بلاش وشك يحمر كده يا حبيبتي، كلنا عملنا كده مع حمواتنا ودي عادات وتقاليد عيلتنا، وأنتِ لازم تمشي عليها. إلى هنا صمت الكلام على لسانها، والصدمة ألجمت فمها، ولم تعرف بما ستفعل. هل ستنصاع لأمرهم وتُذل من أول يوم لقدومها ذاك المنزل أم ماذا؟
أما "هاشم" فكان ينظر إلى الموقف بعينين متسعتين، ووالدته ترد لهم النظرات بتحدٍ، واشتعلت الأجواء. فنظرت إليه حنين تستنجد به أن ينقذها من ذاك الموقف البشع من وجهة نظرها بشدة، لينطق متسائلًا باستنكار لما يحدث: ــ هو في إيه يا ماما؟ وإيه اللي بيحصل ده؟ وبناتك واقفين في وقت زي ده في شقتي بيعملوا إيه؟ وإيه اللي هم بيطلبوه ده أصلًا؟! فضّوا الحوار اللي ما لهوش 30 لازمة حالًا، علشان مش عايز مشاكل من أولها.
كانت إحدى شقيقتيه ستتحدث وترد بدلًا عن والدتها، إلا أنها منعتهم لتنظر إلى ابنها بتحدٍ وهي تعيد على مسامعه ما قالته ابنتها بتأكيد أذهلهم:
ــ لا يا عين أمك، الحوارات دي أنت ما لكش فيها. نسوان إخواتك اللي تحت عملوا معايا كده، وهي مش أقل منهم في حاجة، وأنت عارف هم مين وولاد مين بالظبط. ودي عوايدنا وتقاليدنا، العروسة عندنا لازم تعدي من تحت إيدين حماتها وتطلب منها الرضا، وأنت ما تتدخلش في الحوار ده خالص، طلّع نفسك منه، لأن العادات والتقاليد بتاعتنا ما بنخالفهاش أبدًا.
خلل أصابعه بين خصلات شعره الفحمي وهو ينظر إلى والدته بذهول، لينفخ بضيق وكاد أن يتحدث، إلا أن "حنين" نطقت تلك المرة برفض قاطع لتلك المهزلة وذاك الهوان الذي يريدون أن يضعوها فيه من أول ليلة لها في هذا المنزل، وهي لم ترضَ بالذل أبدًا:
ــ العوايد والتقاليد اللي أنتم بتتكلموا عنها دي يا حماتي انتهت من زمان. إحنا دلوقتي الزمن اتقدم، وما أعتقدش إن حد بيصدق في الخرافات دي، وأنا عمري ما أعمل اللي أنتم عايزيني أعمله ده. يستحيل أذل نفسي لأي مخلوق على وجه الأرض، أيًا كان مين وأيًا كانت العواقب. اشتعلت الأجواء بينهم من كلام تلك العروس التي ترفع رأسها في السماء أمامهم وترفض ما قالوه بعزة، لتنطق شقيقة "هاشم" وهي تنظر إليها بغل وهي تضع يدها في خصرها
وتهز جسدها بغيظ شديد: ــ يبقى أنتِ كده يا حبيبتي مش هتعمري في البيت ده. طالما داخلة لنا بكبر وبتكلمنا من طراطيف مناخيرك. إحنا عندنا هنا أمي الكل في الكل، وكلامها يمشي على الكبير قبل الصغير، وعلى الراجل قبل الست. وإن ما كنتيش تاخدي رضا حماتك قبل ما تعتبيها، يبقى مش هتعتبيها، وتروحي على بيت أبوكي بفستان فرحك، وتجيبي لنفسك ولأهلك الفضايح والعار لما يلاقوكي راجعة لهم ليلة فرحك بالفستان، واقعدي خلي جنبهم بقى طول العمر.
انفعلت "حنين" بشدة من ثرثرة تلك المرأة وكلامها العنيف وتحكمها بها، لتهبط دموعها بغزارة على وجنتيها وهي تنظر إلى "هاشم" تستنجد به مرة أخرى أن يفض ذاك النزاع ويبعدهم عنها ويكتم أفواههم عن ما قالوه، ليقحمهم بالرد القوي وهو يحتضن زوجته برعاية وتملك بإحدى يديه، وباليد الأخرى يشير إلى شقيقتيه آمرًا إياهم أمرًا لاذعًا لا يقبل النقاش، مما أذهلهم: ــ أنتِ مين أنتِ وهي علشان تتحكموا فيها وأنا واقف؟
وتقرروا مصيري ومصيرها وكأني قرطاس لب واقف قدامكم؟! طب لو سمحتي منك ليها، اتفضلوا من غير مطرود من شقتي، ومش عايز أشوف واحدة فيكم تعتب عتبتها ثاني لو هتعملوا لي مشاكل من أولها.
واعملوا حسابكم إن أنا مش زي أي حد، ومش هرضى إن حد يذل مراتي ولا يجي عليها ولا يأمرها تعمل حاجة هي مش عايزاها. وأنتم الاثنين طلعوا نفسكم بره حياتي نهائي، روحوا شوفوا حياتكم وحالكم، واعملوا القرف اللي أنتم بتقولوا عليه ده في بيوتكم، أما أنا محدش يحكم عليّ في بيتي مهما كان. ويلا من غير مطرود ثاني مرة. هنا نطقت والدته بتعجب مغلف بالاستنكار، بعدما تشعب الغضب برأسها وتتطاير الشر من عينيها: ــ أنت اتجننت!
أنت بتطرد إخواتك البنات من شقتك من أول ساعة البت دي دخلت فيها بيتنا؟! إزاي تتعداني؟ تتعدى أمك يا هاشم وتعمل كده! أنت كده بتستدعي غضبي عليك، وأنت عارف كويس لو غضبت منك مش بصفى بسهولة؟! قبل أن يتحدث "هاشم" ويجيب والدته، هتفت "حنين" باستنكار لطريقتها، فهي لن ترضى بالذل أبدًا: ــ لو سمحتي يا حماتي، أنا جاية البيت ده علشان جوزي مش متجوزة أمه ولا إخواته.
أنا أشيلكم على راسي من فوق لو هتعاملوني باحترام. ثاني حاجة أنا لما تيجي تتكلمي عني تقولي حنين مش بت. أنا متعلمة تعليم عالي وخارجة من بيت ناس ولاد أصول، وما ينفعش أتعامل بالطريقة دي من أول ساعة ليا في البيت ده. ثم أكملت وهي ترفع فستان زفافها بكلتا يديها وتعطيهم ظهرها منتوية المغادرة، مما أذهل "هاشم" وجعله يتمسك بها:
ــ وإذا كان على كلام بنتك إني مش هعتبها وهرجع بيت أبويا، ما عنديش مشكلة خالص. على الأقل بيت أبويا بيت العز اللي عمري ما اتهانت فيه، طول عمرهم بيعاملوني على إني ملكة متوجة، وزي ما بيعاملوا مرات أخويا اللي دخلت بيتنا ورحبنا بيها ومعملناش معاها زي ما أنتم عايزيني أعمل كده، يبقى همشي وحتى لو هقعد من غير جواز طول العمر بس هقعد بكرامتي في بيت أبويا، البيت اللي عشت فيه معززة مكرمة طول حياتي اللي فاتت.
كادت أن تسير لتتخطاه، ولكن يده حالت دون ذلك، فقبض على ذراعها بقوة يوقفها ناهرًا إياها بسيل من الغيظ تدفق بين حروفه: ــ أنتِ رايحة فين يا بنتي أنتِ! إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده؟! اثبتي مكانك لو سمحتي، مش عايز لعب عيال، أنتِ مش متجوزة عيل ما يعرفش يفض مشكلة تافهة زي دي.
ثم أعاد النظر إلى ثلاثتهن وغمغم بهم بحروف مشدودة بالغضب، فظهرت ابتسامة ساخرة على وجوههم، واندثر خواء عيناهم وتلك الغيرة الهوجاء من "حنين" لدفاع أخيهم عنها بتلك القوة تبعثرهن، واحتلت ساحة عيناهن، ليستطرد بشراسة:
ــ قسمًا عظمًا لو ما أخدتيش أختك ونزلتوا دلوقتي أنتِ وهي، لا هتشوفوا مني وش عمركم ما شفتوه قبل كده. وابعدوا عني وعن حياتي، يا إما أنتم عارفين إيه اللي هيحصل بالظبط. ومفيش واحدة فيكم تعتب شقتي مرة تانية إلا إذا كانت جاية ناوية الخير، غير كده مش عايز أشوفكم ولا عايز مشاكل من ناحيتكم. ثم علا صوته بحدة أرجفتهم: ــ اطلعوا بره أنتِ وهي، جاتكم القرف، نكدتوا عليا ليلة فرحي.
ارتعبت كلتاهن من تهديده، فهم يعرفونه جيدًا. إذا وصل لقمة غضبه سوف يجعلهم يندمون، وأول الندم هي رفد أزواجهم من مصنعه، فهم يعملون عنده برواتب لم يحلموا بها. فتمسكت إحداهن بيد الأخرى، ولكن دواعي الشر داخلهن أجبرت لسان إحداهن على بث السم قبل أن يغادرن:
ــ إحنا ماشيين، ومفيش داعي إنك تحمر لنا عينيك وتهددنا. إحنا مش شغالين عندك، إحنا أخواتك يا هاشم بيه، وإحنا الغلطانين إننا عايزين نعملها مننا واحدة زينا ويكون قلبها على قلبنا. عمومًا إحنا ماشيين، وشقتك دي مش هنعتبها ثاني، وانسى إن ليك إخوات بنات. مع السلامة ياما، بعد ابنك ما طرد بناتك من بيته، ملناش مجية هنا ثاني ولا عندك ولا عنده. يلا يا نشوى.
غادروا المكان بعد أن أفسح لهم أخيهم المجال للمغادرة وهو يبسط كف يداه مرحبًا بخروجهم من شقته ومن المنزل بشكل عام، فرفعت والدته حاجبيها ساخرة باستنكار، لتنطق باندفاع وحدة مقصودين وهي تنظر إلى ولدها بغضب عارم: ــ أنت اتجننت! بتعلي صوتك على إخواتك وبتطردهم من بيتي قدامي بدون ما تعمل لي أي اعتبار؟!
قلبي وربي غضبانين عليك يا هاشم بسبب اللي أنت عملته. إلا إخواتك البنات ما ينفعش تعمل معاهم كده، وإنك تبهدلهم بالشكل ده، ولا تخرجهم من بيتك وهم مكسورين الجناح. وأنا كمان نازلة وسايبها لك مخضرة لست الحسن والجمال اللي من أول ما رجليها دبت في البيت طردت إخواتك وغضبت قلب أمك عليك. ثم تحركت خطوتان وأكملت وهي تنظر داخل عينيه بنفس الغضب وهي تشير بسبابتها إلى عروس ابنها باحتقار:
ــ وأنا برضه مش هعتبها لك ثاني، ولساني مش هيخاطب لسانك، ولا أنت ولا دي بنت الأصول. مسح "هاشم" على خصلات شعره المصفف بعناية وهو يشعر بالاختناق الشديد من غضب والدته عليه وكلامها الثقيل ونظراتها المحترقة لزوجته المسكينة، وهو يمنعها من النزول متقدمًا منها واضعًا يديه على كتفها وحاول جذب رأسها لمراضاتها: ــ يا أمي ما ينفعش اللي بيحصل ده بجد!
يعني ينفع تنكدوا عليا أنتِ وبناتك يوم فرحي، وكمان عايزة تنزلي زعلانة وغضبانة عليا كمان؟ هو ده يرضي ربنا؟ حاولت نزع رأسها من بين يديه بحدة وهي تمسك بكف يديه وتُبعدُها عنها لتهدر به بصياح غاضب وهي تنظر إلى تلك الواقفة نظرات نارية: ــ ما هو باين من عتبة البرنسيسة إن أول حاجة تحصل ما بينك وما بين أمك تغضب عليك علشان تعرف إنها أقدام وأعتاب.
ابتلعت "حنين" أنفاسها بصعوبة بالغة، لتنطق بنبرة متوترة للغاية والحروف تتلجلج على لسانها ونظراتها زائغة بينهم لتلقي على مسامعهم ما أذهل "هاشم": ــ بعد إذنك يا ماما، حطي إيدك علشان هخطّي تحتها وآخد رضاكي اللي أهم حاجة في ليلتي النهاردة. اتسعت مقلتا "هاشم" مما ردده فاهها ليسألها بذهول: ــ أنتِ بجد هتعملي كده برضاكِ يا حنين؟! لو مش حابة بلاش، أنتِ محدش يقدر يغصبك على حاجة أنتِ مش عايزة تعمليها؟!
زاغ بصرها وشعرت ببعض القوة والانتصار من مساندته لها، ولكن فكرت سريعًا، فهي لم تُرد معاداة حماتها من أول وهلة لها في هذا المنزل، وإن لم تفعل ما طلبته منها ستضعها في رأسها ولم تهنأ مع هاشمها وستعيش حربًا هي في غنى عنها في بدء حياتها، لتومئ برأسها للأمام مؤكدة له مما أدهش الأخرى: ــ متأكدة يا هاشم، مفيهاش حاجة. وبعدين مامتك بقت مامتي التانية، ولما ماما تطلب حاجة يبقى من عيوني.
ثم تحدثت برقة اصطنعتها بذهول مصاحبة لبعض الدلال وهي تطلب من حماتها ذاك الذي أدهشها هي الأخرى وجعل نظرات عينيها تسهمت أمام تلك العروس الغريبة في تصرفاتها: ــ ممكن تحطي إيدك يا ماما علشان أنفذ العوايد والتقاليد اللي في عيلة جوزي حبيبي؟! رفعت حماتها حاجبها باندهاش ثم نطقت باستفسار مغلف بالاستنكار:
ــ طب اشمعنى دلوقتي يا مرات ابني، وبعد ما كسرتي بخاطر بناتي كمان وخلتيهم ماشيين زعلانين ومتنكدين من بيت أخوهم ومطرودين كمان وكأنك قصداها؟! لم تُرد تلك الحنين اختلاق منازعات بينهم، واستخدمت عقلها أمام تلك العنيدة المتسلطة ثم بررت موقفها: ــ معلش يا ماما، أنا لسه عروسة وصغيرة ومعرفش حاجة عن الحاجات دي واتاخدت مرة واحدة. حقك وحقهم عليا، وبكرة هخلي هاشم يكلمهم يعتذر لهم وأنا كمان.
لوت تلك الأخرى شفتيها بامتعاض لتفرد يدها على وسعها، وعلى الفور خطت "حنين" من تحت إبطيها وهي تشعر بالاستياء من تلك الفعلة، وملامح وجهها انقلبت من السعادة في يوم زفافها إلى العبث، ولكن الأخرى نظرت إليها بأعين ساخطة وهي تردد باستياء ومباركة معدومة الفرحة والذوق: ــ مبروك يا عروسة. أنا نازلة.
غادرت المكان بحدة دون أن تحتضن تلك العروس المسكينة التي رضخت لرغبتها، وتلك الفعلة تعني الكثير والكثير، وأول المعاني لتلك الحنين أنها وقعت في فخ الحموات الأفاعي وعليها أن تتحمل. أما "هاشم" فأقدم إليها رافعًا رأسها أمام عينيه وهو يحتضن وجنتيها وثبت أنظاره داخل عينيها بنظرة حنونة سحرت حنينه وأنسَتها ما حدث. كم أنتِ مسكينة يا "حنين"، من مجرد نظرة أفقدتك صوابك وخر قلبك صريعًا تحت أجنحة شوق الهاشم!
لينطق هو بصوت أجش خشن متأثرًا بقرب امرأته، بل حسناء بنات حواء، بما أرجف القابع بين أضلعها من همسه: ــ مبروك يا حنيني. شكلك كان زي القمر في الفرح، كنتِ أميرة. اتسعت ابتسامتها الحالمة مرحبة، متمنية أن يتحدث معها الباقي من عمرها بذاك الهمس الحساس ونفس تلك النظرات التي بها عبر عن شوقه للنيل من اقترابها وسحبها لعالمه. ثم أومأت إليه وعينيها تتطاير منها قلوب حمراء مردفة برقة:
ــ الله يبارك فيك يا هاشم، ويارب دايما عيونك يشوفوني حلوة. نظر إلى عينيها وقال بتلهف لاحتياجه الاقتراب منها، فهي حينما أصبحت أمامه وحدهم ورائحتها الجميلة التي عبأت صدره أسكرته كأي رجل في اقتراب أنثاه تتحكم به غريزة مراوضتها، ثم قبلها من وجنتيها قبلات رقيقة ناعمة جعلتها تاهت في لحظة ونسيت كل شيء حدث منذ قليل من مجرد لحظات في أول لقائهما، ومع كل قبلة ينطق بهمس أجش جعلها هامت به عشقًا وتجاوبت معه وهي تضع يدها
خلف رقبته محتضنة إياه: ــ أنا نفسي في قربك قوي يا حنين. مشتاق ومكنتش عارف إني هبقى كده. ملهوف عليكِ.
لم يمهلها وقتًا للتفكير ولا أن تستوعب قوانين بدء القرب وسحبها لعالمه الخاص بطريقته، طريقة رجل وجد امرأته بين يديه وليست قوانين المحبين، فلم يفقهها ذاك الهاشم جيدًا، ولكنه كان في عالمه معها رجلًا أنانيًا في متطلباته، وكأنها تفقهها جيدًا. تائهًا بين يديها بما يريده فقط دون أن يجعلها تستوعبه أو يعطيها فرصة الدلال عليه. وانتهت ليلتهم بعدما فاض بها وفاضت به، ينام بعيدًا عنها وليست ساكنة لأحضانه كما حلمت تلك الهائمة مرات
ومرات بأنها ستسكن أحضان حبيبها بعد لقائهم العاصف واقترابهم المحبب إلى قلبهم، ولكن هيهات "حنين"، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وباتت ليالٍ عديدة على ذاك النظام دون أي حديث بينهم، فقط اقتراب يلبي رغبة جسده في امرأة حللها الله له، كان كالآلة معاملته معها أخذ ورد دون عطاء فياض من المشاعر الجميلة بين كل زوجين. وهي إلى الآن مستسلمة لطريقته أو رافضة أن تشاور عقلها الأمر، ويبدو أنها لم تستوعب إلى الآن.
نظرت إلى سيارتها المحشورة بين الحائط وسيارة أخرى تقدمت عليها، ولم تعرف كيف ستتحرك فشعرت بالإحباط الشديد وهي تحدث حالها بقلة حيلة: ــ يا ربي أعمل إيه دلوقتي؟ عايزة أروح عشان ألحق المحاضرة على اللاب؟! ثم نظرت حولها كي ترى طريقة تستطيع الفكاك بسيارتها، ولم تعرف ومحاولتها باءت بالفشل، فذهبت إلى ذاك الرجلين الواقفين بجانب إحدى السيارتين المحتجزة لسيارتها الصغيرة كي تطلب منهم العون:
ــ بعد إذنك يا باشمهندس، ممكن أعرف عربيات مين دي؟ عايزة أخرج عربيتي علشان أروح ومش عارفة أعمل إيه، ممكن تساعدوني؟ أجابها أحدهم بكبرياء من أسفل نظارته دون اعتناء بها أو أن يكترث لذهابها: ــ معلش مضطرة تستني لما رسلان بيه يخلص محاضراته ونتحرك بالعربيات، ما عندناش أوامر إننا نحركها من مكانها. رفعت حاجبيها ساخرة باستنكار باندفاع وحدة مقصودين: ــ نعم! حضرتك بتقول إيه؟
أنا مش فاضية إني أقف أستنى حد، أنا عندي ميعاد محاضرة لازم ألحقها. وبعدين مين رسلان ده اللي أنا هقعد أستناه لحد ما يخلص براحته عشان أطلع بعربيتي؟ هو في إيه بالظبط ولا أنتم مين أصلاً؟ تمتم الرجل الآخر ببرود دون أن ينظر لها: والله دي أوامر ولازم تمشي على الكل، حضرتك لو مش عاجبك الباب يفوت 100 جمل، روحي لعميد الجامعة، لكن إحنا ملزمين بأمان رسلان باشا وسواقين العربيات مش جاهزين ولا موجودين إنهم يحركوها من مكانها.
جحظت عينيها لحديث ذاك الآخر وتلك الطريقة المهينة التي تعاملوا بها معها لتنطق بحدة: والله الأوامر دي تمشي عليكم أنتم، أنا ما ليش دعوة بالحوار ده، أنتم اللي حجزتوا على عربيتي وزنقتوها وسط العربيات بتاعتكم، فالأوامر دي ما تخصنيش.
ولو سمحت عيب اللي بيحصل ده، كلم رسلان اللي أنت بتتكلم عنه ده خليه يحرك عربياته علشان أمشي، مش ناقصة تفاهة هي، ما عنديش وقت أنا أستنى سيادة معاليه لما يتكرم ويتعطف عليّ علشان أتحرك بعربيتي، مش فاهمة إيه التهريج اللي بيحصل ده؟ بعد أن انتهت من كلماتها وجدتهم يقفون كما الأصنام، ففقدت آخر ذرة صبر في تأدبها معهم، فهي بطبعها خجولة ولا تحبذ المشاكل ولا الصياح ولا أن يعلو صوتها في مكان خارج بيتها،
ولكن صدق المثل: اتقِ شر الحليم إذا غضب. فتحركت خطوتان تجاه إحدى السيارتين ثم قامت بالدق على سطح السيارة بزهق لم تصل إليه قبل ذلك: حرك العربية بقى وكفاية مهزلة يا عديم الذوق منك ليه. كان يقف جانبًا بكل برود يشاهد تلك الفتاة التي يعلو صوتها أمام حراسه مستندًا على الحائط وقد منع حراسه من التفوه ببنت شفة حينما رأوه. كان يستمع إلى صياحها وحينما دقت على سيارته لم يتحمل فاقترب منها وهو ينظر إليها من أعلى إلى أسفل مرددًا
بتهكم: وأنتِ بقى قد خبطتك على العربية دي يا بتاعة أنتِ؟ قال كلامه الهمجي مشيرًا لسيارته التي تقف بجانبها، فأومأت هي برأسها ساخرة بتلقائية من تلك الطريقة التي لم ترَ مثلها من قبل، ويبدو أنها ستواجه في تلك الجامعة من كل الأناس على مختلف التربية والذوق ما لا يعد ولا يحصى، ولكنها أفحمته بما جعل عروق رقبته بردت من ردها: البتاعة دي لما تكون بتقصد سلة الزبالة اللي أنت حاجز بيها على عربيتي مش أنا يا بتاع أنت؟
بعد أن أنهت كلماتها الساخرة منه والمهينة له لمحت أثر تلك الإهانة تنحر كبريائه بين أغوار عينيه التي أصبحت أشد ظلمة وقسوة، فاقترب منها وعلى حين غرة ضغط بيده على ذراعها أكثر وهو يحدق بها بغضب عارم يصحبه الصياح المتكبر: أنتِ شكلك مش عارفة وقعتي مع مين يا زبالة يا لمامة.. قبل أن يكمل طريقته المعتادة في التعالي على أي شخص حاولت نزع يدها من قبضة يديه ولكنها لم تفلح لتنظر داخل عينيه مرددة بقوة وحزم:
شيل إيدك يا متخلف أنت. وأنا مش مستعدة أكمل النقاش الدنيء ده معاك يا نرجسي يا متخلف. اللي زيك انقرضوا من زمان. ثم على صوتها هادرة به وهي تحاول فكاك ذراعها: شيل إيدك عني يا وقح.
حاولت نزع ذراعها من بين قبضته بالقوة فأصبحت أمامه ليعود هو ويجذب يديها معًا بقوة خلف ظهرها. ثم اقترب منها حتى أصبح ظهرها ملاصقًا لصدره ليقترب من أذنها هامسًا بخشونة لاذعة وغضبه منها يتضخم بين ضلوعه فلم تفعلها إحداهن وتهينه فكلهن أمامه يخرون بطاعة وتمني أن ينظر إليهن فقط عدا هي: إن ما وريتك الوقح ده هيربيكي إزاي ما بقاش أنا رسلان أحمد شفيق. ده أنا هنسيكي اسمك وشكلك ومش هخليكي تشوفي لحظة فرح واحدة في حياتك.
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها التي تتلألأ جواهرها مما حدث لها ثم تحدثت بنبرة مملوءة بالحسرة وما زال قابضًا لذراعها: صحيح مش كل ذكر راجل، وأنت النهاردة أثبت لي إن كلاب الشوارع الحيوانات أرقى منك يا اسمك إيه أنت. سيب إيدي علشان عيب تتهجم على بنت وتستقوي عليها. وأكملت بنبرة أكثر هدوء وهي تستفزه أكثر كي تثأر لكرامتها: ولا مامي معلمتكش الرجولة والإتيكيت والجنتلة يا واد يا بت.
انتفضت أعينه بحدة وهي يطالع تلك الشرسة التي أهانته ولكن تحولت ملامحه إلى البرود. وقذف بها بعيدًا عن يديه وكأنها عبدة أمامه. نظرت إليه فلاحظت تمدد ملامحه بضحكة هادئة ثم همس في مسامعها بصوت هدر مخيف لها:
طب يا حلوة أنتِ عجبتيني وهوريكي الواد البت ده هيعمل معاكِ إيه. هدخلك الجحيم على الأرض. هخليكي تتوسلي إن أرحمك من اللي هعمله فيكِ ومش هتعرفي ولا هتلحقي تفرفري حتى. هركبك قطر الموت على إيد رسلان وادعي إن ربنا ينجدك من إيدي بالسلامة علشان أنا هفرمك. أعلى ما في خيلك اركبه يا متعجرف يا اللي ما شفتش رباية في بيتكم. تمتمت بها ببرود حافظت عليه فنظر لها من أعلاها لأسفلها متجاهلًا استفزازها ليتابع بصوته الأجش:
ده أنا هركبك الخيل ده وهسفرك بيه على الهادي لجهنم الحمرة بس أنتِ ابقي وريني لسانك ساعتها. ثم صاح لحراسه مشيرًا إليها: البت دي ما تباتش في بيتهم النهاردة، عايزها هي واللي خلفوها تحت رجلي فاهمين؟ حركوا العربيات دي خلوها تشم نفسها قبل ما أقطعه لها. ما إن تحركت السيارات وتحررت سيارتها حتى استقلتها على الفور وقبل أن تغادر نظرت إليه قالت بقوة من نافذتها وهي تنظر بتحدي وقوة غريبة داخل عينيه:
إذا كان الله معنا فمن علينا. وأنا ما بخافش غير من ربنا وهو أماني وحصني وقوتي وهدعيه بكل نفس فيّ يوريني عجايب قدرته فيك وفي غرورك علشان تعرف إن في رب أقوى منك ومن نفوذك وهابص جوه عينيك وأنا باشم نفسي بالقوة وباقولك طظ فيك يا تافه يا ابن مامي.
غادرت بسيارتها ولم تكن تعلم أنها بتلك القوة ورغم أن داخلها كان مرتعبًا إلا أنها كانت تمتلك قوة عجيبة لأول مرة تكتشفها في شخصيتها فلأول مرة تتعرض لذاك الموقف الراهب لها ويبدو أن أيامها القادمة في تلك الجامعة ستكن مليئة بالمواقف الكثيرة وعليها أن تدرب شخصيتها على ردود الأفعال غير المتوقعة كي تستطيع التعامل مع مختلف الشخصيات النرجسية.
وصلت إلى منزلها بوجه متجهم لتستقبلها والدتها بالأحضان الحانية كالمعتاد منذ أن ذهبت إلى الجامعة ولكنها استشفت معالم الحزن على وجهها فسألتها بنبرة قلقة: مالك يا ليلى وشك متغير وباين عليكِ الزعل مش زي كل يوم، مالك يا حبيبتي؟ تنفست بضيق وقصت لوالدتها كل ما حدث لتشهق والدتها بقلق عارم مما استمعت إليه:
إزاي تقفي تواجهي موقف زي ده لوحدك يا ليلى، ليه ما كلمتنيش أو كلمتِ بابا كنا جينا لك فورًا بدل ما كنتِ عرضتِ نفسك للخطر، أنتِ غلطتي يا ليلى؟ هدأت والدتها وهي تربت على ظهرها:
يا ماما أنا هتعرض لمواقف كتير محتاجة إن أنا أسد فيها بنفسي، مش كل مرة يحصل معايا مشكلة أو حد يتعرض لي المفروض إن أنا أتصل عليكِ أو على بابا، المفروض إن أنا أعتمد على نفسي وأحل مشاكلي اللي بتواجهني علشان أقوي نفسي شوية بدل الخيبة اللي أنا فيها دي، وبعدين الموقف خلص أنا قلت له كلمتين وهو قال كلمتين وخلاص. هزت رأسها برفض تام لتسألها باهتمام:
مش كل المواقف اللي ما تتصليش بينا فيها، موقف زي اللي كنتِ فيه بين تلاتة رجالة، ما كنتيش تقفي معاهم في نفس المكان ممكن كانوا يعملوا فيكي حاجة أو يبهدلوكي وأنتِ لوحدك بينهم، وكمان عايزة أعرف اسم الولد ده، أنتِ بتقولي إنه معاه عربيات وحراس، فاكرة اسمه؟ طمأنت والدتها:
يا ماما إحنا كنا في جراج عمومي واقف فيه ناس حوالينا والكاميرات مالية المكان ما كناش لوحدنا، وأصلاً لو كنت هاقف معاهم لوحدنا في مكان عمري ما كنت هارد وكنت هاخرج على طول بس هم استفزوني بطريقة ما تتخيلهاش. وآه فاكرة اسمه كان بيقولوا بكبر كده: رسلان أحمد حمد شفيق. فكرت قليلًا في الاسم لينطق فاها بدهشة: رسلان أحمد شفيق ومعاه عربيات وحراس؟!
ثم أمسكت هاتفها وبحثت عن الاسم وما إن أتتها مؤشرات البحث حتى احمر ماء وجهها وهي تفتح صفحته وتأتي بصورته وتعرضها أمام ابنتها متسائلة إياها بقلق: هو ده زميلك في الجامعة اللي حصلت ما بينك وما بينه المشكلة يا ليلى؟ تعمقت بالنظر في الصورة جيدًا لتحرك رأسها بتأكيد مجيبة إياها بتعجب: أيوه هو يا ماما بس إزاي قدرتي تعرفي إن هو مع إن مؤشر البحث جايب كتير بنفس الاسم؟ تنفست والدتها بذعر بان على معالمها وهي تعاتبها بحدة خفيفة:
علشان ربطت الاسم بالعربيات والحراس وطلع زي ما أنا فكرت، الولد يبقى ابن وزير التربية والتعليم وحضرتك وقفتي قصاده الند بالند وهددك، مش كل المواقف يا ليلى لازم تبقي شجاعة فيها وتدافعي عن حقك. في مواقف الهروب فيها أفضل حل لحد ما تشوفي هتاخدي حقك إزاي. أنتِ غلطتي لازم عقلك يميز، لقيتي حراس واقفين على عربياته امشي يا بنتي وسيبي المكان واطلبي أوبر والعربية موجودة مش هيجرى لها حاجة أنا دلوقتي مش بقيت مطمنة خالص وربنا يستر.
تمتمت "ليلى" بذهول عقب استماعها لحديث والدتها وللعجب أنها شعرت بالخوف: ابن وزير معقولة! "أنا ليه خفت يا ماما لما أنتِ قلتي لي كده؟ مش عارفة حسيت إن قلبي مقبوض وخفت دلوقتي من تهديداته ليا، مع إني كنت مفكرة إنها فشخرة كذابة على الفاضي منه علشان يرسم نفسه قدامي إن هو قوي وما فيش حد زيه. هو ممكن يعمل لي حاجة يا مامي؟
حاولت والدتها رسم الهدوء إجبارًا عنها، ثم احتضنتها برعاية وهي تربت على ظهرها بحنو مطمئنة إياها، ولكن داخلها ليس مطمئنًا للغاية:
"ما تقلقيش يا بابا، أنا جنبك وبابا كمان هيبقى جنبك ومفيش حاجة تخليكي تخافي أبدًا طول ما إحنا عايشين. المهم عدي اليومين الجايين، ما تروحيش الجامعة، وبعدها عندك أسبوع رحلة شرم اللي منظمها اتحاد الطلبة. يمكن العشر أيام دول كفيلين إنهم يخلوه ينساكي ويعدي الموقف بسلام. ولو تعرض لك في أي مكان امشي وسيبيه، أو أي حد يتعرض لك امشي وسيب المكان فورًا، وحاولي تقفي في أماكن دايمًا مليانة ناس، وخلي بالك على نفسك وما تقلقيش."
يجلس الثلاث أصدقاء كالمعتاد في ذاك اليخت ليتحدث "زيد" عارضًا عليهم: "ما تجيب مراتك يا هاشم اللي أنت ما وديتهاش شهر عسل ولا خرجتها أي مكان وتيجي معايا رحلة شرم، وأنت كمان يا يحيى هات بنت خالتك تطلع الرحلة معانا وتنسى اللي حصل لها شوية. وكمان يمكن تلاقي فرصة إنك تقرب منها وترتبطوا ببعض بدل ما هي مقفلة في وشك كل الأبواب. إيه رأيكم ونتجمع كلنا هناك؟ بصراحة أنا محتاج الرحلة دي قوي واعتقد أنتوا كمان."
اختمرت الفكرة برأس "يحيى" وقرر تنفيذها ليطلب من "زيد": "تصدق فكرة حلوة، طب اعمل حسابنا أنا وهي. أنا هبلغ خالتو وهخليها تقنعها، وأنا يا قاتل يا مقتول معاها النهاردة وهتطلع الرحلة يعني هتطلعها معايا." أما "هاشم" هتف رافضًا: "لا يا عمنا أنا مش فاضي ولا ليا في الحوارات دي. أنت عارف الشغل عندنا ما ينفعش أن أنا أسيبه وأسافر أسبوع بحاله، فكك مني." لكزه "زيد" على كتفه ناهيًا إياه: "يا عم هاشم حرام عليك!
البنت اللي أنت متجوزها هتطفش منك بسبب شغلك اللي ما بيخلصش. هي ليها حق عليك برضه، اديها من وقتك شوية وما تنكدش علينا واطلع معانا الرحلة دي. إحنا كلنا محتاجينها، بطل قفش بقى كفاية اللي أمك وأخواتك عاملينه فيها وهي مستحملة ما بتتكلمش." شجعه "يحيي" هو الآخر:
"بصراحة هو عنده حق يا هاشم. إحنا كأصحابك بننصحك لوجه الله، لأنك بجد مش قادر تسيطر على الوضع عندك في البيت بسبب أمك وأخواتك، وكل إنسان وله طاقة. ولو طاقتها استنفذت بسبب عمايلهم هتضايق وهتزعل كتير، وأنت اتعودت على وجودها في حياتك، فمن الأفضل إن أنت تديها حبة اهتمام شوية أكتر من كده. أنت يومك كله شغل وتيجي تسهر معانا شوية وتروح تنام جنبها على السرير. بتفطر لوحدها وبتتغدى لوحدها. يا دوب بتجمعكم طقة العشا وبس. فيها إيه يعني لما تجيبها وتسافر الأسبوع ده؟
على الأقل كل ما تفكر في حاجة تضايقها تفتكر الأيام الحلوة اللي أنتوا قضيتوها مع بعض، وإن في نفس حلو وتغيير في حياتكم، فتتراجع إن ممكن يحصل تاني. أنا رأيي إن أنت كده غلط زي زيد قال بالضبط." نفخ "هاشم" بضيق وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعره المصفف بعناية، وقد ضاق به ذرعًا من حكواهم: "بتفكروني ليه يا جدعان بالنكد اللي أنا عايش فيه بسبب حوارات أمي ومراتي؟
ما أنا باجي أفك معاكم هنا بسبب شكواهم هم الاتنين من بعض. أنتوا السبب، أنا كنت قاعد في حالي ولا جواز ولا يحزنون، وحوارات الحريم دي كنت مكبر دماغي منها. أنتوا اللي خليتوني أدخل المعركة دي وأنا أصلاً مش ناقص وجع دماغ." رفع "زيد" حاجبه باستنكار:
"والله على أساس إن حضرتك سقناك من إيدك وديناك عند المأذون بالعافية، أنت كنت شاري يا عمنا وباصم بالعشرة كمان وكنت مستعجل على دخول العش من ساعة ما كتبت الكتاب. وبعدين هو أنت كنت هتترهبن يعني؟
ما دي سنة الحياة وأنت مجبر إن أنت تخلي بالك من مراتك وتراعيها، وبلاش شغل تكبير الدماغ بتاعك ده، واعمل حسابك هتطلع الرحلة يعني هتطلعها. تروح للغلبانة اللي أنت سايبها في البيت دي وتبلغها إن ميعادنا بعد بكرة 5 الفجر. على الأقل تحس إنها ست متجوزة ومسؤولة من راجل يا جدع مش من آلة." لكمه "هاشم" في كتفه لينهره: "هو إيه يا عمنا طريقة كلامك دي؟ هو أنا كنت مقصر معاها في إيه يعني؟
طلبات البيت وكل حاجة ببعتها لها لحد عندها معززة مكرمة. مش بخليها تتعب نفسها في شغل البيت، بجيب لها حد يساعدها كل أسبوع. موفر لها عيشة كريمة وكل طلباتها مجابة. أكتر من كده إيه يعني؟ ناقصها إيه علشان تطلعوني مذنب معاها ومقصر في حقها؟ أجابه "يحيى" بعمق:
"ناقصها أهم حاجة يا هاشم، ناقصها جوزها يبقى موجود معاها أكتر من كده. ناقصها حضن يطمنها كل لما تكون محتاجة لك وقت ضيقة من اللي أمك وأخواتك بيعملوا فيها. ناقصها أهم حاجة في الدنيا قلب يحتويها ويحن ويطبطب عليها. الحاجات دي بالنسبة للستات أهم من الفلوس والطلبات وكل حاجة. الست مستعدة تشتغل في بيتها وتراعيه بإيديها وتجيب طلباتها بنفسها بكل سعادة وراحة بال طالما الإنسان اللي معاها بيحتويها قلبًا وقالبًا. وأظن أنت فاهم قصدي إيه، لكن أنت بجد في عالم موازي خالص، ملكش غير متطلباتك الجسدية معاها وبس، وصدقني هييجي يوم وهتلاقيها نفرتك وأنت اللي وقتها هتتعب، فلازم تصلح علاقتك بيها من البداية كده قبل ما تعصى وقلبها يقسى."
أغمض جفنيه يفكر في حديثهم ونصائحهم له ويوزنها في عقله، وللأسف وجدهم محقين. ثم قام على الفور من مكانه تاركًا إياهم ليذهب إلى بيته فهي إن ضاعت منه لن يستطيع العيش بدونها فقد تعلق بوجودها معه للغاية.
كانت تجلس في شرفة منزلها، المكان المفضل لها، بجانبها "سماعة بلوتوث" يصدح منها صوت غنواها الحزينة التي تحبذ استماعها كثيرًا بعدما كانت لا تسمع غير الأغاني الرومانسية كأي فتاة. فمنذ أن تزوجت من عدة شهور وهي على تلك الحالة وحيدة، تجابه حرب مع حماتها وشقيقات زوجها بعقل إلى الآن. حرب فوق مستوى قدراتها ولم تستطع تحملها ولكنها إلى الآن صابرة.
كانت في منزل والدها تشعر بالأنس دومًا، فوالدها كان مهتم بوالدتها بشدة، كان مخصصًا لها وقتًا بعد الانتهاء من عمله وبالتحديد ساعة العصاري، يجلس معها ويتحدثون في أمور الحياة. كان يقف بجانبها في كل مشاكلهم كتفًا بكتف ولم يتركها وحدها. لقد تربت في منزل والدها على الألفة بينهم ولم تشعر بالوحدة ولا أصابها اكتئاب قبل ذلك في منزل والدها بسبب التآلف بينهم دومًا.
أما في ذاك المنزل الواسع تعيش وحدها طيلة الوقت ولم ترَ زوجها إلا وقتًا قليلًا جدًا من اليوم، مما جعلها تشعر باستنفاذ طاقتها للحياة يومًا عن يوم وإلى الآن لم تنطق. دلف إلى المنزل ينادي عليها حينما لم يراها على التخت في انتظاره ليلًا كالمعتاد: "حنين، أنتِ فين؟ استمع إلى صوت الموسيقى آتٍ من مكان الشرفة فذهب إليها، وجدها تستند على الأريكة مغمضة العينين ترتدي بيجامتها ذات اللون الرمادي ووجهها يبدو عليه الحزن.
جلس بنصف جسده بجانبها ثم خلل أصابع يديه بين خصلات شعرها بحنو مناديًا إياها: "حنين، بنادي عليكِ مش سامعة؟ إيه الأغنية واخداكي قوي كده لدرجة محستيش إني جيت؟ فتحت عينيها وأومأت برأسها وملامحها تنبض بالتساؤل قبل لسانها وهي تردد ببرود: "معلش أصل متعودتش تيجي بدري كده. تحب أجهز لك العشا قبل ما أنام ولا اتعشيت مع أصحابك؟ سألها باستغراب: "إيه ده أنتِ هتنامي بدري كده؟ أجابته بملل:
"آه كويس إنك جيت بدري علشان عايزة أجهز لك العشا وأنام مش قادرة أقعد." جلس أمامها ليبدأ كلامه هاتفًا بصوت أجش ثابت وعيناه تلتقط نظراتها المستكينة بخواء غريب وهو يشعر بانطفائها اليوم غير كل يوم وهو يحتضن وجنتيها بين كفي يديه: "مالك يا حنين؟ مش عوايدك الصمت التام والنفور اللي أنا شايفه في عينيكي ده النهاردة؟ أغمضت عينيها وهي تتململ بوجهها بين كفي يديه وكأنها تريد نزع يده من أسفل شعرها لتنطق بما أذهله:
"مفيش ده العادي بتاعي كل يوم من ساعة ما جيت المدفن ده، بس أنت النهاردة اللي مركز معايا شوية؟ "مدفن! أنتِ مسمية بيتك وعيشتك معايا بالمدفن؟! جملة استنكارية مغلفة بالذهول الشديد فلم يكن يتوقع ردها ذاك ليكمل هو بحدة خفيفة: "أنا بجد مصدوم من كلامك يا حنين. أنتِ مالك كده النهاردة ولا كالمعتاد هتشتكي لي من أمي وأخواتي أول ما تشوفيني؟ أجابته ببرود تام بكلمتين فقط: "مش هشتكي تاني متقلقش. عن إذنك."
كادت تسير لتتخطاه ولكن يده حالت دون ذلك فقبض على ذراعها بقوة يوقفها ناهيًا إياها بسيل من الغيظ تدفق بين حروفه لبرودها معه تلك الليلة وتجاهلها له وطريقتها ككل: "هو أنا مش بكلمك؟ أنتِ سايباني ورايحة فين؟ أنطبتي يا حنين معايا علشان شكلك كده ناوية على نكد بطريقتك دي وقلبة بوزك اللي ما لهاش لازمة." نزعت يده برفق لتستأذن منه بنفس طريقة التجاهل: "تمام واضح إنك اتعشيت يبقي مليش لازمة، أنا داخلة أنام عن إذنك."
لم تمهله أي فرصة للكلام ثم تركته ودلفت إلى غرفة نومهم وخلعت ردائها الأعلى وبقيت بتلك البلوزة الشفافة بأكتافها العارية وكادت أن تسحب الغطاء لتنام إلا أنه لحقها قبل أن ترتمي بجسدها على التخت وأدارها إليه بذراعين قويتين حتى ارتطمت بعظام صدره القوية ينظر إليها برغبة: "طب إيه أنتِ وحشاني قوي على فكرة ونفسي في حضنك."
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة تقاوم اقترابه منها ولم تنتبه لأي كلمة مما قالها، تلك الحرارة التي تسكن جسده من طريقته في مطالبته إياها ألهبت مشاعرها الفوضوية بمجرد أن شعرت بها أنفاسه... رائحة عطره...
للحظة شعرت أنها تستطيع ترجمة شعورها… أنها مطمئنة مغمورة العواطف بين مجروحة المشاعر من إهماله لها ونبذه وحتى نقده المستمر لها. مجروحة الكرامة لشعورها أنه مجبر على ذلك الزواج منها، يقضي فترات من الوقت معها فقط يريح وجعه الجسدي واحتياجه فقط لجسد أنثى يفرغ شحنة عواطفه الباردة داخلها.
حاولت جاهدة السيطرة على مشاعرها وإخماد ثورة مشاعرها في قربه فهي لم تعود حالها أن تكون على الهامش معه ولن ترضى بالفقير القليل الذي يعطيه لها من مشاعر هي تستحق أكثر من ذلك فنزعت يده برفق من على كتفيها معللة بما أغضبه: –معلش مش قادرة النهاردة تعبانة شوية ومش لازم كل يوم يعني.
حاول رسم الثبات أمامها ونسيان تجاهلها له ثم ابتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان ثم نظر إليها وقال بنفس الرغبة وهو ينظر إليها بنظرات اشتهاء لها تحفظها جيدًا: –بس أنا عايزك قوووي النهاردة أكتر من كل يوم. ثم رفع عينيه وهمس باسمها بصوت أجش وهو يقبلها من عينيها قبلة راغبة جعلت جسدها تفكك للغاية: –حنيني سبيلي نفسك وأنا أنسيكي التعب يا حبيبي لأني مش هسيبك النهاردة وأنتِ بالجمال ده كله، عايزك يعني عايزك.
تذوق دموع عينيها المالحة بين شفتيه وهو يقبل وجنتيها فذهل لذلك ثم نفخ بضيق: –الله بقى أنتِ في ايه بالظبط النهاردة بحايل فيكِ وأنتِ مصممة على النكد، بقرب منك وأنتِ بتبعدي هو أنا مش على مزاجك وهواكِ النهاردة يا هانم ولا ايه؟ وأكمل بنبرة ساخرة: –وبعدين تعبانة من ايه ما شغل البيت بجيب واحدة تساعدك فيه ومش بخليكِ تنزلي تجيبي طلبات ومستتك على الآخر علشان في آخر اليوم لما أجي أطلبك ما تقوليليش تعبانة.
انقلبت الدموع الصامتة إلى شهقات مكتومة أذهلته لتنطق بنبرة مملوءة بالحسرة وقد قررت إخراج ما تحمله في صدرها بعد أن استمعت إلى سخريته من حزنها: –والله! كل اللي أنت شايفه إن أنت مش على مزاجي ولا على هوايا؟! هو كل الاحتواء ليا إن أنت تخفف عني في البيت ومسؤولياته؟! للأسف أنا وقعت في فخ الراجل النرجسي الأناني اللي مبيشوفش في مراته غير إنها جسم يفرغ رغبته فيها، مبيشوفش إنها إنسانة بتحس وليها حقوق احتواء ليها أكتر من كده.
واسترسلت حديثها وهي تضع يدها على وجهها تشهق بشدة: –أنت أناني يا هاشم، أو بمعنى أصح أنت غلطة عمري في الاختيار إنك تكون شريك حياتي، أنا قرفت من عيشتي معاك ومن وجودي بين حيطان البيت ده اللي هتطبق على نفسي، زهقت وقربت أنطق الكلمة اللي مكنتش متوقعة إني هنطقها بالسهولة دي.
ما أن أنهت كلماتها التي أنهكت قواها فالتقطت أنفاسها بصعوبة، نهض ليقف أمامها يرمقها بدون أي تعبير وهو يسحبها من يدها ملقيًا إياها على التخت ثم هبط بجسده واستعلاها وقبض على ذراعيها ناطقًا بقسوة انتابته أثر كلماتها: –وأنا بقى هوريكي الأناني والنرجسي على أصوله يا حنين وهاخد حقي منك بمزاجك أو غصب عنك علشان تبقي ترمي كلامك اللي زي السم ده قدام جوزك يا متربية. جزت على أسنانها وصاحت به:
–ابعد عني لو عندك ذرة رجولة ومتاخدنيش غصب عني. ضغط بيده على ذراعها أكثر وهو يحدق بها بنظرات أرعبتها. لمحت تلك الإهانة تنحر كبريائه بين أغوار عينيه التي أصبحت أشد ظلمة وقسوة. ففتحت فمها تحاول التبرير بحروف مشتتة ونظرة عينيه تشعرها أنه ذئب يعج عويله نظراته لها كسهام نارية فخرج صوته هادئًا وكأن الكون يخلو من أي أصوات سواه وحادًا وكأنه شفرة لامعة بما جعلها ندمت:
–هوريكي الرجولة على حقها دلوقتي وهعيشك ليلة من أسود ليالي العمر، انتهى الكلام. قبل أن يقترب منها كالأسد الجائع وضعت كف يدها الصغيرة على صدره تتوسل إياه بعينين تلمع بالدموع: –بلاش يا هاشم، بلاش تخليني أعيش ليلة مقدرش أنساها، بلاش توحش نفسك أكتر من كده أنا بنساش الوجع والإهانة بسهولة. اظلمت نظرات عينيه أمامها وهو يرى ارتجاف جسدها أسفله ولكن…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!