الفصل 19 | من 20 فصل

رواية مشاعر موقدة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
21
كلمة
8,367
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

حقك عليا يا “زيد”. حقك على قلبي، حقك عليا في وجعك وقهرتك مني وبسببي. ابتلعت لعابها بمرارة لما تشاهده من كم الألم الذي يظهر بعينيه ويمتزج بصوته ونظرات عينيه الملامة. لينطق هو بوجع يملأ العالم بأكمله مما جعل لمعة الدمع تظهر في عينيها على حالته التي تنفطر لها القلوب. “عملتِ فيا كدة ليه يا “ليلى”؟ كسـ.ـرتي قلبي وشتتي روحي وسودتي الدنيا في عيوني أوووي ليه؟ وأكمل بعينيه تنطق ملامة قاسية وهو يستنكر أسفها. “وجاية تقولي آسفة؟

“هي للدرجة دي الكلمة دي في وجهة نظرك هتصلح اللي انكـ.ـسر جوايا منك؟ فركت كفيها معًا بتوتر بالغ وارتجفت قدميها بشعور غريب اجتاح جسـ.ـدها. ولم تعرف بما تجيبه. وها هي تستجمع قوتها وتجلس أمامه تتهرب من أسهم عينيه المتربصة لها. وتهمس بتعلثم وأسف. “حقك على قلبي يا “زيد” والله كان غصب عني. اضطريت أنا وبابي ومامي للخطوبة. مكانش في حل قدامنا علشان سمعتي وعلشان شكلي قدام قرايبنا أعمامي وأخوالي مبقاش البنت السيئة.”

واسترسلت بعينيها زائغة وهي تشعر بالقلق والتوتر الشديد من رد فعله. “وكمان علشان “رسلان” ملهوش ذنب إن باباه ومامته يتضرو وسمعتهم وشغلهم كان هيتدمروا. والله العظيم انت فاهم “رسلان” غلط وإنه سئ ووحش لكن هو…” لم يدعها تكمل ما قالت حتى دق على سطح المكتب بحدة أرعبتها وهدر بها بعينيه تنطق شراراً. وكاد قلبها أن يهوى بين قدميها من شدة غضبه واحمرار عينيه اللامعتين بنـ.ـيران لو اشتعلت تكاد تحـ.ـرق الأخضر واليابس.

“رسلان”؛ “رسلان”! وزفت إيه بقى يا شيخة إيه بقى؟ عملتِ في حسبتك ضرر الباشا وأهله وحوارات قرايبك وكل اللي حواليكِ وأنا ومشاعري واحساسي اللي بيمـ.ـوتوني بالبطئ بسببك مش في حساباتك يا هانم؟ ثم وضع القلم من بين أصابعه التي تتحرك أمامها بهوجاء وأنزل عينيه عنها وتمتم باقتضاب وهو يكمل لومها من قسوة مبرراتها.

“التمستي الأعذار لكل اللي حواليكِ وكلهم صعبوا عليكِ وخفتِ عليهم وعلى شغلهم ومنظرهم وحياتهم وأنا أولـ.ـع بجـ.ـاز ولا أروح أموت علشان أريحك مني ومن محاصرتي وتعيشي وتتجوزي الباشا ابن الباشا.” حركت رأسها برفض قاطع لما يقوله. ناظرته بعينين رافضتين للفهم الخاطئ وهمست برجاء مبطن.

“أرجوك يا “زيد” بلاش تعمل في نفسك كدة. أنا والله العظيم بنهار من جوايا ومش قادرة أشوفك كدة ولا قادرة أعيش حياتي ولا أنام ولا أكل ولا أشرب ولا أذاكر.” وأكملت بصوت مختنق من ذكره لسيرة الموت وهي تناهه بنبرة مرتعبه.

“بلاش كل شوية تقول أمـ.ـوت أنا والله العظيم ما هتحمل يجرى لك حاجة بسببي. أنا اعترفت لك بحبي وفي نفس الوقت قلت لك متستناش مني وعود أنا مش قدها. أنا مخدعتكش ولا وهمتك أنا كنت واضحة وصريحة جداً معاك علشان مش حابة أجرحك ولا أتعبك.” انتصب بهدوء وسار حتى أصبح على مقربة محدودة منها وتمتم بقسوة وهدوء. “لا برافو كلام مقنع يا “ليلى” هانم. إنتِ دايما الملاك اللي مش بيغلط ولا يدوس على حد.”

ثم تخلى عن هدوءه وهو ينحني أمامها ناظرًا بداخل عينيها. يتمتم بنفس القسوة التي اكتسبها قلبه وعقله من قسوتها عليه دومًا.

“هو انتِ كدة مجرحتنيش لما رحتي اتخطبتي له وهتلبسي دبلته في ايديكي وأنا بقالي سنتين بحاول معاكِ وبجري وراكِ وبعافر وغيرت الوحش اللي في حياتي كلها علشان خاطر عيونك لما تكوني قدامي أبص فيهم بقوة ونفس راضية اني عافرت واتغيرت علشان حبي وبدل ما أبص في عيونك وأنا مكسور من أخطائي أبص لهم وأنا متيم بغرامي اللي عافرت علشان أنوله؟ ثم تصنع الصمت والهدوء لعدة ثوانٍ يستوعب فيها أنها أصبحت لغيره وابتسم بجفاء متابعًا.

“جالك قلب تقعدي معاه وتتكلمي وتبتسمي وتدلي قهوة عاملاها بإيديكي إزاي يا “ليلي”؟ ثم ضـ.ـرب على سطح المكتب وأخيرًا تخلى عن نبرته الباردة والصوت الهادئ وهدر بها. “يكون في علمك إنتِ كده خاينة يا “ليلى” خاينة.” نظرت إليه باندهاش فأكمل بوجع يملأ العالم بأكمله.

“أيوه متبصليش كده وتستغربي من وصف الكلمة علشان ده احساسي ووجعي اللي انتِ وصلتيه لي من ارتباطك بغيري. كلمة بحبك اللي انتِ قلتيها لي لوحدها عهد بالبقاء وإن قلبك بقى ملك قلبي. نظرة عيونك اللي شفتها بدل المرة ألف وهي مغرمة بيا عهد ليا بإنهم ملكي ونظراتهم مخصصين ليا بس يعني هيخونوني لما تبصي له وتقعدي لوحدكم ويحق له يبص فيهم ويحب فيهم كمان ما هو لما هيصدق انتِ بقيتي خطيبته.”

ثم اقترب منها مرة أخرى بدون حسبان وهو يعتبر خارجًا عن الوعي وهو يجذب كف يدها المرتعشتين ويحتضنهم بين كفاي يديه بتملك مما جعلها ترتعب من اقترابه وهيئته وشعور الاختناق الذي أصابه. وأكمل.

“حتى ايدك دي اللي هيمسكها علشان يحط الرباط القوي اللي هيجمعك بيه ويحل له بعد كدة إنه يكلمك ويحب فيكِ ويقول لك الكلام اللي هيموت ويقوله ويوريكي الغرام اللي يشدك بيه ناحيته من حقي أنا يا “ليلى” من حقي علشان محدش يحسسك بإحساس لمسة الحب والدفا ورعشة الكفوف لما يسكنوا بعض غير لمستي أنا وقلبك ومشاعرك مش هيتهزوا لحد غير “زيد” يا “ليلى”.”

أخرجت حروف اسمه بتأنٍ ونعومة تستطيب حلاوتها بفمها وروحها قبل خروجها له. وكأنها تهمس له بعشقها الجارف له وتؤكد له صدق كلماته ككل مرة ودفاعها عن أبسط حقوقها به ألا وهو بأكمله. وخرجت الكلمات المبررة لكلماته من بين أسنانها برهبة من ردة فعله.

“زيد” انت فاهم غلط والله دي مجرد خطوبة بس وهو مش بيحبني ولا هيقول ولا هيعمل أي حاجة من اللي في بالك ولا في خيالك. مفيش بينا أي مشاعر ولا كلام من ده خالص والله العظيم. الحوار كله محتاج حبة صبر. شوية وقت وبعدها ربنا يعمل اللي فيه الخير. بس والله العظيم يا “زيد” أرجوك تهدى وتفهم اني مش بمشي أوزع مشاعر حب على كل واحد هيقول لي كلمتين حلوين. بس بردوا مش عايزة أديك وعد بأني ليك وأنا مش عارفة القدر ولا حكم ربنا في حياتي بس جيت أطمنك وأعتذر لك.”

مسح الآخر على خصلاته الفحمية وخرجت ضحكة متهكمة من شفتيه القويتين تبعها مستكملًا باقي آلامه الموجهة لها من فؤاده ليلوم قلبها الذي أحبه ولا يزال يحبه بل ولن يتوقف يومًا عن حبه. “صبر! بطلوا ده واسمعوا ده يا عالم.” وأكمل بصوت عالٍ هادرًا بها وقد فقد قدرته على تحمل حديثها أكثر من ذلك. “أكتر من كدة صبر؟ طب إزاي؟

أنا جريت وراكي شهور وسنين. عملت المستحيل علشان خاطر أثبت لك اني فعلاً أستحقك. بقى عايزاني أصبر والهانم رايحة جاية معاه وبيسيب لك عيونه الزرق وأصبر؟ عايزاني أتحمل وأصبر وانتِ على اسم غيري ومن حقه يكلمك في التليفون ويسهر مع حضرتك الليالي يتغزل في جمال الهانم وعيونها اللي دوبوه؟ “بأي حق وأي قلب عايزاني أصدق كلامك الأهبل ده. مختوم أنا على قفايا أو دق عصافير علشان معرفش إن البيه ابن الباشا بيحب الهانم.”

واستطرد نهره بنفس الحدة وهو يبتلع غصته بمرارة. “البيه اللي من أول ما بصيت ليه وهو قاعد قدامك في ثانية عرفت واكتشفت انه عاشق وولهان قدام الأميرة “ليلى”. أنا خبرة يا هانم وأفهم في الحوارات دي جامد.” وأكمل محذرًا إياها.

“وعايز أقول لك إنك مش هيقدر علشان إنتِ بتحبيني ومش بس كده انتِ بتتنفسيني يا “ليلى” بجري جوة عروقك. مشاعرك اتولدت على ايدي. مش هتقدري تشوفي راجل غيري ولا قلبك هيدق لراجل غيري. ولا لسانك هيعرف ينطق كلمة ‘بحبك’ غير ليا أنا بس. عايزة تتخطبي لي وتلبسي دبلته وتعلقيه بيكِ أكتر وانتِ مش هتقدري تديه حاجة متملكيهاش إزاي؟ عايزة تحطمي قلب كمان معاكِ ليه يا “ليلى” انطقي ليييييه ومشاعرك وقلبك واحساسك مكبلين بعشق “زيد”؟

اهربي يا “ليلى” قبل فوات الأوان وقبل ما تخسريني علشان مقبلهاش على رجولتي وكبريائي إني أكون على الرف أبداً. اهربي قبل ما تعلقيه بيكِ أكتر وانتِ قلبك مش في ايدك وكل حاجة وأي حاجة تغور في ستين داهية واختاريني مرة واحدة في حياتك يا “ليلى” في الوقت الضايع قبل ما أضيع وانتِ كمان هتضيعي وهو كمان هيضيع علشان انتِ بتحبيني أنا فاهمة بتحبيني أنا.”

لم تسعفها الحروف لتخرج لتوقف سيل طعناته الخبيرة التي تُغرس بمهارة بمضغتها الباكية. ولم ترأف بها الدموع لتهطل وتهدئ من ألم نيران كلماته الناشبة بصدرها. بل وجدت نفسها تستقبل قسوته وجفائه وغلظة حديثه بعينين شاخصتين به وملامح مقتضبة دون المزيد. وهو يعريها أمام نفسها لتنخرط في بكاء غزير وهي تتذكر وعد أبيها لهم. فهي ضعيفة لن تستطيع الصمود أمام كل تلك العواصف. لتنطق بما صدمه.

“مقدرش يا “زيد” غصب عني والله العظيم مقدرش. انت متتصورش الجيران حوالينا شكل ما يكون صدقوا. وعمتي اللي ما صدقت كلمت ماما وقالت لها هي دي بنتك المتربية بنت الناس تبقى على الملأ كده. بابا وماما بسبب اللي حصل معايا وبيتقال عليا موجوعين وبلغوهم انه قاري فتحتي والخطوبة كمان أسبوع. مينفعش ارمي كل ده ورا ضهري علشان حبة صبر منك.”

وأكملت بنحيب وهي تعترف له مرة أخرى دون الشعور بالذنب تجاه “رسلان” فخطوبتهم صورية وليس له عليها أي حق ودموعها الغزيرة تنهمر على وجنتيها. “أنا أضعف من إني أعمل كدة. أنا بحبك انت والله العظيم وانت عارف ومتأكد من ده. ارجوك اتحمل علشان خاطري طول عمرك معايا معطاء للحب والصبر بلا حدود.” تهدج صدره بألم وملامحه انقلبت ساخرة وهو يسألها. “بتراهنيني على صبري يا “ليلى” في اني اشوفك معاه عادي وأصبر؟

اشوف نظراته المغرمة بيكي واتحمل؟ اشاهد حفلة خطوبتكم العظيمة اللي الإعلان عنها مغرق السوشيال ميديا؟ اسكت عن كلام الناس وتعليقاتهم عن قصة الحب الأسطورية لابن الوزير وصديقته في الجامعة التي عشقها منذ أول لقاء بينهم ومنذ أن تلاقت أعينهم؟! وأكمل وهو يجز على أسنانه غاضبًا.

“قاسية أنتِ أووي، ومش أي قساوة. روحي يا شيخة ربنا يسامحك على قلبي ووجعي بس أنا مش مسامحك ولا دموعك دول أثروا فيا علشان أنا مصعبتش عليكِ. أو جايز محبتنيش كفاية لدرجة تخليكي تدافعي عن حبنا بكل قوتك. أو أنا ساذج لدرجة خلتني اصدق لآخر لحظة انك هتيجي تقولي لي خبر الخطوبة ده غلط.” تنفست بصعوبة وكأنه سحب جميع الأكسجين بالغرفة من حولهم. وتمتمت بعدم تصديق لما ردده الآن.

“يعني إيه يا “زيد” انت مش مسامحني. والله أنا بحبك انت وهو مفيش أي حاجة هتبقى ما بينه وبينه. افهم بقى أوضح أكتر من كدة إيه.” ثم نظرت داخل عينيه تستعطفه بكل ما أوتيت من قوة.

“أرجوك يا “زيد” اعذرني. أرجوك أنا مش قد اللوعة والحيرة ولا قدك ولا قد لومك ولا قد شوقك ولا أنا قد الحاجات دي كلها ولا حتى قد جرحك مني. أنا لسه في بداية المشاعر سنة أولى في الحب والعلاقات. يعني طفلة مشاعرها اتولدت على ايدك والطفل لا يلام وبيصبروا عليه وهو بيتعلم وبيطولوا بالهم كمان. أنا بترجاك.”

ما زال على نفس غضبه ليهدر بها ثانيًا دون مراعاة لدموعها. فقلبه يشتعل نـ.ـيراناً شديدة هوجاء لهيبها يحـ.ـرق روحه بشدة. وهو يضـ.ـرب بقبضتيه على المكتب أمامه وكأن تلك الحركة المصاحبة له منذ أن دلفت هي الوحيدة للتعبير عن وجعه.

“عايزاني اعمل كده إزاي وانتِ مخطوبة لواحد غيري ما بقاش من حقي افكر فيكِ ولا ابص عليكِ ولا حتى من بعيد ولا اني اشوفك في خيالي. شفتي وصلت بينا لدرجة إيه. عايزاني اصبر إزاي و أخلي قلبي يحبك وانتِ بقيتي لغيري. انتِ ما تعرفيش شرعي ربنا اللي انتِ علمتيه لتلميذك النبيه يا استاذة يا عظيمة أعملها إزاي دي ردي؟ تنفست بصعوبة وكأنه سحب جميع الأكسجين بالغرفة من حولهم. وتمتمت بوجع وهي تترجاه.

“طب انت بتزعق قوي وبتعلي صوتك وبتخوفني أكتر ليه كده حرام عليك بجد؟ مسح الآخر على خصلاته الفحمية وخرجت ضحكة متهكمة من شفتيه القويتين تبعها مستكملًا باقي آلامه الموجهة لها من فؤاده ليلوم قلبها الذي أحبه ولا يزال يحبه بل ولن يتوقف يومًا عن حبه. “الصوت العالي من واحد مجروح حبيبته بين ايديه بعد اعترافها بحبها ليه وهتروح لغيره بكل بساطة أقصى حاجة يقدر يعبر بيها عن وجعه.”

ثم أدار جسده للناحية الأخرى بعيدًا عن مرمى وجهها وهو يأمرها بالمغادرة. فليست جلستهم ذلك تؤتي ثمارًا نافعة فلا تسمن ولا تغني من جوع لوجعه وحل لمشكلتهم بل زادته حيرة وألمًا على آلامه.

“اتفضلي روحي شوفي حياتك وطلعيني بره حساباتك. ما تقلقيش مش هضايقك في أي مكان ولا هقف قصادك في أي حوار نهائي ولا هعمل لك مشاكل. أنا كبريائي وكرامتي ورجولتي عندي أهم من أي حاجة في الدنيا وأهم من إني أوطي نفسي وأذلها قدامك أكتر من كده وأنا ليا ربنا وأنا وقلبي هنعرف نطبطب على بعض ونداوي بعض بعيد عنك يا “ليلى”. مع السلامة.”

بعدما استمعت إلى كلماته اللائمة لها اهتزت مقلتاها ببسمة شاحبة ورجفة وصلت له وجعلته يشيح ببصره عنها بكبرياء حتى يظل على موقفه معها. مما جعله يفترس شفتيها المرتجفتين وتحمل وجعها وروحها المشـ.ـتعلة التي خابت ظنونها به. وتخطو نحو الباب دون حرف واحد. ولكنها توقفت قبل خروجها بعدة خطوات واستدارت ببطء كعجوزٍ كهلة. وأبصرته بنظرة مخيبة للآمال ونازفة للتوقعات. وهمست ضاغطة على حروفها.

“أنا بتوجع زيك بالظبط ويمكن أكتر كمان علشان أنا محطوطة في ظروف صعبة. بس الفرق بيني وبينك ان انت قوَّام عني هتقدر تتحمل وتصمد. أما أنا ربنا معايا.”

تابع خروجها بعينين حزينتين على ما وصلا له وقلبًا يتقلب على الجمر مكورًا قبضته بعنف راغبًا بلكم ذاته على ما اقترفه بحقها وما جعلها تعيشه الدقائق الماضية. ثم أسند رأسه على الكرسي مغمض العينين. تأبى دموعه أن تهبط على وجنتيه بكبرياء وداخله يتصارع معه بل يلومه ولكن دون صوت وهو يحدثه بعتاب صارخ.

“صَدَقُوكَ أيها الحب بأن عذابك أمر عذاب للمحبوب وكل الأحباب. آه قلبي المعذب، كيف نفرت حبيبتك، قسوت عليها، لم ترعى دموعها، ولم ترأف بها؟ كيف فعلت هذا بـ”ليلتك” “زيد”؛ كيف أدمعتها وكيف آلمتها حتى وإن آلمتك؟

كنت تمسك بيديها لا تتركها لحزنها فهي روحك وقلبك بل وأنفاسك. آه ربي على هذا العـ.ـذاب في ابتعاد “ليلى” عني وقربها من غيري ارحم قلبي يا الله من العـ.ـذاب فلترحم قلبي من ألم البعاد انه لإحساس موجع يدمي روحي وقلبي وكل كياني فلتغفري لي قسوتي عليكِ “ليلى” سامحيني وسامحي لساني على جُرحك الكبير حبيبتي.”

“أنا جايو لك علشان أخطب “نور” لـ”يحيى”. البنت تمت عدتها من بقى لها كذا شهر و”يحيى” بيحبها وعايزها وكفاية عليها تعب ومرمطة لحد كده من جوازتها الشوم اللي فاتت.” ابتلعت شقيقتها ريقها بعدم تصديق لما استمعت إليه لتسألها بتأكيد. “انت بتتكلمي بجد “يحيى” عايز يخطب “نور”؟ عقدت شقيقتها حاجبيها بتعجب لذهولها.

“اه مالها “نور” لما يخطبها “يحيى” ناقصها إيه علشان تتجوز وتحب وتتحب وتعيش حياتها من أول وجديد مع واحد يصونها ويحافظ عليها؟ ومش هتلاقي أحسن من “يحيى” ابن خالتها اللي مربيها على ايديه وهيقدر يحميها ويسعدها يا اختي وانتِ عارفة كده.” نطقت شقيقتها بحيرة وهي تحكي لها عم يؤلمها ويؤرق صدرها على صغيرتها.

“انتِ مش فاهماني يا ام “يحيى”. الموضوع مش زي ما انتِ ما متخيلة. الست البشعة حماتها ما بتبطلش مراقبة ليها في الرايحة والجاية وكل شوية يلقحوا عليها ويلسنوا بالكلام. وكمان سبب طلاقها اللي المتخلف جوزها داير يقولوا للناس انها كانت علاقة بابن خالتها. نقوم احنا بعد ما تنتهي عدتها على طول نخطبهم لبعض ونأكد كلام الناس وبنتي سيرتها تفضل لبانه في بقهم في الرايحة والجاية.”

حركت شقيقتها وجهها وعينيها تمشط المكان حولهم وهي تنهرها. “طب بس علشان البنت ما تخرجش على فجأة وتسمع كلامك الهايف ده. مصلحة بنتك ولا كلام الناس يا حبيبتي؟ احنا ولادنا عندنا أهم من أي حاجة ما يتكلموا ويغوروا في 60 داهية ويقول اللي هم عايزينه لينا ربنا هياخد لنا حقنا منهم تالت ومتلت.” وتابعت نصحها وهي ترشدها إلى الطريق الصحيح الذي يجب أن يفعلوه بعيدًا عن هراء الناس.

“وبعدين احنا مالنا ومالهم طالما البنت والولد مرتاحين لبعض وعايزين بعض والقرار بمحض إرادتهم. فـليه نقف في طريق سعادتهم علشان كلام الناس والهبل اللي انتِ بتقوليه ده. لا بجد عقليتك ما عجبتنيش في النقطة دي. انتِ متعلمة ودماغك واعية ومثقفة ومش معقول كلام الست المفترية دي هيخليكي تخافي لدرجة انك تخلي بنتك تدفن راسها في النعام وما تواجهش المجتمع العقيم ده وتحرم نفسها من أبسط حقوقها إنها تختار اللي قلبها حبه وارتاح معاه.”

تفهمت ما قالته بل وعته بشدة ولكن داخلها متخوف فسألتها بحيرة. “طب ما هي كانت قدامه السنين اللي فاتت دي كلها وراح خطب غيرها اتنين اشمعنا دلوقتي حبها وخد باله منها إلا إذا كان شفقة منه على بنت خالته ودور جدعنة وكدة بنتي هتخرج من تجربة صعبة تروح لتجربة أصعب إنها تعيش معاه وهو مش بيحبها.” واسترسلت حيرتها بتخوف على ابن شقيقتها أيضًا.

“وكمان “يحيى” ذنبه إيه إن هو يحط نفسه وحياته ومستقبله في جوازة وهو بيعتبرها زي اخته. إحنا كده بنظلم الطرفين وبنفكر غلط. انا وإنتِ بعيدًا عن كلام الناس وافتراءات الست البشعة دي افهميني يا اختي.” ابتسمت لها شقيقتها بود وهي تطمئنها بما حكاه لها “يحيى” عن اقترابهم وعلاقتهم العاطفية وشعورهم بالحب الشديد لكل منهم لدى الآخر.

“لا من الناحية دي اطمني خالص. هم الاتنين متفقين ومتفاهمين مع بعض ويا ستي اكتشفوا ان هم بيحبوا بعض وربنا ما أردلوش إن هو يتجوز واحدة من الاتنين اللي خطبهم وأراد لها إن هي تطلق من العرة اللي كانت متجوزاه علشان خاطر يعرفوا إن هم الاتنين بيحبوا بعض بس كانوا مستنيين الوجع يا حبة عيني هو اللي يخليهم يتقابلوا.” وأكملت بمحبة وود.

“وبعدين أنا مش هلاقي عروسة لـ”يحيى” ابني زي “نور”. أنا اللي مربياها واحنا الاتنين حافظين طباع بعض وبنرتاح جدًا مع بعض فمن الآخر تشيلي الخوف من قلبك وتبلغي باباها وتاخدي رأيه وتقنعيه كمان علشان نيجي نخطبها ويتجوزوا على طول. هو شقته جاهزة انتِ عارفة.” وظلت كلتاهن تتحدثان بود حقيقي والفرحة أخيرًا زارت بيت “نور الهدى” ووعدتها أنها ستقنع زوجها بالموضوع وأن تمامه سيكون في خلال خمس عشرة يوم بالكثير.

“هو انا كده اتأخرت على الحمل يا ماما. حماتي ما بقاش ليها شغلانة غير متأخرة في الحمل ليه بقى لك ست سبع شهور متجوزة وحالتك زي ما هي وانا ابني سليم وما فيهوش حاجة لازم تروحي تشوفي نفسك. وبتقول لي كلام يوجع قوي وانا مش فاهمة حاجة؟ رفعت والدتها حاجبيها باستنكار لما استمعت إليه من ابنتها وهي تلعنها بضيق شديد. “شفتي الولية العقربة وهي واثقة من ابنها قوي كده ليه؟

هي جت مغسلة وضامنة جنة. ما متسكتلهاش. قولي لها ما تدخليش اللي ما لكيش فيه. ولا قولي لجوزك يبعد كلام أمه السم ده عنك. هو لسه في حموات بالشكل ده؟ ما مرات اخوك قعدت سنتين عقبال ما حملت وربنا كرمها مفيش مرة جرحت شعورها ولا قلت لها ليه ومش ليه. حتى بعد ما عرفنا ان التأخير منها هي كنا مراعيين شعورها وما جرحنهاش.”

ذرفت عينيها دموع الوجع فهي لم تحكي لوالدتها عن ما تعاصره مع زوجها والمشاكل التي تحاوطها من كل صوب وحدب معه. فلقد ربتها أمها على عدم خروج سر بيتها ومشاكلها هي وزوجها مهما حدث. فهم سيتصافون في النهاية والأهل سيحملون في صدورهم البغض لبعضهم. ولكن والدتها فسرت دموعها بسبب كلام حماتها لها فشجعتها وهي تأخذها بين أحضانها وتردد على مسامعها ذاك الاقتراح.

“بصي انتِ ولا تقولي لها ولا تعيدي لها ولا تقولي لجوزك حاجة. هي أمه وملهوش ذنب في اللي بتقوله لك ولا يقدر يزعق لها ولا يقول لها حاجة. انتِ ترجعي تشتغلي تاني زي ما كنتِ بنت. تخرجي وتشوفي الناس وتجددي طاقتك. انتِ كنت بتشتغلي هنا ومش فاضية لا تسمعي لدي ولا لدي. قولي لجوزك انك عايزة ترجعي شغلك. انتِ كنتِ شغالة في وظيفة حلوة في البريد وانتِ قلتي إنهم طلبوكي تاني فروحي يا بنتي اشتغلي. وكده كده جوزك ما بيرجعش إلا بعد نص الليل من شغله ومن قعدته مع أصحابه وانتِ كنتِ بتروحي الشغل من 11:00 الصبح يعني بتصحي براحتك برده لحد أربعة العصر تيجي تشوفي شغل بيتك واللي وراكي وبتاخدي كمان يومين في الأسبوع إجازة تنضفي فيهم شقتك. الشغل أحسن ليكِ.”

مسحت دموع عينيها بلهفة وكأن اقتراح والدتها كطوق نجاة بالنسبة لها. فهي لم يأتِ ببالها تلك الفكرة التي نالت إعجابها بشدة لتهتف بحيرة. “بجد يا ماما يعني أنا ينفع أشتغل وأطلب من “هاشم” إنه يسيبني أرجع الشغل تاني تفتكري هيوافق ولا هيعمل لي فيها حوار؟ استغربت والدتها حيرتها لتشجعها أكثر.

“وايه اللي هيخليه يرفض طالما مش هتقصري معاه وانتِ هتطمنيه انك هتاخدي بالك منه ومن البيت وكده أفضل ليكم انتوا الاتنين. على الأقل الشغل هيغير طاقتك وهيخلي نفسك مفتوحة للحياة وترجعي بيتك ملهوفة للقعدة فيه وما تحسيش بالملل لحد ما ربنا يكرمك بالحمل وبعد كده لو لقيتي نفسك قادرة توفقي بين الحمل والبيت وبعد كده الولاد والشغل كملي لو مش قادرة خلاص عندك اللي يشغلك. فاتحيه و”هاشم” عقله كبير ومش هيمانع.”

وظلت تشجعها حتى ملأت الفكرة عقلها وغذته بشدة. وبعد أن انتهت جلستها مع والدتها عادت إلى منزلها بطاقة متجددة لاقتراح والدتها. ثم قررت أن تصنع عشاءً رومانسيًا له تفاجئه به وترتدي لباسًا يعجبه بشدة وأن تجعله يقضي ليلة تغمره بها من الحب والغرام كي تفاتحه فيما تريده وتستطيع السيطرة على عقله كي يوافق بكل سهولة. وتلك الطريقة التي تعجبه بشدة بل وتؤتي ثمارها معه. فهي تعلم أنه يعشق اقترابها ويعشق لهفتها عليه ومبادرتها باحتضانه وأن تكون بين يديه برغبتها الشديدة قبل رغبته.

بعد عدة ساعات قضتها بين المطبخ وترتيب المنزل وملئه برائحة العطور التي تبعث في النفس الراحة النفسية. ثم تنعمت بحمام دافئ وارتدت قميصًا باللون الأسود فداك اللون يجعلها جذابة للغاية. ونثرت من العطور التي يعشقها بسخاء عليها. وانتظرته ولم تمكث كثيرًا حتى استمعت إلى صوت المفتاح يعلن عن وصوله. فجرت سريعا كي تستقبله بالأحضان. وما أن وصلت إليه حتى نظر إلى هيئتها وعينيه تبرقان بلمعة الذهول من مظهرها المثير لرجولته ناهيك عن رائحتها التي عبئت صدره وجعلته يود سحبها لأحضانه الآن. ولكن فاجأته باحتضانها له واستقبالها الملكي له وهي تقبله من وجنتيه برقة.

“حمد لله على السلامة يا بيبي. نورت البيت وقبلهم قلبي يا هشومي.” قابلها بعناق حار مماثل لعناقها ناطقًا بصوت أجش ونبرة رجولية جانب أذنها وهو الآخر محتضنًا خصرها بتملك راق له. “الله إيه الاستقبال الملكي ده اللي ما حصلش من ساعة ما اتجوزنا ولا مرة. معقول اكون وحشتك لدرجة انك يا “حنين” هانم تقربي منك لنفسك وتبقي ملهوفة كده عليا مش مصدق نفسي والله؟

قبلته قبلة شغوفة بذاك المشهد الذي راق لها وهي ما زالت متعلقة بأحضانه. لتهمس له هي الأخرى بنعومة أثارته. “ايه رأيك في الاستقبال بذمتك ما عجبكش. أنا قلت أعمل تغيير في حياتي وحياتك وأفاجئك كل شوية بحاجة جديدة علشان أغير الروتين الممل اللي في حياتنا.” احتضن خصرها بكلتا يديه وهو يشدد عليه بقبضتين قويتين نظرًا لتأثره باقترابها المثير له. وهو يغمز لها بعينين تتآكلهما.

“عليا النعمة استقبال أحلى على الأحلى يا حنيني. كتري بقى من المفاجآت الحلوة دي علشان خاطر تلاقيني كل شوية مش عايز أبعد عنك وأسيب أصحابي والدنيا واللي فيها طالما القعدة هنا وياكي هتبقى بريحة السحر والجمال ده كله. بالراحة على هشومك يا حنون.”

تآكلت شفتيها بخجل من تلميحاته تلعثمت من كلماته وإيحاءاته ومراوغة حديثه. فقررت الانسحاب من أمام ذلك الساحر بطلته المهلكة وضحكاته المثيرة لقلبها المسكين. وهي تسحبه إلى الداخل بكفاي يديها الصغيرتين حينما وجدته سوف يسحبها لعالمه الخاص وتنتهي ليلتهم سريعًا ناهية إياه وهو يتحرك معها بإرادة مسلوبة.

“تعالى بقى أوريك العشا الجميل اللي أنا عاملاه لك بإيدي. عاملة لك أكتر حاجة انت بتحبها محشي ورق عنب وملوخية وبط حاجة كده آخر حلويات من إيد حنون. لسه الليلة طويلة يا روحي مش عايزين نبدأها وننهيها بدري كده. الليلة هتبقى على كيفي وهبسطك وهدلعك دلع مشفتهوش في حياتك.” أجابها بصوت هائم وقد أثارته بحركاتها الجريئة تلك وهو يجلس بجانبها ملتصقًا بها.

“شوفي أنا سايب لك نفسي خالص اعملي اللي على كيفك طالما هتبقى كل حاجة بالشقاوة والجمال ده فانا كلي ملكك من ايدك دي لإيدك دي وليذهب أصحابي إلى الجحيم طبعًا طالما الليلة البدر فيها منور قوي بالشكل ده لازم نقعد ونتريث ونتملى في جماله ونقول في أشعار كمان.” غمزت لها هي الأخرى بشقاوة وهي تبتسم له بدلال وبنظرة سحرته للغاية. “الله انت بتعرف تقول شعر يا “هاشم” لا بجد مش مصدقة.” داعب وجنتيها بسبابته وهو يغازلها.

“أنا لحد من دقيقتين اتنين ما كنتش أعرف بس قدام عيون وسحر وجمال ودلال “حنين” هانم لازم الحجر ينطق يا قمر الليل ونجومه وسماه وانتِ وأنا.” نطقت بصوتٍ هائم بنفس رعشة الشفاة مع ابتسامة سعادة ظاهرة داخل عينيها لكلماته الساحرة. “طب بقول لك إيه كفايه بقى يلا ناكل وبعدين نشرب عصير فريش ونقعد نتفرج على فيلم قديم محملاه. حابة ان احنا نقضي ليلة كلاسيكية رومانسية زي أفلام الأبيض والأسود إيه رأيك؟

هتف متعجلًا بلهفة لاقترابه منها وهو يغازلها بعينين راغبتين. “طب بذمتك هقدر أقعد جنب القمر ده إزاي ونتفرج على فيلم ساعتين وأنا ملهوف ومشتاق قوي كده لا مش هقدر صدقيني.” مطت شفتيها للأمام بحزن مصطنع ثم هتفت بدلال جعله يطيعها بعميان. “لا بقى أنا اللي هرتب الليلة دي هنعيشها إزاي على كيفي أنا مش على كيفك انت وفي الآخر نحكم مين فينا لياليه وترتيباته أحلى من التاني تمام نعتبره تحدي؟ غمز لها بعينين تتآكلهما.

“انت تأمر يا باشا البشوات خلاص نمشيها على مزاجك وطالما مزاجك بادئ رايق قوي كده تبقى نهايته حاجة فل الفل بإذن الله. قبلت التحدي وأنا عارف إن أنا اللي هخسر بس مش مشكلة طالما انتِ الكسبانة.”

ابتسمت له بنعومة ثم بدأ كلتاهما في تناول العشاء تحت سعادتها وسعادته. وهي تطعمه بيدها وهو الآخر يطعمها بيده لأول مرة بينهم. فكانت جلستهم ساحرة للغاية لكل منهما ما بين شقاوتها وإثارتها له وما بين همساته ولمساته التي يحاصرها بها كل وقت وحين.

مر الوقت بينهم سريعًا حتى قضيا عدة ساعات من الجمال والدلال لكليهما وانتهت بلقاء عاصف كان فيه قائدًا مغوارًا للغاية. كانت تستند برأسها على صدره وهو ينفث سيجاره كالمعتاد. ثم بدأت بالحديث عما تريده وهي تحسس على صدره بحنو كي تجعله يوافق على طلبها سريعًا دون غضب منه.

“المديرة بتاعتي في الشغل قبل ما اتجوز كلمتني وقالت لي ان هي عايزاني ارجع المكتب تاني وان مكاني لسه زي ما هو وما حدش قدر يسد فيه ولا عرف يعمل اللي انا بعمله. وانا بصراحة يا بيبي بحس بالملل طول النهار وانا قاعدة لوحدي ونفسي ارجع الشغل تاني علشان ما احسش ان حياتي فارغة ما بين التلفزيون والسرير وماما وحاسة باختناق رهيب. أرجوك توافق.” قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا. “شغل!

شغل إيه يا “حنين” اللي انتِ عايزة تخرجي له كل يوم وممكن كمان يخليكي تقصري معايا هنا في البيت وتقولي لي بقى تعبانة. عايزة أنام بدري علشان اروح الشغل بدري. أصل معلش واعذرني يا “هاشم” معلش الشغل كان مهلك النهاردة والحوارات دي أنا في غنى عنها خالص. أنا حابب وجودك هنا في البيت واني ارجع ألاقيكِ بكامل أناقتك وحيويتك زي النهاردة كده.” وأكمل بتبرير.

“انتِ وانتِ بنت ما كنتيش مسؤولة من بيت ولا في راجل مسؤول منك ولا الحوارات دي خالص؛ وبعدين أنا بسيبك تروحي لمامتك زي ما انتِ ما عايزة وساعات بتروحي لاخواتك وساعات بتخرجي تقابلي أصحابك يعني مش قافل عليكِ ولا كاتم حريتك لدرجة انك تشتغلي وانتِ متجوزة.” أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم.

“الحوار كله ان انا مش بروح لماما كل يوم وكمان بروح وقت بسيط وبرجع وانت يا “هاشم” بتخرج الصبح الشغل من الساعة عسوة وما بترجعش إلا علشان تتعشى وتستريح شوية صغننين وتخرج تاني. وانا طول الوقت ده ببقى لوحدي وببقى مخلصة كل اللي ورايا. والله العظيم بوعدك ان انت لو وافقت ان انا اروح الشغل مش هقصر في البيت خالص والليلة اللي انا عيشتها لك دي هعيشك أحسن منها مليون مرة طالما المود بتاعي متظبط.”

ثم قبلته من وجنته بنعومة وهي تتدلل عليه. “ارجوك توافق يا روحي وانا والله ان لقيت مني تقصير هقعد مني لنفسي بس بجد انا مخنوقة وصدقني انت هتنبسط اكتر بحياتي الجديدة دي بعد الشغل علشان مش هيبقى عندي الفراغ اللي يخليني اكتئب وانكد عليك وعليا.” ضيق نظرة عينيه ثم رمقها بنظرة حائرة لينطق بغيرة.

“الشغل ده كل يوم يعني هتقابلي ناس وهتلبسي وهتتشيكي ورجالة تشوفك وتتغزل فيكِ وحوارات تانية خالص. أنا هبقى مش مطمن لو حصلت لك وهبقى قلقان عليكِ ومش مستريح وخصوصًا انك بتتعاملي بعفوية مع أي حد. بلاش يا بابا حوار الشغل ده.” حزنت لرفضه ثم ابتعدت عن أحضانه وأولته ظهرها وهي تردد بحزن وصل له من نبرتها. “خلاص يا “هاشم” براحتك مش عايزة اروح ولادي شكرا.”

نفخ بضيق لحزنها ثم فكر سريعًا وهبط لمستواها واستلقى بجانبها محتضنًا ظهرها ليهمس لها بموافقة رغماً عنه.

“خلاص يا “حنين” ارجعي الشغل بس لبسك اللي احنا متفقين عليه ما يتغيرش. ما ينفعش تقصري معايا ولا في البيت. ما ينفعش تتكلمي مع أي راجل ايا كان وتقولي زميل عمل ما عنديش أنا الحوارات دي. تاخدي بالك من نفسك كويس وتحطيني دايما في اعتبارك إن أنا راجل غيرتي غشيمة جداً على أهل بيتي من أي موقف ومن أي حد. أنا وافقت علشان ما تزعليش ومش حابب خنقتك اللي انتِ بتتكلمي عنها وخصوصًا ان أنا فعلاً بتأخر برة كتير.”

انتفضت من مكانها بسعادة عارمة وهي تحتضن وجنتيه بعدم تصديق لقراره بالموافقة. “بجد يا “هاشم” وافقت بجد أنا مش مصدقة نفسي والله؟! اقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها. ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه ناطقًا بغرام.

“طب بذمتك بعد الليلة ولا ألف ليلة وليلة اللي أنا عيشتها النهاردة دي اقدر أرفض للقمر طلب. أبقى أنا راجل غشيم بقى وما بفهمش وبصراحة أنا شيف حلواني يعني بعرف أقدر الحلويات والجمال والجميلات بمهارة. وكل ما توريني كل ما هو جميل كل ما هتشوفي “هاشم” جديد خالص غير اللي انت تعرفيه يا حنون.” عضـ.ـت على شفتيها بدلال وغمزت له بشقاوة نالت إعجابه بشراهة لتنطق بسعادة.

“هو انت لسه شفت حاجة حلوة. ده انا من دلوقتي لحد الصبح هوريك اللي عمرك ما شفته يا روحي وطول ما انت باسطني ومفرحني طول ما انا ما هرفعك معايا للسما وأخليك آخر رواق يا عمري انت.”

قابلها بصدر رحب وهو يشعر باختلاف في علاقتهم اليوم بالتحديد منذ أن تزوجها. يا لها من ماكرة تلك الـ”حنين”. فقد لعبته بما يثيره وتجعله يلهث ورائها واستخدمت سلاح المكر الأنثوي كي توقعه في شباك مرماها واصطادته في الوقت المناسب كي تحصل على ما تريد بكل سهولة منها. والآن ابتدت “حنين” فك شفرات “هاشم” ومعرفة كيفية التعامل معه بعدما فقدت الأمل وكانت حزينة. فكل امرأة إذا عرفت مفاتيح زوجها واستطاعت الحصول عليها ودرستها بجدية سوف تهنئ. فـبيدها سعادتها وسعادة منزلها لا غيرها. فـحواء هي التي أخرجت آدم من الجنة وهي التي أقنعته بذلك وانتصرت “حنين” في ثاني معركة لها مع معذبها.

كان يجلس في ذاك اليخت ينتظر أصدقاءه “هاشم” و”يحيى”. فقد تحايلوا عليه اليوم كي يخرج معهم ويعود إلى جلستهم كي يخرج حاله من حالة الاكتئاب الشديد التي أصابته. فاليوم خطبة “ليلى” و”رسلان” وجميع الصفحات تعلن عن ذلك بكثرة. وكلما أمسك الهاتف وتصفح الفيسبوك والانستقرام يجد ذلك الخبر المميت له. يجلس ينتظرهم بقلب يشتعل نـ.ـيراناً شديدة وهو يتصفح الهاتف بإهمال حتى تصممت عيناه أمام ذاك البث المباشر من حفل خطوبة “ليلى”. قام من

مكانه وهو يلف حول نفسه بالهاتف ويشاهد البث بعينين تنفطر ألماً وغيرة. وهو يرى الجميع يبارك لهم ويرى ذاك الـ”رسلان” ينظر لها بتلك الحالمية والغرام. يقسم بداخله أن أحشاءه تكاد تتقـ.ـطع من شدة الغـ.ـضب والغيرة لما يراه. يود أن يكسر الهاتف أو أن يلقي بحاله داخل غيابات البحر وتغـ.ـرقه الأمواج وتلقي به بعيدًا حتى تهلك روحه دون أن يسبح ولا أن يرى ليلته تُطَوَّق بذاك الخاتم الملعون من غيره. وفرت الدمعة العزيزة من عينيه بقهر

شديد وهو يحدث حاله بصوت عالٍ جعل العامل باليخت والمبتعد عنه قليلًا يندهش من هيئته وصوته وغضبه.

“لا يا “ليلى” مستحيل ده يحصل مستحيل تكون لغيري. آه مش قادر أتحمل ولا قادر أتصور إن كل ده يحصل. عقابك شديد قوي يا رب. عقابك مش قادر أتحمله ولا أتصوره.”

ما زال يدور حول حاله بغضب عارم وهو يمسح على خصلات شعره بحدة والدمع الهاربة مازالت عالقة بوجنتيه تعلن عن خسارته في عشق “ليلى” بشدة. ثم ابتسم ساخرًا حينما شاهدها لم تعطيه يدها كي يلبسها الخاتم بحجة الحرام والحلال وجعل والدته هي من ألبسته لها. كان البث بالنسبة له كبث الموت حتى أتى “يحيى” مسرعًا حينما هاتفه العامل وأخبره بحالة صديقه وكان على وصول. وحينما رأى حالته تلك أصابه الحزن بشدة. ثم جذبه من يده وأجلسه على الأريكة الموجودة في اليخت وهو يحاول تهدئته.

“اهدأ يا صاحبي ما تعملش في نفسك كده. الحكاية كلها قسمة ونصيب. كفاية بقى عذاب لنفسك يا “زيد” كفاية حالتك صعبة جداً وكله بإرادة ربنا وقدره وهي مسيرة مش مخيرة وانت عارف كده كويس وهي شرحت لك الظروف. يمكن ربنا بيديك فرصة تعتبر نفسك ومشاعرك ويشوفك إذا كنت هترجع للي كنت فيه ولا لا ولا هتقدر تصمد والشيطان ما يغلبكش تاني. فكر فيها من ناحية تانية يا صاحبي علشان تهونها على نفسك.”

على صدره بنبضات مرتفعة تعلن عن عصيان قلبه عليه من شدة ألمه وحزنه ليبرر لصديقه وهو يقسم له بأيمان وعهود يثق منها ثقة عمياء. “اختبار ربنا صعب قوي يا “يحيى” مش قادر أتحمله والله العظيم ما قادر ولا متخيل ولا متصور إزاي هقدر أشوفها واحط عيني في عينها بعد كده؟ إزاي هقدر أهدي قلبي واقول له انها ليك وهو مش قادر يتحمل ان في غيري معاها؟

إحساس مميت صعب عمرك ما هتحس بيه علشان انت ما جربتوش قبل كده. والله العظيم أنا بحبها بجد والله العظيم عمري ما كنت هرجع للي كنت فيه وكل يمين كنت صادق معاها فيه، وكل وعد وعدته لها كان من قلبي وعمري ما كنت هخلفه بس ربنا مش رايد انها تكون ليا.” حاول “يحيى” رسم الابتسامة على وجهه جاهداً ببراعة كي يخرج صديقه من حالة الضيق الشديد التي انتابته لينطق بدعابة.

“يا عم إحساس مين ده أنا اتسابت مرتين وما عملتش في نفسي اللي انت عملته في نفسك ده. هونها على نفسك يا عم “زيد” دي مجرد خطوبة وأنا واثق ومتأكد إنها مش هتكمل طالما جات لك لحد المكتب واعترفت لك انها لسه بتحبك وانها انجبرت على حاجة زي دي وقالت لك اصبر. هدي غيرتك شوية واتحكم في المشاعر اللي ثايرة جواك وان شاء الله ربك رب قلوب وهيهونها.” نظر له بعينين حائرة وهو يسأله بتيهة.

“تفتكر هقدر أشوفها وأنا عارف إن هي معاه وما أحسش بالوجع تفتكر هقدر أتحمل “يحيى”؟ شجعه صديقه بمثابرة ليقوي عزيمته.

“لازم تقدر يا “زيد” انت طول عمرك قوي وطول عمرك محدش كسرَك وما تخليش أي حد يكسرك. انت عملت اللي عليك ودافعت عن حبك بكل شجاعة وقوة وىثبت لها بدل المرة ألف مرة إن إنت بتحبها وانك اتغيرت عشانها. الدور والباقي عليها هي. انت خلاص عملت اللي عليك يا صاحبي والكورة في ملعبها. لو هي بتحبك بجد وعايزاك بجد هترجع لك وهتكون لك. أما لو مشيت ورا مشاعرها وقدر “رسلان” ده يسحبها للعالم بتاعه يبقى تنسحب بكرامة يا صاحبي وتعرف إن هي ما حبتكش كفاية علشان تقاوم قصاد أي مشاعر تحارب حبها ليها. وربنا هيبعت لك الحب الحقيقي اللي هيقدرك ويختارك ويتعب عشانك.”

وأكمل نصحه وهو يربت على ظهره برجولة. “أنا طول عمري واخد عنك إنك قوي وعمرك ما ضعفت أبداً مش عايز أشوفك بالشكل ده تاني يا “زيد” أرجوك.” سأله “زيد” بحيرة وتطلع لما بعد. “طب أعملها إزاي أو أحارب الشعور المميت اللي جوايا ده إزاي لما أشوفها؟

“تجاهلها يا صاحبي اعمل نفسك مش شايفها. حسسها بكرامتك ورجولتك إنك مش هتتذلل لها. لما تلاقيها موجودة في مكان دور وشك الناحية التانية واعمل نفسك ما شفتهاش. خليها تحس إن إنت فعلاً هتضيع من إيديها عشان تخلص من مشكلتها دي وتجيلك. يا أما كده يا إما مع السلامة. هو اللي خلقها ما خلقش غيرها يعني….”

تلك الكلمات التي نطقها “يحيى” بنصح ونضج شديد بعدما مر بتجربتين مريرتين كانت ستؤدي بمستقبله ومشاعره إلى الجحيم. ولكن قوَّى حاله وخرج من تلك التجارب وهو يتعلم منها بأن نفسه عزيزة عليه ولها حق أن يكرمها لا أن يهينها. لينطق “زيد” بروح منهكة. “حاضر يا “يحيى” وده اللي لازم يحصل بعد كده.”

“أما يا بت اتعرفت على حتة واد إنما إيه يابت أوز موز حاجة فخامة مسافر الإمارات والواد عضلات طول بعرض والفلوس زي الرز وعنده شقة هنا في كومباوند في التجمع وحاجة كده آخر حلاوة ومنجهة. ثبته ووقعته غرامي واول ما يرجع من السفر هيجي يخطبني على طول واروح بقى أعيش في المجتمع الراقي وأسيبكم مع المجتمع البيئة.” هللت صديقتها بعدم تصديق وهي تنفث سيجارها أمامها هي الأخرى وكلتاهما تتنفس الدخان بشراهة.

“بجد يابت يا نوجا احكي يا بت اسمه إيه، ووقعتي عليه إزاي ده وهل يعرف ماضيكي الأسود المهبب ولا داخل على غفلة عين أمه.” سحبت نفسًا عميقًا تخرج الدخان من حلقها بتمرس شديد للتدخين وهي تنفي تمامًا ما قالت صديقتها.

“لا لا ماضي إيه وزفت إيه ده. عارف إن أنا ما بقومش من على المصلية. وبعدين يا اختي هو ماله ومال الماضي بتاعي. هو ملهوش علاقة غير بالوقت اللي عرفني فيه وبس. واسمه نادر يابت من الحارة التانية اللي جنبنا اصطدته من على الفيسبوك كان صديق عند واحد أنا أعرفه وشفت صورته ودخلت له وعملت نفسي البريئة العفيفة ووقعته ده ما أخدش في إيدي غلوة.” قهقهت صديقتها وهي تبارك لها.

“يادي الفرح والسرور بقى نوجا مكاتب هتستقيم وهتتجوز يا ناس. ده انت مدوباهم بعدد شعر راسك ورحتي كذا مرة عملتي عملية ترقيع. يلا يمكن ربنا يهديكى على ايديه.” ضحكت هي الأخرى لتنطق بسخرية. “ده أنا هتوب وهتوب طالما هسكن في المجتمع الراقي يا ربش انتِ وليلة، ليلة، عند العريس، ليلة، ليلة عند نادر دودو.” وظلت كلتاهما تضحكان بشدة وسخرية على ذاك الـ”نادر”. ويبدو أنه سيقع وقعة مهيبة للغاية. فل تصحبه عناية الله على ما سيرى. يتبع…..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...