه واكتشف هو كذبتها ببساطة. الأمر كان أشبه بدلو ماء وسكب فوقها بقوة. تمسكت بالصمت كخير نجاة من تأنيبه لها. نظراته المحملة بالغضب كانت تزداد قساوة، لشعوره بالضيق من صمتها الملازم لها الفترة الأخيرة. قال بنبرة غاضبة: -ما تتكلمي، هو أنا هسحب منك الكلام.
رفعت عينيها المهددة بسقوط دموعها، ووجهها غاص في احمرار شديد، فبدت وكأنها على وشك الانفجار. همست بصوت مبحوح: -مفيش كلام تاني. ضغط بأسنانه فوق شفتيه السفلية بقسوة، مكورًا يده بقوة وكأنه يحاول التمسك بخيط التريث معها. لكنها تثير جنونه بصمتها وإصرارها على معاملته وكأنه شخص غريب عنها. كانت تلاحظ تعبيرات وجهه المنفعلة، فسمحت لحبال الصمت بالانفلات وحررت مشاعرها في كلمات كانت بدايتها مبعثرة:
-أنا بقيت عايشة في تعب أعصاب. متفكرش إنه سهل عليا أعمل كدا، بس دا أفضل حل ليا ولبابا مصطفى. بـ... بابا... اطرقت لحظة تستجمع مشاعرها المبعثرة، تستعيد رباطة جأشها، ثم واصلت: -بابا يستحق يعيش ويتبسط ويفرح بحياته. وجودي عقبة في حياته. -ومحكتيش ليا ليه؟ يمكن كان عندي حل تاني غير إنك تروحي تأجري شقة، وفي الآخر هتكسري فرحته بردو. رفعت عينيها الباكية تنفي بنظراتها ما يقوله، قائلة بحزن:
-أنا لما أقعد في شقة تانية أبقى كدا بكسر فرحته! بالعكس، أنا كدا بقدم له هدية إنه يكمل حياته مع الإنسانة اللي بيحبها. زيدان... عاد السكوت يطرق أبوابه على طرف لسانها. فعقد ذراعيه، يركز ببصره عليها، يعطي لها فرصتها الكاملة في فك قيود عاطفتها لتحررها مما كانت تعاني منه. فاستكملت بضعف:
-بابا عملي كل حاجة حلوة. زمان كنت بشوف نظرات الشفقة من الجيران، مكنتش بفهم ليه. دلوقتي فهمت، هو دفن شبابه وحياته بسببي. على الأقل أديله فرصته ويعيش مع الإنسانة اللي بيحبها. ليه أكون عقبة لغاية ما أتزوج، وإحنا أصلاً مش عارفين هنتزوج إمتى؟
زفر زيدان بعدما أدرك حقيقة مشاعرها المضطربة ما بين الخوف على مستقبل زوج والدتها ولجوئها لخطوة مثل هذه. ولكن يبدو أن سذاجة عقلها تمسكت بمبررات واهية، غير مدركة حجم خطأ مثل هذا في حق زوج والدتها الذي ثابر بقوة في وجه كل من حاول إقناعه بتركها وحدها، وسلبه أبسط حقوقه في الاطمئنان عليها. فرد بصرامة: -بردو ليه محكتيش ليا؟ يمكن كان عندي حل تاني؟ أجابت ببساطة أدهشته: -وتشيل همي ليه؟ وبعدين هتعمل إيه؟
مفيش حل غير اللي أنا قولته. بابا مصطفى ممكن يزعل مني، بس أكيد هيفهم وجهة نظري، وفي الآخر أبقى رضيت ضميري. -الموضوع مش بالبساطة دي يا مليكة. في مية حل تاني ممكن تعمليه وفي نفس الوقت تشتري خاطر الراجل اللي تعب عشانك. كان صوته يحمل لمحات من العتاب. فهزت كتفيها بعدم اقتناع، قائلة: -صدقني، أنا فكرت كتير ومفيش حلول. بتر قولها بنبرة ساخرة وهو يقول:
-ومجاش في بالك إننا نتجوز مثلاً، وكدا تبقي فرحتي الراجل وحسستيه إنه أدى مهمته في الحياة ويتجوز ويعيش حياته بنفس راضية. تعلق بصرها به بعدما ألقى بقوله بسلاسة زادت من ضياعها، فبدت وكأنها في دوامة، لا تعرف أيهما أكثر صواب. فخطوة مثل هذه كانت من المستحيلات. فبعد ما عاشته من قلق حول معرفة زيدان بأمر ماجد، لن تستطيع أن تقدم على مثل هذه الخطوة قبل أن تخبره. فكانت على وشك أن تهز رأسها بالرفض، ولكنها فوجئت بقوله
بعدما أخرج تنهيدة مثقلة: -بعد ما وصلتك الصبح المستشفى، جالي خبر إنه هيتم نقلي الأقصر. فرجعت عشان أقولك. اتفاجئت بيكي بتمشي من المستشفى. استغربت ومشيت وراكي... قطعت حديثه بقولها الشرس: -بتجسس عليا؟ شاكك فيا؟ -لا طبعًا. ومتحكميش عليا إلا لما تسمعي الأول. أنا اتصلت بيكي بس إنتي خرجتي التليفون من شنطتك ورفضتي المكالمة وكملتي في طريقك. استغربت ومشيت وراكي أشوف إيه ومالكيش حق تلومي، وإنتي غلطانة.
زمت شفتيها بضيق وصمتت، فلم تكن تملك أحقية الرد بعدما أقدمت على الكذب بكل ساذجة. ومع استمرار صمته، سألته بحزن امتزج فيه الضعف: -يعني هتقعد فترة كبيرة ومش هشوفك؟ -آه للأسف. قبل ما أشوفك كنت عايز أت نقل، بس الموضوع اتأجل فترة. وبعدين بلغوني بالموافقة. -ليه كنت عايز تبعد كدا؟ سألته بتعجب. فتجاهل تعجبها ورد بثبات ينافي تمامًا ما يشعر به من لغط كبير يجلجل حياته حينما حركته عاطفته وأوهم نهى بخطبتهما:
-مفيش، مكنتش مبسوط فكنت عايز أبعد. هزت رأسها بتفهم. بينما هو واصل حديثه بإصرار: -أنا شايف إن دا أنسب حل. هنتجوز في أسرع وقت. -جواز إيه يا زيدان؟ الموضوع مش بالبساطة دي. بابا مصطفى هيرفض. ردت بارتباك. فقال هو بهدوء: -ليه يرفض؟ أنا أصلًا كنت مخنوق إن هسيبك فترة كبيرة مش هقدر أشوفك فيها. وإنتي كنتي هتسيبي البيت عشان هو يتجوز. يبقى دا أنسب حل. ابتلعت لعابها وأصابها التوتر وهي تجيب:
-حتى لو بابا اقتنع، أنا مش حاسة إني جاهزة... رمقها بشك، فرفعت يدها تمسح جبينها الذي تعرق بشكل ملحوظ، مما دفعها تردف بضيق: -متبصليش كدا. أنا لسه قدامي سنة تكليف. الموضوع صعب جدًا. -دي بسيطة يا مليكة. أقدر آخدك معايا في المكان اللي أنا فيه وأنقلك. توسعت عيناها حينما استمعت لكلامه. فتع لقت بعينيه وسألته بترقب: -إنت تقدر تنقلني من المستشفى دي؟ -آه طبعًا. في ثواني الموضوع يخلص. هو إنتي مش عارفة مخطوبة لمين؟
رمشت بأهدابها عندما انبثق شعاع الأمل من وسط ظلام فرض قيوده على حياتها. تسارعت أنفاسها وهي تفكر في الأمر. ولكن لم يعطيها زيدان فرصة، وذلك حينما استمعت له يقول بصرامة: -فكري يا مليكة كويس. الموضوع كله في إيدك. بس موضوع إن تسكني لوحدك مرفوض. ***
وقفت نهى تواجه غضب والدها المتفاقم بعدما عاندت بشجاعة زائفة ورفضت الخروج للشيخ قاسم، مما أثار غضبه وحنقه واضطر للمغادرة. وكانت أقسى ما تتخيله نهى حينها أنها ستواجه عدة صفعات ونقاش عنيف، ولكن لن يفعل والدها بها شيئًا ضد رغبتها، وخاصةً بعدما علمت بنية ذلك الزواج. مجرد زواج عرفي مقابل مبلغ مالي كبير. انفجر الاندهاش فوق ملامحها وهي تواجه والدها وسمير معًا. فلم تصدق ما تراه منهما. لقد كانا يراها مجرد سلعة وستباع دون أحقية الاعتراض من قبلها.
فتشجعت قائلة: -لا يا بابا... لا. لم تعرف من أين أتت تلك القوة الغريبة التي ظهرت فجأة أمام والدها، ولكنها جيدة، فقد ظهرت للنور في أكثر وضع كانت تحتاجه به، لتواجه طمع والدها وأخيها. وكما توقعت، تلقت عدة صفعات من سمير وهو يقول: -إنتي هتسمعي كلامنا، مش هنحتاج منك رأي يا بت. هتتجوزيه يعني هتتجوزيه. ارتجفت بخوف وهي تواجه الشر المتطاير من عينيه، فقالت بصراخ: -إنت بتكرهني ليه؟ أنا اختك!
-اختي تسمع كلامي أنا وأبوكي. ولا إنتي يا مهزلة مستنية زيدان يحس بيكي ويعطف عليكي بالجواز. صرخت مجددًا تقول بانهيار: -أنا مش مستنية حد. سيبوني في حالي. أبعد إبراهيم ولده بهدوء غريب تملك منه، واقترب منها ممسكًا بكتفيها قائلاً بنبرة هادئة تفوح منها الشر، فارتجف قلبها منه: -يا نهى، دا مجرد جواز كام شهر وخلاص. فلوس الشيخ قاسم كتيرة، هتنسيكي إنه كبير أو إنه جواز عرفي. حركت رأسها برفض ممزوج بالخوف، وذلك عندما تحولت نبرة
والدها الهادئة لخشنة جافة: -لازم تساعدينا نخلص من الديون اللي علينا. مهرك هيكون كبير. الشيخ قاسم هيموت عليكي وعنده استعداد يدفع دم قلبه.
ارتجفت بذعر وهي تراقب تحول ملامحه لتهديد مبطن لها إن أصرت على الرفض. فلم تقوَ على مواجهتهما، حيث تبددت قوتها أثر نظرات الحقد والكره المصوبة نحوها، وكأنها أصبحت عدوًا لهما بعدما أعلنت عصيانها. حاول سمير مواصلة الحديث، ولكن يد إبراهيم منعته حينما استمع لصوت خالد خارج الشقة، فقال سريعًا: -ادخلي الحمام اغسلي وشك يا حبيبتي. وجه حديثه لسمير قائلاً بأمر: -وأنت تعال ورايا الأوضة.
تحركت نهى صوب المرحاض ودخلت برعب، تضع كفيها فوق رأسها تعلن ضعفها في حل تلك الكارثة. كيف ستنجو وهي تحت سيطرتهما! ممن ستطلب المساعدة والفوضى تحاوطها من كل اتجاه!
لقد سئمت مما تعيشه، وخابت ظنونها مجددًا حينما فكرت أن الابتعاد عن زيدان سيعطيها قوة تستطيع من خلالها مواجهته بصلابة. لم تعرف أن المصائب ستتدفق فوق رأسها كاللعنات التي تصيب الإنسان موصومة به حتى الممات. فالأغرب أن عائلتها في حد ذاتها لعنة قاتلة وأصابتها. لقد ذاقت ويلات الخذلان منهم ولم يكتفوا بعد. فقدت إنسانيتها على أيديهم وضاعت ماهيتها وسط أطماعهم، فوقعت في فلك الظلام تتلقى الخيبات دون معالجة الماضي. وأي ماضي والحاضر أسوأ والمستقبل يهدد بصورة قاسية أرعبتها عما ستعيشه إن أرخضت على ذلك الزواج. عاد عقلها يعمل بجهد للخروج من تلك الكارثة، ولم تجد سوى والدتها هي من في يدها تنهي ذلك العبث. ولكن كيف ستصل إليها؟
ضغطت فوق رأسها وكأنها تحفزها للعمل بجهد أكثر دون لفت انتباه والدها أو أخيها. وبعد عدة ثوانٍ فتحت عينيها ببارقة أمل، ثم توجهت للخارج تبحث عن خالد. فاندفعت نحو غرفته بسرعة وفتحت الباب بقوة، ولم تدرِ أنه كان يبدل ثيابه بأخرى مريحة بعد يوم طويل بالعمل، فشهقت بخجل وأغمضت عينيها سريعًا تقول بتلعثم: -والله ما شوفت حاجة. انفرج فمه وهو يهبط ببصره قائلاً بتعجب ساخر: -أنا لسه لابس البنطلون.
هزت رأسها وهي ما زالت على نفس الحالة، تشير بأصابعها نحو صدره في صمت. فأدرك مقصدها قائلاً: -يا شيخة شككتيني في نفسي. أنا قلت البنطلون نزل من الصدمة. جذب سترته القطنية وارتداها ثم قال: -فتحي عينك، خلصت.
فتحت عينيها ومن ثم التفتت نحو غرفة والدها، وجدتها لا تزال مغلقة. فتنهدت بارتياح وتقدمت للداخل تغلق الباب خلفها. ثم تابعت خطواتها نحوه تفرك يدها بتوتر جعلته أسير كل رد فعل يصدر منها. فلاحظ تورم وجهها وعلامات حمراء ترتكز فوق وجنتيها. فمد أصابعه يلمس وجنتيها بغضب وهو يقول: -هو في حد ضربك؟ أبعدت يده بخجل عنها قائلة بضعف وتوسل: -عايزة أكلم ماما يا خالد. أنا محتاجة أكلمها ضروري. أمسك ذراعها يسألها بصوت خشن صارم: -مين ضربك؟
أكيد سمير. أنا هطلع... بترت حديثه بوضعها لكفيها فوق صدره تمنعه برجاء خالطه البكاء: -عشان خاطري اسمعني. عايزة أكلم ماما ضروري. ومعاياش تليفون أقدر أوصلها بيه.
زفر بضيق متجاهلاً اضطراب قاسٍ أصاب صدره بسبب لمسة كفيها فوقه بكل أريحية، متناسية ما يشعر به الآن أثر لمستها تلك. فقد انقسم داخله لنصفين، نصف يتمنى استمرار كفيها فوق صدره لوقت أكبر مع نظرة عينيها المتوسلة، ونصف آخر يجاهد عاطفته التي تدفعه لتقبيلها، وقد بات ذلك الشعور ملح الفترة الأخيرة كلما تعامل معها. وكان ذلك في حد ذاته أشبه بالوقوف فوق حافة هاوية، أما تحقيق رغبته والسقوط في بئر جنونه، أو أن يكون أكثر صمودًا معها
والتمسك بعقلانيته التي باتت تختفي أحيانًا في حضرتها. لذا تحرك نحو الكومود والتقط هاتفه ثم فتحه وأعطاها إياه، ومن بعدها جلس فوق الفراش تاركًا إياها تكتب أرقام هاتف والدتها في سرعة وكأنها على وشك الموت. عقد حاجبيه عندما ابتعدت لأخر الغرفة وهي تضع الهاتف فوق أذنها وكأنها لا تريده يسمع ما ستقوله!
مجرد بلهاء، فالغرفة صغيرة بقدر تجعله يسمع حتى صوت تنفسها السريع. أما نهى، فوجهت وجهها نحو الحائط، بل كادت تلتصق به تستمع لرنين الهاتف بنفاذ صبر، حتى جاء أخيرًا صوت والدتها الصلب، فسارعت نهى بقولها: -الو... ماما. إنتي سامعاني؟ -نهى! إيه يا موكوسة قافلة تليفونك ليه؟ مسحت دموعها وهي تسارع بالحديث قائلة: -مش وقته يا ماما... بابا وسمير عايزين يجوزوني. -آه قالولي وأنا وافقت.
صدمة أخرى وجهت لها، فأصابتها بالشلل المؤقت، فقدت بها النطق وتجمدت بها أطرافها. ممن ظنت بها الملاذ، ولكنها كانت كالسراب. فتابعت ميرفت بصوت محمل بالأمل والطمع: -فلوسه كتيرة يا بت وهتساعدنا في ديون المحلات. سفرك طلع بفايدة. ارتجف صوتها وهي تخرج من حالة الخدر التي أصابتها، فقالت: -دا راجل كبير، قد بابا... هيتجوزني عرفي... -وماله؟
قد أبوكي يعني الجواز مش بالسن. وبعدين حكاية عرفي دي عشان ظروف البلد اللي إنتي فيها والوراق وكدا عادي. كلها أمور تتحل بشطارتك يا حبيبتي. حب الراجل فيكي وهيقلبه رسمي. أغلقت نهى الاتصال عند هذا الحد، وتخبطت بين الألم والصدمة والخذلان. حتى والدتها وافقت على ذلك الزواج وكأنها سلعة تريد الخلاص منها. لقد أنهكت حقًا وانهارت ببكاء وهي تهبط نحو الأرض تستسلم بضعف. ولكن يد خالد منعتها، ناظرًا لها بعمق محفزًا إياها بالتحدث.
فانطلقت تقول ببكاء متقطع: -هيجوزوني عرفي لشيخ قاسم. تركها خالد تسقط فوق الأرضية بعدما انهارت قواها وغادر الغرفة، معلنًا عاصفة عاتية من الغضب. فاستمعت لشجار عنيف بينه وبين والدها وأخيها. تحاملت على نفسها وجرت قدميها تراقب الوضع المحتدم بالصالة بين ثلاثتهم. -إنتوا مجانين! إزاي تفكر تعمل كدا في بنتك يا خالي. هز إبراهيم كتفيه بلامبالاة وابتسم ببرود: -وماله؟ بنتي وأنا شايف دا الأنسب ليها.
-قاسم عمره ما كان أنسب. إنت كدا بتنهي عليها. زمجر فيه سمير بغضب: -وإنت مالك؟ أبوها وأخوها موافقين. اقترب منه خالد بهجوم مهددًا بضربه، وذلك عندما كور قبضتيه مستعدًا لذلك: -وهي رافضة. هتغصبوها ولا إيه؟ -لما تكون مش عارفة مصلحتها يبقى هنغصبها. قالها إبراهيم بإصرار وضيق، فضحك خالد بسخرية والغضب يهدد بالانفجار في وجه خاله وابنه: -مصلحتها ولا مصلحتكم. -مالكش دعوة يا حبيبي، دي أمور عائلية بينا.
ارتفع صدر خالد أثر تنفسه السريع وأصبح وجهه مسودًا من شدة غضبه. فلم يجد نفسه سوى وهو يقول بتهديد: -وإنتوا قاعدين في بيتي ومن حقي أدخل وأمنع المهزلة دي. نظر إبراهيم لسمير نظرة طويلة ومن بعدها التفت بوجهه لخالد وهو يقول بنبرة تفوح منها الحقد والقسوة: -وماله؟ من النهاردة هنسيب البيت. لم هدومك يا سمير إنت ونهى، يلا بينا.
انفلت زمام الأمور من خالد فجأة، فالتفت بوجهه لنهى الظاهر منها رأسها فقط حيث كانت تختبئ خلف باب غرفته. وجد التوسل يطفو فوق ملامحها. فأدار رأسه لخاله مجددًا يقول بهدوء تعجب منه سمير الذي رمقه بشك: -خلاص يا خالي براحتكم. أنا نصحتكم كتير وفي الآخر دي بنتك.
لم تتوقع نهى رد فعله، فكتمت شهقتها وامتنعت عن النظر إليه بعدما تخلى عنها هو الآخر وأصبحت هي في مهب الريح وحدها. لم تستمع له وهو يستكمل حديثه، فقد هرولت صوب المرحاض تبكي بانهيار تحت أنظارهما. -البيت بيتكم اقعدوا فيه لغاية ما تقرروا تمشوا. عم إذنكم. انسحب خالد بهدوء. فتابع إبراهيم خطواته خلفه، محاولاً ألا يحزنه كي تسير خطته وفقًا لما يريده:
-يا حبيبي متزعلش من كلامي. إنت واحد منا بس جواز نهى دا موضوع شخصي شوية وله أبعاد تانية. قطع خالد حديثه بقوله الذي أصر على إظهار اللامبالاة فيه: -براحتكم والموضوع ميخصنيش فعلاً. ربت إبراهيم فوق كتفه ومن ثم دخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه. فتقدم منه سمير قائلاً بشك: -ليه اتغير كدا؟ -ولا حاجة. أنا أحرجته، أصل خالد متربي وابن أصول وعنده دم. كان بيدافع عنها من باب الشهامة بس. شرد سمير قليلاً ثم قال بعدها:
-نهايته. هنمشي نروح فين؟ عند الشيخ قاسم. ضحك إبراهيم ساخرًا من تفكير ابنه الأحمق: -نمشي فين يا مجنون أنت؟ لازم نعزز من اختك عشان قاسم يعلي من المهر شوية. وفي نفس الوقت مش عايزين شوشرة ونضمن نهى في إيدنا. زفر سمير بحقد وهو يقول: -نفسي أكسر عليها باب الحمام عشان تروح تستنجد بخالد الحيوانة. -لا سيبك منها خالص. ومتضغطش عليها وفر مجهودك لموافقتها بالجواز.
أومأ سمير موافقًا على رأي والده، وفي نفس الوقت يتمنى أن يكسر باب المرحاض منفذًا بها أبشع طرق الضرب كي تحاول الاستنجاد بأحد، وخاصةً خالد. ولكنه اضطر للرضوخ لأمر والده، تاركًا تلك المسكينة تواجه مخاوفها بالمرحاض وحدها. فلم يعد أمامها سوى طريق واحد جربته من قبل وفشلت فيه، ولكن لن تترك نفسها لأهوائهم. ستحبط آمالهم حتى وإن لجأت للموت. ***
تابعت مليكة عملها بالمشفى وحديث زيدان لم يفارق عقلها. كلما مالت نفسها للموافقة والهرب معه لمكان بعيد لا يعرفها به ماجد، تعود مخاوفها تخرج من خلف قبضتيها وتصارع ذاتها بأن ما تميل إليه ليس سوى جنون وسيدمر حياتها. تنقلت بين أسِرة المرضى تتابع عملها بعقل حاضر أحيانًا وأحيانًا أخرى تغرق في عمق مصائبها. ولوهلة خُيل لها صوت ماجد يتردد في الغرفة الواسعة التي كانت تضم مجموعة من المرضى. استدارت ببطء وكأنها عروس خشبي، تنظر برعب جلي لمصدر الصوت. وها هو قد صُدم خيالها بواقع بشع حينما وقعت عينيها عليه يشير لها بالتحرك خلفه. ونبرته حازمة بقدر جعلها تتحرك خلفه بتروٍ بعدما لاحظت نظرات زملائها لها، بعضهم كان يقتله الفضول والبعض
الآخر يساندها بتعاطف كبير: -ورايا يا دكتورة. تابعت السير خلفه وقلبها يدق بخوف رهيب، تمنعه من الظهور للعلن، فيستغل ماجد ذلك ويصيبها في مقتل. لن تسمح له وستظل على حالة الرفض، لعله يصيبه الملل منها ويتركها. ولكن متى قطع إجازته وعاد وهي لا تعلم شيئًا منذ الصباح؟
فأصبح ظهوره يشبه ظهور الأشباح المخيفة. دخلت غرفة مكتبه خلفه، ولكنها تركت الباب مفتوحًا. فأشار إليها بإغلاقه، ولكنها أبت وتعمدت أن تعلن تمردها عليه، مما أثار ذلك جنونه واندفع يهددها بشراسة: -بلاش تتحديني يا مليكة، أحسن لك. -عُمر الباب دا ما يتقفل علينا لوحدنا يا دكتور. قول اللي إنت عايزه وخليني أمشي. خرجت نبرتها قاسية، فهاجمها باستنكار: -شاطرة يا مليكة، باين إن وقت غيابي نساكي مصيبتك.
ابتلعت لعابها لعله يرطب حلقها الجاف ويهدأ من روعها، فردت بثبات تعجب منه: -الكلام دا المفروض تقوله لنفسك. إنت اللي زورت الصور والمحادثات دي ومية ألف واحد يقدر يثبت دا. ضحك باستهجان وهو يقترب منها خافضًا نبرته: -دا اللي عقلك المريض صورهولك. هتخرجي من المصيبة كدا يعني؟ طب وصورك اللي بشعرك مزورة بردو؟ أثار جنونها وأشعل فتيل الغضب لديها بضحكاته التي لم تنقطع، بل استمرت وكأنه يلعب فوق أوتار تماسكها:
-دي سمعة يا حلوة، وشوشرة كبيرة أوي. وفي الآخر بردوا مش هسيبك إلا لما أنفذ اللي أنا عايزه، حتى لو وصلت إني أخطفك. زهلت وهي تتابع حديثه الذي شارف على الجنون. فردت بنفور: -اللي في خيالك لا يمكن يحصل. من رابع المستحيلات. واللي عندك اعمله. أنا مش هخاف منك. -كذابة. الخوف هياكلك. والود دي أستغله في الوقت دا. صمت للحظة يشملها بنظرات متفحصة، وكأنه يحاول زعزعة هيكل تماسكها. فتابع بهمس يشبه فحيح الأفاعي:
-واللي عندي كتير أوي ومش هسيبك إلا لما تكون كل حاجة براضيكي. لوت فمها بسخرية كناية على مدى استهزائها به واستدارت لتغادر. فاستمعت لصوته يحلق بنبرة مرتفعة قاسية: -حظك إن أنا لسه مخلصتش اللي ورايا وهكمل إجازة صغننة خالص ومن بعدها هتلاقيني هنا كل يوم. بس صدقيني مش هسيبك وقتها، والأوضة دي هتشهد على أمجادنا أنا وأنتي.
ومن بعدها ضحك بتهكم بعدما ألقى بتهديده المبطن، فأصابها الغثيان من مغزى حديثه الوقح. واتجهت صوب المرحاض تفرغ طاقتها بالغثيان بدلاً من الانقضاض عليه وقتله عمدًا. رفعت وجهها تطالع نفسها بالمرآة. أحست بتشوش يضرب خلايا عقلها، فتداخلت الأفكار ببعضها البعض وكأنها شبكة عنكبوتية. تسلل منها الصبر ونفذ في مواجهة ذلك الوقح الذي أصبح تهديداته أكثر وقاحة وجرأة. تعقدت الأمور أكثر، فبدت كسجينة مقيدة بأغلالٍ رهن لحظة تخشاها. عودته من
جديد ستساعده في الضغط عليها. سلطته بالمشفى وعلاقاته تشعرها بكم هي ضئيلة، فالمواجهة بينهما غير متكافئة. لقد كرهت موقفها الضعيف وهواجسها المخيفة. تسعى للخلاص، ولكن كيف وهي لا تملك سوى إعلان رفضها له دون الإفصاح عن شيء. أغلقت عينيها ترغب في محو تلك المصائب وكأنها لم تأتِ لتلك المشفى ولم تقابل ذلك الخسيس. آه طويلة أخرجتها وهي تتخيل حياتها مع زيدان دون مخاوف تعيق سعادتها معه. فقد تلخصت أبسط أمانيها في الفرار من كارثة
تلاحقها وتهدد بهدم أسوارها، وقد تكشف ما تخشى ظهوره للعلن حتى وإن كانت مجرد ضحية. فالمجتمع لم ولن يرحمها حتى وإن ثابرت وواجهت. حتمًا ستصطدم بعقول بشرية ترشقها بالاتهام ترفض تصديقها. فكل ما تعانيه بصمت يصب في خوفها من "المجتمع".
ارتفع رنين هاتفها يكسر الصمت المطبق على المكان. جذبها من عمق تفكيرها، فتنفست وكأنها كانت تستسلم للغرق ولكنها جُذبت للسطح عنوة. فالتقطت أنفاسها بقوة وما كان المتصل سوى زيدان. رفعت أنظارها للأمام تشرد للحظات في حديثه بالصباح وشعاع أمل زائف انبثق لها. فسارت خلفه كالمغيبة وتمسكت بطرفه علها تنهي ما يخفيها في صمت بعيدًا عن ماجد والمشفى بأكملها. وبالتأكيد باختفائها سينساها ماجد ولن تعود تزور أحلامه الدنيئة. جذبت نفس عميق تهدئ به اضطراب قلبها
وارتجاف نبرتها وهي تجيب: -إيه يا حبيبي؟ خلصتي؟ أبعتلك عربية تروحك. شعور بالاطمئنان غزا روحها ودفعها لتجيب بابتسامة عميقة رغم أن عينيها كانت على آخرها بالدموع المتجمعة بها: -زيدان. همست باسمه بحب، فأجاب بهدوء: -عيونه. سكتت لبرهة تستجمع قوتها وهي تقول: -أنا موافقة نتجوز. شوف هتقول لبابا مصطفى إمتى. استمعت لنبرته السعيدة وهو يتمتم: -لا مش أنا اللي هقوله. عندي اللي هيقوله ويقنعه كمان. ***
شعرت نهى بحاجتها للمياه، فخرجت من الغرفة واتجهت صوب المطبخ. وقبل أن تدخل توقفت تلقي بنظرة آسفة نحو غرفة خالد، فقد كانت تتمنى أن يستمر في الدفاع عنها ويقنع والدها بإنهاء ذلك الزواج، ولكنه تخلى عنها بكل بساطة ولم يحاول من أجلها!
وقد توسمت فيه بسبب شهامته ونبله. تابعت خطواتها نحو المبرد والتقطت كوب المياه ترتشف منه القليل، ولكنها شعرت بوجوده خلفها. التفتت سريعًا فوجدته خلفها مباشرةً يمسك يدها يمنع سقوط كوب المياه أرضًا فقد يستيقظ خاله أو ولده الأرعن ويكشف مخططه. -اسمعني بهدوء عشان ولاد ****** دول ميصحوش.
تجاهلت سبه لعائلتها وركزت معه وهي تقترب منه أكثر كي تسمعه، ولم تدرك أن المسافة بينهما أصبحت شبه منعدمة، فخفق قلبه بقوة وهي ترفع بصرها كالهرة حينما تستعطف أصحابها. ولوهلة كاد أن يفقد أعصابه ويقترب منها يلثم شفتيها هامسًا لنفسه: -كدا كدا رايح في داهية. اقترب برأسه منها، فسألته بقلق وعدم فهم: -داهية إيه؟! تراجع عما كان يريد فعله ودفنت أمنيته مع باقي أمنياته وهتف بحنق: -طول ما أنا ماشي وراكي هروح في داهية.
اخفضت بصرها بحرج قائلة: -خلاص، أنا فهمت كلامك النهاردة ومش محتاجة مساعدتك. رفع ذقنها للأعلى بطرف أصابعه، فواجهت عينيه اللامعة تحت ضوء الإنارة البسيط: -أنا مش هتخلى عنك ومش هسمح يحصل فيكي كدا أبدًا. رمشت بأهدابها غير مصدقة: -بجد يا خالد؟ هتكلم بابا تاني؟ -لا اكلم أبوكي إيه؟ إحنا سيبنا من الأدب ونبدأ في قلة الأدب. أهلك مش عايزين إلا كدا. اسمعني كويس يا نهى واتصرفي زي ما أنا هقولك.
أومأت بحماس والأمل يشق صدرها المظلم، تتمسك بعينيه وكأنها طوق نجاة للخروج من بحر معتم أمواجه هادرة كادت أن تقتلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!