وقفت حنين مشدوهة لدقائق، عيناها شاخصتان في وجهه تحاول استيعاب ما سمعته. كررت بعدم تصديق: "ت... تعمل إيه؟ قال بجمود: "هتجوز يا حنين، هتجوز علشان أرتاح، أنا زهقت من العيشة دي! قالت بذهول: "أنت أكيد بتهزر، مش معقول اللي أنت بتقوله ده! رد بهدوء: "وليه مش معقول يعني؟ أنا قررت والموضوع انتهى." حدقت به للحظات ثم قالت بحزم: "وأنا مش هسيبك تتجوز عليا يا محمد." نظر لها بدهشة وأجاب: "يعني إيه؟
قالت بمرارة: "يعني أنا مش هسيبك تهد بيتنا واللي بيننا علشان خاطر قررت تسمع كلام الناس اللي بيحاولوا يخربوه." قال بحيرة: "قصدك إيه؟ ردت بصرامة: "أنت عارف طبعًا مامتك اللي أنت بتسمع كلامها وعايز تخرب بيتك علشانها." قال محمد بحدة: "حنين، الزمي حدودك أحسن." انهمرت الدموع من عينيها وهي ترد بقهر: "دلوقتي الزم حدودي؟ وأنا كنت قولت إيه علشان كل ده؟ مش دي الحقيقة؟
أنت مسلم ودنك لمامتك وماشي وراها لحد ما اللي بيننا هيضيع ويتهد وأنت ولا هنا." تهدج صوتها وهي تتابع: "إيه سبب كل المشاكل دي من الأول؟ علشان أنا حامل وتعبانة؟ أيوا أنا مش أول ولا آخر واحدة تحمل، بس ربنا خلقنا مختلفين، كل واحدة ليها قدرة غير التانية، ليه شايف أنه غلطي؟
أنت عارف تعبنا في الحمل ده أد إيه وكنا مستنيين بدل ما نفرح بيه ونحمد ربنا ونعيش في هدوء حياتنا كلها اتقلبت مشاكل وخناق، بدل ما نحمد ربنا على النعمة اللي مستنينها ونراعيها كويس علشان تيجي بالسلامة!
أنت متعبتش لوحدك يا محمد، أنا تعبانة أكتر منك، اوعى تفكر أنه رقدة السرير دي ليل نهار راحة، بالعكس، على قد ما هي راحة بتحسسك بالعجز وأنك حتى مش قادر تروح الحمام لوحدك أو تعمل أكل لنفسك، بس بصبر نفسي كل ده علشان ابننا يجي بالسلامة، وكل ده وضع مؤقت وهيمشي علشان السعادة تيجي وتهل علينا. وسط كل تعبي مامتك مش سايبانا في حالنا خالص، بس كنت بستحمل وأسكت وأقول المهم أنك جنبي ومعايا، بس حتى دي استكترتها عليا!
صمت محمد الذي لم يجد به ما يرد عليها وأشاح بوجهه بعيدًا، بينما أكملت حنين حديثها بألم: "عايز تتجوز علشان تعبت؟ هو ده الحل بتاعك عن إيه؟ عن أنه مراتك حامل! ده أنت حتى مسألتش عليا ولا مرة في الأسبوع اللي كنت فيه عند أهلي، حتى علشان تتطمن على ابنك ورجعت علشان ألاقي جوزي حبيبي بدل نتصافى ونبدأ بداية جديدة، عايز يتجوز على مراته ويقهرها ويهد بيتهم وحبهم سوا!
ضاق صدره بما تقول، فغادر الشقة كلها، بينما هي جلست مكانها تبكي وهي تضع يدها على بطنها كأنها تحميها. هبط محمد لأسفل ودلف شقة والدته وجلس بجانبها. قالت باستغراب: "مالك في إيه؟ رد بضيق: "قولت لحنين أني هتجوز واتضايقت أوي، أنا مش عارف أعمل إيه." التفت لوالدته: "أعمل إيه يا ماما، مش قولتيلي أنه الحل ده هيجيب نتيجة؟ ضربته والدته على كتفه: "بطل يا خايب، أنا قولتلك الحل هو اللي هيجيب نتيجة."
تذكر محمد حين أخبرته والدته عن الحل الذي فكرت به منذ أسبوع. قال بلهفة: "حل إيه يا ماما؟ قالت بخبث: "اتجوّز عليها." رد بملل: "يوه يا ماما، كل شوية نفس الموضوع." تابعت بمكر: "يا واد كدة وكدة لحد ما تبقى تحت أمرك." قال محمد بفضول: "إزاي يعني؟ ردت: "أنت هتقولها أنك هتتجوز، كدة وكدة يعني، علشان هي تحس على دمها وتخاف أنك تتجوز عليها، وشوف إزاي هتبقى طوعك وعجينة بين إيديك." فكر محمد قليلًا
ثم قال بتردد: "تفتكري ده هيجيب نتيجة؟ أكدت له بثقة: "أمال طبعًا." سأل: "طب هنروح لهم امتى؟ أجابته بملل: "بعد أسبوع ولا حاجة." رد باعتراض: "مش كتير ده يا ماما." نظرت له بغيظ: "يا واد اصبر علشان تعرف قيمتك وتسمع كلامك وتفوق لبيتها." أومأ مطاوعًا لها، بينما فكرت هي بخبث أن هذه الخطة ستوصلها لما تريد، وهي أن حنين لن تتحمل وستطلب الطلاق، وحينها ستتمكن من إقناع ابنها بالزواج من أخرى. عاد محمد
للحاضر على صوت والدته: "بتفكر في إيه؟ تنهد: "مش عارف. صحيح هو بابا اتصل عليك يا ماما؟ ردت بقرف: "يا عم افتكر لنا حاجة عدلة. لا متصلش من ساعة ما بعت لك أنه مسافر، لا بيتصل ولا بيسأل." اقتربت منه: "المهم، فكر دلوقتي هتكمل إزاي." عقد حاجبيه: "إزاي؟ ابتسمت بدهاء: "أنا هتصل بسمر وهفهمها الحكاية وهتعمل أنها هتتجوزها هي. ساعتها مراتك هتترمي تحت رجلك وعمرها ما تخرج عن طوعك أبدًا. اسألني أنا اللي عارفة."
وقبل أن يرد، اتصلت بسرعة على سمر وأخبرتها أن تحضر فورًا لأنها تريدها في أمر هام. حين وصلت سمر، أشارت والدة محمد له بأن يخرج قليلًا، وهو فهم إشاراتها وخرج للشرفة. قالت والدة محمد لسمر بابتسامة: "بصي بقا أنت، مش غريبة فـ هتكلم معاك علطول. محمد عايز يطلب إيدك، إيه رأيك؟ اتسعت عيون سمر بذهول: "أنت بتقولي إيه يا خالتي؟ محمد متجوز!
في تلك الأثناء، كانت حنين اكتفت من البكاء والجلوس مكتوفة اليدين لا حيلة لها في شيء، فقررت الهبوط ورؤية إن كان محمد في الأسفل أم لا، حتى تتناقش معه وتضع النقاط على الحروف، فهي ترفض الإكمال في علاقة كهذه. كانت تهبط حين سمعت والدة محمد تحدث سمر، فتجمدت مكانها وتوقفت لتسمع حديثهم. تحدثت والدة محمد بثقة: "هيطلقها يا بنتي، متشغليش بالك، ده جايب آخره منها! قالت سمر بتعجب: "مش فاهمة كلامك."
ابتسمت والدة محمد بخبث: "يعني أقولك أنه زهق منها، ولا حتى فيه بينهم حاجة من كتير خلاص، هو جاب آخره. ولا مكفية بيته ولا مهنياه على حاجة خالص، من الآخر كدة مش ست أصلًا، تملى العين ومش نضيفة ولا مهتمة ببيتها ولا بيه، وأيه أكتر حاجة تقيلة على القلب من ست مش نضيفة في نفسها ولا في بيتها ولا مالية عين جوزها، وكل شوية مدعية التعب والدلع لحد ما جاب آخره، وأحنا كمان زهقنا منها كلنا."
كانت حنين واقفة تستمع، وكل هذا الحديث بمثابة خنجر مسموم قد طعن في قلبها. لم يكن حديث محمد مجرد حديث، بل لقد اختار هوية العروس نفسها! لم تتخيل يومًا أن يخرج سر بيتهم الشخصي إلى غريب، وتتحدث والدته هكذا عنها كأنه أمر عادي، بل وتذم فيها بكل ثقة وتذكر عيوبًا ليست موجودة بها حتى تظهرها بمظهر سيئ أمام هذه الغريبة لتقنعها بالزواج من ابنها.
كانت الدموع تنهمر على وجهها دون أن تشعر، وما زاد الطين بلة، وكان الأمر الناهي بالنسبة لها، حين نادت والدته عليه، فأتى من الداخل وجلس قريبًا من سمر يبتسم لها بمودة، أكدت لها صدق نيته. عادت إلى شقتها وهي تسير كأنها لا ترى أمامها، وكادت أن تتعثر وتقع، وعقلها يسترجع جميع ما سمعته ورأته بالأسفل.
شعرت بشيء يسيل منها، فنظرت إلى الأسفل لترى دماء تنزف منها، وقد كانت تنزف بقوة إلى درجة شكلت هذه الدماء بركة حولها في وقت قصير جدًا. الغريب أنها لم تجزع ولم تهلع، بل كأنها قد تقبلت ما يحدث بصمت، وعيونها تنظر للدماء مجردة، خالية من أي شعور، ووجهها هادئ لا يظهر عليه أي تعبير. حينها استسلمت للضعف الذي ألم بها وسقطت على الأرض وأغمضت عيونها ترحب بظلام الآتي الذي يبعدها عن هذا الألم وقدر لا مفر منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!