في منزل والد "نادر" كان يجلس مع والدته وهو يهتف غاضباً: ــ بنت الج…م وأبوها رفضوا الصلح ورفعوا القضية، والمحامي قال لي إني أسبوع بالظبط وهيتقبض عليا. ــ وأنا لازم أسافر، أنا جهزت كل حاجة ومعاد سفري بكرة، هسافر قبل ما أتمنع من السفر. ــ ولما أروح هناك هفضل متواصل مع المحامي، وهو قال لي مفيش غير حل واحد لمشكلتي. تشعب الغضب برأسها وتكاثر بلا حدود لتشبس رأي هؤلاء الناس من وجهة نظرها، لتنطق باستنكار
وكأنهم يفخمون المواضيع: ــ أنا مش فاهمة الناس دي دماغهم إيه وبيعملوا كده ليه! ــ عايزين يخربوا على بنتهم وهي مكملتش خمس شهور جواز، مش خايفين على سمعتها وكلام الناس عنها، ولا دماغهم القفل دي بتفكر إزاي؟ حك الآخر ذقنه وهو يتمتم أمام والدته، ما جعلها تسهمت: ــ ما هي دي النقطة اللي المحامي اتكلم معايا فيها ونبهني ليها، بس مش هقول لحد.
ــ هو عرفني أعمل إيه لأن مفيش غير حل واحد هو اللي ينفع لحل مشكلتي، طالما مرضوش يبقى بالتراضي وهما اللي جابوه لنفسهم. انتبهت بجميع حواسها مع كلامه وهي تسأله بفضول: ــ طب قول لأمي وطمن قلبي عليك، مش كفاية حسرتي عليك وانت مسافر تاني وسايبني يا ابني يا حبيبي؟ ــ وأنا ما صدقت إنك رجعت لحضني من تاني. ابتسم ابتسامة بلهاء وهو يقص عليها ما أدلاه عليه المحامي بخسة ودناءة:
ــ المحامي قال لي إن القضية اللي أنا رفعتها على العيل التوتو اللي اسمه يحيى ابن خالتها اللي هي الاعتداء عليا في بيتي، ممكن نحولها لقضية شرف. ــ وإني ما كنتش عايز أتكلم علشان مش قادر أفضح مراتي، ولما لقيتها مصممة إنها تكمل في القضية وعايزة تسجنني اضطريت إني أقول الحقيقة. ــ إن هي على علاقة بابن خالتها وبيتكلموا مع بعض على طول في الشات وبيجي لها البيت وأنا مسافر.
ــ وهيحاول يظبطها إنها قضية شرف، وهما بقى لو هيقبلوا بالفضيحة وإن القواضي تكمل. ــ وعقبال ما يثبتوا إنها مش قضية شرف يكونوا عبرة قدام قرايبهم علشان أبوها بيخاف من الحاجات دي جداً. ــ وتبقى تقابلني إن لقيت حد يتجوزها ولا يعبرها تاني بعد ما اتطلقت بعد خمس شهور وكمان بقضية شرف. ــ يا إما يتنازل عن القضية وكل واحد يروح لحاله، وكل واحد برضه ياخد اللي جابه.
ــ ما أنا مش هديها شقايا وتعبي تروح تتجوز بيهم واحد غيري وأنا تعبان في كل حاجة أنا جبتها. اتسعت دائرة عينيها بذهول من حكى ابنها لتشهق بصوت عالي: ــ يا نهارك مطين يا نادر! ــ انت عايز تشتكي مراتك في شرفها وانت عارف إن هي ما عملتش كده؟! ــ ده لو أبوك عرف هيطين عيشتك ومش بعيد يموتك فيها. هز رأسه بابتسامة سمجة ليهتف بنبرة غير مبالية لتحذير والدته وهو يحاول إقناعها والسيطرة على عقلها كي يكسب صفها:
ــ يعني يرضيكي ابني الوحيد يتسجن ويضيع مستقبله وشبابه؟ ــ ده شروع في قتل يا أمي، يعني هلبس لي قد 15 أو 20 سنة كده سجن. ــ فالدور عليكي بقى تقنعي بابا، لأن أنا مش هتنازل عن اللي في دماغي طالما هم مش عايزين يتنازلوا عن القضية. ــ وزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف، وهما اللي اضطروني إني أستعمل الأسلوب ده معاهم علشان أنقذ نفسي.
ــ معلش يعني ما هو يروح ما بعدك روح، وأنا لازم أدافع عن وجودي بأي طريقة مشروعة أو غير مشروعة طالما هم اللي اضطروني كده، مش راضيين بالحلول الودية نهائي. نهته أن يفعل فعلته تلك قبل أن تحاول محاولة أخيرة معهم: ــ طب ما تعملش حاجة واصبر لحد ما أروح لصاحبتي جارتهم اللي عرفتني عليهم وخلتنا نتجوز الجوازة السودا المهببة دي.
ــ هعمل محاولة معاها إنها تأثر عليهم، وهجيب لها سيرة عن الكلام ده من تحت لتحت وهي تشوف هتبلغهم إزاي وهنعرف رد فعلهم إيه. ــ اصبر ما تعملش حاجة خالص، لأحسن أبوك لو عرف هيطربق الدنيا على نفوخي ونفوخك ومش بعيد أطلق فيها بسببك. تأفف غاضباً لتصميم والدته، ليهتف هو الآخر بتصميم على تفكيره: ــ أنا مسافر بكرة يا أمي، وعايز قبل ما أسافر أكون متفق على كل حاجة مع المحامي وسايب له عربون كمان.
ــ مش هستنى لسه لما تروحي وتعملي مفاوضات مع جارتها وهي تروح تعمل مفاوضات معاهم، وفي الآخر أبص ألاقي نفسي لبست في حكم تمام. ــ وأرجع بقى مع تنفيذ الأحكام من برة وأروح في 60 داهية وكل حاجة تضيع. ــ أنا مش هصبر أنا، وبعدين هو أبويا هيحبهم وهيخاف عليهم أكتر من ابنه الوحيد؟ ــ هو المفروض أصلاً يقف جنبي، أنا مش فاهم موقفه معايا عامل كده ليه وجاني عليا مع إن اللي حصل حصل يعني وخلاص.
هدأته وهي تقوم من مكانها وتضع شالها الصوف على كتفها وهي عازمة على الذهاب الآن إلى تلك السيدة: ــ ولا هنصبر ولا حوار، أنا رايحة لها دلوقتي. ــ وهما لما يسمعوا حاجة زي دي مش هيسكتوا وأكيد هتشوف منهم رد فعل. ــ وكمان مش هجيب سيرة إنك هترفع قضية ولا حاجة، أنا هعرف أتكلم معاها بطريقتي علشان لو أبوك عرف ما يقولش إننا لينا دعوة بالحوار.
لجأ ذاك "نادر" إلى الصمت بقلة حيلة ليرى ماذا ستفعل والدته وستستطيع حل تلك المعضلة بدون خسائر له أم لا. أما هي، ذهبت إلى تلك السيدة وهي تنوي أن تشعل النيران أكثر ما هي مشتعلة، فهو وحيدها وترى أن كل ما تفعله هي محقة به حتى لو كان رمي المحصنات بالباطل.
وصلت إليها سريعاً فالفرق بينهم عدة شوارع صغيرة، وما إن وصلت قابلتها صاحبتها بالترحاب، فهي دوماً تعطف عليها ولا تريد أن تخسر أم "نادر"، لذلك هللت لقدومها كثيراً وقدمت لها واجب الضيافة بما تشتهيه الأنفس. وبعد أن تحدثوا قليلاً في أمور عامة، بدأت والدة نادر الحديث عن ما انتوت قوله وأتت إليه خصيصاً لتهتف بنبرة ملامة خادعة لتلك المسكينة:
ــ إلا قولي لي يا أم سمير، لما انتِ عارفة الناس اللي خليتيني نروح نتقدم لبنتهم إنهم بالشكل ده وحرابي وإن بنتهم ملهاش في الجواز ولا ليها في إنها تعرف مسؤولية جوزها وبيتها ومدلعة وبتاعة بابي ومامي. ــ وطول النهار ماسكة المحمول بتاعها، قال بتكلم ابن خالتها وجوزها موجود ولا عامل لها احترام. ــ وكذا مرة يقول لها بلاش أنا بغير عليكِ ومش عايزك تكلمي حد، وبرضه بتكلموا من ورانا وخلته خرج عن شعوره وعمل فيها اللي عمله.
ــ هو ينفع اللي هي عملته ده ولا السكة اللي ماشية فيها دي؟ ــ وإحنا مش بتوع الكلام ده، إحنا ناس بتوع ربنا وانتِ عارفة كده كويس، أخص عليكِ، ما كانش العشم. اتسعت مقلتاي تلك السيدة ورددت وهي تضرب على صدرها بعدم تصديق: ــ كلام إيه اللي بتقوليه ده يا حاجة أم نادر؟ ــ معقولة الست نور تعمل كده! واسترسلت حديثها بنبرة استنكارية وهي تشهد شهادة حق لتلك البريئة الشريفة:
ــ والله عمري ما سمعت عنهم غير كل خير وبيراضوني زي ما انتِ بتراضيني كده، وكلت في بيتهم عيش وملح والبنت العيبة ما بتطلعش منها ولا ليها في الحاجات دي خالص. ــ يمكن ابنك فهم غلط يا حاجة أم نادر، ربنا يهدي لهم الحال يا رب ويبعد عنهم الأذى. مطت شفتيها بامتعاض لدفاعها عنهم وهدرت بها وهي تقوم من مكانها بحدة مصطنعة: ــ يعني انت بتكدبيني؟
ــ بقول لك ابني قفشها كذا مرة وهي بتكلم ابن خالتها ويقول لها عيب ما يصحش، وهي برضه زي ما هي. ــ على العموم هما حرين، خليها تفضح نفسها علشان ابني مش هيسكت على شرفه ومش هنبطل كلام طالما هم مصممين إنهم يحبسوه وهيرفع عليها قضية كمان. ــ موبايلها معانا عليه الإثباتات والأدلة كلها. ــ آه ما هي مش هتسجنه بعد اللي عملته فيه وغدرت بيه وزعلانة عشان قلمين خدتهم علشان كرامته وشرفه.
ــ أنا ماشية وسايبة لك البيت، صحيح خير أن تعمل شرا تلقى. قامت تلك السيدة المسكينة من مكانها وهي تمسك بيدها وتعتذر لها عن سوء فهمها لكلامها: ــ والله أنا ما قصدي أزعلك يا ست أم نادر، بس أنا قلت لك الحقيقة واللي أنا شفته منهم وحرام أقول غير كده. ــ لكن أنا ما أعرفش جوه البيوت إيه ولا اللي بيحصل بين الراجل ومراته إيه.
ــ ولا بكذب سي نادر ولا بكذبهم، الهي يسترك ما تزعلي مني، سايق عليكِ حبيبك النبي يا شيخة تقعدي وتشربي الشاي بتاعك. جلست مرة أخرى وهي تشعر بالانتصار لتراجع تلك السيدة، وأخذت منها كوب الشاي وارتشفت منه بكبر لتقول بنبرة ساخرة: ــ والله انتِ غلبانة وما تعرفيش بتاعة بابي ومامي كانت بتعمل إيه في ابني ولا بتعرف تعمل أكل ولا شرب ودايماً عايزة أكل جاهز من برة.
ــ وجوزها يا حبة عيني تعبان في قرشه في الغربة وما بيعرفش ياكل ولا يشرب من ساعة ما رجع من سفره لقمة نضيفة من البيت. ــ كل اللي أنا عايزاه منك لو كنتِ شفتِ مني خير في يوم من الأيام، تبلغيهم بالكلمتين اللي أنا قلتهم لك على إنك سامعاهم من برة مش مني، لعل وعسى ابني يتنازل عن القضية وهي كمان تتنازل وكل واحد يروح لحاله.
ــ وزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف، وعايزة تتجوز ابن خالتها تروح تتجوزوا علشان تتأكدي إن كلامي صح وإني مش بفتري عليها. ــ لما تطلق من ابني إنها كانت رايداه وخدت ابني كوبري علشان تخليه يغير ويطلق منه ويتجوزها. ــ بنات مهببة جيل آخر زمن، ما يعلم به إلا ربنا.
حركت تلك المسكينة رأسها بطاعة، ولكن داخلها لن يصدق عن تلك البنت الرقيقة شيئاً ما، ولكن ستبلغهم من باب الاحتياط والخوف على سمعتها لأن تلك السيدة يبدو عليها القوة والشراسة وأنها ستؤدي بسمعة "نور" أرضاً وستجعل جميع من في الحي يتحدث عنها وليس لهم سيرة إلا شرفها. ويسير المظلوم ظالم وتنقلب الحقوق وتلك حقوق شرف إن سمع بها أحد ستلوث ولن تعود أبداً، فوعدتها:
ــ حاضر يا ست أم نادر، ما تقلقيش هبلغهم إني سمعت من برة، بس إن شاء الله يخلي لك ابنك بلاش موضوع القضية اللي هيرفعها دي، ومهما كان دي مراته برضه. قامت من مكانها وهي تبتسم بانتصار وتخرج من حقيبتها مبلغاً من المال وتضعه على المنضدة أمامها وهي تربت على ظهرها بخبث: ــ أهو الواحد بيعمل الخير وبيرميه البحر. ــ أنا كان ممكن أسيب ابني يعمل اللي بيعمله وفي الآخر هتتنازل بعد ما تكون اتفضحت، بس أنا مش عايزة لها كده.
ــ أنا عندي بنات وما رضاش ليهم الأذية، واللي انتِ هتبلغيه ليهم من برة برة هينوبك ثواب علشانه. ــ وأهو كله من باب ستر الولايا. ثم تركتها وغادرت المكان وداخلها يشعر بأن مجيئها لن يمر مرور الكرام عليهم وأنها ستنتصر وتنقذ ابنها من براثن القضبان الحديدية. *** كانت تستند على تختها فقد شعر جسدها بالتحسن من نزلة البرد وهي تفتح صورته تتعمق بالنظر بها، فهو لم يحادثها اليوم ومنذ الصباح وهي تنتظر مكالمته.
ولكنه تأخر في الاطمئنان عليها كما عودها اليومين الماضيين مما أسعدها كثيراً، فهي تريد التحدث معه في كل الأوقات. فلم يمضي على حفل زفافهم سوى ثلاثة أسابيع فقط، فقررت هي أن تهاتفه اليوم بدلاً عنه لأنه تأخر عليها وقلبها ملهوف على سماع صوته. ولم يستطع صبراً، كان نائماً في سبات عميق فقد عاد من المصنع الخاص به وهو يشعر بالنوم يداعب عينيه العسليتين بشدة، فاستجاب لها.
وفي أثناء نومه تململ عندما استمعت أذنيه على صوت الهاتف، بعينين مشوشة تناول الهاتف وأجاب بصوت أجش خشن من أثر نومه الثقيل وشعوره بالدفء تحت الغطاء: ــ ألووو. هاجت ضربات قلبها وهي تستمع إلى صوته الناعس، وودت لو أنها بجانبه الآن، فوجدت حالها تحتضن الهاتف بحالمية وكأنها تحتضن هاشمها، فهمست برقة جذبت انتباه "هاشم" ليعتدل في نومته وهو يرجع خصلات شعره الأسود المبعثرة من على عينيه ويستمع إلى همسها الذي حرك ساكنه:
ــ يا خبر أنا صحيتك من النوم، سوري يا هاشم هقفل وكمل نومك. تحمحم بنبرة خشنة يصاحبها بحة خفيفة من أثر نومه ليمنعها: ــ لا متقفليش كويس إنك صحتيني، أنا كده كده كنت هقوم علشان عندي معاد مع صحابي. وأكمل باستفسار وهو يطمئن على صحتها: ــ أخبارك إيه والبرد مشي ولا لسه؟ خللت أصابع يديها بين خصلات شعرها وهي سعيدة للغاية بالحديث معه، وكأنه الترياق لمشاعرها المحتاجة لوجوده جانبها، لتجيبه بحمد:
ــ الحمد لله اتحسنت كتير عن امبارح، أنا كنت في الضياع والله كنت حاسة إني هموت من دور البرد ده من كتر ضيق التنفس اللي كان عندي. هزته نبرة صوتها الرقيقة وهمساتها التي تحمل شجناً وخوفاً، ليرطب على قلبها بتلك الكلمات التي جعلتها ترفرف بأهدابها بابتسامة واسعة وكأنها طير يحلق في السماء بسعادة من القليل من مشاعره الثقيلة التي يلقيها على مسامعها الحالمة: ــ بعد الشر عنك يا بابا، ودايماً تعيشي بصحة وعافية. تنهيدة حارة
خرجت من صدرها لتسأله بوله: ــ امممم.. يعني هتفرق معاك لو حصل لي حاجة؟ رفع حاجبه لاستفسارها الماكر ليجيبها بما سيرضي فضول قلبها الممتلئ بمشاعر عشقه الموقدة: ــ طبعاً إحنا مخطوبين وخلاص هنتجوز كمان أيام بسيطة ووجودك معايا وجنبي هيفرق معايا طبعاً يا حنيني. عضت على شفتيها السفلى بولهٍ وهي ما زالت تعبث بخصلات شعرها الحريري الأسود مع ابتسامة حالمة ارتسمت على وجهها لتعترف له:
ــ بحس قلبي بينتفض جوايا لما تناديني بملكتي ليك يا هاشم. ثم ترجته باشتياق عاشقة حتى النخاع: ــ قولها لي علطول بحب أسمعها منك. مرر لسانه على شفتيه لرقة مشاعرها وحالميتها التي لم يعتاد عليها، ليعترف لها هو الآخر بما جعل القابع بين أضلعها يدق بعنف شديد: ــ انتِ رقيقة قوووي وجميلة جداً لدرجة إني بقيت بتعلق بيكِ أكتر من اليوم اللي قبله.
رفرف قلبها بسعادة غمرت روحها وهي تستمع منه إلى غزله المبتدئ في غرامها الأولِ، وهي بالفعل امرأة الغرام الأولى له، وبات حديثه كترنيمة ساحرة لم ترحم قلبها المسكين في غرام الـ"هاشم"، وهي تسأله: ــ طب ياترى التعلق ده بالنسبة لك حلو ولا وحش؟ شاغبها بجوابه: ــ هو حلو ووحش في نفس الوقت، حلو علشان اتعلقت بحاجة حلوة قوووي. وأكمل مشاغبتها بما جعل قلبها ينتفض طيلة حديثهم:
ــ ووحش علشان بقيتي شاغلة أغلب تفكيري لدرجة إني كنت بحلم بيكِ دلوقتي بعد ما كنت بحلم إزاي أبقى أجمد شيف في العالم. انتفضت من مكانها بلهفة لتسأله بعدم تصديق لقوله: ــ بجد كنت بتحلم بيا يا هاشم؟ ــ طب بالله كنت بتحلم بإيه احكي لي. ظل على مشاغبته معها: ــ يوووه أنا اللي جبته لنفسي، بقي أنا لسه هحكي لك الأحلام كمان إيه يا بنتي انتِ واخدة عني فكرة غلط خالص. ضحكت برقة وقالت بنفس مشاغبته:
ــ طب صلح لي الفكرة وعرفني عليك صح وانت وأنا خير مستمع. ــ يوووه انتِ عايزة أيام كتير ووقت طويل علشان تعرفيني كويس وأنا دلوقتي عندي معاد مع صحابي واتأخرت. مطت شفتيها للأمام بدلال مصطنع وهتفت بنبرة اعتراضية: ــ بقي في حد يسيب حبيبه ويروح يقعد مع أصحابه؟ ــ طب انت وحش خالص وأنا زعلانة منك علشان عايز تسيبني. ضحك بخفة على عقلها الصغير:
ــ لااا ده انتِ طلعتِ عيلة صغيرة خالص وعايزة اللي يداديكي ويطبطب عليكِ كمان وأنا عايز أقوم آخد دش ساقع علشان أفوق من أحلامي. شهقت باندهاش لينطق لسانها بذهول: ــ شاور بماية سقعة في البرد الشديد ده! ــ يا نهاري ده أنا اتجمدت لك سلف يا هاشم. تعالت ضحكاته لذهولها المبالغ به ليؤكد لها: ــ بس يا ماما ده متعة ما بعدها متعة، وايه رأيك بقى هتجربيها يوماً ما وهتشكريني كمان. حركت رأسها برفض لتعلن عصيانها القاطع لحديثه:
ــ لاااا انت بتحلم يا حبيبي ده يستحيل يحصل، أنا إنسان بيترعش من المياه الساقعة في الشتا ده ويستحيل أعمل اللي بتقول عليه ده. بنبرة واثقة هادئة أكد لها: ــ طب هتجربي وهتشوفي يا حنيني، واللي أنا بحبه وبرتاح له انتِ كمان هتحبيه. رفعت حاجبها باستنكار لثقته:
ــ انت واخد مقلب في نفسك على فكرة علشان الثقة الزايدة عن اللازم في النقطة دي بالذات مش هتحصل، ده أنا بكلمك وأنا تحت بطاطين معرفش عددها وغير هدومي اللي لابساها وبردو معرفش عددها. قام من مكانه وقام بتصوير حاله صورة سيلفي وهو يرتدي تيشرت أبيض بنصف أكمام وأرسل لها صورته وهو يدون أسفلها: ــ ليه ده كله يا بنتي! أنا بعت لك صورتي أهو بنص كم عادي. ثم أكمل بهمس مقصود فكك أعصابها:
ــ أصل أنا بحب الانطلاق ومش بحب اختناق الهدوم الكتيرة وهعودك انتِ كمان. تمتمت بخفوت: ــ هتعودني إزاي ده أنا برتعش من الهوا؟ أجابها صريحاً بما أخجلها: ــ متقلقيش يا حبيبي هدفيكي. همست برقة: ــ حبيبك! طب بقول إيه ما تسيب أصحابك وتعالى اقعد شوية معايا موحشتكش؟ ــ بكرة تزهقي مني يا حنين، أنا مقعدتش معاهم بقالي شوية وفي واحد فيهم عنده مشكلة ولازم أروح، معلش اعذريني. تنفست بضيق ثم سألته:
ــ طب كتب كتابنا كمان أسبوع مش هننزل نختار معايا الفستان اللي هلبسه في كتب كتابنا بجد عايزة أعيش التفاصيل دي معاك. اعتذر لها بتهرب فهو ليس له طاقة لتلك الحوارات ولا وقت، وبالرغم من أنه حقها إلا أنه لم يعترف به: ــ معلش يا حنين أنا مليش طول بال ألف على المحلات والحوارات دي، وحتى لبسي بجيبه أون لاين مش بنزل ولا بلف خالص. ــ وبعدين أنا واثق في ذوقك وشياكتك إنك هتبقي جميلة في أي حاجة تختاريها.
حزن داخله وهي تشعر بالنقصان في كل شيء معه ومنه، وهتفت بحزن: ــ ليه كده يا هاشم؟ المفروض إن أي واحد بيحب خطيبته بيبقى مشتاق إنه يبقى معاها على طول، يعملوا كل التفاصيل اللي هتأهلهم يكونوا مع بعض. ــ انت محسسني بالنقص جامد في النقطة دي. تنهيدة حارة خرجت من صدره لاعتراضها المقلق له: ــ متكبريش الحوار يا حنين، وبعدين بكرة نبقى في بيت واحد ونعيش مع بعض على طول وهتزهقي مني. نفخت بضيق شديد ثم قررت إنهاء تلك
المكالمة كما بدأتها هي: ــ تمام، إنت صح أنا عقلي صغير وبقول تفاهات وبكبر المواضيع، عن إذنك، سلام. أغلقت الهاتف قبل أن تنتظر رده وداخلها ازداد غلياناً من لا مبالاته معها وتشعر بأنها هواء بالنسبة له، ثم تذكرت صورته التي أرسلها أثناء حديثهم وقامت بفتحها لتنصدم من منظره وارتدائه للملابس الخفيفة تلك لتننطق مع حالها باستنكار: ــ يا نهار أبيض عليك وعلى برودك ده، أنا متلجة يا شيخ وأنا لابسة عشرة فوق بعض. وأكملت استنكارها
بسخرية وهي تتذكر كلماته: ــ قال هعودك قال، بني آدم بارد، مبيحسش. ثم تراجعت عن سخريتها وهي تتعمق النظر لوجهه وعضلاته: ــ بس راسي وتقيل وخطير وقلبي حبك. ثم تنهدت من غلبها في عشقها له: ــ ربنا يسامحك يا قلبي، حبيت حجر بيلين بالعافية والكلام بيخرج من لسانه بطلوع الروح. دلفت إليها والدتها واستمعت إليها تحدث نفسها فسألتها بتعجب: ــ مالك يابنتي؟ كفى الله الشر بتكلمي نفسك ليه؟
ــ ده انتِ لسه صغيرة وفي عز شبابك يا نور عيني على الكلام ده. تمتمت بخفوت وهي تضع الهاتف جانباً: ــ مفيش يا ماما، بعد إذنك أنا خارجة دلوقتي هروح مع صحبتي نلف على المحلات شوية أشوف دريس رقيق كده لكتب الكتاب ونروح نتعشى برة، حاسة إني مخنوقة من يومين التعب اللي رقدتهم في السرير وجالي اكتئاب. اندهشت والدتها لتسألها بفضول: ــ الله هو مش المفروض اللي هيبقى جوزك كمان أسبوع يروح معاكِ وانتِ بتنقي حاجة زي دي ولا أنا بيتهيألي؟
ــ أصلي مجوزة اتنين قبلك وورد عليا الحوارات دي. لقد جعلها تشعر بالنقص في كل شيء معه، وحتى والدتها لفت انتباهها ذاك الموضوع، ولكن بررت لها حينما وجدت نظراتها التي تحوى من الاتهام لهاشمها كثيراً: ــ أديكي قلتي يا ماما حوارات، وبعدين الرجالة لما تنزل تلف على المحلات مالهمش في الشوبينج وروحهم ضيقة وانتِ عارفاني بحب أنقي كل حاجة براحتي وعلى أقل من مهلي.
نظرات ثاقبة من مقلتي والدتها أصابت بؤبؤ عينيها وهي لم تصدق ذاك التبرير، فأكملت تلك الحنين بكذب كي تنفض عن بالها حصار والدتها: ــ وبعدين هو لسه كان بيكلمني وقال لي هروح معاكي وكان مصمم وأنا اللي اتلككت له بأي أسباب علشان أروح لوحدي. ــ وأكيد بردو انتِ فاكرة إخواتي لما كانوا بيرجعوا من المشاوير دي مع خطابهم كانوا بيجوا متخانقين ومتخاصمين بسبب اختلاف أذواقهم. ثم أكملت بحالمية وقد أقنعت حالها ووهمت نفسها بما
تدليه على مسامع والدتها: ــ وأنا وهاشم يا أمي مختلفين عن أي حد ومش بنحب جو الخناقات والتلكيكات ده، وكمان عايزة الأوت فيت لكتب الكتاب يبقى مفاجأة ليه وأشوف في عينيه الإعجاب. ــ يا ماما انتِ عارفاني بحب الحاجات دي ومختلفة عن أي حد. لم تقتنع والدتها بحديثها ولم تشتريه بدرهم واحد لتنطق بسخرية: ــ والنبي إيه! اشتريتهم أنا بقى الكلمتين دول، روحي يا حنين يابنتي مطرح ما انتِ عايزة.
ــ بس يا ترى الحلو بقى اداكي فلوس علشان خاطر تجيبي الدريس لكتب كتابكم زي أي عريس ما بيعمل مع عروسته ولا عمل نفسه من بنها وانتِ اللي هتجيبي من فلوسك اللي بتقبضيها؟ تسهمت "حنين" عند ذاك السؤال ولم تستطيع الإجابة ولم تفكر به من الأساس، ووالدتها هي من سألتها لتجيبها بصدق:
ــ والله يا ماما ما جبناش سيرة الفلوس والحاجات دي، وبعدين انتِ عارفة هاشم مش في دماغه يديني فلوس أو لا، الفلوس دي آخر حاجة يفكر فيها ممكن يشوفها عادي إننا واحد. ــ يعني هو لو بخيل وهو جاي مش هيجيب الحاجات اللي بيجيبها دي كلها وانت حكمتي بنفسك. حركت والدتها رأسها وهي تشعر بالخيبة من جواب ابنتها لتقول بتنبيه:
ــ حوار الفلوس ملهوش علاقة بالواحد والاتنين دي أصول يا بنتي إن العريس بيجيب لعروسته فستان فرحها وكتب كتابها وحتى خطوبتها وانتِ عارفة إن عوايدنا كده وعارفة برده إن الفلوس آخر حاجة أفكر فيها. ــ الخير كتير والحمد لله، لكن الموضوع كله في الاهتمام يا ماما وإنه يفكر في كل التفاصيل اللي زي دي معنى كده إنه بيفكر فيكِ على طول ومهتم بيكِ. ثم أكملت والدتها باستجواد وهي تعرض عليها:
ــ إيه رأيك يا بنتي أخلي باباكي يكلمهم تأجلوا الخطوبة شوية كمان بتاع أربع خمس شهور تكوني اتعرفتي عليه أكتر وعرفتِ طباعه وتشوفي نفسك إذا كنتِ هتقدري تستمري معاه على طباعه دي ولا لا؟ ــ أحسن ما تتجوزيه وتكتشفي حاجات بعد كده تندمي عليها وساعتها الطلاق مش بيبقى بالساهل وخراب البيوت مش بالساهل برده.
انقبض قلبها بشدة من عرض والدتها، فهي تعد الساعات كي تسكن أحضانه وتكون بجانبه، ويكفيها فقط أن تكون معه في مكان واحد ومغلق عليهم باب واحد، وقتها ستستطيع جعله بين يديها وستسطيع أن تجعله يفتن بها ويكون كالمسحور أمامها، وداخلها يثق من ذلك لترفض بشدة: ــ معلش يا ماما أنا مش حابة التأجيل. ــ وبعدين انتِ ليه مصرة إن هو مش هيريحني؟
إذا كنت بذاتي نفسي بعترف لك أهو إني مرتاحة معاه جداً ومش شايفة منه حاجة وحشة ولحد دلوقتي ما عملش لي حاجة تبين إنه مش لطيف، بلاش يا ماما نتكلم في الموضوع ده تاني. اعتلى صدر والدتها بأنفاس عالية وداخلها خائف على صغيرتها، فربتت على ظهرها بحنو وقالت نصيحتها الأخيرة لها: ــ أنا مش ضده خالص يا بنتي، كل اللي أنا عايزة أعرفه لك يا حنين إن الجواز مش أحضان ولا راجل ينام جنبك على السرير.
ــ لو على كده يا بنتي الحوار ما بياخدش نص ساعة ولا ساعة على بعضه من الـ 24 ساعة اللي في اليوم، فما بالك الأسبوع والشهر والسنة والعمر. ــ هتبصي هتلاقي نفسك عايشة مع إنسان مشاعره فاترة معاكي بياخد اللي عايزه منك واللي جسمه طلبه ويقوم ويسيبك أو ينام ويبعد عنك.
ــ الجواز روح بتطبطب على روح وإيد بتسند إيد ودماغ بتفكر إزاي تسعد الطرف التاني، وخصوصاً في مشاعر الطبطبة من الراجل لمراته بتفرق معاها جداً بيشبعها اهتمام لدرجة إنه ما يخليهاش تشوف اللي حواليها أحسن منها في حاجة، زي ما أبوكِ ربنا يدي له الصحة يا رب بيعمل معايا. ــ دايماً بيفضي وقت علشان يقعد يتكلم معايا ويسمع مني مشاكلي ويطبطب عليا لو حد زعلني.
ــ أنا بعرفك كل حاجة علشان لما تخشي المعمعة ما تقوليش انتِ ما نصحتنيش يا ماما. ــ يا ريت تفكري في كلامي كويس، وربنا يهدي لك الحال يا بنتي ويطلع عكس ما أنا شايفة.
دب القلق في صدرها من نصائح والدتها وصارت الصراعات بين قلبها وعقلها تضرب بتفكيرها كعاصفة شديدة، ولكن لم يستطيع عقلها الانتصار على قلبها وطبت كفة ميزان القلب، لتنفض عن بالها ما قالته والدتها فهي أنثى جميلة مكتملة الأنوثة والرجل يخر صريعاً أمام أنثاه الفاتنة وستعتمد على أسلحة سحرها له في جعله كما الخاتم في إصبعها:
ــ ربنا يخليكِ ليا يا أمي وما انحرمش من نصايحك الغالية، بس ما تقلقيش عليا أنا بتكلم معاه وحاسة بالارتياح جداً لعلاقتي بيه وإن شاء الله القلق الزايد عن اللازم ده هيطلع مش في محله، ما تقلقيش عليا. *** ــ أخيراً يا ماما خلصت امتحانات أنا مش مصدقة نفسي والله إن كابوس الثانوية العامة انتهى ومش عايزة أفكر في النتيجة خالص ولا أشغل بالي بيها. ــ عايزة أعيش لي يومين رواق قبل ما تظهر وتنكد لا سمح الله. احتضنتها والدتها
بحب وهي تبث بها روح الأمل: ــ حبيبة مامي أشطر كتكوت وتعبت قوي، وان شاء الله ربنا لا يضيع أجر من أحسن عملاً وبإذن الله هتجيبي المجموع اللي انتِ مستبشرة وهتفرحي وكلنا هنفرح وياكي يا روحي انتِ. ــ استمتعي يا حبيبة قلبي واخرجي مع صاحباتك وعيشي حياتك زي ما انتِ عايزة، وأياً كانت النتيجة حتى لو كانت لا قدر الله مش زي ما انتِ بتتمني أنا مش هزعل لأن ربنا سبحانه وتعالى أقداره كلها خير.
ــ وطالما حبيبة قلبي تعبتي واجتهدتي وأنا شفت ده بعيني ما كنتيش بتنامي الليل وكنتِ ضاغطة على نفسك قوي، يبقى النتيجة النهائية ما تهمنيش قد ما انتِ ونفسيتك وراحتك يهموني. ارتمت "ليلى" في أحضان والدتها كالمعتاد، فهي أحضانها الآمنة التي تشعر فيها بالسكينة، ثم بدأت لها بشرح خطواتها اليوم: ــ إحنا اتفقنا أنا وأصحابي إن إحنا هنصلي المغرب وهنعدي على المدرسين والمدرسات اللي إحنا كنا بنروح عندهم ونشكرهم على تعبهم معانا.
ــ وكمان لمينا من بعض وهنجيب هدية بسيطة لكل مدرس تعبير مننا عن تعبه معانا، إيه رأيك يا ماما في الفكرة دي. نالت تلك الفكرة استحسانها وقامت بتشجيعها وهي تجلب نقوداً من حقيبتها الموضوعة جانبها وناولتها إياها: ــ وماله يا حبيبتي فكرة حلوة، هم فعلاً بيتعبوا معاكم ويستحقوا التقدير المعنوي بالحاجة البسيطة دي، بس ما تتأخريش وخدي فلوس أهي عشان لو احتاجتي حاجة أو جت لكم فكرة معينة تبقى معاكي. أشاحت النقود بيدها بأدب
لتعلل رفضها في استلامها: ــ لا يا مامي أنا معايا فلوس، بابا كان بيديني مصروف بزيادة وكمان عايزة أجيب كل حاجة من مصروف خاص علشان أحس إني عملت حاجة حلوة فعلاً. أخفضت بصرها للأسفل ثم نطقت بنبرة خجلة وهي تسألها: ــ طب هم هيروحوا للمستر زيد أروح معاهم ولا مش مشكلة هو؟ تنفست والدتها بعمق وهي تجيبها: ــ وليه ما تروحيش معاهم يا ماما!
وتلفتِ الانتباه ليكي إن اشمعنا ده اللي ما رحتيش معاهم، تقدريه زي بقية المدرسين وخصوصاً إن مادته صعبة ويستحق زيهم بالظبط. ــ روحي وتعاملِ طبيعي جداً ولا أي حاجة. ابتسمت لها بفخر لنصائحها ثم تحركت "ليلى" إلى غرفتها كي ترتدي ملابسها وتؤدي فريضة المغرب ثم تؤدي رحلتها القصيرة على معلميها مع أصدقائها المقربين لديها.
بعد مرور ما يقارب من ساعة ونصف كانوا انتهوا من الذهاب إلى معلميهم ولم يتبق سوى زيد الذي علم بمجيئهم، فهم كانوا يقومون بالاستئذان منهم قبل الذهاب إليهم واستقبلوهم بترحاب في منزلهم الخاص كضيوف وليسوا تلاميذ.
كان ذاك الزيد متأهب لقدومهم وقد أخبر والدته عن قدومهم وأن تصنع لهم من الحلوى ما لذ وطاب، ولما لا فليلته معهم وقد حدث والدته عنها وجلب صورة لها أخذها لها على حين غرة كي تواسي قلبه الهائم عندما يشعر بالوحشة لها، وطلب منها أن تفتعل أي شيء كي تتحدث معها على انفراد بعيداً عن صديقاتها كي ينفرد بها ويحكي ما يريد قلبه أن يلقيه على مسامعها، فهو قد نفذ وعده مع والدتها وتركها ولم يتعرض لها وبداخله كان يغلي من الاشتياق لها كالبركان الذي أصبح الآن على وشك الانهيار لو لم يقل لها ما يريده.
أما عنها فلسوء حظها أنها هي التي ستقدم الهدية لزيد، فجميعهن قد قدموا لمعلميهم وهذا دورها. دلفوا جميعاً ببسمة وطلة بهية، فجميعهن حسناوات يهتمون بمظهرهن، لكن كانت "ليلى" بينهن مثل النجوم بنورها البهي على سائر الكواكب، كانت نجمة ساطعة أوسطهن بزيها الزهري المحتشم ويعتليه حجاب أبيض يغطي بعد صدرها كما قال كتابنا الكريم "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ".. ما هي "الجيوب"؟
يقصد بها الصدور التي تغطى بالخمار ابتداءً من الرأس. ما إن دلفت شقته التي يعيش فيها حتى دق ذاك القابع بين أضلعها وصار يخفق بشدة ولم تعرف ما سبب تلك الدقات، لتغمض عينيها في لحظة أشعرتها بالغرابة من حالها وهي تضع يدها موضع قلبها كأنها بتلك الحركة تحاول تهدئة ثورته عليها.
كان هو متصنماً بنظرته عليها ورآها وهي تغمض عينيها وتضع يدها على قلبها، فأراد في تلك اللحظة أن يهرول إليها ويسحبها داخل صدره ويسحق عظامها بين يديه من شدة اشتياقه لها، فلم يراها منذ أسبوع وقلبه ذاق من اللوعة في اشتياقها ما يكفي ويفيض. حاولت تهدئة حالها بقدر المستطاع حينما استمعت إلى صوت والدته ترحب بهم حتى وقفت أمامها تسلم عليها مثلهن وهي تردد لها ببشاشة:
ــ بسم الله تبارك الله حجابك جميل قوي والطقم اللي انتِ لابساه شياكة ومحتشم، بعد ما تخلصوا مع المستر انتِ وزميلاتك هما يمشوا وتقعدي معايا ربع ساعة بس لو ما كانش يزعجك يا قمر أشوف بتجيبي اللبس القمر ده منين وتعلميني لفة الحجاب بتاعتك علشان صاحباتي في المدرسة بيجوا مظبطين الحجاب بتاعهم زيك كده وأنا ببقى وسطهم لخمة خالص ونفسي أبقى زيهم وانتِ بقى الوحيدة اللي شفتك قدامي دلوقتي.
ــ ممكن تعلميني واوعي تقولي لي مش فاضية زيهم طلب صغنون اعتبريني زي والدتك، تمام! ابتسمت بخجل لتلك السيدة البشوشة وهي توافق بتوتر: ــ مع إني قايلة لماما إني مش هتأخر بس من عيني يا طنط هعمل لحضرتك اللي انتِ عايزاه. ربتت على كتفها بحنو وهي تشكرها بامتنان: ــ تمام يا لولا زي ما صاحباتك ما بيقولوا لك أنا كمان أعتبريني بقيت صاحبتك وإن شاء الله مش هأخرك خالص عن مامتك. ثم نظرت إلى باقي الفتيات وقامت بالترحاب بهن:
ــ منورين يا بنات وإن شاء الله النتيجة تطلع مرضية وربنا يفرح قلوبكم كلكم. ــ يلا مدوا أيديكم واشربوا الساقع والجاتوه اللي أنا عاملاه بإيدي حكم أنا بحب عمايل الحاجة في البيت بيبقى ليها طعم تاني. شكرها الفتيات بخجل وتناولوا بذوق صنع يدها، وكان هو واقف متسمراً ينظر عليها لا يرى في المكان غيرها.
وأخيراً أتت اللحظة المنتظرة لقاء العيون والجسد أمام الجسد وخطت إليه بخطوات خجولة كي تقدم له هديتها، وبعدما هدأ قلبها عاد لثورته مرة أخرى وجسدها أصبح كالهلام، مفكك من أثر اقترابها منه حتى وصلت أخيراً إليه ومدت يدها وهي ترتعش بسيطاً. كان يقف أمامها ينظر في عينيها يتشبع لرؤية ملامحها، يداه تتمسك بهديتها، نسي الجميع من حولهم، فقط عيناه ترتكز على جميع ملامح وجهها لتتحدث عيناه بدلاً عنها:
ــ آااه ليلتي لو تبقين أمامي نفساً بنفس وجسداً بجسد وتمهلين مغرمٍ بهواكِ فرصة واحدة، أعدك حينها أنكِ لن تستطيعين الصمود بعدها أبداً. ــ هل تعرفين من أنتِ ليلتي لزيد؟ ــ أنتِ النفس الذي يتنفسه زيد، شفاء جروح قلبه على يدكِ ليلى، أنتِ ملاذ الروح، المكان الذي أجد فيه نفسي. ــ أنتِ حولتِ الشخص الذي يرتكب آثام إلى ناسكٍ متعبدٍ وهواكِ الآن له خير ملجأٍ ليلتي.
ــ فأنتِ دفئي الآمن في ليلة شتائي وبابتعادك ليلى سيسقط زيد فقد أصبحت أعيش بقلبٍ واحد بعدما تفرق قلبي على الكثير من حواء فلا تتركيني أتجلد بعد أن أصبحتِ منزلي الدافئ ليلتي. فاق من هيامه بها وهو يتناول هديتها ونظر خلفه وجد والدته تشغل الفتيات معها بحديثها ولم ترتكز إحداهن معهم، فاستغلها فرصة ليتحدث عما يجيش به صدره من مشاعر موقدة لوحشتها: ــ ياااه يا ليلى وحشتيني قوووي، قووووي، قووووي، وحشني صوتك، وملامحك، وضحكتك.
ــ أسبوع واحد بس مش شفتكيش فيه دمرني وخلاني مكتئب ومش طايق نفسي. ــ اعترفي بقي إني وحشتك يا ليلى. دقات قلبها لم ترحمها ولم تصمت أمام جيش قلب ذاك الزيد وعيناه، حاربها بكل قوته، بنظراته، بهمساته، بطلته المختلفة اليوم أمامها، فكان وسيماً، ناهيك عن رائحته التي عبئت رئتيها وكأنه كان ناثراً عطره بسخاء كي يواجهها بجميع أسلحته التي فتكت بمشاعرها البريئة.
لاااا زيد ارحم قلبي المسكين فلم يستطع مجابهتك، لم يملك من القوة ما يكفيه لمبارزة جيشك، ضعيف وفي الهوى كفيف ولم يبصر على العشق قبل ذاك ورايتي لن أسلمها لك الآن وليس لدي قوة للاستسلام إليك، فلا تأخذني أسيرة هواك المتيم فلم أعد جاهزة الآن زيد. ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وهي تسحب يدها بعد أن أجبرته على أخذ هديتها وهي تردد بصوت: ــ بلاش طريقة الكلام دي لو سمحت يا مستر. ترجاها بعينيه أن لا ترد باب عشقه ليهتف بلوعة
أصابت جسدها وقلبها برجفة: ــ يا شيخة انتِ بقي حرام عليكِ المستر تعب وأعصابه تعبته وقلبه خلاص مبقاش متحمل عنادك. ــ أرجوكِ بقي اديني فرصة ما أنا متعلق وماسك ومتبت فيكِ ولا مفر يا ليلى. عاندته بقوة فلن تضعف ولن تستكين وداخلها مصمم على أن يختار مرساة آمنة بعد أن يتيقن قلبها ويطمئن وعلى من سيستقر:
ــ تمام بلاش مستر، فيه مفر يا زيد وخلاص مش هشوفك تاني ولا هتعرف تشوفني تاني علشان تحاصرني والبلوكات معمولة والمنصات وخلصت والدروس وانتهت وخلاص هتنساني إجباري وترجع لقلبك اللي انت فاتحه مساكن شعبية لكل واحدة تسكنه شوية وتمشي. ــ أما أنا قلبي واحد ما يسكنهوش غير واحد ما سكنش قلبه حد غيري. أصبح الآن من شدة غضبه منها كمن تمسك بفحم ساخن ويريد رميه بها كي تجرب نيرانه الموقدة الآن بفضل كلماتها كي يحترقان معا وعينيه تحدثها:
ــ أنا حزين، ومجروح، وغاضب، ومجنون، وخائب الأمل، لكن أتعلمين ماذا؟ سأضع ابتسامة وأمضي قدمًا، سيؤلمني ذلك، لكنني سأنجو في النهاية بكِ ليلى. لينطق متحدياً إياها وهو يقسم بعشقه أمامه بما جعل جميع جسدها الآن يتفكك من قسمه ولو كان الأمر بيدها لقطعت كل تحديها وعنادها وارتمت بين يديه بصدر رحب، ثم نطق قسمه بشموخ واثق في هواه العليل بها: يتبع…..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!