في فيلا مصطفى الحاوي عندما دخلا شهد وحبيبة الغرفة التي تحتجز بها مريم، بعدما قامت شهد بنسخ مفتاح الغرفة، صعقا مما حدث لمريم. فقد كانت ترتعش بشدة في زاوية الغرفة والكدمات تغطي وجهها الأبيض. ركضا إليها الاثنان. قالت حبيبة بخوف: = مين عمل فيكي كده يا مريم؟ ازداد بكاء مريم الصامت، ولم تستطع التحدث، ليس بسبب آلامها، بل لأنها لا تريد تشويه صورة والدتها أمام حبيبة. فيكفيها ما تعيشه مع تلك المرأة التي نزعت من قلبها الرحمة.
بينما شهد كانت في عالم آخر، فقد تذكرت والدتها وصراخها عندما كان يضربها والدها. وضعت يدها على أذنيها بشدة، فتلك الأصوات لا تريد أن تتركها أبداً. انتبهت مريم لها، فأغمضت عينيها بألم وتحاملت على نفسها لتنهض وتقترب منها، ثم جلست بجوارها. همست لها بحنان: = شهد.. عندما لم تنصت لها، أبعدت كفيها عن أذنها وهي تتابع بنفس النبرة: = أنا كويسة يا حبيبتي، متخافيش، إحنا مع بعض. شهد بصيلي.
رفعت نظرها إليها التي امتلأت بالدموع، لتبتسم مريم مرغمة، ثم ربتت على كتفها بحنان. تابعت بهدوء: = قوليلي بقا، أنتم جايين علشان تحضروا الحفلة النهارده؟ هكذا هي مريم، تنسى نفسها ودائماً تحاول التهوين على الآخرين. فتلك الكلمات همست بها شهد لنفسها. لتزداد إصراراً في تهريبها بأسرع وقت من هذا البيت المشؤوم. فحاولت استجماع قوتها لتقول بنبرة عادية: = لا يا مريم، إحنا مش جايين لحفلات. إحنا جايين نهربك من هنا.
حاولت مريم التحدث، ولكن قاطعتها حبيبة بتأييد: = أيوه يا مريم، اهربي من هنا وروحي لأهل مامتك. مسحت مريم دموعها وكادت أن ترد عليهما، ولكن قاطعها محاولة أحدهم فتح الباب. في الحال، استطاع كل من شهد وحبيبة الاختباء في مكان ما. كادت أن تبتسم مريم على طفولتهما. بينما دخلت جيهان الغرفة بتعالٍ لتسألها بغطرسة واضحة: = لسه برضو ما عقلتيش يا بنت أخويا؟ ابتلعت مريم ريقها وهي تتذكر ما حدث، لترد عليها بتوسل تحاول استعطافها:
= علشان خاطر بابا يا عمتو، ما تعمليش فيا كده. والله هسمع كلام حضرتك في كل حاجة، بس مقدرش أحضر حفلات زي دي ومستحيل أقلع الحجاب أبداً. شهقت كل من حبيبة وشهد بخفوت ما أن استمعوا لحديثها. بينما اغتاظت جيهان بشدة منها لتقترب منها. وعلى حين غرة، جذبتها من شعيراتها الطويلة، لتضغط الأخرى على شفتيها لتكتم ألمها بداخلها. قلبت جيهان عينيها بها ثم هتفت بجانب أذنها بشر:
= مفيش حاجة عندي مستحيلة يا مريم. وهتنفذي كلامي بالحرف الواحد. أنا ما صدقت أبوكي مات علشان تبقي تحت أمري وتكملي اللي أنا تعبت فيه السنين دي كلها. صدمت مريم مما سمعته، فكيف لها أن تكون بتلك التحجر؟ لتحاول جذب شعرها من بين قبضتها القوية، قائلة بألم: = ااه يا عمتو شعري. حرام عليكي. والله هعمل اللي انتي عاوزاه بس مقدرش أقلع الحجاب.
نفضتها عنها جيهان واعتقدت مريم أنها ستكتفي، ولكن فاجأتها بصفعة عنيفة بكفها القوي. صرخت مريم على أثرها. بينما ارتعبت شهد وكادت أن تبكي كالاطفال مما تراه. أما حبيبة، فحالتها لا يرثى لها بعدما شاهدت والدتها بتلك الجبروت والتحجر. أمسكت جيهان ما تحمله بيدها ثم رمته بوجهها لتقول بأمر وتهديد: = نص ساعة والاقيكي جاهزة. وابقي اخفي اللي فوشك بالمكياج وشعرك يتظبط. ولو ما نفذتيش الكلام، هخلي عمك يجوزك لابنه واخلص منك.
بصقت كلماتها بوجهها وخرجت بتعالٍ مثلما دخلت. بينما شهقت مريم ببكاء واضعة كفيها على وجهها تبكي بقهر على ما آلت إليه حياتها بعد وفاة والدها. خرجت شهد وحبيبة ثم اقتربا منها وهما يقومان باحتضانها ببراءة. تعالت شهقات مريم كثيراً، لا تدري ماذا تفعل. بينما ارتسمت معالم المكر على تلك الماكرة الصغيرة، لتقول شهد بإصرار: = يلا يا حبيبة ننفذ الخطة. وافقتها حبيبة بعدما مسحت دموعها، لتنظر لهما مريم بدهشة من بين بكائها لتهتف بتعجب:
= خطة إيه؟!! اقتربت شهد لتهمس بأذنها ببعض الكلمات، لتبتسم مريم، فأخيراً سوف تنجو من عمتها. في مشفى غياث البكري دلف غياث إلى غرفة العمليات بعدما قام بتعقيم يده. ثم نظر حوله ليتطلع إلى الأطباء الذين تحت تدريبه. حتى وقعت عينه عليها فابتسم بداخله ابتسامة لم تصل لعيناه. ليقول بجدية: = جاهزين؟ ليرد الجميع من بين بينهم الممرضين: = جاهزين يا دكتور.
بدأ غياث في فتح المريض أمامه، وكانت ياسمين منصبة كل تركيزها في عملها في تلك اللحظة. حتى افتخر غياث بنفسه من إتقانها للعمل وتوقع أن تصبح طبيبة مشهورة في المستقبل. وبعد مرور ساعتين، انتهى من عمليته ليختار ياسمين لتقوم بإغلاق المريض. لتومئ ياسمين بطاعة وتتعالى دقات قلبها من صوته الرجولي الذي هز كيانها. أزالت ياسمين الكمامة ثم نظرت أرضاً لتقول بخجل: = متشكره جداً يا دكتور غياث. نظر إليها غياث ليرد عليها بجدية:
= ما تشكرنيش يا دكتورة. واضح عليكي أنك طالبة متميزة، وده اللي شوفته وإحنا في العملية. بتمنى تكوني على نفس مستواكي ده دايماً. اتسعت ابتسامة ياسمين وهي مازالت ناظرة أرضاً، لتقول بعدها بنبرة متلهفة: = أنا التالتة على الدفعة خمس سنين. وبإذن الله هكون عند حسن ظن حضرتك. أومأ غياث برأسه موافقاً، لتركها ويرحل. لترفع هي عينيها بهيام في أثره. وما أن تذكرت ما قالته، حتى هتفت بضيق: = إيه اللهفة اللي كنت فيها دي؟
هيقول عليا إيه دلوقتي!! انتفضت ما أن ربتت الممرضة على ظهرها وهي تقول بهدم فهم: = حضرتك كويسة يا دكتورة ياسمين. عضت على شفتيها بخجل، فهي تحدث نفسها حتى سمعتها الممرضة. لترد عليها بارتباك: = أنا كويسة، عن إذنك. سارت بخطوات راكضة وهي تلوم نفسها على رعونتها. ثم دلفت إلى غرفة المتربين، بينما عقلها شارد هناك، حيث غياث البكري. في فيلا ياسين الصياد
دلف آسر إلى غرفة صديقه ياسين بعدما عاد من محافظة أسيوط. فاستقبله صديقه بترحاب حافل. بينما هتف آسر بمرح: = والله أنا بدخل البيت ده وأنا مطمن علشان كله رجالة. ضحك ياسين على مزاحه، ثم جاءه صوت من خلفه يقول بابتسامة: = إزاي بقا، أومال خالتك أم ياسين راحت فين؟ استقام آسر ما أن سمع صوتها، ليصافحها باحترام وهو يرد بأدب: = حضرتك الخير والبركة. اخبار حضرتك إيه؟ ردت عليه بترحاب: = بخير الحمد لله. أنستنا ونورتينا يا آسر يابني.
ليرد عليها آسر بابتسامة: = الله يبارك في حضرتك يا أمي. تبادلت معه الكلمات، لتستأذن منهم، مصرة عليه أن يتناول معهم وجبة العشاء. بينما جلس آسر مرة أخرى بجانب صديقه، ثم سأله بهدوء: = فين الرجالة الصغيرين بتوعنا؟ ابتسم ياسين ثم رد عليه بسخرية: = موجودين ومغلبني، وخصوصاً "علي" الأيام دي مش مظبوط.
كاد آسر أن يسأله ما به باهتمام، ولكن قاطعه دخول "علي" إلى الغرفة بوجوم. وما أن رأى آسر، حتى ركض إليه ليحتضنه بحزن، فهو يعتبره أخيه وصديقه المقرب. ربت آسر على ظهره بحنان، فوجهه يوحي بمشكلة ما. ليبعده قليلاً ثم سأله بنبرة هادئة: = مالك يا علي؟ أدمعت عينا علي، ليلاحظ كل من ياسين وآسر ذلك. فقبض ياسين على كفه بغضب، فتؤلمه كثيراً رؤية أخيه علي بهذا النحو. ليصرخ به بغضب:
= فيه إيه مالك، ما تظبط كده يا علي. أنا على أخري منك الأيام دي. نهض آسر ليهدأ صديقه أن يتمادى أكثر. ثم همس لياسين برجاء: = ياسين، ما ينفعش اللي انت بتعمله ده. لو سمحت سيبني معاه وأنا هتصرف. رمقه شقيقه بضيق ثم أومأ برأسه وترك الغرفة لهم. ليتقدم آسر من "علي" وهو يربت على قدمه قائلاً بجدية: = احكيلي بقا يا أستاذ "علي" فيك إيه؟ نظر إليه علي بعينيه الدامعة ليرد عليه بحزن:
= شاهندة. دي بنت اتعرفت عليها على الفيس وكنت أول مرة أكلم بنات. بعد كده طلبت مني رقمي وبدأنا نتكلم فون. وليها أسبوعين ما بترديش عليا. أنا خايف يكون جرالها حاجة يا آسر. مسح آسر على وجهه بحيرة مما يقصه عليه، ثم قال له بنبرة هادئة: = طيب هات رقم البنت دي وأنا هعرف إيه حكايتها بالظبط. انتفض علي بعد قوله، ثم رد عليه بخوف: = اوعي تأذيها يا آسر. تعجب آسر من حالته تلك على فتاة لم يعرفها. فتنفس ليهود عليه بابتسامة:
= ما تخافش، أنا هعرفلك تفاصيل عنها مش أكتر. ابتسم له علي بفرح ثم أعطاه رقم هاتفها. وأخذ يتبادلون الأحاديث حتى موعد العشاء. أمام فيلا مصطفى الحاوي نجحت كل من حبيبة وشهد في تهريب مريم من هذا القصر وتلك المرأة المتوحشة. ليرن هاتف شهد عالياً. وما أن وجدته "علي"، حتى تأففت ثم أغلقت الهاتف تماماً. ثم نظرت إلى مريم بعدما أوقفت سيارة أجرة، ثم قامت باحتضانها لتقول لها بحب: = مع السلامة يا مريم، أول ما توصلي طمنيني ها.
أومأت له بفرح، ثم قامت حبيبة هي الأخرى باحتضانها لتقول بعينين دامعتين: = هتوحشيني يا مريم. مع السلامة يا حبيبتي. ودعتهم مريم بعينين دامعتين، ثم صعدت إلى السيارة الأجرة هاربة من عمتها ومن ظلمها. فهل ستنجو من براثن الظلم أم ستقع في ظلم آخر؟ بعدما رحلت مريم من أمامهم، حتى التفتت حبيبة إلى شهد لتهتف ببكاء: = هتوحشني أوي مريم. احتضنتها شهد بقوة لترد عليها بعينين دامعتين: = وأنا كمان، بس المهم تبعد من هنا.
أومأت لها حبيبة بتفهم، لتتذكر أمر ما لتهتف مسرعة: = إزاي نسيت ميعادنا النهارده؟ قطبت شهد جبينها بتعجب لتسألها بعدم فهم: = ميعاد إيه؟ جذبتها حبيبة من معصم يدها بعد أن أوقفت سيارة أجرة لتهتف بنفس النبرة: = يابت المطرب تامر محسن. هروح أسمعه صوتي النهارده.
ابتسمت شهد بسعادة لأنها تحبه كثيراً، فوافقتها على الفور لتنطلق معها إلى حيث العنوان الذي أملته للسائق. وبعد نصف ساعة، كانوا أمام عمارة راقية يقطن بها ذلك المدعو تامر محسن. ابتسمت حبيبة بسعادة. ولكن قبل أن تخطو إلى الأعلى، رن هاتفها. ولم تكن سوى صديقتها عبير التي ساعدتها للوصول لذلك المطرب، لتجيب عليها حبيبة بامتنان: = ميرسي أوي أوي يا بيرو. انتظرت رد الطرف الآخر، ثم أجابت بسعادة: = خلاص أنا طالعة أهو، انت مش هتيجي؟
اعتذرت عبير عن المجيء، لتومئ حبيبة بتفهم. ثم أخبرتها بضرورة الذهاب لأنهم تأخروا عليه، ثم أغلقت معها لتنظر إلى شهد التي تتابعها بغموض. فسألتها بعدم فهم: = فيه إيه يا شهد؟ تنهدت شهد ثم رد عليها بعدم راحة: = البت عبير دي أنا مش برتاح لها. هزت حبيبة رأسها بنفاذ صبر ولم تنتبه لحديثها الذي لم يجدي معها. ثم جذبتها من معصمها وهي تركض كالطفلة للوصول إلى الأعلى.
وجدت اسمه مدون على لافتة الشقة الراقية. وظلت تقرع الباب بنفاذ صبر. وما أن تأخر عليهم، وضعت كفها على الباب فوجدته مفتوحاً. تعجبت شهد لتقول لها بقلق: = يلا يا شهد نبقى نيجي في وقت تاني. حدقتها حبيبة بنظرة شرسة ثم ردت عليه بغضب: = لأ يا شهد، عبير قالتلي موجود في شقته. يلا بقا متخافيش.
دخلا سوياً إلى داخل الشقة، فشقت حبيبة ما أن رأته ممدداً على السجادة الفاخرة وغارقاً بدمائه. فارتعبت حبيبة عليه وبدون وعي منها، أمسكت السكين لتجذبها من معدته. فصرخت شهد بها بنبرة مرتعشة: = لا يا حبيبة، ما تمسكيش السكينة. ولكن قبل أن يستوعبا ما حدث، كان الشرطة تعم المكان، بعدما أبلغهم شخص مجهول الهوية بتلك الجريمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!