الفصل 3 | من 20 فصل

رواية مشاعر موقدة الفصل الثالث 3 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
28
كلمة
7,376
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

اتسعت مقلتيها بذهول من استفساره لتردد لسانها تلقائياً: ــ نعم يا مستر! أنت ناديت لي من وسط زمايلي عشان تقول لي الهبل ده؟ صوت مميت ملأ المكان ونظرات الغضب حلت على ملامحه، عما ما ردده فاهها وقد غيمت نظراته المظلمة، وكأنها حقاً تخصه وبينهم ميثاق شرعي جعله يتحكم بها بهذه الدرجة: ــ هبل! والله الهبل اللي بجد إنك تقفي مع زميلك والمسافة القرب بينكم بالشكل ده يا أستاذة!

وبعدين من إمتى والست البرنسيسة بتقف مع زمايلها الشباب وبتسمح لهم يتكلموا معاها ويقربوا وميراعوش حدود المسافة؟ واسترسل حديثه الذي جعلها تنظر إليه بنظرات ذهول مما استمعت إليه الآن: ــ الكلام ده ما يحصلش تاني، فاهمة ولا مش فاهمة؟ وميحصلش في أي درس تاني، وإلا يا ليلى والله العظيم مش هتشوفي مني إلا وش ما تتمنيش تشوفيه.

نظراتها إليه وهو يتحدث حوت من الاستنكار والذهول كثيراً وكثيراً، وهي تحدث حالها أمامها في لحظات من الصمت بسبب فجأة كلماته وأوامره التي يلقيها عليها بدون وجه حق: ــ من أنت أيها الرجل كي تتحكم بي وتفرض سيطرتك وأوامرك المريضة على ليلى؟ حقاً أنت مريض أم مجنون، أم ترسم أوهاماً وخيالات في عقلك الواهي وتريد مني السمع والطاعة أيها الزيد النرجسي! ثم فاقت من ذهولها وقد قررت أن توقفه عند حده وأن لا تتركه وعقله المريض يتحكم بها:

ــ أنت ليه بتدي أوامر ليا أصلاً في خارج حدود مادتي اللي باخدها عندك؟ هو إنت ليك أقف مع مين أو ما أقفش مع مين، أو أكلم مين أو ما أكلمش مين! أنت معلش يعني مين أصلاً عشان تتحكم فيا؟ أنت مالكش صلة بيا ولا دعوة بأي حاجة بعملها. أنا ما اديتلكش الحق ده عشان تستخدمه معايا.

انتفضت أعينه بحدة وهو يطالع تلك ليلى التي تهتف بشراسة عن عدم صلته بها، ويكأنه لم يعترف لها عن إعجابه بها وأنه يريدها له ولم يفعلها مع أنثى قط قبلها، ليهدر بها بصوت غاضب ملأ المكان وهو يقترب منها ونظراته الحادة الأشبه بنظرات الصقر تكاد تخترق وجهها البريء: ــ انتِ ليه مش قادرة تفهمي إني بحبك واني عايزك!

ليه مصممة على العند يا ليلى ومش مراعية إني بغير عليكي واني مش حابب حد يبص لك بنفس نظرة زميلك اللي أنا فاهمها كويس قوي؟ أنا مش قادر أبعد عنك، مش قادر أبطل تفكير فيكي، مش قادر أشيلك من دماغي يا ستي. ما تدي لعلاقتنا فرصة، يمكن تحبيني زي ما بحبك وتشوفيني زي ما أنا ما شايفك. بطلي تشوفيني من الزاوية اللي انتِ حطاني فيها وما بتشوفيش غيرها. أجابته متهكمة بكلماتٍ خرجت من بين أسنانها بحدة، وهي لم تتأثر بأسبابه

ولا أن تضعها نصب عينيها: ــ وأنت ليه مش قادر تستوعب إن أنا لسة في تالتة ثانوي ومحتاجة تركيز في دراستي عشان أوصل لحلمي اللي أنا عايزاه؟ ليه عايز تخليني أنشغل عن مستقبلي اللي هو أهم من أهم مهم؟ ليه عايز تكسر براءتي وتخليني أنشغل معاك زي المراهقات اللي انت بتكلمهم كل يوم والتاني؟ وتابعت رفضها القاطع وهي تربع ساعديها أمام صدرها لتكمل بنظرات أنثى شامخة قوية:

ــ أنا ليا مستقبل وليا حلم وما فيش أي حد في الدنيا هيقدر يخليني استغنى عنه ولا حتى قلبي. وإذا كان على نظرات زميلي ليا أنا مش مسؤولة عنها، أنا واحدة واقفة محترمة بتتكلم مع زمايلها باحترام. أما النيات ربنا اللي هيحاسب عليها، وطالما ما بعملش حاجة تغضب ربنا يبقى أنا في السليم وكلام أي حد بعد كده ما يفرقش معايا.

فور أن ألقت كلماتها في وجهه، عبرت نظراته المختلفة معانيها عن غضبه ورفضه القاطع، ثم لاحظت تمدد ملامحه بضحكة هادئة ليهمس في مسامعها بصوت هدر وهو يقترب منها: ــ لاااا مستحيل اللعبة تمشي كدة! مستحيل اللي أنا أحبها واتعلق بيها هي اللي ترفضني بكل قوة! مستحيل بعد ما كل البنات والستات تتمنى إن زيد بس يبص لها ويعدي من جنبها وتيجي انتِ ترفضي حبي ليكي!

اعملي حسابك طالما زيد حبك يبقى انتِ لزيد وزيد ليكي وما فيش هروب يا ليلى. ومهما تحاولي تفرّي من حبي وتفرّي من احتياجي ليكي هتلاقيني في وشك دايماً لأن أنا من النوع اللي مش بيتنازل عن اللي هو عايزه بسهولة ولازم يوصل مهما كان التمن، واخدة بالك مهما كانت التمن. قطبت جبينها وهزت رأسها بعدم فهم لما يلقيه على مسامعها بتملك ليس له أي أحقية به، وتساءلت متعجبة وهي تنعته بالجنون:

ــ أنت أكيد مجنون أو إنسان مش طبيعي، كل حاجة عندك لازم تمشي على هواك ولازم اللي قدامك يخضع ليك، ولازم لما تطلب أي واحدة تبقى معاك. أنت أمرك غريب قوي! بقول لك مش حابة أكون معاك، ولا حابة إني أكون مع أي شخص دلوقتي، ولا حابة نوع العلاقات اللي زي دي خالص. شايلاها من حساباتي وأنا لا يمكن أسمح لك إنك تبني أوهام في دماغك وتجبرني إن أنا أمشي وراك فيها.

واستطردت برفض قاطع بشموخ أنثى تعتز بحالها وهي تحمل كتبها وتنتوي المغادرة وترك ذاك المكان لذاك الموهوم:

ــ وإذا كنت انت زيد اللي البنات بتجري وراه، فأنا ليلى المحمدي اللي مش شايفة ك غير انك المستر بتاعي وبس، ومتخلقش لسة اللي يجبرها على حاجة مش في دماغها ولا بتفتكرها من الأساس. وخليك مع اللي حواليك واللي يتمنوا نظرة منك لأني لا أنا أشبههم ولا هم يشبهوني. ليلى المحمدي واحدة بس ما لهاش مثيل. والتمن اللي انت بتتكلم عنه ما يخوفنيش، أنا مش بخاف غير من اللي خالقني لأن أنا ورايا أب غول مستعد يبلع اللي يقرب من وحيدته ليلى. عن إذنك.

لم يتحمل مغادرتها وهي رافضة لمشاعره بتلك الدرجة وذاك التصميم الذي يشعره بالضعف، وكلما أحس بأنه ضعيف تثور رجولته عليه ويزداد عناداً وتشبثاً بما يحتاجه ويريد أن يفوز به، وروح التحدي داخله تشعل حروباً ضارية عليه، فأمسك بذراعها على الفور كي يلحقها قبل أن تغادر المكان وهو يشدها ناحية الحائط بجنون وعقل غائب، ويحاوطها بجسده الطويل العريض كي لا تهرب. يقف أمامها كالسد المنيع وهو يضم حاجبيه وعبس وجهه ليصيح بها غاضباً:

ــ استني هنا أنا لسه ما خلصتش كلامي، وأوعاكي تتحركي من قدامي بعد كده قبل ما أخلص كلامي. ما تحاوليش تتجاهليني يا ليلى أبداً، وزي ما انتِ ليلى أنا زيد. ثم سأل مستفسراً بدهشة لما تفوهت به: ــ انتِ ليه متخيلة إنك لما ترتبطي بيا مش هخليكي تنجحي وهشغلك عن مستقبلك؟ هو أنا فاشل في وجهة نظرك قوووي كدة؟

انتِ أكيد شايفة أنا ناجح قد إيه ووصلت لمكانة في سن صغير ما فيش مدرس وصل لها قبل كدة. صاحب أكبر سنتر دروس على مستوى المنصورة وليا منصات بيدخلها آلاف الطلاب وبتزيد كل يوم عن اليوم اللي قبله. ثم حاول تهدئة نبرة صوته عندما رأى علامات الذعر على وجهها من محاوطته لها ليكمل بحنو كي يجعلها تهدأ وأن لا يمتلكها الرعب الشديد منه:

ــ يا ليلى أنا عمري ما هخليكِ تفشلي أبداً وعمري ما هعطلك عن نجاحك، بالعكس أنا هشجعك وهديكي خبرات أكتر وهوصلك لمكانة معايا من النجاح أكتر ما بتتمنيها، بس اديني فرصة واحدة تستوعبي فيها إن أنا بجد بحبك وعايزك في حياتي.

حاولت التململ من قبضة يديه المحيطة بها وهي تتحرك بعشوائية أمامه وتحاول الفكاك من حصاره، ولكنه أمامها يقف محاوطاً إياها وكأنه يديه قبضة من حديد كي لا ينتهي النقاش بينهم قبل أن يحصل منها على عهد ووعد بأنها وافقت أو حتى كونها ستفكر بمطلبه، لتصيح به بنظرات نارية وهي تلكزه بقبضة يديها الصغيرتين في عضلات صدره القوية: ــ ابعد عني وسيبني أمشي من هنا، أنت لا يمكن تكون إنسان عاقل! إزاي تحتجزني بالشكل ده وتقرب مني بالطريقة دي؟

لو مبعدتش عني أنا هبلغ عنك وهوديك في ستين داهية وهفضحك في كل مكان وهخلي سمعتك واسمك اللي انت بتتباهي بيهم في الأرض يا مستر. ثم على صوتها بصياحٍ عالٍ لكنه لم يهزه أمامها: ــ شيل إيدك اللي لمساني ومحاوطاني دي، مش من حقك تقرب مني ولا تلمسني مهما كانت أسبابك. أنا ما حدش يلمسني ولا يقرب مني إلا أبويا وأمي وزوجي مستقبلاً.

تهدجت أنفاسه بإرهاق لتشبث وعناد تلك ليلى، ومع كل كلمة تنطقها يزداد ولهاً وشغفاً بها، ثم ضرب بقبضة يديه الحائط خلفها ليصيح بغضب مماثل لها وهو يجز على أسنانه: ــ كفاية عناد بقى أنا تعبت معاكي، بقى لي أسبوع بكلمك وبحاول معاكي باللين وانتِ اللي في دماغك في دماغك. هو انتِ قلبك ده إيه! حجر، حديد!

المفروض إن أي بنت مكانك لو شافت حد بيحبها ومتعلق بيها بتحس وكمان بتبقى فرحانة إن حد بيحبها وخصوصاً لما يكون الحد ده مناسب ليها وكمان مستواه المادي والاجتماعي هيودوها في حتة تانية خالص. رفعت حاجبيها وتساءلت باستنكار: ــ المستوى المادي والاجتماعي! طب والمستوى الأخلاقي بالنسبة لحضرتك إيه؟

أولاً أنا مستوايا المادي والاجتماعي الحمد لله شبعانة جداً وبابا مش مخليني ناقصني حاجة أبداً، بلبس أحسن لبس، وباكل أحسن أكل، وعايشة أحلى عيشة وبيخرجني وبيفسحني ومش حارمني من أي حاجة من اللي بتحبها البنات اللي انت بتتكلم عنهم. ثانياً بقى أنا كـ ليلى يهمني المستوى الديني والأخلاقي فوق ما تتخيل. أنا ممكن أتجوز واحد في أوضة ويجمعني معاه الحب الحلال ويكون بيعرف ربنا كويس قوي بس أكون أنا أول واحدة في حياته وآخر واحدة، ولا

إني أتجوز واحد البنات حواليه زي الرز ويوم ما يفكر يتجوز مش هتعجبه واحدة لأن عينه فارغة. أول ما ياخد منها اللي هو عايزه ويعرف إنها مضمونة وموجودة قدامه على طول هيفكر في غيرها ويخونها بدل المرة ألف، وده لأنه ما عندوش مستوى أخلاقي يا مستر.

أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتحدث مترجياً إياها:

ــ صدقيني يا ليلى أنا عمري ما هخونك. ويوم ما هرتبط بيكي هلغي كل علاقاتي مع أي واحدة. أنا زيي زي أي شاب بيكلم بنات ونادراً ما لما تلاقي واحد عمره ما كلم بنت عشان ما توهميش نفسك. بس يوم ما هتوافقي بيا وتكوني ليا عمري ما هجرحك ولا هخونك. هبقى كتاب مفتوح قدامك وانتِ هتشوفي كدة بنفسك. الخاين بيبقى باين واللي بيعمل أي حاجة في السر والضلام مسيره بينكشف. ولو وقتها اكتشفتيني وعرفتِ إن أنا خنتك أو جرحتك أو ظلمتك، استغني عني وامشي من حياتي وصدقيني وقتها أنا مش هلومك وهديكي كامل حريتك.

دققت بالنظر داخل عيناه بترقب شديد لباقي كلماته، وبعد أن أنهى هرائه بالنسبة لها نطقت باستفسار: ــ وأنا ليه أفضل دايماً شاغلة بالي بالإنسان اللي معايا إذا كان بيخوني ولا لا! ليه أعيش دايماً في شك وظنون إن شريك حياتي له علاقة بحد غيري أو يعرف بنات غيري أو أنا بس لوحدي اللي كفيلة أملى عينه. واسترسلت حديثها بتعقل:

ــ الراجل آه ممكن يكون بيكلم بنات بس علاقات عابرة بتمر في حياته على الماشي كده، أما مش كل حياته ووقته الفاضي بيقضيه مع بنات ومكالمات في التليفون وبطريقة مقززة. ما تفكرش يا مستر إن أنا ما أعرفش عنك حاجة، بس أنا اللي ما ليش فيه ما بتدخلش فيه وبسمع من هنا وبفوت من هنا وكأني ما بسمعش حاجة. حضرتك ليك شهرة واسعة في علاقاتك مع البنات وطريقة كلامك معاهم، وما تفكرش إن انت بتكلمهم كلهم بيداروا على مشاعرهم وبيخبوا طريقة كلامك

معاهم. بالعكس في منهم كتير قوي هوائيين، شكلك بالضبط بيخرجوا مكالماتك معاهم على الملأ وبيتباهوا بيها كمان. ولعلمك انت هتشيل معاهم ذنب تجاهرهم بالمعصية. وفي الآخر عايزني أنا كبش الفداء لقلبك ده في أحلامك وفي خيالك المريض إن أنا أكون ليك.

اتسعت دائرة عينيه بذهول لما تفوهت به وهو ينفيه تماماً ويبرر أنهم يقومون بالادعاء الباطل عليه: ــ هو أي إشاعة تتقال قدامك تصدقيها! وأي بنت تافهة تقول أي كلام ليكي عني تصدقيها! انتِ كنتِ شفتي بعينيكي أو سمعتي بودانك عشان تحكمي، ولا انتِ عايزة شماعة تعلقي عليها أسباب رفضك ليا على الفاضي؟

ما أنا اتكلمت معاكي في الأول كذا مكالمة ما لقيتيش مني أي إساءة للأدب وياكِ. كل دول أعداء النجاح وكل دول عايزيني اتكلم معاهم وادخل معاهم في علاقات. ما ينفعش إن انت تحكمي عليا من مجرد كلام وخلاص. ابتسمت ساخرة لدفاعه الباطل ظناً منه بسذاجتها:

ــ أنا ما أتقارنش بحد. أول مكالمة ليك معايا لولا إن أنا وقفتك عند حدك كنت هتتكلم معايا بنفس الطريقة اللي انت بتتعامل بيها كل يوم مع كل البنات، بس أنا مش زي البنات وما تغرنييش المناظر ولا الكلمات المعسولة. ومهما فرشت لي الأرض ورد والسما نجوم والأحلام هيام وغرام مش هيأثر في رأيي، عشان أنا مش هوائية. ولو سمحت بقى كفايه لحد كده، أنا عايزة أمشي وبرده المكان ده أنا مش داخلاه تاني حتى لو هسقط في المادة دي أو مش هجيب فيها المجموع اللي أنا عايزاه. بس هكون احتفظت باحترامي لنفسي واحترامي لديني وربي ولأبويا اللي رباني ولأمي اللي تعبت عليا، ولا يمكن أخذلهم أبداً مهما كان.

كان يتشبع النظر في ملامحها القوية وهي تتحدث قوة وشموخ، وكلما نطقت حرفاً كلما ازداد احتياجاً لقربها. كلما رفضته كلما عانده قلبه بأنها وحدها له لا لغيره، وحينما نطقت عدم مجيئها إلى هنا، حينما دق قلبه بعنفٍ داخله بأنها ستبتعد وستتركه، وحتماً لم تره وجهها الذي بالنسبة له طاقة النور لضيائه، فهو قد أضاف يوماً زيادة لمجموعتهم خصيصاً لأجل رؤيا ليلى. ثم تراجع بخطواته وخفف قبضته المتمسكة بها ليترجاها:

ــ خلاص يا ليلى ما فيش داعي إنك تخسري مجموعتك ودرسك. أنا ما أرضالكيش الأذى أو إنك تنقصي درجة في المادة. ممكن الدرجة دي تكون سبب في إن حلمك اللي انت بتحلمي بيه يتراجع. اتفضلي احضري دروسك مع زمايلك وأنا أوعدك إن أنا مش هاجي ناحيتك تاني. قرر أن يستخدم معها هدنة محارب كي لا يجعلها تفلت من أمامه. كفى له أن يتشبع برؤية ملامحها الملائكية البريئة ولا أن يُحرم منها. ثم أذن لها بالخروج معتذراً لها بدهاء:

ــ وبعتذر لك لو صدر مني أي تصرف سيء أزعجك. وأتمنى لك التوفيق والنجاح. تعجبت من تغيره المفاجئ معها وصارت الأفكار تدور بمخيلتها وتعبث بثوابت التشبث بقراراتها، وقلبها البريء للعجب كان يدق بعنف داخل صدرها من اقترابه وشعورها بالدفء في نظرات عينيه أصابتها برجفة في جسدها. بل وخافت وغارت على قلبها من أن يخونها ويعشق خائن. أيعقل أنه عشقها لدرجة أنه اعتذر وندم كي لا يخسر تواجدها معه وأمام عينيها طيلة أربعة أيام من كل أسبوع؟

أيعقل أنه تعلق بها بالفعل ولم يكذب عليها ويوهمها بالعشق وأنه لا يريد إيقاعها في شباك مرماه الخادعة وأنه أراد ليلى بقلبها وروحها ودينها والتزامها، وأنه سيكسر الأسلاك الشائكة التي تضعها حول قلبها ومراهقتها؟

أسئلة واستفسارات كثيرة ومعادلة صعبة للغاية لم تستطع ليلى صاحبة حل أصعب المعادلات أن تحلها. فرَّت من أمامه وقلبها الضعيف الأخضر اليانع يكاد يقفز من بين ضلوعها بسبب اقترابه الشديد وعينيه صاحبتا السهم القوي سهم الهوى التي تعلقت بعينيها ولم تنسى نظراتهم أو لونهم، وجسدها المفكك من أثر حصاره السد المنيع وكأنه يريد بتلك الحركة أن يجعلها تشعر بأنه مدينتها وهي الساكن الوحيد داخلها. فرَّت بمشاعر موقدة داخلها ولكن فؤادها يحاول جاهداً إخماد نيرانها.

ليلاً وبالتحديد في الساعة الحادية عشرة مساءً في ليلة شتوية يجلس ذاك الهاشم يسمع صوت المطر ويشعر بلمسات الدفء من برودة أعصابه، ينتظر قدوم صديقيه “يحيي” و “زيد” وحيداً في ساعة شتوية ممطرة. ووحده الشتاء قادر على تعرية الجميع، وقادر على رسم الصورة الحقيقية لكل إنسان. هو فصل الحقيقة الخاوية من التزيين، فصل الحب الصادق أو الابتعاد الصادق. وعلى الرغم من سكون وهدوء ليالي الشتاء إلا أنها توقظ ضجيج القلوب وتدفعها نحو التجدد والتحدي.

كان يجلس في عوامته المغطى سطحها من الأعلى نظراً لجو الشتاء القارص وهي ترسى على شاطئ البحر، ينتظر قدوم أصدقائه كي يتحركوا بها مثل كل ليلة وأمامه النيران موقدة كي تعطي المكان دفئاً كي لا يشعروا ببرودة الجو. بعد قليل وصل يحيي وتبادل السلام مع هاشم ويليه زيد وعلامات الوجوم تصحب وجوههم الثلاثة باكتساح، ومن يراهم حقاً يُجزِم بأنهم مضروبون على رؤوسهم، وكأن الطير أكلهم.

تحركت العوامة وكل منهم يجلس على الأريكة ووجوههم للبحر وتمددت قدماهم على أريكة أمامهم، وصوت المذياع يصدح بأغنية: ما تفوتنيش أنا وحدي، ما تفوتنيش أنا وحدي ما تفوتنيش أنا وحدي أفضل أحايل فيكما تخليش الدنيا تلعب بيّ وبيك ما تفوتنيش أنا وحدي، ما تفوتنيش أنا وحدي ما تفوتنيش أنا وحدي أفضل أحايل فيكما تخليش الدنيا تلعب بيّ وبيك خلي شوية عليّ وخلي شوية عليك خلي شوية عليك، خلي شوية عليك خلي شوية عليّ وشوية عليك

وحياتك يا حبيبي، ريح قلبي معك وحياتك، وحياتك يا حبيبي، ريح قلبي معك غلب الحب معايا وتعبت وتعب الشوق وياك، وياك، وياك، وياك وحياتك، وحياتك، وحياتك يا حبيبي، ريح قلبي معك غلب الحب معايا وتعبت وتعب الشوق وياك، وياك، وياك، وياك. وكل منهم يمسك هاتفه يتصفحه بإهمال ويبدو أن الحزن يخيم على ملامحهم، حتى نطق “هاشم” أخيراً وهو متعجب لحالتهم وهو من ضمنهم نفس الملامح المنزعجة: ــ جرى إيه ياض منك ليه؟

هو انتوا الحداية كلت لسانكم قبل ما تيجوا ولا إيه؟ إيه وشوشكم المهببة دي ومناظركم اللي تقرف وتوجع الأعصاب؟ جبتولي اكتئاب أكتر ما أنا عندي؟ لم يتحدث زيد ويجيبه ببنت شفة، وتحدث “يحيي” بما يجيش في صدره من تعب وحيرة: ــ الدنيا مسويانا على الجنبين يا صاحبي وعاملة معانا الغلط وزيادة. هو إحنا ملناش نصيب نفرح ولا نعيش ولا نحب ولا نتحب ولا نطول من الدنيا نصيبنا الحلو؟ تنفس “هاشم” بضيق:

ــ طب وأنت اللي مضايقك يا يحيي ومخليك معصب نفسك قوووي كدة؟ ما غاروا في ستين داهية البنات على قفا مين يشيل وزي الرز بس النفس بس. ثم وجه باقي كلماته وهو ينظر إلى زيد المكتوم: ــ وأنت يا حضرة المستر الرايق ده، انت كل يوم تيجي الضحكة من الودن دي للودن دي ودماغك رايقة، مالك النهارده كأن حد ضربك عصايتين على بقك؟ ده إيه التجميعة بتاعتكم اللي ما يعلم بها إلا ربنا دي؟ مش كفاية اللي أنا فيه ياض منك ليه.

ثم اعتلى صوته للعامل المسؤول عن العوامة وهو يأمره: ــ بطل يا ابني الأغنية الرايقة دي ما تنفعش مع المعاتيه دول وشغل لنا كتاب حياتي يا عين ما شفت زيه، كتاب الفرح في سطرين والباقي كله عذاب، طالما الليلة قلبت نكد النهاردة. اعتلى صدر “زيد” بأنفاس عالية وهو يشعر بالاختناق ويريد أن يتحدث كي يخرج ما يحزنه لأصدقائه، فهم الوحيدون الذي يتعرى أمامهم:

ــ والله يا هاشم انت الوحيد فينا اللي مروق على دماغك وماشي بمبدأ لا أحب ولا أتحب ولا بنات ولا يحزنون وصنف الحريم بالنسبة لك على الهامش. أما إحنا كل واحد فينا فيه هم ما يتلم بسبب البنات وسنينها. سأله “يحيي” باستنكار: ــ على أساس إيه بقى البنات مدوخينك يا سي زيد؟ ما انت مقضيها كل يوم مع ثلاثة أربعة شكل. بتقارن نفسك بيا ليه وعايش حياتك؟

انت كمان كنت حبيت انت قبل كده ولا تعلقت بحد ولا جربت إن حد يسيبك عشان تقعد مهموم قوي كده وتتكلم ولا كأن حد قمَّر لك قفاك عيش. لوى شفتيه بامتعاض لينطق بلسان يشعر باللوعة: ــ بس يا أخويا الله يرضى عليك، أهو قركم عليا ده هو اللي جابني الأرض وخلاني طبيت على ملا وشي. وآه من اللي طبيت على ملا وشي بسببها مش معبراني وكرفالي ورفضاني ومهما عملت معاها واترجتها واتحايلت عليها إننا نبقى مع بعض. لا، وكمان إيه؟

قلت لها هخطبها مش همشي معاها زي كل البنات اللي أنا أعرفهم. وبعدها عينكم ما تشوف إلا النور، أدتني درس في الأخلاق ما أخدتهوش قبل كده في حياتي. والغريبة يا جدعان إن كل ما تتمرد عليا كل ما أتعلق بيها أكتر. وأنا دلوقتي بقيت حيران ومش عارف أعمل إيه؟ وهاين عليا أخطفها من أبوها وأمها وآخدها وأروح أي مكان وأخليها تحبني بالعافية. أنا قلبي واجعني قوي بطريقة ما تتخيلوهاش.

إلى هنا انصدم “يحيي” و “هاشم” مما استمعت إليه آذانهم ليردد “هاشم” بعدم تصديق: ــ إيه ده معقول المستر زيد حب التلميذة بتاعته ووقّعته على بوزه وهو مقطع السمكة وديلها مع البنات كلهم! oh no مش معقول اللي وداني سمعته ده. قول كلام غير ده يا جدع؟ وهتف “يحيى” هو الآخر بنفس نبرة “هاشم”:

ــ لا ما تقولش في واحدة من جنس حواء قدرت تحرك قلب الحجر الصوان اللي كان بيقول ما فيش واحدة أبداً في الدنيا تقدر تخلي قلبي يتحرك من مكانه ولا تخلي المستر زيد يبص لها، حتى وإن اتجوزت في يوم من الأيام هيبقى جواز عقلاني عشان الدنيا تمشي؟ لا لا لا لا أنا مش مصدق نفسي زي هاشم بالظبط. لم يتحمل “زيد” سخريتهم منه ومن مشاعره الجديدة كلياً عليه لينتفض من مكانه آمراً سائق العوامة:

ــ آه هفضل أنا بقى التريقة بتاعة القعدة كلها النهاردة. أنا مش هتحمل منكم كلام. كفاية اللي أنا فيه، ارجع يا اسطى على البر تاني مش مكمل الليلة دي عشان ما أرتكبش جريمة فيهم النهاردة، خلينا أصحاب أحسن. جذبه “يحيى” من يده وهو يحاول إرضاءه ليعود للجلوس مرة أخرى وتحدث “هاشم”: ــ جرى إيه يا “زيد” ما انت كل يوم بتهزر معانا وبتتريق علينا اشمعنا إحنا يعني هتقفش علينا!

اقعد يا عم أنا كمان مخنوق زيك بالظبط بسبب اللي حصل لي في محل الغربي وحاجة آخر عكننة والمود بتاعي من ساعتها مش متظبط خالص وحاسس إني عايز ألطش أي حد. جلس “زيد” مرة أخرى فهو في أشد الاحتياج للجلوس معهم كي يرفه عن نفسه مما حدث له اليوم مع “ليلى” ليسأله بقلق: ــ مالك انت كمان يا حضرة الشيف، إيه اللي حصل خلاك مخنوق قوي كده؟ إحنا بايننا حد دعى علينا بقلة راحة البال لدرجة إن إحنا التلاتة عايزين نرمي نفسنا في البحر ونستريح؟

أجابهم بصوت يخرج بصعوبة من حلقه وهو يحاول كظم غضبه رافضاً وهو يسرد لهم الموقف من أوله لآخره حتى انتهى بوصف تلك الـ”حنين”:

ــ وبعد ده كله تقعد تحط رجل على رجل وتكلمني من طراطيف مناخيرها وتقول لي هتشوف هتحل المشكلة إزاي. البنت عليها كمية كبر وغرور خلتني واقف في نص هدومي قدام العمال بتوعي. كنت عايز أرقعها قلمين على وشها وأشيلها كده أرميها برة المحل زي الفار المبلول لولا إن الواحد مسك أعصابه معاها كان زمانه خلى منها الحتة بقرش. وقررت إني أتحدها وعملت لها الأوردر بتاعها بنفسي بالرغم من إني بقالي كتير ما اشتغلتش إلا إنها طلعت مارد ساكن جوايا إني أخليها تتكتم وتسكت وتعرف إن الله حق. بس برده ما شفِّتش غليلي منها ونفسي أطوبق في زمارة رقبتها أفطسها خالص عشان منظري قدام عمالي.

ضحك “زيد” و”يحيى” كثيراً وأخيراً بعد الحزن الذي خيم على ملامحهم من تخيلهم للموقف، وبالتحديد مع “هاشم” الذي لم يتحمل مرور الذباب من أمام وجهه فقط فما باله بواحدةٍ تعالت عليه بتلك الدرجة، لينطق “زيد” بفكاهة: ــ بس قول لي يا “هاشم” حلوة المزة وتستاهل الكبر ولا وشها زي قفاها وما لهاش ملامح؟ قول لي بس قل لي؟ نطق “يحيي” معترضاً: ــ يا عم هو فيه إيه ولا إيه؟ ده انت فظيع بجد وعليك أسئلة تخنق. أجابهم “هاشم” ببرود:

ــ طب وأنا أعرف منين إذا كانت حلوة ولا وحشة؟ أنا الحاجات دي ما تفرقش معايا وما باخدش بالي منها أصلاً في المواقف الطبيعية فما بالك بواحدة خلتني مسخرة قدام عمالي. ما كنتش شايف ملامحها أصلاً، كنت شايف واحدة عايز أفعصها تحت رجلي وخلاص. ضرب “زيد” كفاً بكفٍ وهو ينعته بالبرود الزائد: ــ والله يا ابني انت هتجنني! يعني إيه ما تعرفش الحلوة من الوحشة؟ هو انت عايش على كوكب تاني!

وبعدين يا ابني الست دي جنس لطيف بيرطب على قلب الواحد إزاي؟ انت ما بتشوفهمش خالص ولا يفرقوا معاك؟ والله انت غريب يا جدع، انت بارد يا هاشم ما بتحسش. كاد أن يرد عليه إلا أنه استمع إلى إشعار يأتي على هاتفه ويبدو أن أحد زبائن المحل أشار إلى صفحة محلاتهم على فيسبوك وهو المسؤول عن الصفحة. فتح الهاتف ورأى المنشور وإذا به ينصدم، إذ كانت إشارة من تلك الـ”حنين” فذاك الوجه لن ينساه أبداً وهو يقرأ بصوت عالٍ اسمعهم

ما دونته لهم وصدمه للغاية:

ــ حابة إني أشكر محلات “سوتيس” للحلويات وأحب أقول لهم إن بجد شغلهم عظمة على عظمة وإنهم يستاهلوا فعلاً إن الناس ما تحبش إلا حاجتهم. مش عايزة أقول لكم يا بنات الحاجة بتاعتهم روعة وطعمها خطير ولا النضافة في حتة تانية خالص، وكمان المعاملة هناك من الكاست كله حاجة في منتهى الذوق والأخلاق. أنا سعيدة جداً إن أنا اتعاملت معاكم ومش هتبقى المعاملة الأخيرة. ميرسي جداً على حسن استضافتكم ليا وإنكم بتتعاملوا مع زباينكم بالذوق الراقي قوي. حنين عبدالرحمن.

حينما استمعوا إلى كلماته هتف “يحيى”: ــ الله! ما البنت محترمة أهي يا عم الشيف! آمال عمال تقول متكبرة ومغرورة. ده منزلة لكم بوست كله نجوم وبيلمع ذوق. انت على فكرة افتريت عليها ولازم تشكرها حالا على البوست ده، وطبعاً على العام وعلى الخاص ده من الذوق يعني. أما “زيد” فلم يشغله ذاك المنشور ولا الكلمات التي سمعها بقدر ما يشغله من تكون تلك الـ”حنين” ليطلب منه وهو يمد يده:

ــ هات كده التليفون ده أما أشوفها أنا وأعين المزة إذا كانت حلوة ولا لا. هات يا غشيم يمكن تكون من نصيبك وأمك تهدى عليك بدل ما هي روشاك ومطلعة البلا الأزرق على جتتك كل يوم وتيجي تقرفنا هنا. هات يا عم. ناوله الهاتف بإهمال، أخذه على عجالة وهو يفتح المنشور ثم منه على صفحة تلك الـ”حنين” ولم يُكذِّب خبر، فقد كانت تضع صورتها كصفحة للملف الشخصي لها، فتح الصورة وقام بتكبيرها وتمعن النظر بها وإذا به يطلق صفيرًا عاليًا:

ــ يخرب بيت دي مزة يا جدع! بقى دي تزعلها وتتبارد معاها وتقف تتغشم عليها قدام العمال بتوعك وتقول لك بم تقوم مطرشها الدم؟ ده انت عيل فصيل وغشيم. ده دي تخلي المحل بتاعك يقف لها على رجل من حلاوتها. ده إيه الرقة والجمال والحلاوة دي يا جدع. والله انت ما بتفهم. ثم تابع حديثه وهو يوجه شاشة الهاتف أمام “يحيى” ويسأله عن رأيه: ــ شوف كده ياض يا “هاشم” المزة عاملة إزاي؟ بذمتك الواد ده مش وش فقر؟

تمعن “يحيى” هو الآخر النظر في الصورة ثم وجه كلمات ساخرة لذاك الهاشم: ــ بصراحة كده يا هاشم البنت باين عليها رقيقة وراقية وبصراحة أكتر زي ما زيد ما بيقول انت غشيم يا جدع. نفخ هو الآخر بضيق شديد على هؤلاء الثنائي الذين نعتوه بقلة عدم الفهم ليجذب الهاتف من بين أيديهم وهو ينظر إلى الصورة هو الآخر لينطق بنبرة باردة:

ــ شايفها عادية يعني مش زي ما انتوا عمالين تمجدوا فيها. أنا يا جدعان ربنا خالقني كده ما ليش في صنف الحريم. أعمل إيه يعني؟ شايف إنهم مش هيكملوني بحاجة بل بالعكس هيزعجوني في حياتي. هيخلوني مرتبط بيهم وبمشاكلهم وبنكدهم طول الوقت. وأنا واحد بحب الحياة والفرفشة وما بحبش أحس إني مجبر على حاجة أو إني أعمل حاجة مش عايزها. هو الجواز بالعافية يعني عشان أمي تستريح وقلبها يطمن تخليني أعيش طول الوقت مقريف وقلقان.

سأله “زيد” بقلق حقيقي جعل “يحيى” ينهمر في الضحكات لغرابة السؤال: ــ اللي قول لي يا هاشم هي إيه أخبار هرمونات الرجولة عندك؟ انت راجل كده كامل ولا انت مش مظبوط ياض ولا إيه بالظبط؟ أصل مش معقول أي راجل ما بيحبش الجنس الناعم إلا إذا كان ما بيحسش وعنده نقص في مشاعر الرجولة للجنس الناعم. طمني عليك يا حبيب أخوك؟ ضحك “يحيى” بصوت عالٍ ملأ المكان على سؤال “زيد” مما جعل “هاشم” يضيق ذرعاً ويريد أن ينقض عليه كي يفتك

به وهو يجيبه بنفي لما قال: ــ والله المشاعر دي للي سايحين ونايحين على نفسهم زيك كده يا مستر. أما أنا راجل بعرف أتحكم في نفسي كويس ومش بتدلق على أي حد. مش مراهق أنا. وعديت مراحل المراهقة من زمان. أنا راجل لسه مش شايف نفسي عايز أتزوج. هو الجواز بالغصب يا جدعان؟

ظل الحوار مع ثلاثتهم إلى أن تنحى كل منهم جانباً كي ينفصل مع حاله كالمعتاد في ساعة الصمت الرهيب الذي يحبذه ثلاثتهم مع الطبيعة والجو. وقتها الصمت أبلغ من أي كلام وبالنسبة لهم راحة لأعصابهم ولأفواههم من الثرثرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. بعدما اختلى “هاشم” بحاله وهو يمسك هاتفه ووجد أصابعه تنطلق نحو صورتها وهو ينظر لها من جميع الأبعاد وقلبه يشير إلى عقله بتلك الكلمات الذي تدور داخله:

ــ شايفها عادية بس ليه ما أعملش زي ما هم ما بيقولوا وبينصحوني؟ أي عروسة والسلام عشان أخلي ماما تبطل كلام وأستريح من الزن في الموضوع ده. بس دي أهانتني جامد وتكبرت عليا وكمان اتكلمت معايا بطريقة كلها غرور. إزاي هقدر أتعامل معاها بعد كده كراجل ومراته! ويعود عقله يرشده من جديد: ــ بس هي اعتذرت وعلى العام كمان وشايف إنها بتقدم خطوة. السبت فيها إيه لما اتنازل شوية وبعد كده أطبعها بطبعي وبرده في الآخر الراجل اللي بيتنازل.

ثم يعود قلبه للتمرد عليه وهو ينهاه عن فعلته الشنيعة تلك: ــ بس إزاي ترتبط بواحدة وتعلقها بيك وانت مش قابل الجواز ولا راضي بيه؟ انت كده هتظلمها وهتظلم نفسك وحياتكم هتبقى كلها نكد في نكد. وده أصلاً سبب رفضك للجواز. ما تعملش كده في نفسك. أشار إليه عقله أن يتمهل وأن لا يستمع لتخاريف القلب وهو ينبهه:

ــ انت مسيرك في يوم من الأيام هتتجوز. وكون إن انت مستني الحب ممكن ما يجيش إلا بعد سنين وسنين ومش كل الجواز مبني على الحب. انت عاملها كويس وخلاص وكده الحل المناسب لجميع الأطراف. روح دلوقتي كلمها على الواتس واشكرها على البوست، لأن الذوق بيقول كده ومن هنا هيجي الكلام وبعد كده يحلها الحلال.

وانطلقت أصابعه سريعاً ناحية تطبيق الواتساب كي ينفذ حكم العقل ونحى القلب جانباً، ولكن فكر سريعاً بما يبدأ كلماته، ولكن قبل أن يفتح رقمها وجد صورتها على الحالة الخاصة بها فانطلقت أصابعه بفتحها دون تردد وإذا بها صورتها مع الحلوى صنيعة يديه والإبتسامة تعلو وجهها وتنظر إلى الحلوى نظرة تلمع لم يفهمها جيداً، ولكن تفهم أنها أحبت صنيعه، ثم راسلها:

ــ مساء الخير يا آنسة “حنين”. حابب أشكرك شكر خاص على المنشور بتاعك على Facebook لصفحتنا وعلى الكلام الجميل اللي اتقال في حقنا. ميرسي جداً ليكي والمحل تحت أمرك في أي وقت تطلبي منه اللي انتِ عايزاه وأنا بنفسي هباشر أوردراتك بعد كده، أو لو حابة تبعتيها لي على الخاص هنا ما فيش مشكلة. الزباين اللي زيك لازم يتعاملوا معاملة خاصة.

كانت “حنين” تجلس على تختها قبل أن يرسل لها رسالته، وحينما فتحت مشاهدات الحالة الخاصة بها وجدته من ضمن المشاهدين، وإذا بها تنصدم من رؤيته لحالتها بل وتفاعل عليها، وهي تفتح فاهها على وسعه من شدة ذهولها بأنه اهتم بحالتها لينطق لسانها بعدم تصديق، فهي منذ أن خرجت من أمامه قد وقعت في غرامه وصار ذاك الـ”هاشم” فتى الأحلام وفارسها الأول والأخير، وصارت عينيها تلمع وهي تفتح صورته الخاصة بل واحتفظت بها على

هاتفها وهي تتمعن النظر به: ــ معقولة إنه شاف الحالة واهتم بها واتفاعل عليها كمان؟ ده انت يا بت يا حنين ربنا بيحبك وشكلك كده صمتي وهتفقري على مارشميللو. يا لهوي على رجولته وجماله وطوله وعرضه والهيبة كده اللي باينة على ملامحه. أموت أنا والمز ده يبقى من نصيبي يا ناس.

وحينما كانت تتغزل به أعلن هاتفها عن وصول رسالة منه وكاد قلبها أن يتوقف بين ضلوعها من مفاجأته. يا الله هو بذاته يرسل لي على الخاص شاكراً إياي على ذاك المنشور الذي ظننت أنه لن يراه من كثرة المنشورات التي تشيد لهم بالانبهار لصنيعهم. لم تتوقع مكالمته ولا أنه سيهتم لأمرها، وهي كانت تفكر في كثير من السيناريوهات كيف تقابله مرة ثانية، وإذا به القدر يأتي به إليها على طبق من ذهب. ويا لها من صدفة، فالصدفة دوماً تكون أجمل من

الانتظار لأنها تكسر لدينا كل العقبات والأسئلة والترقبات، فقط لأنها تعطينا كل ما نريد أن نشعر به من جمال وصدق في ثوانٍ ويكون هذا كافٍ لكي نختار بشكل صحيح. فمن نجتمع معهم ونشعر بهم من خلال الصدفة هم أجمل الأقدار وأكثرهم عمقاً ويستحقون منا كل الحب والسعادة التي لا يمكن لها أن تنضب اتجاههم. وذاك عقلها أوهمها بتلك الكلمات، ولكن ما جعلها تتحير الآن أن الوقت متأخر في أن تفتح رسالته وتجيبه أم تنتظر للصباح كي لا يراها أنثى

لعوب تتحدث مع الشباب في وقت متأخر من الليل، وهي تسأل حالها بصوت عالٍ:

ــ طب يا ربي أرد عليه دلوقتي ولا أستنى للصبح ولا أعمل إيه؟ أنا قلبي هيقف من كتر دقاته ومن المفاجأة دي. دبرني يا رب أعمل إيه. خايفة ما أردش ويفكر إن ده تجاهل مني ويطفش، وخايفة أرد يقول عليا حد مش كويس وبردو يطفش. أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ وظلت على حالتها تلك حتى قررت أن.. يتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...