اعترف لها هو الآخر: ــ من يوم اللي حصل وأنا بحلم بيكي وصورتك وطيفك ما بيفارقوش خيالي. ما تبعديش، أنا حاسس إنك ملاك ربنا بعته لي علشان يعلمني حاجات كتير غايبة عني.
كان ينظر إليها بعيون تمتلئ غراماً، وكأنه يعرفها منذ زمنٍ بعيدٍ، وهو يمد يده كي تتمسك بكف يدها كالطفل الصغير الملهوف اشتياقاً لأحضان والدته. وللعجب أنها هي الأخرى مدت يدها له، ولكن الأيادي لم تتلامس، وكأنها تعلقت في الهواء. ليحاول الاقتراب من يدها كي يتمسك بها، وكلما يقترب كلما ابتعدت يدها. فعبث وجهه حزيناً ليسألها: ــ ليه بتبعدي ايدك يا ملاكي؟ قربي مني، شدي ايدي وخديني من الدنيا الوحشة دي. دنيتك أجمل يا ليلى.
حركت أصابع يديها وكأنها تداعبه من بعيد دون تلامس، وتمتمت بوجهٍ مبتسم: ــ مش دلوقتي. انت محتاج تستقيم أكتر، محتاج تشيل غمام الكبر والسلطة من على عينيك يا رسلان. ووقتها هكون ليك. صدقني، ليلى لما بتوعد بتوفي. بلل حلقه من كثرة عطشه إليها، ليترجاها بعينيه متلهفة:
ــ طول ما ايدك بعيدة عن ايدي مش هعرف أستقيم. قربيني منك وأنا أوعدك إنّي هستجيب ومش هرد أي محاولة منك لصلاحي. صدقيني، أنا من ساعة ما عيوننا اتقابلوا وأنا قلبي بيلومني على كل كلمة وحشة قلتهالك. سهم يا ليلى رشق في قلبي وقال لي: انت غلطت ومتضيعهاش. دي مش زيهم، دي ملاكك الحارس. تحركت بخطواتها إلى الخلف وهي تسحب يدها رويداً رويداً، وكأنها بتلك الحركة تسحب روحه معها. وهي تودعه مغادرة المكان:
ــ أنا لازم أمشي يا رسلان. ما ينفعش أقعد هنا كتير. فكر في كلامي. سيبك من الشقاوة والكبر واعرف يا سيدي إن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر. وأنا عايزاك في الدنيا وفي الجنة يا رسلان. أنا همشي بس سايبة معاك أمانة اللقا مرة تانية، بس هتكون اتغيرت للأحسن ووقتها بقيت إنسان تاني وأنا واثقة من كده. مع السلامة يا رسلان، خلي بالك من نفسك.
حرك رأسه رافضاً بفزع وهو يراها تتحرك من أمامه. وللعجب أن قدميه عاندته وتسمرت مكانها ولم يستطيع الحراك ولا أن يخطو خطوة واحدة كي يتمسك بها. وعبرت عينيه الدامعتين عن حالته وهو لا يملك سوى أن يردد بلسانٍ ما زال ملهوفاً وبشدة لتواجدها معه، وكأنها تسحب الأنفاس من صدره بخروجها من المكان. تلك كانت حالته الصعبة التي يقف مكتوف الأيدي يشعر بها وهو يناديها برجاء:
ــ لا يا ليلى، ما تسيبنيش. أنا من غيرك هضيع. أنا من غيرك هتوه. مليش مكان ولا عنوان. أنا من ساعة ما لقيتك وأنا اعتبرتك عنواني ومكاني. ما تمشيش يا ليلى، ارجعي تعالي. رسلان من غيرك هيضيع. ظل يهذي باسمها وهو يحرك رأسه وعينيه ما زالت مغمضتين، وعلى وجهه التعرق الشديد بفعل حركته وهو نائم على تخته. ثم استيقظ على صوت جده يحاول إفاقته: ــ اصحى يا رسلان، اصحى يا حبيبي، انت بتحلم. فوق يا رسلان.
استيقظ مفزوعاً من نومه، ويبدو الذعر الشديد على وجهه، ليجلس جده لأمه بجانبه آمراً إياه: ــ قبل ما أديك الميه تشرب، امسح على وشك بإيدك اليمين وسمي الله واستعيذ بالله من الشيطان الرجيم علشان يمشي بعيد عنك يا حبيبي. زي ما أنا معودك أول ما تصحى من النوم وبعد كده نتكلم. تنفس عالياً وهو يتذكر ذاك الحلم الغريب الذي زاره منذ قليل، وهو يمسح بيده اليمنى على وجهه ويردد ما قاله له جده مكملاً كما هو معتاد حينما يستيقظ من نومه:
ــ بسم الله الرحمن الرحيم. أصبحنا وأصبح الملك لله. اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين. ربت جده على ظهره بحنو، ثم ناوله كوب الماء. فأخذه رسلان وتجرعه بأكمله، فهو كان يشعر بالعطش الشديد وكأنه كان في مباراة ومبارزة شديدة في الحلم أدت إلى شعور حلقه بالجفاف الشديد. ثم سأله جده: ــ مش هنخلص من كوابيسك يا رسلان؟ أنا مش قايل لك قبل ما تنام تقرا السور اللي انت متعود عليها؟ كنت بتحلم بمين المرة دي؟
على صدره صعوداً وهبوطاً، وهو يتنفس بثقل وألم ممزوجين بالحيرة. ليقص على جده ما حدث بينهم وبين تلك الـ "ليلى" منذ يومين. ثم أكمل وهو يشعر بالذنب الكبير:
ــ بهدلتها جامد وهددتها تهديد شديد. وتقريباً البنت اترعبت مني يا جدو. وما جتش الجامعة بقى لها يومين. والحرس اللي بعتهم وراها بيقولوا إنها ما خرجتش من بيتها. ومن وقتها وأنا مش مستريح ولا عارف أنام ولا عارف أعمل أي حاجة. ولما جابوا لي تقرير عنها عرفت إنها ملتزمة جداً في الحضور من ساعة ما دخلت الجامعة وعمرها ما كانت بتتأخر على محاضرات. وتقريباً كده السبب مني لأني هددتها جامد.
برقت عيناي جده بحدة لما استمع إليه، ليلقي على مسامعه ذاك العتاب الأقرب للوم: ــ بقى ده الكلام اللي أنا كل يوم والتاني هسمعه لك يا رسلان؟ وأقول لك ما تستقواش على خلق الله بمنصب أبوك. أنا اللي مربيك مش أمك ولا أبوك. ومربيك على الأخلاق والاحترام. تقوم تستضعف على بنت!
ودي تاني مرة تعملها. وأنا حذرتك قبل كده. بلاش شغل إنك ابن وزير وتستقوى على خلق الله. وكمان انت عارف إنك من صغرك وهتحلم بكوابيس لو عملت حاجة غلط. ليه تعمل كده يا ابني؟ كانت عملت لك ايه يعني علشان تبهدلها كده قدام حراسك وتهددها وتسبب لها خوف ورعب هي وأهلها؟! وأكمل بأسى على حاله: ومش بعيد كمان يقعدوها من الجامعة اللي تعبت عشان تدخلها بمجهودها بسببك عشان خايفين عليها. انت غلطت يا رسلان وأنا ما ربتكش على كده.
كان يجلس أمام جده كالطفل الصغير الذي يعنفه بسبب خطأٍ كبيرٍ. وتلك حالتهم دوماً، فرسلان وجده حالة مختلفة من الاندماج. فهو يعتبر تربى على يديه في حين انشغال أمه وأبيه في عملهم ونجاحهم. وتركوا رسلان مع جده منذ الطفولة. كان مسؤولاً عنه وعن جميع سلوكه، فقد رباه على التواضع والأخلاق. ولكن تلك المرة التي تقابل فيها مع ليلى لم يكن في حالته المزاجية وحدث ما حدث. ليبرر لجده:
ــ انت عندك حق يا جدو، بس اليوم ده ماما كانت متخانقة معايا بسبب الحوارات اللي انت عارفها. وكنت خارج مخنوق بشكل فظيع. ولما رحت الجامعة، أصحابي اللي أنا بحبهم ومتعلق بيهم وانت عارفهم كويسين قد إيه كانوا خايفين يقربوا مني في اليوم ده بسبب اللي ماما عملته فيهم. وكمان حذرتهم ما يتكلموش معايا ولا يعرفوني. قال إيه خايفه على مصلحتي ومش عايزاني أصاحب أي حد. ومراقـ.ـبانـ.ـي. وتقريباً كده بتعد لي حتى الأنفاس اللي أنا بتنفسها.
واسترسل شكواه بنبرة بائسة: ــ أنا تعبت يا جدو. ولما خرجت لقيتها في وشي وكانت متعصبة وبترزع على عربيتي زي ما حكيت لك. رحت عامل فيها اللي أنا عملته وأنا والله العظيم كنت خارج عن شعوري ومش عارف أتصرف إزاي دلوقتي. ولما كنت هخلي الحراس يجيبوها لي، كنت عشان أعتذر لها عن اللي حصل مني. ترك جده جميع ما حكى ليسأله بنبرة حازمة: ــ سيبك من كل ده. هي مامتك عملت كده مع أصحابك زي ما انت ما بتقول؟ ولما ده حصل ما حكيتليش ليه؟
أنا مش قايل لك ما تخبيش حاجة عني يا رسلان؟ قلب عينيه بخوف ليجيب جده:
ــ المرة اللي فاتت انت وهي اتخانقتوا خناقة كبيرة بسببي يا جدو. وسبت البيت ومشيت. وكنت من غيرك عامل زي اليتيم. وما كانتش بترضى تخليني أروح الحارة اللي انت قاعد فيها. وأنا ما أقدرش أستغنى عنك. ولو كنت قلت لك كنت رحت اتخانقت معاها ومشيت زي المرة اللي فاتت بعد ما رجعت هنا بالعافية وخلاص. يا جدو أنا فهمت أصحابي على كل حاجة واتفقت معاهم يريحوا ماما في اللي هي عايزاه وما يبعدوش عني. وطمنتهم إنها مش هتأذيهم.
وأكمل راجياً إياه وهو يرتـ.ـمي في أحضان جده:
ــ بالله عليك يا جدي ما تروحش تقول لماما حاجة. أنا خلاص أصحابي رايح معاهم الغردقة كمان ساعتين. وكمان أنا بعد كده هيبقى ليا شخصية قدامها وهرفض أي حاجة هتفرضها عليا. أنا مش عايزها. وقلت لها إن أنا هركب مع أصحابي الباص ومش هروح بعربيات ولا حراسة. وبعد كده مش هكون ضعيف. وأي حاجة مش عايز اعملها هقول لها لا. زي ما انت ما اتفقت معايا. بس اطلع انت برة الحوار. أنا ما أعرفش أعيش في البيت الخنيق ده من غيرك.
وضع جده كف يداه علي كف يده الموضوعة فوق فخذه، ثم ربت عليها بحنو وأردف قائلاً بطمئنة له:
ــ ما تخافش يا حبيبي. أنا مش هسيبك تاني غير لما أحس إنك قويت وما بقتش تحتاج لي. معلش يا حبيبي، انت قدرك ونصيبك تطلع في الدنيا تلاقي أمك وأبوك أصحاب مناصب والدنيا لاهياهم عن كل حاجة حلوة غير إنهم يبقوا بالشكل اللي انت شايفه ده. يلا قوم صلي الفجر عشان تلحق رحلتك واستمتع وعيش كأنك شاب عادي مش ابن وزير. وهزر واضحك مع أصحابك. بس ما تنساش صلاتك يا رسلان والورد اليومي اللي انت متعود عليه علشان ما تزعلنيش منك. وما تنساش جدو تكلمني مرتين في اليوم على الأقل وتطمني عليك.
لانت ملامحه وشعر براحة اجتاحت روحه لحديث ذاك الجد الحنون الذي وصل لأعماقه وتوغل في روحه، وهو يوعده بابتسامة مشرقة: ــ حاضر يا جدو. انت عارف إلا صلاتي ما أخليها زي ما انت ما علمتني. بس في حاجة مهمة عايز أقول لك عليها وعايز استشارتك فيها؟ حرك جده رأسه للأمام مبادراً إياه أن يحكي، وهو يستمع إليه بصدرٍ رحب. ليكمل رسلان: ــ أنا عرفت إن اسمها من ضمن الأسماء اللي طالعة الرحلة. بس مش عارف هتيجي ولا هتخاف برده؟
طب هو أنا لو شفتها يا جدو أعمل إيه أو أتصرف إزاي؟ تنهد جده وأشار عليه باستجواد: ــ مش محتاجة كلام. تعتذر لها طبعاً عن اللي حصل منك وإنك غلطان بشدة. واعرف يا ابني دايماً إن الاعتذار من شيم الكرام. وإنك لما تعمل حاجة غلط وتعتذر عنها، انت كده مش بتقلل من قيمتك عند الناس. لا، إنت كده بترفع من قيمتك. وهي هتتقبل اعتذارك بإذن الله.
الاعتذار لغة النفوس الراقية التي تحترم ذاتها، ولا يكون إلا بطريقة ودية تعبر عن رقي وفهم المخطئ لخطأه، وحرصه على عدم خسارة من أخطأ بحقهم. *** ــ إيه يا بنتي؟ شايفك قفشة على حالك قوي. فكي يا ماما، إحنا طالعين نغير جو. سيبك بقى من حوارات البلد وأي حاجة تفكرك بالنكد. أنا عايزك تكوني مروقة دماغك خالص علشان تستمتعي بالمكان اللي إحنا رايحينه والصحبة وكل حاجة. وبإذن الله مش هترجعي يا نوري إلا وانتِ اسم على مسمى.
أومأت برأسها وملامحها تنبض بالتساؤل قبل لسانها، وهي تردد بلا مبالاة: ــ ما أنا مصيري أرجع للبلد وللماضي اللي محاصرني من نظرات الناس وكل حاجة حواليا. هترجعني للي كنت فيه يعني الأسبوع اللي أنا هبعده هو اللي هيغير الكون حواليا؟ استفزه برودها وحدتها، فراح ينتقد أول شيء يرفضه تماماً في ذلك المزيج الغريب من الهدوء والرقة والحدة: ــ انت إيه يا بنتي؟ عدوة الفرحة! عدوة البهجة، منبع النكد والقهر لنفسك!
يا ماما، ما كانتش أم جوازة راحت في ستين داهية هي وصاحبها. فكي حبيبتي، فكي يا نوري. واعملي حسابك مش عايز أسمع الكلام ده تاني. أنا عايز نور الشقية المبهجة اللي أول ما تشوف يحيى تبتسم وغمازاتها تبان وتقول له حمد لله على السلامة يا شقي. رفعت حاجبيها ساخرة باستنكار من كلامه لها:
ــ يا ابني، إحنا لسه بنقول يا هادي ولسه في الأول. وبعدين، هو أنا لسه شفت فرح ولا مرح ولا أي حاجة. حتى سيبني أعيش جو الهدوء النفسي اللي أنا فيه لحد لما نروح للهرج والمرج اللي انت تقصده. غمز لها حينما على صوتها بشغب وهي تهتف بنبرتها المستنكرة، وكأنها عادت إلى شراستها قليلاً في الحديث، ليتفاخر بحاله أمامها:
ــ خطير، أنا عارفني كويس جداً. أعرف أخليكي تطلعي من الهدوء وتضحكي وتغيري فكرتك ومودك المتنكدين. عشان تعرفي أنا مش أي حد برده يا نوري. ابتسمت مع كل كلمة كان يرددها، وعند كلمته الأخيرة تبدلت الابتسامة إلى مشاعر حقيقية خرجت من فمها تعبر عن ما في قلبها، مما جعل داخله يرجف بأسى عما فعله معها وأوصلها لتلك الحالة:
ــ انت فعلاً مش أي حد يا يحيى. وأنا عارفة كده من زمان. وحتى كمان أعرفك أكتر من نفسي ومن أي حد. بس بقيت أمنيات صعبة ومستحيلة بعد ما كان احتمال تحقيقها ولو عشرين في المية. صوته خرج متحشرجاً وهو يحاول التبرير، لكنه لا يملك شيئاً يقوله غير الاعتذار لجهله عن مشاعرها له:
ــ حقك عليا يا نور. حقك على قلبي عشان كان غشيم وما شافش طاقة النور والملاك اللي كان هيحاوطه في كل وقت. كان كل كلامك معايا ونظراتك بتقول إن إحنا ما ينفعش نبقى إخوات. بس أنا زي ما قلت لك قلبي كان غشيم، أعمى. بس خلاص، ما بقاش في حاجة تمنعنا إننا نكون لبعض. بس أنا سايبك تاخدي وقت كفاية تداوي فيه نفسك من اللي حصل لك. ردَّت بصوت يخرج بصعوبة من حلقها وهي تحاول إجبار عينيها على أن لا تدمع: ــ تفتكر ينفع!
أنا لحد امبارح أخته بعتت لي رسالة قذرة على الواتساب لما نزلت منشور على فيسبوك إني طالعة أغير جو في شرم وإني هرجع لشغلي تاني. وكل أصحابي ومن ضمنهم انت علقت لي تعليقات مشجعة. ومع إني عاملة لهم كلهم بلوك، إلا إنها وصلت لي. وممكن كمان تكون جابت رقم جديد مخصوص عشان تحـ.ـرق دـ.ـمي بيه. ويمكن يكون أخوها اللي مسلطها إنها تعمل كده. ولحد دلوقتي مش عايزين يسيبوني في حالي ومش مستوعب إن أنا أجبرته يطلقني ويبعد عني. وأكملت
بنفس لمعة الدمع في عينيها: ــ ده غير الرسايل القذرة اللي بتجيلي من أرقام ما أعرفهاش واتصالات برده من أرقام ما أعرفهاش. كأنه حالف يلاحقني في كل مكان عشان ما أنساش اللي عمله فيا وأفضل جوه قوقعة الحزن. تقريباً كده عايز يجيب لي عقدة ومرض نفسي. وخصوصاً لما ألاقي كلمة: "آخرك ابن خالتك الصايع اللي خنتي جوزك عشانه". تصور بقى المعاناة اللي انت بتطلب مني أطلع منها.
ابتلع غصة آلامه حينما وقع نظره عليها ولمح لمعة الدموع في عينيها، وكأن أحدهم غـ.ـرزه بسـ.ـكين حاد في قلبه. ثم سحب نفساً عميقاً وزفره على مهل وهو يحاول السيطرة على نيران صدره المولــ.ــعة من تلك الكلمات التي رددها فاهها، ليقسم أمامها بيمينِ واثق:
ــ طب وعهد الله يا نور، لما نرجع لازم نعمل خطوبتنا وأحـ.ـرق دـ.ـمه. ولازم أستخدم معاه أساليب رخيصة زي اللي بيستخدمها بالظبط عشان أجيب له هو عقدة في نفسه. طالما مصمم ما يبعدش عنك ولا هو ولا أهله. وإن ما كنتش أخليه عبرة لمن لا يعتبر، وبعيد عني خالص من غير ما حد يعرف من طريقي، ما بقاش أنا يحيى عشان يبقى يهرتل ويقل أدبه. واعملي حسابك أول ما ننزل من الباص الخط بتاعك ده هترميه وهنشتري خط غيره. أنا مش فاهم إحنا ليه مغيرناهوش أصلاً. ويبقى نبعت لخالتو رقمك الجديد ويبقى يشوف بقى هيبعت الرسايل القذرة دي فين بعد كدة.
ترجته بفزع أن لا يفعل هكذا وأن يبتعد عن طريق ذاك الوغد: ــ ارجوك بلاش تعمل حاجة يا يحيى. كفاية اللي كان هيجرى لك قبل كده بسببه. هو مسافر وبيحرك كل حاجة من مكانه وباعد نفسه عن المشاكل. أرجوك انت كمان ابعد عنه. أنا مش عايزة لك أي ضرر. وإذا كان على الخط هرميه. بلاش تقرب ناحيته، بلاش يا يحيى. طمأنها بهدوء وما زال مصمماً على قسمه:
ــ ما تخافيش يا نور. هو مش هيعرف إن أنا اللي هعمل حاجة. أنا هضرب من تحت الترابيزة زيه بالظبط. بس هخليه ينفخ وميلحقش يفتكرك من اللي أنا هعمله فيه. ويبقى يلاحق بقى على البلاوي اللي أنا هعملها له. بس اصبري عليا. وبعدين مش عايزك تخافي على طول كده ولا تقلقي. حرام بجد إنك تفضلي عايشة جوة دوامة الخوف والقلق دي. انتِ لسه صغيرة، مش كلامهم اللي هيدمرك. وأكمل بتحدي مصاحب للقوة، بعينيه تبرقان شراراً، وهو يردد
كلمته الحقيرة لها عنه: ــ أنا بقى هوريه الصياعة بحق. طالما هو شايف إن أنا صايع. تلاحقت أنفاسهم بوجع أليم من حالتهم، ولكن حاول هو تنظيم أنفاسه كي لا يجعلها تقلق وكي لا يعطيهم فرصة إفساد رحلتهم. فكل منهم يحتاج للآخر كي يعودوا إلى بلدتهم وهم متفقين على كل شيء، ويجبرها أن تترك الذكريات الأليمة التي تدق دوماً على قلبها كالمطارق.
الذكريات قاموس مليء بالمواقف والمشاعر وبالصور والأشخاص، فتمر بنا الذكريات منها السعيدة ومنها المؤلمة التي نتمنى لو لم تمر بنا. ولكن لا يوجد ذكريات سعيدة فقط، بل عقولنا تمتلئ بالذكريات المؤلمة التي تفقد حتى لذة اللحظات السعيدة. وها هي ذكريات الأمس مؤلمة بعد زواج اندفن بين سراب الخيانة ورحل إلى عالم آخر، وذكريات تعتصر القلب ويلتهب من جمرها. ***
وصلت الحافلات أخيراً إلى البلدة تحت إرهاق جميعهم. وبعد أن انتهوا من إتمام إجراءات دخول الفندق، اتفقوا على أن يرتاحوا عدة سويعات قليلة. فقد وصلوا في الساعة الواحدة ظهراً بعد ساعات كثيرة قضوها في السفر، على أن يجتمع بهم مشرفين الرحلة في الخامسة عصراً بعد أن ينالوا قسطاً من الراحة حتى لا يكونوا جاهدين ويشعروا بالمتعة.
كان هاشم حجزه مع حنين في غرفة واحدة، عدا الباقين. الفتيات في أدوار منفصلة عن الشباب، كل منهم في فلك آخر. في غرفة هاشم وحنين، بعد أن استقروا في غرفتهم، أطلق تحذيراً هاماً وهو يجلس بجانبها بتعالٍ على الأريكة الموجودة بالغرفة، وبالتحديد بجوار النافذة المطلة على البحر. وانطلق فاهه بتحذير: ــ لو سمحتي، مش عايز أي حد يحس بزعلنا مع بعض. نتعامل قدام الناس على إننا طبيعيين وإن مفيش مشكلة بينا.
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها التي تتلألأ جواهرها، ثم عاتبته بنبرة مملوءة بالحسرة: ــ طب ليه يا هاشم؟ خليتنا نسافر وتخليني ما أستمتعش بلحظة إنك أول مرة تخرجني. ده حتى شهر العسل ما رحناهوش. وفي الآخر هتفضل على خصامك وعنادك وهتخليني أكره اليوم اللي خرجت فيه من بيتي معاك. ما خلاص، ما كانوا كلمتين خرجوا مني وقت زهق. هتفضل تعاقبني عليهم حتى في الأوقات اللي انت مخرجني أتنفّس فيها.
ــ للأسف يا حنين، أنا من النوع اللي ما بصفاش بسهولة وما بنساش الإهانة زيك بسهولة. مش دي كانت كلمتك ليا برده وقتها؟ قالها بصوته العميق وبنبرة جافة كأنها صفعة لقلبها المسكين، لتعقب هي عليها بحزن وهي تومئ برأسها للأسفل وعلامات الندم تغزو وجهها:
ــ إحنا ياما هيحصل بينا مواقف. ياما انت هتقول كلام مش هيعجبني وياما أنا هقول كلام مش هيعجبك. كل إنسان منا في ساعة الغضب والزعل من اللي قدامه بيقول حاجات ويرجع يندم عليها وبيعمل أفعال ما بيقدرش يسيطر على نفسه وقتها. وساعتها ما بيبقاش نهاية الكون. فلازم تبلع لي كل حاجة تصدر مني في الوقت ده. وأنا كمان برده أبلع لك أي تصرف يصدر منك في وقت غضب علشان نقدر نكمل مع بعض. يعني بمعنى أصح، مش هنقف لبعض على الواحدة يا هاشم.
وأكملت وهي ترفع رأسها وتلتفت ناحية النافذة: ــ هي الست بتتجوز راجل أكبر منها في العمر ليه؟ علشان هو اللي يحتويها وقت الزعل وهو اللي دايماً يخلي قلبه كبير ويفوت لها حاجات كتير علشان هو أعقل منها وأكبر منها وهو صاحب القوامة اللي ربنا أدهاله. فكرة إن الراجل يأدب مراته بالهجر والخصام اللي ربنا قال عنهم ما اتقالتش عشان كلمة خرجت وقت غضب الست. لا، اتقالت عشان تتنفذ في مواقف شديدة. أرجوك يا هاشم، ياريت تحتويني أكتر من كده.
عقد حاجبيه بعدم راحة لحالتهم، ثم قال معقباً على رأيها وقرر أن لا يشد حبال الخصام بقوة حتى لا ينقطع، ويذوب في العناد. ثم هدأ من نبرة صوته الجافة وتحدث إليها بنبرة حنونة ولكن بها بعض الكبرياء:
ــ تمام يا حنين، طالما اعترفتي بغلطك أنا مش هعاند. خلينا نستمتع برحلتنا مع بعض. وأوعدك يا ستي إني هحاول أغير من نفسي وأفضي من وقتي في الشغل كتير ونخرج في الوقت اللي انتِ حابة تروّحي عن نفسك فيه. بس على ما أتعود على الحياة الجديدة ما بينا، ما تقفشيش على أي حاجة. ومش لما أرجع من الشغل
وأول ما تشوفيني تقولي لي: "أمك عملت وأختك سوت". أنا برده مش عايز مشاكل معاهم ولا عايز نبقى دايماً في حـ.ـرب. عايز أرجع بيتي ألاقي السكون والهدوء ومراتي مستنياني بابتسامة.
ابتسمت براحة توغلت أعماقها وهم على مشارف الصلح بعد الهجر. ثم تأبطت ذراعيه وهي تتمسك بهم بشدة وتنام على كتفه ساكنة بالقرب من أحضانه. ودقات قلبها أعلنت الطبول. وما كان منه إلا أنه رفع يديه محتضناً إياها بحركة أذابت كليهما. فالاقتراب بعد الخصام له لذة مختلفة. يبدأ هادئاً وينتهي بعاصفة مشاعر موقدة جياشة لكلا الحبيبين. لتتمسك بأحضانه بإحدى يديها واليد الأخرى تتوسد صدره العريض وتحركها بعشوائية. حركت ساكن ذاك الهاشم وهي تتمنى الآن فقط القليل من الأشياء التي تسعدها معه بعدما ظنت
أن كثيرها يسبب السعادة: ــ ياه يا هاشم، لو نبعد عن العالم كله والمشاكل ونبقى أنا وانت في مكان لوحدنا. حتى ولو بيت صغير بسيط على قد إمكانياته. بس أنا وانت عايشين فيه براحة بال بعيد عن أي ناس يخلونا نزعل من بعض وبعيد عن أي حوارات يخلونا نبعد عن بعض. دي بقت أكتر أمنية بتمناها. تنفس صدره عالياً وهو يستمع إلى أمنياتها مجيباً إياها بعملية:
ــ ياه، وإحنا كنا مخطوبين كنت بتقعدي تقولي نفسي في أوضة نوم واسعة وكبيرة وصالة يرمح فيها الخيل وتكون الشقة عموماً دوبلكس علشان أصحابي لما يجولك يشوفوا النعيم اللي انتِ عايشة فيه. دلوقتي عايزة تعيشي في مكان بسيط ما فيهوش أي رفاهية غريبة. انتِ يا حنين! رفعت مقلتيها الحائرتين وسكنت عينيه الخالية من أي مشاعر وهي تردد بخواءٍ غريب:
ــ كنت بحلم يا هاشم. أحلام جميلة بتحلمها أي بنت في سني. بحلم يكون لي بيت كبير وعريس طول بعرض ويكون جنتل مان زي حلم أي بنت برده. وجنة يعيشني فيها ويدلعني ويسفرني ويخرجني. ونخرج نتمشى أنا وهو تحت المطر في نص الليل ونقف في وسط
الشارع ويحضني ويقول لي: "بحبك يا كل ما ليا". كل دي أحلام كنت بحلمها. وأنا بنت كل البنات نفسها في كده. نفسها تعيش الحياة دي. واللي لو عاشتها هتقدر تتحمل أي ضغوطات. لأن الست بطبعها كائن معطاء. ولما تحب تدي تحب تاخد بعشم وزيادة. ويكون اللي معاها أكرم منها. لأن الست بطبعها برده الرقيق كريمة جداً في مشاعرها.
تفهم حديثها ووعاه بشدة. واستطاعت بنبرتها الرقيقة الهامسة أن تأسره بمشاعرها الرقيقة الحالمة. ترك التفكير في كل شئ، التفكير بطبيعة شخصيته الجامدة الصلبة. وقرر الدخول معها عالم الأحلام. تجربة جديدة مختلفة عليه وعلى شخصيته أن يصبح رجلاً رومانسياً بطريقة أنثاه. فجذب يديها وأقامها أمامه واحتضن وجنتيها بحنو جعلها تتملس بين يديه مغمضة العينين. يدق قلبها طبولاً من حركته تلك. ثم قرر نزع حجابها من على رأسها، فهم ما زالوا بملابس سفرهم. ثم نزع دبوس رأسها المحكم لخصلاتها السوداء لينطلق شعرها الأسود الغجري على ظهرها. فدفن يديه بين خصلاته وهو يلقي على مسامعها ما جعلها هامت غراماً وهياماً:
ــ تمام يا مولاتي الأميرة حنين. أوعدك إني في الرحلة دي هنفذ لك كل أحلامك في رحلتنا دي وكل اللي نفسك فيه هعمله لك. وأكمل بنظرة راغبة في الاقتراب منها كرجلٍ أنثاه المحللة له بين يديه. فهو حينما يقترب منها جسـ.ـده يطالبه بالرغبة بها واشتهـ.ـاء القرب من شفاها المرتعشتين أمامه بصوت أجش متأثر باقترابها:
ــ بس تعيشـ.ـينـ.ـي لحظات تخليني ألهث فيها وراكي. أنا بطبعي راجل بحب قرب مراتي وحضنها. وأنا عايز حضنك وقربك دلوقتي. فمتحرمنيش وتدلعيني. بللت حلقها من كثرة عطشها هي الأخرى لأحضانه. ولكن ذاك الوقت جسدها هزيل من أثر السفر وقلة النوم: ــ دلوقتي يا هاشم! أنا رجلي مش شايلاني وعيني مش قادرة أفتحها. خلينا نرتاح شوية وبعدين أدلعك وأبسطك على كيف كيفك. أصيب بالإحباط من رفضها وشعر بالإهانة مرة ثانية، ليلقي
الملام عليها بطريقة حادة: ــ لا، هو في إيه بجد؟ كل لما أطلبك وأبقى عايزك تقولي: "تعبانة". "مش دلوقتي". "مش عايزة". أنا بجد تعبت من كلامك ده. هو المفروض أأسس رغبتي فيكي على حسب ما تعوزي انتِ وتشاوري. ووقت ما تحسي إنّي على كيفك ومزاجك انتِ؟! تراجعت سريعاً خوفاً من انقلابه مرة ثانية عليها لتبرر له على الفور:
ــ لا والله مش زي ما انت فاهم. يعني أدخل آخد شاور من أثر الطريق والزحمة والاختلاط والحوارات اللي انت فاهمها دي علشان أكون تحت أمرك يا حبيبي وأنا منتعشة. ده اللي أنا أقصدُه. لم يريد هو الآخر افتعال مشاكل معها، فتفهم تبريرها ليبتعد عنها مردداً باستحسان: ــ تمام يا حنين، هستناكي. هخرج أشرب سيجارة في البلكونة على ما تخلصي الشاور. يلا في السريع.
تنفست الصعداء من تفهمه لتبريرها وعدم اختلاقه لخصام آخر، لتخطو من أمامه سريعاً كالهواء. وفتحت الحقائب وأخرجت منها تلك المنامة الحريرية ودلفت إلى الحمام سريعاً وأغلقت الباب خلفها. ثم استندت عليه وهي تتنفس سريعاً وكأنها في معركة وأحد الأعداء يلهث وراءها من شدة الإرهاق التي تشعر بها. ثم خلعت ملابسها ونزلت أسفل صنبور المياه وهي تشعر بارتخاء جسدها من التعب والسفر. وحاولت الانتهاء سريعاً كي تخرج لزوجها الذي ينتظرها على أحر من الجمر. وتعب جسدها وإرهاقها آخر شيء تفكر فيه.
*** أخيراً رآها رسلان تقف على البحر. امسك هاتفه ويبدو أنها تطمئن اهلها عليها. يقف ينتظرها حين تنتهي من مكالمتها وسيذهب إليها كي يعتذر لها عما بدر منه من إجرام. اقترب منها وكانت تعطي وجهها للبحر، ليتحمحم هو: ــ امممم… مساء الخير يا آنسة ليلى.
استمعت أذنيها إلى ذاك الصوت ويبدو أن أعضاء الحس لديها ترجمته على أنه معروف لديها. لتلتفت بظهرها وإذا بها تشهق برعب من رؤيته أمامها. والخوف سيطر على ملامحها. وكادت أن تتحرك سريعاً راكضة من أمامه. ولكنه تمسك بيديها يمنعها أن تتحرك كي يعتذر لها. وعلى صعيدٍ آخر كان زيد يبحث عنها بعينيه. فهو يريد التحدث معها ومتلهفاً لرؤيتها بشدة. وأثناء بحثه رأى ذاك الموقف من بعيد، فتشنج جسده وبرزت عروق رقبته. فأحدهم يمسك بيدي ليلته وهي تقف مستكينة. والموقف أصبح محتدماً للغاية…
يتبع…..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!