تحميل رواية مطلوب فتاه حزينه بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
وانا افتش في هاتف زوجي المتوفى من أربعة أشهر في حادث سير، أطلت صورة لأختي نيرة في شقتها برداء المنزل. نيرة مبتسمة في الصورة بارتياحية مستفزة. عاصم، زوجي، كانت تجمعه علاقة متوترة بنيرة، والتي كانت لا تطيق سماع صوته أو حتى رؤية شكله. وكان عاصم يكرهها لأنها الوحيدة التي اعترضت على زواجنا علانية ولم تحضر حفل زفافنا. مسحت دموعي بكم قميصي. الصورة نقية، نيرة تبتسم للشخص الذي صورها، تشعر أنهم مقربون. أعرف أن زوج نيرة خارج البلاد منذ أكثر من عام. روحت أفكر كيف وصلت هذه الصورة لهاتف زوجي؟ لماذا كان يحتفظ...
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
وانا افتش في هاتف زوجي المتوفى من أربعة أشهر في حادث سير، أطلت صورة لأختي نيرة في شقتها برداء المنزل.
نيرة مبتسمة في الصورة بارتياحية مستفزة.
عاصم، زوجي، كانت تجمعه علاقة متوترة بنيرة، والتي كانت لا تطيق سماع صوته أو حتى رؤية شكله.
وكان عاصم يكرهها لأنها الوحيدة التي اعترضت على زواجنا علانية ولم تحضر حفل زفافنا.
مسحت دموعي بكم قميصي. الصورة نقية، نيرة تبتسم للشخص الذي صورها، تشعر أنهم مقربون.
أعرف أن زوج نيرة خارج البلاد منذ أكثر من عام.
روحت أفكر كيف وصلت هذه الصورة لهاتف زوجي؟ لماذا كان يحتفظ بها؟
أخرجت هاتفي وتفحصت الصور في الاستديو. فكرة ربما عاصم نقلها بالخطأ من هاتفي.
لم أجد ولا صورة لنيرة داخل هاتفي.
هاتفت نيرة وكنت منقطعة منذ مدة طويلة عنها. سألتها عن حالها وتدحرجت بالكلام عن عاصم زوجي المتوفى.
لم تتريث نيرة، هاجمت عاصم مثل كل مرة وأكدت لي خطئي بالزواج منه وأن علي حياتي أن تمضي وأجد شخصًا آخر غيره ولا أسمح للماضي أن يقتلني ويتلف حياتي.
قلت بخجل: "وجدت صورة لك في هاتف عاصم!"
لم تندهش نيرة، قالت بثبات: "ماذا تنتظرين من شخص فاسق كان يسير على حل شعره ويفعل ما يرغب به."
قلت: "الصورة بملابس البيت وتظهر خلالها أنوثتك الطاغية؟"
تنهدت نيرة: "حاولت أن أخبرك يا سارة أن خطيبك كان يلتهمك بعينيه ولم تستمعي لي، أظن تتذكرين ذلك؟"
كنت أتذكر فعلاً ذلك عندما اشتكت نيرة من نظرات خطيبي.
الغريب أنني لم ألاحظ عاصم ينظر لنيرة مثلما ادعت في تلك الفترة، ولا حتى مرة واحدة.
وعندما تكون حاضرة كان يرحل فورًا ولا يتحدث إليها.
أنهيت المكالمة وعقلي يعم بجد، عاصم كان يذهب للعمل ويعود فورًا للشقة.
لم يكن يمتلك أصدقاء يسهر معهم حتى أنصاف الليالي.
كان في رفقتي دوماً ولم ألاحظ تلكؤه ولا مرة.
نظرت للصورة مرة أخرى قبل أن أحذفها.
في يدي نيرة طبق تغسله بداخله بقايا طعام ملتصق، الماء يسيل من الحنفية، رأسها تجاه المصور بابتسامة عريضة.
شعرها منسدل بلا ترتيب فوق كتفها وظهرها.
على الحامل طبق آخر ينتظر دوره في الغسل وبقايا قطع فاكهة متروكة على الجانب.
بقع ماء على أرضية المطبخ أسفل قدمي نيرة.
ضغطت على علامة الحذف وثبتت يدي لحظة.
إذا كانت نيرة تعيش بمفردها، فمن الذي قام بالتقاط الصورة؟
نيرة لا تمتلك أطفال، والأطفال لا يلتقطون هذه الصور النقية.
فكرة مرة أخرى أن أهاتف نيرة وأسألها، لكنني أدركت أن هذا الأمر سيزعجها ويوضح لها أنني ربما أحمل شكًا تجاهها.
ومن الوارد أن تكون أختي الأخرى أو والدتي أو حتى أخي كان في شقتها والتقط الصورة.
سأمسح الصورة، قررت أخيرًا أن أحفظ ذكرى زوجي ولا أسمح للشك بعد وفاته أن يوسخها.
بعد ثلاثة أيام.
أعددت كوب شاي خفيف، سكر زيادة.
الساعة كانت تقترب من العاشرة ليلاً.
أشاهد فيلمًا أجنبيًا وأنا متكومة تحت بطانية خفيفة.
الطقس بارد، لا تكاد تشعر بأطرافك.
هاتفي بين يدي، أتصفح جروبات أدبية.
أقرأ قصصًا كثيرة لا معنى لها تنقذني من الملل.
تبدأ بيوم الدخلة، مزق ملابسها، اغتصبني فلان وعلان، قصص رخيصة لكنها مسلية حتى نهاية الفصل الأول ثم يفشل الكاتب أو الكاتبة في إيجاد الكلمات.
أقلب في صفحات الفيس.
تمر قصة خلف قصة خلف قصة.
مر مشهد في التلفاز أشعرني بالرعب جعلني أحتضن ركبتي بخوف.
لا أقرأ كتبًا ورقية مطبوعة، لا أستطيع شراءها ولا حتى إكمالها.
مرت قصة أخرى بلا عنوان، عبرتها دون قراءة.
لم يجذبني أول سطر فيها، لكن آثار انتباهي تعليق ملفت.
كتب أحد المتابعين للقصه: "رائع رائع رائع رائع" بصورة مستمرة منفّرة.
عدد لايكات القصة قليل مقارنة بالقصص الأخرى.
"ما هو الرائع الرائع؟" تساءلت بسخرية وأنا أجبر نفسي على القراءة.
"مطلوب فتاة حزينة"، كان اسم القصة مكتوبًا بلا عناية في آخر سطر مع صورة لرجل غامض يرتدي قناعًا في فمه لفافة تبغ تشعرك أنه مهرج.
كنت أول مرة أرى فيها اسم ذلك الكاتب وكانت القصة تتحدث عن جريمة قتل.
قرأت الفصل الأول بعناية وأنا أهمهم: "لا بأس به."
عدد لايكات القصة ٢٨.
الكاتب لم يرد على أي تعليق.
اسم الكاتب مونت كارلو.
أكره الحسابات المزيفة لذا نحيت الهاتف جانبًا ونمت على الكنبة في مكاني.
داخل الشقة.
سمعت طرقات الباب المزعجة.
جسدي مكسر من نومة الكنبة وأنا ملتحفة بالبطانية.
نهضت افتح الباب.
"نيرة؟" تساءلت وأنا أضم شفتي.
أختي لا تضع قدمها في شقتي منذ زواجي وحتى الآن.
"تفضلي،" قلت مستدركة دهشتي وغبائي.
هبت رائحة عطر نيرة في أنفي.
بقوامها الممشوق، قميص أحمر ضيق وتنورة مجسمة.
عيونها الخضر حقل داخل وجهها الأبيض المستدير.
حذاء أسود بياقة عنق طويلة، حقيبة كتف صغيرة مميزة ماركة جيوفاني.
لطالما كانت نيرة كتلة جاذبية مدمرة مستفزة من الجمال.
وكنا نعرف أنا وأختي أن ولا واحدة منا ستتزوج قبل أن تخرج نيرة من شقتنا رغم أنها أصغرنا سنًا.
"أنت تعيشين في مزبلة!؟" قالت نيرة وهي تمسح الشقة بعيونها.
"أكاد أشم رائحة عفونة الأطباق."
"أنا هشرب قهوة،" أردفت نيرة دون أن أسألها.
أعددت القهوة وأنا أفكر.
لما تذكرتني نيرة الآن؟
لدي نيرة اهتماماتها الخاصة بالموضة وتمتلك شلة فتيات تشبهها.
"فين الصورة يا سارة؟"
دخلت نيرة في الموضوع، تكفلت عني بعدم إضاعة الوقت.
"في تليفون عاصم، لحظة واحدة وهخليكي تشوفيه."
"أنا مندهشة كيف وصلت الصورة لهاتف زوجك؟"
"أنا كمان!" صرخت كي أسمعها.
احتست نيرة القهوة وهي تعاين الصورة وتغرقني بأسئلة تافهة قبل أن تقوم بحذفها بنفسها وتودعني في عجالة وترحل.
جلست مع نفسي، كنت أعرف أن نيرة لا يهمها غير نفسها.
أخطأت حينما فكرت أنها من الممكن أن تكون مهتمة بي كأخت حزينة وحيدة.
فنيرة لا يهمها سوى نفسها وتضع مصلحتها قبل أي شخص.
بعد ساعات عندما هبط الليل وراحت الوحدة تلقي بغطائها من حولي.
فتحت الفيس.
ظهر أمامي "مطلوب فتاة حزينة"، نفس القصة مرة أخرى كأنها تتعاندني.
كان هناك أكثر من جزء على ما يبدو وكنت أقرأ الفصل الثالث وبدأت أستمتع بالقصة البوليسية التي تحل ألغاز قضية غامضة.
كلمات الكاتب كانت مستفزة لحد بعيد، يكاد يشعرك أنه يعرف كل شيء.
وأولئك الذين يدعون معرفة كل شيء يفتقدون الحكمة.
فتحت صفحة الكاتب الذي يضع صورة طفل بريء كواجهة لمتصفحه الكاذب.
استغرقت وقت طويل حتى أعرف أن لا أحد يعرفه حق المعرفة وأنه شخص غامض ومريب.
لكن أفكاره أعجبتني.
كانت المرة الأولى التي أرسل فيها رسالة لأي شخص غير زوجي.
كتبتها وأنا أشعر باليأس: "أريد مساعدتك".
ثم أغلقت هاتفي ونمت.
عندما فتحت عيني توقعت أن أجد سيلًا من الرسائل تغرق الماسنجر.
لكني رأيت رسالتي تجلس وحيدة داخل الصندوق مع "seen" وعدم رد.
أطلقت لعنة ومسحت الرسالة، ولومت نفسي لطلب المساعدة من شخص مزيف لا أعرفه.
بعد أسبوع كامل وكنت أتصفح الفيس كالعادة.
وصلتني رسالة مقتضبة: "كيف أخدمك؟"
كانت من هذا الشخص وتعجبت كيف قرأ رسالتي الممسوحة.
تباطأت دقيقة أفكر، وكنت غيرت رأيي بالفعل.
ثم كتبت: "لا شيء، الرسالة وصلت بالخطأ."
كتب: "لا مشكلة."
وصلتني الرسالة دون أي تعقيب.
لا أعرف لماذا، لكن شعرت أن هذا الشخص من الممكن أن يساعدني فعلاً.
كتبت بخجل: "أحتاج رأيك."
وكنت أظن أنه لن يرد.
"تفضلي."
وصلتني هذه الكلمة بمفردها.
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
شرعت أكتب له قصتي وكنت أكتب ببطء.
كتب لي: "إذا كنت لا تمانعين، ابعثي لي رسالة مسجلة".
لم يطلب مني الحديث في الهاتف.
أخذ مني ذلك أكثر من ساعة.
أرسلت الفويس وانتظرت رده.
كتب: "سأسمع الفويس وأخبرك برأيي".
كان جادًا جدًا لدرجة تشعرك أنه غير مهتم، أو أبعد من ذلك، يشعر بالضيق.
جلست في الصالة وكنت لم أغسل وجهي بعد.
الساعة الحادية عشرة ظهرًا.
أعددت فنجان قهوة والتهمت قطعة كيك.
حاولت أن أمنع عقلي عن التفكير وظللت ساكنة أكثر من نصف ساعة.
حتى وصلتني رسالة منه: "صوتك جميل".
زممت شفتي وأطلقت لعنة.
الرجال كلهم واحد.
وأنا التي كنت أظن أنني عثرت على المساعدة، وجدت رجلًا يتغزل بصوتي؟
انتظرت لعله يكتب أي شيء آخر.
ولم يحدث ذلك طوال فترة الظهيرة، مما أصابني بالقلق والضيق.
اقتحمت متصفحه مرة أخرى أفتش عن شخص يعرفه في تعليق أو رسالة.
لا أحد يعرفه، والبعض يطلب رؤيته.
زادني ذلك شكًا وريبة.
مر النهار وحل ليل كئيب آخر.
وأنا أرمق هاتفي بفضول حتى ظننت أن ذلك الوغد نسى مشكلتي وكل شيء يخصني.
ومضى معظم الليل ولم يصلني أي شيء.
قررت النوم وتمددت على سريري.
سأتناسى كل ذلك وأريح دماغي.
في الصباح عندما فتحت هاتفي، كانت هناك رسالة مطولة في صندوق الماسنجر.
أنهها برغبته في محادثتي عندما أكون خالية من المشاغل.
فكرت أن أمسح المحادثة وأنهي كل تلك المهاترات.
لكن فضولي منعني.
"هناك أمر هام علي مناقشته معك".
كتبت: "تفضل".
"لديك الصورة؟"
قلت: "لا، الصورة تم حذفها".
(إيموشن غاضب) متبوعًا: "أتمنى أن تكون ذاكرتك حاضرة حتى لا نفسد الأمر برمته".
شعرت بالغضب وكتبت: "إيه؟"
"اشرحي لي الصورة بالتفصيل؟"
كتبت كل شيء أتذكره، وأنا أعرف عدم جدوى كل ذلك.
"الأطباق؟؟؟؟؟؟".
(علامة استفهام) مكتوبة.
كتبت: "مالها؟"
"وضحي لي نوع الطعام في الأطباق؟"
كتبت: "أحكي لك عن مشكلة وكل ما يهمك نوع الطعام".
"اسمعي، إن كنتِ تظنين أنها مزحة، أغلقي هاتفك ولا ترسلي لي مرة أخرى. لا أحتاج أن أبرر نفسي لك. طلبتِ مساعدتي. ماذا تنتظرين مني؟ أن أغني لك أغنية؟ افتحي فمك من فضلك، أجيب على الأسئلة".
ورغم أن نبرته كانت عنيفة تشعرك بالغيظ، إلا أنها جعلتني أضحك.
يعتقد نفسه محقق شرطة.
المهم كتبت نوع الطعام.
"تتذكرين أن كان نوع الطعام هو نفسه في الطبقين؟"
كتبت: "نعم".
"جيد، هذا يعني أنهم كانوا شخصين وليس شخص واحد. لو كان شخص واحد لاكتفى بطبق واحد من نفس النوع".
كتبت: "أخبرتك أنه من الممكن أن تكون أختي، أخي، والدتي!".
كتب: "اللعنة! بربك أرحميني من تعليقاتك. هل تعتقدين أن أختك نيرة المتكبرة المغرورة التي ترتدي ساعتها ماركة أنالوج في المطبخ ستمنح تلك الابتسامة الرائعة لأي شخص؟ لم تكن والدتك ولا أختك ولا أي شخص من عائلتك، أنا متأكد".
لم يقنعني استنتاجه.
كتبت: "إنني غير مقتنعة".
كتب: "أراهنك أن تكشفي كل أسرارك أمامي إذا كان تحليلي صحيح. في المقابل، لن أرسل لك حرفًا آخر إذا كنت خاطئًا".
وقبل أن أكتب الرد، رحل مع كلمة: "في انتظارك!".
قصدت منزل والدتي.
كانت المرة الأولى بعد وفاة عاصم التي أغادر فيها شقتي.
سألت أختي أولًا وقالت إنها لم تذهب لشقة نيرة مطلقًا.
أخي أيضًا أكد أنه لم يقم بزيارتها مؤخرًا.
والدتي قالت إنها زارت نيرة.
ابتسمت، كل توقعاته فشنك.
وكدت أنهي المسألة لولا أن والدتي قالت إنها لم تتناول الطعام مع نيرة وكانت متأكدة من ذلك.
في طريقي نحو المنزل، أرسلت له رسالة: "توقعك في محله".
وكنت أعرف أنه سيلطعني ساعة أو أكثر حتى يتفضل علي برده.
لكنه أرسل رسالة سريعة: "يجب أن أراك، حددي مكان وموعد".
ارتعشت يدي وأنا أفكر.
ماذا يعتقدني؟ فتاة ليل؟
لا يمكنني إلا أن ألوم نفسي لطلب المساعدة من شخص غريب غامض متكبر.
كتب: "انت بتقول إيه؟ ده لا يمكن يحصل، انت مجنون، انسى كل حاجة، أنا غلطانة إني كتبت لك، بعد إذنك لا ترسل ولا أي كلمة أخرى".
وأغلقت هاتفي.
قضيت يومًا مملًا آخر.
وكانت صورة عاصم تظهر لي كلما شردت ونيرة في حضنه.
أبعدت تلك التخيلات عن عقلي.
إنها أختي من لحمي ودمي.
لكن عقلي الشرير لم يتوقف عن الثورة والهيجان.
معقول عاصم بيخونى؟
انتحبت بشدة حتى تقيأت معدتي.
ما حدث قد حدث.
ما الفائدة الآن إن كان عاصم خائنًا من عدمه؟
سأوسخ سمعة أختي أمام العائلة وزوجها.
ربما كانت جارتها، صديقة لها من التقط الصورة وكل شكوكى لا محل لها.
مضت اثنتي عشرة ساعة ورسالتي لم يتم قراءتها.
حتى اعتقدت أن هذا الوغد لديه خاصية ما تسمح له قراءة الرسائل دون أن تظهر عندي.
استحقرت نفسي وقررت مسح الرسائل وتبليك صفحته.
لكن كرامتي منعتني.
سأترك الرسالة حتى يقرأها ويعرف أنني لست فتاة سهلة أو رخيصة.
بعد أربعة وعشرين ساعة، وصلتني رسالته: "لا مشكلة، مع السلامة".
كنت أتوقع قصيدة عن الشرف والأمانة.
أن يدافع عن نفسه، أن يتهمني بأي شيء.
لكنه كتب: "مع السلامة".
جلست أفكر رغمًا عني.
لو كان يعتقدني فتاة سهلة أو حتى سيئة، لحاول التقرب مني لا أن يتركني بتلك السهولة؟
ظللت أسبوعًا أكافح أن لا أكتب له.
أسبوع بائس تخبطت خلاله أفكاري وذهبت نحو المجهول.
أخيرًا كتبت له رسالة: "يمكنك أن تساعدني هنا، لكن انسِ موضوع المقابلة".
"لماذا أنت مهتم برؤيتي؟"
وظننت أنه لن يرد.
لكنه كتب: "لحظة واحدة. إن كنتِ تعتقدين أنك مهمة للحد الذي يدفعني لطلب رؤيتك، يؤسفني أن أخبرك أنك فتاة تافهة. ما يشغلني قضيتك. أحب الألغاز وأعرف أن خلف كلماتك قصة كبيرة. قصة تثير فضولي وتدفعني للتفكير بعمق".
"عليك أن تعرفي أن آخر ما أفكر به رؤية امرأة. لا أحب الثرثرة. إذا لم يكن لديك رغبة في مساعدتي لكشف لغز خيانة زوجك، لا ترسلي لي مرة أخرى".
أصابني رسالته بالحنق والخوف والفضول.
وكتبت عشرة رسائل كنت أمسحها دون أن تصل.
"ماذا تعتقد نفسك؟"
"كيف تتحدث معي بتلك الطريقة؟"
"أنت شخص ساخر مغرور".
"إسماعيل موسى".
ووجدتني في آخر الليل أبعث له رسالة: "مستعدة لمقابلتك بالغد".
لا أعرف كيف فعلت ذلك، لكن عقلي وقلبي كان يغلي من الحيرة والفضول.
"بالغد لا يمكنني رؤيتك".
"جاءني رده".
"ولا بعد غد. مزاجيتي ضبابية ولا يمكنني مغادرة قوقعتي. اجعليها يوم الجمعة في منتزه عام. وحتى يطمئن قلبك، لا ترسلي لي اسم المكان ولا عنوانه حتى أخبرك أنني تحركت من مكاني".
جعلت أتأمل رسالته وبعض الخوف رحل عني.
لو كان ينتوي الشر لانتهاز الفرصة ومرر أوامره.
كتبت: "حسنًا، لا مشكلة، يوم الجمعة".
يوم الجمعة الساعة الثانية ظهراً بعث لي رسالة: "تحركت من مكاني. من فضلك أرسلي اسم المكان والعنوان".
أرسلت له اسم المكان والعنوان.
ارتديت ملابسي وانتظرت رسالته كثيرًا من الوقت حتى أصابني القلق.
أخيرًا كتب: "أنا تائه، من فضلك اشرحي لي كيف أصل إليك".
تابعته على الهاتف حتى وصل المنتزه وطلبت منه أن ينتظرني هناك.
عندما وصلت كان جالسًا على أريكة شارد في هاتفه.
يرتدي بنطال تريننج بني، تيشرت لبني وسويت شيرت بلون عباد الشمس، حذاء رياضي ونظارة شمس سوداء تغطي عيونه.
كان يجلس وكأنه هارب من عيون الناس ولا يريد أن يلمحه أحد.
جسده يميل للطول والنحافة، خمري البشرة.
لحيته كثة جميلة وشعر رأسه خفيف راح الشيب يسرح خلاله والصلع بدأ ينتشر في رأسه.
مشيت بخجل حتى توقفت أمامه.
لم يرفع عينه نحوي، ظل بصره مثبتًا على هاتفه.
قلت: "مرحبًا، أنت مونت كارلو؟"
رفع نحوي وجهه خجلًا وأطلق ابتسامة فاترة وقال بنبرة خجولة: "مرحبًا".
جلست وهو يتأملني بطرف عينه.
ظل الصمت بيننا زهاء دقيقة حتى قال: "تعرفي؟ قبل رؤيتك كان لدي سبب واحد لمساعدتك. الآن لدي سببين".
قلت بتوتر: "ماذا تعني؟"
صمت لحظة ونظر تجاه الأزهار المتمرغة في أشعة الشمس.
"في البداية دفعني فضولي لسماع قصتك ولاحظت جديتك. وأنا أحب حل الألغاز الغامضة. هذا ما دفعني لقبول مساعدتك".
صمت.
انتظرت أن يكمل حديثه لكنه بدا واضحًا أنه اكتفى بهذا الحد.
قلت: "والسبب الآخر؟"
رفع وجهه بخجل: "عليك أن لا تسخري مني عند سماعه. عديني بذلك؟"
قلت: "أعدك".
قال بنبرة صارمة: "حتى أعرف كيف لإنسان وغد أن يخون هذا الجمال الخالص".
تورّد وجهي من الخجل.
كانت أجمل كلمات غزل سمعتها في حياتي.
أشعل لفافة تبغ ووضعها في فمه، ونظر لبعيد بظهر منحني.
"لم أحضر هنا لمغازلتك ولا حتى إثارة إعجابك وخلق قصة تافهة تنتهي بالفشل. لا يهمني زوجك إن كان خائنًا من عدمه وأنا غير مهتم بجمالك الخلاب الذي يجعل الحجر ينطق".
"لكن من المهم أن تعرفي الحقيقة وأن الأيام والشهور والسنين التي قضيتها مع زوجك كانت مع شخص خائن لا يحبك".
فكرت في كلامك لمدة أسبوع وأجد أن الحق معك.
من الممكن أن تكون جارة أو صديقة هي التي كانت حاضرة مع أختك في الشقة.
ثم رفع وجهه المختفي تحت النظارة.
"إحساسي يخبرني أن أختك خائنة وأنها كانت على علاقة بخطيبك".
قلت مصححة: "تقصد زوجي؟"
أطلق ابتسامة كبيرة.
مسحها عندما لاحظ توتري واضطرابي.
"أقصد خطيبك. الخيانة بدأت من زمن بعيد ما وصل لك آخر فصولها وربما لقاء وداعي بعد تأنيب طويل من الضمير".
"انت عايز تقول إن عاصم كان بيخوني من أيام الخطوبة؟"
قال: "الذي أرغب بقوله أن القصة ليست كما تبدو. ورغم أن مدة الخيانة نفسها غير مهمة، لأنها خيانة في الأخير، لكن من حق الإنسان أن يعرف كم من الوقت ظل مخدوع. أعرف أن هذا لا يسهل الأمور لكنه أمر جيد بالنسبة لي".
"من المستحيل معرفة هوية الشخص الذي كان يرافق أختك داخل الشقة دون إحداث ضجة".
"سيصل الأمر لأختك المغرورة التافهة وستعمل على قتل كل الأدلة".
"يمكنني رؤية صورة المغفور له زوجك؟"
قلت: "نعم".
أخرجت هاتفي وناولته ليرى الصورة.
ظل يحدق في الصورة أكثر من ثلاثة دقائق.
"والآن صورة أختك؟"
قلت: "لا أعرف، أظن لدي صورة قديمة".
فتشت داخل هاتفي حتى وجدت صورة لنيرة قبل زواجها.
وضع الصورة أمام النظارة وراح يقلبها، يكبرها ويصغرها بثبات وتركيز.
كانت أصابع يده شبه مرتعشة.
لم يحاول إخفاء ذلك.
ثبت عينيه على عيون نيرة الخضر حتى ولي.
"سامحني الله".
شعرت بالغيرة.
اختلجت ملامح وجهه وهو يرفعه نحو شجرة جوز ناهضة قريب منا.
"شكرًا لك!".
همس وهو يعيد الهاتف.
"يمكنني مساعدتك إذا كانت لديك رغبة عميقة بالفهم. سيستغرق الموضوع بعض الوقت ولا أعدك بحل سريع سهل. أنا لست شيرلوك هولمز".
"ستكونين بجانبي، لن تبتعدي، فأنا لست خادمك الخاص ولا محقق مأجور. كما تتعبين ستتعبين، كما أرهق سترهقين".
كان كلامه غريب لكن مريح.
اختفت كل شكوكى نحوه.
قبل أن أصل حضرت عشرات الأسئلة المتشككة لأخنقه بها.
أهمها: لماذا يرغب بمساعدتي؟
لكن نظرته التعسة التي أطلت عندما نزع نظارته جعلتني أتوقف على الفور.
قلت بخجل: "أشكرك".
قال وهو يشعل لفافة تبغ أخرى: "لن نلتقي مرة ثانية، لا تقلقي. لا أحب أن أثير المشكلات والتساؤلات ولا أرغب أن تعتقدي أنت بسوء نيتي تجاهه. وعدم جدوى التبريرات التي قد أقدمها لأثبت لك شرفي. أنا غير مضطر أصلًا ولا أحب ذلك".
"قلتي في إحدى رسائلك، نيرة لم تكن تطيق عاصم وأن عاصم كان يحمل لها نفس الكره. وأن نيرة كانت من أشد الرافضين لزواجك. وهذا تحديدًا ما جعلني أعتقد بوجود الخيانة".
"أجل، الرجل لا يمكنه أن يرفض امرأة جميلة إلا إذا كان كائنًا ليس بشريًا".
قلت: "هناك شيء آخر، لكن أظنه غير مهم؟"
سألني بشرود: "فارس أخي كان يحب نيرة جدًا ويفضلها علينا ولا يتوقف عن زيارتها. لكن بعد زواجي أحبني أكثر منها وأصبح لا يزورها إلا نادرًا".
برقت عيناه واللمعت وتمكنت من رؤية بعض أسنانه المسودة من التدخين عندما ابتسم.
وشعرت أنني قلت شيئًا مهمًا حتى أنه سجله في هاتفه.
"أخيك غير مهم".
قال بلا مبالاة بعد لحظة من الصمت.
ودعني بعد أن سألني عن مقهى قريب لأنه يرغب بتدخين الشيشة.
في طريقي إلى المنزل كان هناك سؤال يأكل رأسي.
كنت أشعر أنه ضابط شرطة متخفي، أو إنسان من كوكب آخر.
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
شربت كوب شاي ليبتون الأخضر وشعرت بمرارته في بلعومي.
رغبتي في الرشاقة ستقتلني يومًا ما.
لماذا أنسى دائمًا أنني تعديت الأربعين، بينما أقراني يحشون الأطعمة في معدتهم بلا توقف بعد أن سحقوا أحلامهم وتطلعاتهم.
أطلقت دفعة من الدخان وأنا أخرج دفتر ملاحظاتي الصغير.
قالت سارة إن أخيها فارس كان يحب نيرة أكثر من أي شيء، ثم فجأة ترك كل ذلك الحب وعاد لأحضانها، ولم يعد يرى أخته الجميلة إلا نادرًا.
لا يفعل شخص ذلك دون أسباب عميقة.
وجدتني أكتب في أعلى الصفحة "نيرة" أكثر من مرة، مما جعلني أشعر بالتقزز.
"أيعقل أن جمالها أبهرني للحد الذي دفعني لأكرر اسمها دون وعي؟"
كان عنوان نيرة مسجلًا عندي، المكان قريب.
الساعة تقترب من الخامسة عصرًا، وقت مناسب لزيارة خاطفة.
دفعت حساب المقهى، ومنحت النادل عشرة جنيهات وطلبت منه أن يحتفظ بالباقي.
سرت خلال الطريق.
كنت مضطرًا للسير، وفكرة استقلال تاكسي بدت مزعجة بالنسبة لي.
فما يفعله السائقون معي يجعلني أرحب بالموت سيرًا على الأقدام عن استقلال سيارة مع إنسان لا يتوقف عن الثرثرة وخلق حوارات تافهة تسحق عقلي.
احتجت لسؤال أكثر من شخص حتى أصل للعنوان.
بناية من أربعة طوابق، عمارة معقولة التفاصيل.
شقة نيرة في الطابق الثالث، تمتلك شرفة واسعة تطل على الشارع.
بقيت في مكاني في الجهة المقابلة للشقة وأشعلت لفافة تبغ.
"امرأة مثلها لن تتأخر في فتح الشرفة وإلقاء نظرة على العالم الصاخب، فبعض البشر يعتقدون أنهم مركز الكون."
قبل أن أنهي سيجارتي، أطلت بوجهها الأبيض، تحبس شعرها داخل بندانة سوري وترتدي تيشيرت نص كم.
ألقت نظرة وقحة على الطريق، وقبل أن تهم بإغلاق الشرفة، لاحظت الكائن الذي ينظر إليها.
لم تبدِ أي اهتمام كما توقعت، وصكت الشرفة في وجهي بكل وقاحة.
أطلقت ابتسامة صفراء رائعة.
"هكذا يسير الأمر، الذين لا يبدون أي اهتمام هم في الحقيقة أكثر الناس تدقيقًا في التفاصيل."
"ستفكر بي،" همست داخل نفسي. "ليس إعجابًا ولا حبًا."
واضعًا في بالي الاحتمالية الكبيرة لعدم فتحها الشرفة مرة أخرى، أخذت بعضي ورحلت.
استقللت سيارة سرفيس نقلتني لأخرى، وهكذا حتى وصلت بطلوع الروح للمترو، وانحشرت بين المسافرين ولم أجد مقعدًا خاليًا قبل محطة عزبة النخل.
غادرت المحطة واستقبلني الشارع الواسع الضاج بالمارة.
قطعت حوالي مائتي متر حتى وصلت عربة يعمل عليها رجل مسن طيب يعد الساندوتشات.
اتخذت مقعدي وروحت ألتهم الطعام بنهم.
راح الهاتف يرن باسم خالي.
"لن يتركني الرجل حتى نلتقي ونقتل صدورنا بالدخان."
فتحت الهاتف وأجبت بطريقة آلية.
"أعرف المكان، سأكون هناك."
"أشعر أن حياتي تنفلت من بين يدي عندما أفعل شيئًا لا أرغب به."
"تن تن تن."
أغلقت منبه الهاتف اللعين ونهضت بسرعة أغسل وجهي.
بدلت ملابسي وأنا أعرف أن مشوارًا طويلًا ينتظرني.
"على مراقبة تلك الوقحة، وأن أكون هناك قبل موعد استيقاظها الذي حددته بالعاشرة وربع صباحًا."
في طريقي، خطفت ساندوتش طعمية وأكلته وأنا أسير في الطريق تحت نظرات المارة المتربصة.
تحت البناية، لهثت من التعب.
أشعلت لفافة تبغ وأنا أحدق بساعتي التي لم تتعد العشرة بعد.
"افتحي الشرفة اللعينة، لن أنتظر اليوم بطوله، أنتظر طلتك الغبية. كل ما أحتاجه نظرة واحدة قبل أن أرحل."
في العاشرة والنصف، فتحت الهانم شرفتها، وما إن لمحت رأسها، بصقت على الأرض وغادرت المكان فورًا.
كنت متأكدًا أنها لمحتني، ولا أريد شيئًا آخر.
قبل نهاية الطريق، اصطدمت بنظرات شاب متربص.
لم يتعد عمره الخامسة والعشرين، كان شديد الشبه بنيرة.
ابتعدت عنه وأنا أكاد أهرول.
تابعني الشاب بنظراته حتى اختفيت.
بعثت رسالة لسارة طلبت منها رؤية صورة لأخيها فارس.
ترددت سارة لحظة، لكنها لم تتحمل نبرتي الغاضبة، وخلال دقيقة وجدت الصورة عندي.
"مرحبًا."
قلت وأنا أحدق بالصورة.
"ظهرت قبل الموعد الذي حددته."
غادرت المكان بسرعة.
"ما أفكر به يحتاج وقتًا، وكان علي أن أعرف جدوى الطريق الذي أسلكه."
راسلت سارة، كنت أحتاج رأيها في مقابلة أخرى.
"لا مشكلة."
قالت سارة بارتباك.
"عليك أن تعلمي ما أفكر به أولًا."
"أريدك أن ترتبي لقاء بينك وبين نيرة."
"عايز نيرة تشوفنا مع بعض!"
"إيه ده؟ انت بتقول إيه؟ ممكن تحصل مشكلة، نيرة ممكن تبلغ أهلي؟"
"لن تبلغ أهلك، أنا أفهم تلك اللعينة وأعرف أنها ستحتفظ بلسانها داخل فمها."
"بص، دا موضوع مش ممكن نسيبه للتوقع والشك، أصلها مش قصة بتكتبها؟ سمعتي هتكون على المحك!"
"احنا هنتقابل في مكان عام يا سارة، مش في شقة خاصة."
"نيرة لازم تشوفنا مع بعض."
"ثم انتي قلقانة ليه؟ لو شخص من عائلتك وجهلك كلام، قولي واحد معجب وعايز يتقدم يخطبني."
"سارة بقلق، أنا حاسة الموضوع بيتطور بسرعة وأكثر من اللازم!"
"ما فيش مشكلة."
"خلينا ننهي كل حاجة، أنا مش هضغط عليكي عشان مصلحتك."
"أنا لازم أعرف الحقيقة، مش هقبل بجاحة أقل من كده."
"طيب، الحقيقة دايما بيكون ليها تمن، مش معقول هنجيب أختك ونقرص ودنها ونقولها اعترفي."
"بصي يا بنت الناس، أنا هنا عشان أساعدك، مستعدة؟"
"ماشي."
"مش مستعدة، هختفي زي ما ظهرت."
"عايزة تقابلني امتى؟"
"بكرة."
"كلمي أختك، اخترعي أي حاجة وخليها تشوفني معاكي."
"أما مش فاهمة حاجة، عايز نيرة تشوفك معايا ليه؟"
"هتعرفي كل حاجة في وقتها."
أغلقت الهاتف وأنا أشعر بالحنق.
"لا أمتلك وقت لكل هذا الهراء."
"فتاة جبانة، مغفلة."
في نفس المنتزه، كانت سارة تنتظرني.
لم نجلس، طلبت منها أن نظل واقفين حتى لمحت نيرة تقترب.
وقفت من بعيد تنظر نحونا، وارتسمت على شفتيها ضحكة ساخرة.
"أنا همشي دلوقتي، لو سألتك عني، قولي شخص تايه كان بيسأل عن عنوان."
"سلام."
ابتعدت عن سارة ومررت بجوار نيرة والتفت أعيننا للحظة.
لم تتفاجأ نيرة برؤيتي كما توقعت، بدت عادية ومرت بجنبي كأنني كلب زقاق.
كنت في مكان بعيد حتى انتهى اللقاء القصير.
نيرة أخذت تاكسي ومشيت.
وسارة انطلقت نحو شقتها القريبة.
هاتفت سارة "ها، حصل إيه؟"
"سألتني عنك، قلت شخص تايه بيسأل عن عنوان."
"إيه اللي حصل بعد كده؟"
"محصلش حاجة، نيرة متكلمتش تاني في الموضوع."
"متأكدة إن نيرة مقالتش إنها شافتني قبل كده؟"
"طبعًا، نيرة ما جابتش سيرتك في أي كلمة."
"سلام."
فكرت أن علاقة متوترة تجمع نيرة بسارة.
وتحيرت لماذا نيرة لم تقل لأختها أنني كنت واقفًا تحت شقتها أكثر من مرة.
لم أضيع الوقت.
بعد ساعة، كنت أقف أمام بناية نيرة أنظر لشقتها.
كنت أنتظر أن تظهر، عيني في وسط رأسي أراقب الشارع.
عندما ظهر أخوها من بعيد، ولمحته، ابتعدت بسرعة.
"فارس يراقب نيرة، فارس لديه أسرار أيضًأ."
"لا يراقب أخو أخته بهذه الطريقة إلا إذا كان يحمل شكوكًا نحوها."
"عندما قالت سارة إن علاقة فارس بأخته تغيرت، توقعت أن لديه سر، وليس مستبعدًا أنه يعرف بأمر خيانة أخته."
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
استخدمت علاقاتي المشبوهة حتى تمكنت الوصول للتقرير الطبي لوفاة عاصم. حادث سير.
يذكر التقرير أن الجثة لم يكن بها أي خدش يوحي أنها تعرضت لارتطام تسبب بالموت. عندما عاين الطبيب الجثة كانت ميتة، وكان هناك احتمالية موت عاصم قبل أن تصدمه السيارة التي اتضح أن سائقها كان يستخدم السرعة القانونية وضغط الفرامل قبل الاصطدام. حتى أن المارة أكدوا أن السيارة بالكاد لمست عاصم.
شعرت بأني أقرأ تقريرًا من ألغاز في إحدى قصص كريستي. الشرطة لم توجه تهمة القتل غير المقصود للسائق. كل الشهود أكدوا أن السيارة بالكاد لمست القتيل، وأنه كان يسير في الشارع بوجه شاحب شارد.
أغلقت الملف وأعدته في مكانه بعد أن سجلت عنوان السائق الموجود في التحقيقات. ولم أحتاج وقتًا طويلاً للوصول إليه.
بدا لي السائق صادقًا جدًا. رجل بسيط، سهل، إنساني. وضح لي أنه حزين جدًا لوفاة ذلك الشخص. وأقسم لي أن السيارة بالكاد لمسته وأنها توقفت فوق الجسد الذي سقط على الأرض، مما يعني أنه كان ميتًا بالفعل.
"كان وجهه شاحب. قال الرجل: تكاد تشعر أنه يهرب من شيء ما."
استقللت سيارة أجرة رغمًا عني وزرت المقبرة التي يقبع داخلها جسد عاصم. اسمه مكتوب على الرخامة: شهيد الشباب.
تيبست هناك أكثر من دقيقة وأنا أدخن لفافة تبغ حتى لحق بي الحارس.
"التدخين ممنوع هنا يا أستاذ!؟"
"انت إيه معندكش دم؟ ولا دين؟"
أخرجت سيجارة ومددتها للحارس الذي رفضها ودفعها بعيدًا عنه.
"انت مش بتدخن؟"
رد الحارس بعصبية: "انت مالك أدخن ولا ما أدخنش، شأنك إيه بيا؟"
"النوعية التي أكرهها من البشر تقف أمام عيني. اسمك إيه؟"
"انت هتعمل لي محضر، اطفي المخروبة دي وامشي من هنا."
أطلقت ابتسامة صغيرة.
"هو زيارة المقابر حرام؟"
"مش حرام، لكن التدخين مينفعش هنا. روح أي قهوة ودخن براحتك."
"هي الناس مبقاش عندها دين خلاص."
"كنت تعرف الميت؟"
رمقني الحارس باستحقار: "لا معرفوش، هو أنا لازم أعرف كل ميت هنا؟ وبعدين حتى لو كنت أعرفه انت مالك؟"
"تعرفه؟"
حدقني الحارس بنظرة شاتمة: "شكلك مجنون ضارب جوان على الصبح وهتطلع ميتين أمي."
"عايز أفتح المقبرة وأشوف الجثة."
صرخ الحارس في وجهي بوقاحة وهو يمسك بتلابيب قميصي: "امشي من هنا."
وجرني بعيدًا عن المقبرة.
"انزل إيدك." أمرته وأنا أنزع نظارتي. "متتطرنيش أمارس العنف معاك."
"خايف ليه من فتح المقبرة؟ مخبي إيه؟"
صرخ الحارس مرة أخرى: "عايزني أعتدي على حرمة الموتى بصورة غير قانونية. وبعدين انت مين؟ مباحث؟ شرطة؟"
"لا." قلت له وأنا أرمي السيجارة على الأرض. وأخرجت من جيبي نقودًا. نقود كثيرة لا يمكن أن يرفضها أي شخص بالمجان.
نظر الرجل نظرة عن النقود ولاحظت تغير ملامح وجهه.
"مش هفتح المقبرة واتفضل امشي من هنا."
"مين قال إننا هنفتح المقبرة؟ أنا هدردش معاك شوية."
"لاحظت أي حاجة غريبة في الجثة؟"
"هو أنا هفتكر إيه ولا إيه، الموضوع ده مر عليه وقت طويل."
وضعت النقود في يده.
"حاول؟"
"كل حاجة كانت طبيعية، الجثة كأنها ميتة موت طبيعي. لكن تاني يوم في الليل... استغفر الله العظيم يا رب... زي ما أكون سمعت صرخة في المقبرة هنا."
"كنت خايف جدًا. خدت المصباح والعصاية ووصلت هنا. مكنش فيه حد."
وتلعثم الرجل لحظة، قبل أن يقول: "حسيت إن المقبرة اتفتحت لأن التربة اللي كانت عليها كانت متخربشة ومبلولة."
"شكرًا." قلت وأنا أودعه.
كانت شقتي مقلوبة عندما فتحت الباب. كل ملابسي ملقاة على الأرض، الخزانة مفتوحة، الأثاث مقلوب.
وقفت على باب الشقة أشعر باستياء، ثم طرقت باب أم محمود جارتي وصاحبة الشقة.
فتحت المرأة الباب: "خير يا أستاذ؟ المواسير سربت تاني؟"
"لا، فيه حد دخل الشقة في غيابي؟"
مصت أم محمود شفتيها: "ناس قرايبك وصلوا هنا وسألوا عليك. كان شكلهم ولاد ناس. وانت منبه عليه أي حد يوصل من طرفك افتح له الباب لو كنت مش موجود."
"انت بتختفي باليومين والتلاتة أصلًا، حد بيعرف انت فين؟"
شكرت أم محمود ودفعت الإيجار المتأخر.
"على فكرة سعاد اشتكت لي إنك بطلت تديها درس وإن زمايلها قربوا يخلصوا المنهج!"
"متقلقيش يا أم محمود، أنا أقدر ألم منهج سعاد في تلت ساعات، وأظن كل ترم سعاد بتنجح بتفوق."
"ما هو ده اللي مجنني، البنت بتجيب درجات في مادتك انت بس مع إن مش بشوفك قاعد معاها غير كل فين وفين!"
"هو انت مش راضي تدي ندى بنت سحر درس ليه؟"
"الست هتموت وبنتها تاخد درس عندك زي بنتي."
"مليش مزاج." قلت. "أنا مش مدرس، أنا بدرس بنتك من باب التسلية وإضاعة الوقت."
"خسارة، عارف والله لو تحط إيدك في إيدي وتعمل لك مجموعة ولا اتنين الفلوس هتلعب في إيدك."
"وأصبح لعبة في يد أولياء الأمور؟ أنا مؤلف، كاتب، مش مدرس."
أدرت ظهري للمرأة وأنا أعرف أنها لن تتوقف عن الكلام طول النهار.
جلست على المقعد وأشعلت سيجارة. الشقة محتاجة يوم عشان ترجع زي ما كانت. نزعت قميصي وشرعت أرتب الشقة.
"مين وصل هنا وكان منتظر يكتشف إيه؟"
ولأول مرة أشعر أنني أسير في الطريق الصحيح وأن القضية ليست عادية ولا مجرد صدفة.
هناك جريمة حدثت وأنا دخلت عش الدبابير. قبل ساعات كنت أقول ولدي شك أن احتمالاتي خاطئة، لكن الآن لدي إثبات أن هناك جريمة.
هاتفتني سارة وطلبت مقابلتي. رفضت طبعًا، تعللت بالمشاغل والخطر. "الناس هتقول إيه يا سارة لو شافوني معاكي تاني؟"
قالت سارة: "أنا مش بعمل حاجة غلط، انت قلت كده، ثم لدي أشياء أريد مناقشتها معاك."
"وقت تاني." وعدتها أن أخبرها حين أكون متفرغًا. لا يمكن لسارة أن تساعدني في تلك القضية. دورها انتهى تقريبًا، عليها أن تشاهد من بعيد.
"شفتي نيرة تاني؟"
"أيوه يا سيدي، تقلش الصدف مش بتبطل. امبارح كانت عندي وقعدنا شوية مع بعض."
بسرعة فتشت صندوق رسائلي وأنا أسألها: "انتي مسحتي نمرتي من سجل المكالمات زي ما طلبت منك؟"
"أيوه بمسحها بعد ما أكلمك." ثم قالت بخجل: "نيرة النهاردة سألتني إن كنت بفكر في الجواز مرة تانية؟"
"قلت لها ليه عندك عريس؟"
"تصوري قالت: انتي ألف من يتمناكي. أول مرة نيرة تقول كلمة طيبة."
"وف." لا أتحدث مع سارة كي أحل مشكلة زواجها أو أن نتعرف على بعضنا. ضغطت على نفسي وتمنيت لها حياة سعيدة.
طلبت من سارة عنوان بيت العائلة. كان عندي فضول أراقب فارس، لشك أنه الشخص الذي زار شقتي أثناء غيابي.
اخترت مقهى قريبًا من المنزل وجهزت نفسي لجلسة طويلة، لكن فارس لم يتأخر. ظهر وهو متأنق يخرج من باب المنزل.
دفعت الحساب بسرعة وراقبته من بعيد. قطع الشاب مجموعة من الشوارع الضيقة سيرًا على الأقدام. تابعته بملل حتى لاحظت أننا اقتربنا من منطقة المقابر.
ابتلعت ريقي وأنا أرى فارس يدلف داخل المقابر.
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
أشعلت لفافة تبغ وأنا مختفٍ خلف جذع شجرة فيكس زرعها أحدهم على جانب الطريق. تمكنت من رؤية فارس يتحدث مع حارس المقابر. كان الحارس يرفع يديه بانفعال وهو يشير نحو مقبرة عاصم. وضع فارس يده فوق كتف الحارس وهمس بضع كلمات في أذنه، قبل أن يخرج هاتفه ويُجري اتصالاً.
خرج من المقابر. مر فارس على مقربة مني بخطوة سريعة. وقبل أن يبتعد، اهتز هاتفي في جيب بنطالي.
"مرحباً سارة، كيف أخدمك؟"
صمت، تبعه تنهيدة.
"قلت لك أريد رؤيتك؟"
"ليس الآن."
"امنحيني ساعة واحدة، سأقوم بمهاتفتك."
تابعت فارس وكنت أعرف أنه لن يبتعد بعد أن اكتشفت عشقه للسير على الأقدام. ظل الهاتف على أذن الرجل أكثر من عشر دقائق. كيف يطيق إنسان صوت إنسان آخر أكثر من ثلاثة دقائق؟ لا أعرف ولا يمكنني تخيل ذلك.
أوصلتني أقدام فارس نحو شقة نيرة. دلف من باب البناية واختفى فوق الدرج.
جلست في أقرب مقهى يسمح لي بمراقبة مدخل البناية وأنا أفكر. ما الداعي لتلك الزيارة؟ ولم أجد سوى اللوم. أخيها يؤنبها، يوبخها، يشرح لها أن هناك شخصاً ربما وغد يبحث خلفها. أعرف أن نيرة ستصفني لفارس، وأعرف أن فارس يعرف أنني كنت أراقبها.
هاتفت سارة.
"اسمعي، إذا قام فارس بمهاتفتك وسؤالك عني، أنكري معرفتي. قولي إنك لا تملكين أي علاقات."
"سيصمت دقيقة ويفاجئك بأنك كنتِ تجلسين معي داخل المنتزه."
"أريدك أن تغضبي وتفعلي ما بوسعك لإزعاجه. أنتِ لا تجلسين مع رجال. ثم عليك أن تضغطي عليه ليخبرك من قال ذلك؟"
لن يخبرك فارس بشيء. سينهي المحادثة.
روحت أقضم أظافري أنتظر خروج فارس. وجهته القادمة هي التي تهمني. كل توقعاتي وشكوكى تنصب عليها.
طالعني عامل أحذية وطلب مني أن يلمع حذائي. كنت أود ذلك، لكن كما ترين، أنا أرتدي حذاءً أبيض اللون.
"كوتشي في الحقيقة. متأسف من أجل خسارتك."
منحني الفتى نظرة غاضبة وانتقل لطاولة أخرى ثم خرج من المقهى خالياً اليدين.
أنهيت الشيشة ونحيتها جانباً.
"بربك يا فارس، لا تخبرني أنك ستتناول طعامك مع أختك. لن أتحمل ذلك!!"
بعد ساعة، غادر فارس البناية. توقف على مدخل العمارة ومنح الطريق نظرة مطولة يبحث عني، ثم قطع الطريق دون أن يلتفت نحو المقهى. أحترم أولئك الشبان الذين يبتعدون عن المقاهي ويتجنبون المشاكل مع فتياتهم المتوقعات للزواج.
لم يقصد فارس أي مكان. عاد لمنزله. لم أتوقع ذلك مما أثار عصبيتي المرهفة.
"أنا في المنتزه انتظرك. لا تتأخر."
هذا آخر ما ينقصني. لم أكن أرغب يومي هذا برؤية أي خلقة بشرية ولا التحدث مع أي كائن ناطق.
جررت قدمي حتى وصلت المنتزه وتابعت هرّاً يجري بين عشب الحديقة وهو يرتعش ذيله قبل أن يتسلق شجرة.
"ماذا حدث؟" قلت وأنا أجلس.
صمتت سارة دقيقة مرت علي بقلق.
"علينا أن ننهي القضية."
"لا أريد أن أعرف الحقيقة."
"الحقيقة لن تمنحني إلا مزيداً من الحنق والحزن."
"إذا كان هناك مجرم، ربما يستحق عقوبة؟"
"اسمعي." قالت سارة. "أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني. سننهي كل ذلك الآن. لن أكسب شيئاً إذا عرفت أن أختي خائنة أو أن زوجي اللعين كان يرتمي في أحضان واحدة غيري. أحب عائلتي ولا أريد التسبب بأي مشكلة. أحب فارس وشعرت أنه قلق جداً علي."
"ألا تعتقدين أن عاصم يستحق العقاب؟"
"أوف، يا أخي، أنت، عقلك مجنون. ما علاقة عاصم بكل ما نتحدث عنه؟"
"لا شيء." قلت. "انسَ كلماتي. أنا الذي أستحق العقاب."
أشعلت لفافة تبغ.
"حسناً، سترحلين الآن؟ تقضين ليالي طويلة في الوحدة وتدعين الله أن تمر الساعات؟"
"حياة تعيسة، لن تتخلصي من الشك أبداً. كلما رأيت وجه أختك أو سمعت صوتها، تعود الذكريات المؤذية. أختك التي تراقبنا الآن من بعيد."
فتحت سارة فمها بغباء ومسحت المنتزه بعينيها قبل أن تطلق تنهيدة طويلة متعبة.
"أوقعت قلبي. ظننتك تتحدث بجدية؟"
ابتسمت وأنا أدعس عقب لفافة التبغ.
"منذ متى أتحدث بجدية؟"
"خلال دقائق عندما تقابلك أختك صدفة بعد شارعين بوجه مبتسم وعيون مندهشة وتضمك لحضنها، ستكون مزحة أيضاً."
"أنا لا أقول الحقيقة أبداً. الوداع أيتها الجميلة. أسعدني الوقت الذي كنت برفقتك فيه."
"لا تحاولي مهاتفتي مرة أخرى حتى لو امتلأت شقتك بالذباب والناموس."
غادرت المكان، استقليت سيارة تاكسي وأغلقت هاتفي. فكرة تكوين مجموعة أدرس فيها فتيات حمقاوات لا تبدو سيئة لي الآن.
التقطت سارة أختها نيرة صدفة بعد شارعين. كانت تشتري قنينة ماء من دكان بقالة، والتي ابتسمت لها وضمتها لحضنها وأصرت على مرافقتها لشقتها القريبة.
عندما وصلت بنايتي، كانت أم محمود تمسح السلم. المياه تغمر الدرج كأنها سيل، وكان علي أن أقفز كالقرد كي لا أسخ حذائي.
"تهدى سعاد، درس النهاردة ولا مش فاضية زي عادتك؟" خاطبتني أم محمود فور رؤيتي.
"ابعتيها." قلت وأنا أتحاشى رشة مياه كادت أن تبلل ملابسي. "أكثر من ساعة وأنا أحشر المعلومات في عقل الفتاة التي كانت تحمل بعض أفكاري حتى أن صديقاتها كانوا يرونها غريبة أطوار عندما تحدثهم عن دوستويفسكي وتولستوي وتقول بفخر إنها تقرأ للعراب وفيكتور هوجو بعد أن زرعت داخلها حب القراءة. المجتمع غير قادر على هزيمة فتاة تقرأ."
"كانت لدي نية صادقة أن لا أرى نسخة أختي تتكرر مرة أخرى."
"انتهينا سعاد." قلت وأنا أريح ظهري. "اذهبي لأمك بسرعة. لا أرغب في رؤيتها اليوم مرة أخرى وأغلقي الباب خلفك."
تمر الأيام وأنا أكافح أن لا أفتح نافذة على الحياة حتى لا يدخل الضوء أروقة منزلي الدامس. أحب السير في العتمة نحو المجهول.
مررت يدي على شعري وتأوهت. كان الهاتف مغلقاً ولم أفكر في فتحه. مهاتفة أخرى، لست مستعداً. لا أحب أن يرغمني أي شخص على الحديث. عندما أغلق فمي على العالم، أن يحترم ذلك.
نمت في مكاني على الكنبة وأيقظني ظهري المتذمر بعد ساعتين. تناولت الهاتف وقمت بفتحه.
"أنت في ورطة."
وصلتني تلك الرسالة من رقم غريب.
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
نهيت الهاتف جانبًا وأنا أطلق ابتسامة. رسالة أنثوية. أكاد أشم عطر ليبر إنتنس. مهما حاولت المرأة أن تكون شريرة، لا يمكنها أن تتخلى عن أناقتها.
أشعلت لفافة تبغ، كتبت: مرحبًا. يمكنني أن أقول إنني مستعد أخيرًا لمقابلة الشابة الجميلة. وضغطت إرسال.
وكأن وجهها يطل من شاشة الهاتف. رأيت عينيها الخضر تحدقان بالكلمات وابتسامة تتولد على شفتيها.
أناملها تداعب لوحة المفاتيح. "إذا لم تلزم حدك، سوف أقتلك." كتبت وهي تمسد شعرها بيدها.
"أنت لست امرأة. كيف يمكنك قتل شخص ميت بالفعل؟ أنا روح هائمة. مجرد محاولة قتلي تصيبني بالضحك."
"لماذا تقحم نفسك في إشكاليات؟ انتبه لأكل عيشك، ابحث عن عمل وتوقف عن أخذ الإعانات من الجيران والعائلة."
"اسمعي، محاولة استفزازي ستفشل ولن تزيدني إلا إصرارًا على وضعك داخل زنزانة متعفنة حتى يتساقط شعرك الجميل."
"اذهبي لشرفة غرفتك، ستحظين بنظرة من وجهي الجميل."
تركت الهاتف. كان عليّ أن آخذ حمامًا دافئًا طويلًا. المياه كانت مقطوعة. طرقت باب شقة أم محمود وطلبت مياه. منحتني المرأة قنينة ماء كبيرة بوجه ممتعض.
وضعت حلة مياه كبيرة على السخان وأنا أتناول بقايا ساندويتش جبن. لا أعلم إلى متى من الممكن أن تتحلمني تلك المرأة.
ارتديت ملابسي وشربت كوب شاي وأنا أراقب هاتفي الذي يهتز من الرسائل الواردة.
كانت هناك أكثر من رسالة قادمة من سارة. قرأتها بلا اهتمام.
"إنت عرفت إزاي إني هقابل نيرة؟"
"إنت مش بترد ليه؟"
"إنت قافل تليفونك ليه؟"
"أرجوك أنا آسفة رد عليا؟"
ثم الرسالة التي كنت أنتظرها. "إنت فاكر الموضوع هزار؟"
"حذرتك وقابلت كل ذلك باستخفاف؟"
كتبت بسرعة: "أتمنى أن لا يكون الهواء البارد قد أفسد بشرتك."
"بلا لف ولا دوران، حددي موعد المقابلة يا نيرة؟"
"مواجهة وجهًا لوجه كفيلة بإنهاء الموضوع. لست مهتمًا بقدر كافٍ لمعاقبتك، لكن احذري أي محاولة للكذب ستجعلني أفتح ملف القضية مرة أخرى. أكيد انتي عارفة أنا أقصد إيه؟"
"سأجعلها سهلة علينا أن نجد طريقة تريح قلب سارة ولا توقعك في المشاكل. لو كنت شايفه إن كلامي مش مهم، متكتبيش ولا حرف."
"هقابلك..."
تنهدت. لما كان عليها أن تثير حنقي؟
"متى كتبت؟"
"في أي وقت تحبي..."
"مش عايز أخوكي فارس يعرف إني هقابلك."
"لازم تاخدي بالك إن فارس بيراقبك."
"متقلقيش، محدش هيعرف حاجة."
كنت متأكدًا أن نيرة تمتلك الحيلة لمقابلتي دون أن يلاحظها أي شخص، لكن كان عليّ أن أتأكد.
"إيه رأيك نتقابل الليلة؟"
"الساعة سبعة في المنتزه."
بصيت لساعتي. كانت قريبة من الخامسة، مما يعني أن عليّ التحرك فورًا.
وصلت العنوان وتسكعت في الحديقة مثل كلب متشرد أكثر من نصف ساعة.
لا أعرف كيف لا يحترم إنسان موعد أبرمه بكامل قواه العقلية. في العادة لا أمنح ذلك الوغد الذي يستهين برؤية سحنتي فرصة أخرى.
وصلتني مهاتفة من نيرة. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها صوتها.
قلت: ستعتذر.
لكن نيرة تحدثت بصوت خافت. قالت إنها اضطرت لتغيير مكان لقائنا، وأن عليّ أن أسير خمسمائة متر، وأنني سأجدها واقفة أمام عمارة.
تحركت من مكاني وأنا أشعر بالخطر. تجوالي في مكان لا أعرفه يصيبني بالقشعريرة.
كأن كاميرا التقطت عيني بعض صور للشارع والدكاكين. قبل نهاية شارع هادئ لمحتها تقف أمام باب عمارة. لم أحتج وقتًا طويلًا للتعرف عليها.
كانت الساعة تعدت الثامنة مساءً. الظلام ألقى ردائه على الأرض.
أطلقت ابتسامة رعناء ويدي تقبل يدها الناعمة.
"واضح إننا مش هنعرف نتكلم هنا. المكان مكشوف؟"
"عارفة، تعالي ورايا."
ثبت في مكاني. "أمشي وراكي فين؟"
"فيه شقة فاضية فوق أو هنقف على السلم."
"آسف، لا أدخل شقق مع فتيات."
أطلقت نيرة ابتسامة ساخرة.
"خايف مني؟"
"لا، لكن سمعتك ستكون على المحك."
"ملكش دعوة بسمعتي اللي إنت بتحاول توسخها أصلًا، متعملش نفسك فيها إنسان شريف."
كانت إهانة لا يمكن عبورها.
"قلتلك مش هطلع فوق."
"طيب طالما خايف اطلع معايا كام سلمة عشان محدش يشوفنا."
كان مدخل العمارة مظلمًا يوحي بالخطر. تكاد تشعر أنها مهجورة. وبعد خطوتين شعرت بخطر أكبر. الظلام كان يحيط بي.
توقفت والتفت. "آسف، سأرحل."
تلقيت ضربة قوية على مؤخرة رأسي أخلت توازني. وتحاشيت الضربة الثانية بيدي قبل أن ألقي بجسدي في الطريق. تدحرجت على الأرض. كنت أعلم أن وصولي للطريق فرصتي الوحيدة.
زأرت سيارة كادت تدهسني. اعتذرت للسائق وأنا أمسح مدخل العمارة التي لم يظهر بها أحد.
أنهضت جسدي وأنا أكاد لا أرى الطريق. رأسي تنزف دمًا وقواي تدهورت.
تحاملت على نفسي. كان لابد أن أبتعد عن المكان. سرت وأنا أترنح مسافة طويلة قبل أن أفقد القدرة على الحركة والرؤية.
وقفت دقيقة ألهث. استجمعت أفكاري واستندت على الجدار. ثم بحركة مجنونة تسلقت درج سلم وسقط جسدي على الأرض.
بعد ساعات، فتحت عيني. كنت داخل شقة رائعة الديكور والأثاث، راقد على سرير كبير. رأسي مربوطة بشاش أبيض.
عاينت جسدي كان سليمًا. لست مقيدًا مما يعني أنني لست في خطر. حاولت النهوض وجلست على طرف السرير.
"أخيرًا استعدت وعيك؟" قالت سارة وهي تمر من باب الغرفة.
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
تأملت الغرفة والتي لا تخلو من لمسة إبداعية. مجموعة من الكتب في رزمة لم تمس بعد، موضوعة فوق الكوميدينو. صورة قديمة لـ ليلى جيمس، فنجان قهوة منقوش عليه قلب كبير، برفان عود من سكاندل ينتصب ببهاء على التسريحة.
كيف وصلت هنا؟
تنهدت سارة: وجدتك راقداً على الأرض أمام باب شقتي. نفخك مفتوح ينزف دماً. جررتك داخل الشقة. كنت كجثة ميتة، فمك يفوح بالتبغ. تمكنت بطلوع الروح من وضعك على السرير.
نظرت لساعتي، كانت تعدت منتصف الليل. فقدت وعيي أكثر من ثلاثة ساعات.
على أن أرحل، قلت وأنا أنهض.
ترحل تروح فين؟ أنت عايز تفضحني؟ الحمد لله محدش خد باله إنك في شقتي. لو حد شافك خارج من شقتي هتبقى مصيبة.
استنى لحد الصبح وانزل. هشوف أي فكرة تخليك تخرج بصورة عادية.
مين عمل فيك كده؟
تشاجرت مع متسول في مكان قريب ولم أنتبه حتى فتح دماغي. لابد أنني كنت أحفظ عنوانك. عقلي الباطن أوصلني هنا.
أكيد جعان. أعددت عشاء، اتفضل كل معايا. أنت نزفت دم كتير.
على الطاولة كان هناك سجق بخلطة البصل، سلاطة، عجة بيض، خبز، جبن، فاكهة.
بخجل قالت سارة: آسفة مقدرتش أطبخ، مكنتش عامل حسابي. أكل مش قد المقام.
داخلة سم؟ قلت وأنا أمزح.
ضحكت سارة: لو عايزة أموت مكنتش دخلتك شقتي.
وكنت أراقب نبرتها وحركة شفتيها ويديها. كان الشك يركبني وأردت أن أتأكد.
كانت سارة ترتدي عباءة من القطيفة وتغطي شعرها بتحجب.
أنا عايزة أعتذرلك. أنت كان معاك حق. أنا حاسة إن فيه حاجة غلط كانت بتحصل بين عاصم ونيرة. ثم أنت دماغك دي إيه؟ إزاي عرفت إني هقابل نيرة؟
قلت بلامبالاة: نيرة كانت بتراقبك. أمر لا يحتاج لذكاء خارق. وأعتقد قلت وأنا أبتلع لقمة: من الوارد أن تهاتفك الآن وتطلب الحضور عندك.
وضعت سارة يدها فوق صدرها: يا ليلة سودة. كده هتفضح.
تغيرت ملامح وجه سارة، أصبحت بلون الليمون.
هم. مافيش مشكلة، قلت لو اتصلت بيكي.
لم أتم كلمتي ورن هاتف سارة.
ارتعشت يدي سارة ونظرت تجاهي برعب.
قلت لها: أجيب الهاتف. لو عرضت عليك القدوم وافقي ورحبى بيها وقولي إنك هتستنيها تيجي تونسك.
تابعت المهاتفة وأنا أتناول طعامي. أنهت سارة المكالمة.
الحمد لله. غيرت رأيها. قالت: ممكن تمر عليا بكرة الصبح.
كنت أتوقع ذلك. رفض سارة كان هيزيد شكوك نيرة. أنا في أمان لوقت قليل.
طلبت كوب شاي من سارة، والتي اعترضت لكونها ليست خادمتي، لكنني منحتها نظرة صارمة جعلتها تركض نحو المطبخ.
سألت سارة: أنتي متأكدة إن عاصم كان بيحبك؟
روت لي سارة قصة حبها المثالية. لم يكن هناك شك أن عاصم كان يحبها. على الأقل هذا ما استنتجته من كلامها.
قضيت ليلتي على الأريكة. في الصباح الباكر غادرت شقة سارة نحو شقتي. كنت أحاول تذكر ملامح الشخص الذي قام بضربي. لم يكن فارس أنا متأكد. كان شخص آخر أطول وأشد قوة.
بعد يوم، كنت استعدت قوتي. ذهبت للمقابر مرة أخرى بعد منتصف الليل. شعر الحارس بالفزع لرؤيتي، لكنني ضيقت عليه الخناق. قلت إنني أعرف كل شيء وأنني سأقوم بسجنه إذا لم يساعدني في فتح المقبرة. حاول الحارس أن يتملص مني، لكنني وعدته أنه سيكون خارج الموضوع، فأنا لم أره ولا أعرفه. سيكون فتح المقبرة آخر لقاء بيني وبينه. فتحنا المقبرة وجعلني الحارس أرى جثة عاصم. بقايا الجثة المتعفنة.
شعرت بالصدمة. لم أكن أتوقع رؤية جثة عاصم بل شخص آخر. لم أحتاج وقت لأتأكد أنها جثة عاصم وأن كل شكوكى كانت فارغة.
عاصم ميت!
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
قطعت أكثر من شارع وأنا أسير في صمت، شارد، مغيب.
حتى كادت سيارة لعينة ماركة كيا أن تقتلني.
زعق السائق وأغرقني بسيل من الشتائم المعتبرة.
ظهر شخصي الآخر داخلي يبتسم بسخرية:
"هذا ما يحدث لأنك شخص طيب، أوقعت نفسك في ورطة، ستقتلني معك. دعني أكمل القصة بطريقتي، اسمح لي أن أكتب الجزء الخاص بي، لن أدع فتاة منحطة وزوج خائن يتسببون في قتلك."
صرخت في منتصف الطريق:
"اصمت، عاصم ميت!"
رن هاتفي، كانت سارة.
كانت خائفة مرتعشة.
"قلت نيرة حضرت هنا."
"قلت: أين المشكلة؟"
"نيرة أختك."
"قالت: أنت لا تفهم، وجدت نيرة بقايا لفافات التبغ التي كنت تدخنها طوال الليل في المنفضة وتتهمني بمعرفة رجل، عليك أن تخرجني من هذه الورطة."
لم أقدر على الكلام، كنت أرغب بغلق تلك القصة والذهاب للنوم.
حتى انفتح فمي:
"ليس هناك مشكلة، زوجة محطمة فقدت زوجها تمر بأوقات صعبة وتدخن. اشترِ علبة سجائر مريت أصفر، احتفظي بها في درج مكتبك. الأمر سهل، أنت امرأة مدخنة. أيضاً، قبل أن أنسى، احرصي على فتح علبة السجائر وتخلصي من سبعة لفافات تبغ في بلاعة المرحاض. واعلمي أن أختك نيرة ستنال عقابها، كذلك زوجك. يمكنك أن تبلغيها الرسالة."
بهتت سارة:
"أنت تطلب مني أن أفضح نفسي؟ كلامك متضارب، كيف تطلب مني تبرير أنني امرأة مدخنة ثم في نفس اللحظة تأمرني بمواجهة نيرة؟"
"أنا أطلب منك أن تتحلي بالشجاعة، تخلي عن سلبيتك. نيرة تعرف كل شيء. كنت أتحدث عن عائلتك، عن فارس أخيك الذي يراقبني أيضاً. حاول أن تحتفظي بمظهر لائق أمامهم. أما أختك نيرة فلتذهب إلى الجحيم، عليك مواجهتها. نيرة لا تخافك، عاشرت زوجك وعليك أن تدافعي عن حقك. اتركي المرأة الجبانة خلفك."
هاتفت الطبيب الشرعي صديقي عشرين مرة.
كنت قد منحته عينات دم وشعر مخلوع من رأسي ليحلله.
أردت أن أعرف أن كان هناك أي أثر لبصمات شخص آخر على جرحي لأنني متأكد بلمس ذلك الشخص وربما قبضت على رأسه.
"أنت تصدعني"، قال هيثم وهو يضحك.
"لم أجد سوى بصماتك أنت، عليك أن تتوقف عن اختلاق قصصك البوليسية."
وجهت الشكر لهيثم وأنا أذكره بتقرير الطب الشرعي لتشريح جثة عاصم.
قال هيثم:
"قرأت التقرير بنفسي، هذا الشخص الذي يشغلك لم يمسه أي إنسان، مات من تلقاء نفسه! لكن هناك أثر لبصمات شخص آخر كانت واضحة على رقبة المتوفى، ولم يلقي لها أحد بال لأنها غير مؤثرة في سبب وفاته."
لم تكن هناك كاميرات في المحلات ولا الدكاكين ولا حتى الطرقات كي أتمكن من رؤية الشخص الذي هاجمني.
قد يكون عاصم، فارس، أو أي وغد عشيق لنيرة.
ثم شردت لبعيد وأنا أنظر من الشرفة.
"أو..."
وأطلقت ابتسامة شريرة.
صرخ عقلي:
"هذا غير ممكن، لا أعلم كيف تزرع تلك الأفكار المجنونة داخلي؟"
"في حل أي قضية علينا أن لا نستبعد أي احتمالية حتى لو كانت صغيرة."
"ما تفكر به مستحيل يا كاتب."
هاتفت سارة وكانت غاضبة وحانقة مما اضطرني لتوبيخها.
"أردت أن أعرف أن كانت لاحظت شيء مختلف في نيرة."
قالت سارة بتذمر:
"أنا في إيه ولا إيه؟ بقلك كنا بنتخانق."
"سارة، هش. رقية نيرة كان في أي أثر لكدمة أو ضرب؟"
"يعني لاحظت قرى أي ضرب في جسد أختك؟"
"مش عارفة."
قالت سارة:
"لكن أعتقد كان فيه بقعة داكنة في رقبتها ومعصم يدها اليمين."
شكرت سارة ووجهت لها التحية التي تستحقها.
"سارة، لا تفتحي الباب لأي حد يخبط عليكي غير لو كان من عيلتك."
سارة برعب:
"تقصد أن فيه حد ممكن يهاجمني في الشقة؟"
"أنا لا أرغب في إثارة رعبك، كوني حريصة. لا تفتحي الباب لأي شخص كان."
"وإذا اضطررتِ ابعثي لي رسالة اكتبي فيها أنا مع فلان أو علان."
"أنت تعرف النساء."
حاولت سارة أن تستدرجني لكنني لم أكن أمتلك الوقت لفضولها الضخم.
ارتديت ملابس مخبر سري.
بنطال جينز أزرق واسع منذ أصبح مقاس خصري 42 وأنا أعاني في شراء أي ملابس.
قميص مربعات لبني وحذاء أسود، قبعة ونظارة شمسية.
وجلست في المقهى الذي يقع على مقربة من منزل نيرة لأكثر من أسبوع من طلوع الشمس حتى العاشرة مساء.
لم ألاحظ أي شخص غريب.
لو كان شخص غيري لأصيب باليأس.
استطعت أن أكون صداقة مع النادل وكنا نجلس أحياناً بمفردنا آخر الليل عندما يخلو المقهى من الرواد.
قلت:
"يا أخي، قبل شهر وأنا أسير من هنا تعرضت للضرب المبرح عند تلك البناية."
وأشرت بيدي.
"شخص فارع الطول ضربني على رأسي."
قال النادل:
"غريبة، شارعنا هادئ ويخلو من المشردين، لكنني ألمح أحياناً أشخاص فارعي الطول يمرون من هنا."
شكرت النادل.
كنت أستنفذ كل طرقي ولم يعد أمامي سوى نبش الماضي.
هذه القضية لن تظل معلقة مدى الحياة.
نيرة ليست كما توقعتها، فتاة العوبانة تحب التسكع مع الغرباء.
هرشت رأسي وأخرجت هاتفي وأرسلت رسالة لنيرة:
"أنت محتجزة داخل شقتك؟ الفتاة المغرورة لا يمكنها أن تحرك مؤ*خر*تها دون إذن مسبق!!"
في اليوم التالي.
تابعت فارس حتى ابتعد عن منزله ثم ركضت خلفه وأنا أنادي باسمه.
تغيرت ملامح الشاب عندما لمحني وبرقت عيناه بغضب.
قلت:
"اسمع، لن نتتشاجر الآن وسط الطريق، أريد أن أتحدث معك."
"ابتعد عن أختي."
صرخ فارس بغضب.
"رفعت كتفي بلامبالاة. آخر ما أفكر به أختك. فتاة جميلة قد تسعدني ليوم واحد، فتاة جميلة وذكية لعشرة دقائق، لذا نحّي فكرة أن ما أفعله بسبب أنثى جانباً."
"لقد قمت بضربي وأنا تركت كل ذلك خلف ظهري؟"
تلعثم فارس:
"أنا لم أضربك، كنت أرغب بذلك لكنني لم أفعلها."
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
ابتسمت، مش غريبة عليك يا فارس، اللي قتل ممكن يعمل أي حاجة ويكدب برضه.
فارس بعصبية: انت بتقول إيه؟ واضح إنك مجنون.
مجنون هيدخلك السجن، قتل عاصم مش هيمر مرور الكرام، لو كنت فاكر إن الموضوع انتهى تبقى غلطان.
فارس: عاصم مين؟ جوز سارة؟
ونظر لبعيد للحظة قبل أن يعيد بصره.
ابعد عن أختي، دا آخر تحذير ليك.
قلت: انت قتلت عاصم لما عرفت إنه على علاقة بأختك نيرة.
عقلك مقدرش يتحمل خيانة جوز اختك ومع مين؟ مع اختك.
قبض عاصم على بلعومي وهو ينوي قتلي.
أختي أشرف منك يا حيوان، انت مين وزق علينا؟
بتتكلم في شرفي كإنك بتقزز لب؟
حاولت أن أنزع يد فارس دون فائدة، مما اضطرني أن ألكزه تحت الحزام.
سعلت وكدت أبصق.
بلعومي، كان المارة ينظرون تجاهنا بتوجس.
بصماتك موجودة على جثة عاصم.
أنا مش بلومك لو كانت أختي كنت هعمل أكتر من كده، أنا ميهمنيش عملت إيه ولا هبلغ الشرطة، كل اللي يهمني أختك الغلبانة المخدوعة تعرف الحقيقة.
صرخ فارس وهو بيستعد للعراك مرة تانية: اعمل اللي انت عايزه، لكن لو شفتك مقرب من إخواتي البنات هقتلك، والله العظيم هقتلك.
يعني مش انت الشخص اللي ضربني في مدخل العمارة؟ لما كنت هقابل أختك نيرة؟
صرخ فارس ووجه إلي لكمة.
انت كمان قابلت نيرة؟
صبري نفذ، اكتفيت من وقوفي كمتفرج.
انتظرت حتى مد يده مرة أخرى، تلقفت اليد بليونة ولففتها خلف ظهره وضغطت عليها.
اسمع أيها الوغد الحقير، كنت هحترمك أكتر لو إنك قتلت عاصم، لو ما عملتش حاجة انت إنسان تافه وغير مهم على الإطلاق بالنسبة لي.
مقتلتوش انهار فارس.
ملحقتش أقتله، الكلب اختفى في اليوم اللي قررت فيه أقتله، تفاجأت زي الناس إنه عمل حادثة ومات.
ليه استرت على اللي عملته أختك؟
أختك كمان خاينها.
سكت.
صرخ عاصم: انت مش عارف حاجة، نيرة أشرف منك ومن اللي خلفوك.
ابعد، امشي من هنا، متدخلش في حياتنا.
أنا شفتك في المقابر بتتكلم مع الحارس بعد ما قابلته.
لو ملكش دخل في قتله ليه كنت بتراقبني وليه رحت المقابر؟
قال فارس: أنا مش مضطر أقولك على أسراري.
ثم فتح عينيه الواسعة: وأحسن لك متعرفش.
لازم أعرف يا فارس، مش هسكت غير لما أعرف.
انت مين؟ صرخ فارس.
وليه حاطط أنفك في مشكلة متخصكش؟
قلت بنبرة ودودة: فارس اسمح لي أساعدك، الحمل كبير عليك أنا عارف، شرف أخواتك، الشك اللي بياكلك ورغبتك في الانتقام.
لو عرفت هتسبني في حالي!؟
هزيت دماغي.
قال فارس بنبرة منكسرة: لأن جثة عاصم اختفت.
ارتحت دلوقتي؟
الجثة اللي في المقبرة مش جثة عاصم.
لكن أنا.
و رفعت إيدي بتذمر: شوفت الجثة بنفسي.
مش جثته، أنا اتأكدت.
اللي في المقبرة جثة شخص مجهول بملامح عاصم.
زي ما يكون خاض عملية تجميل عشان يشبه عاصم، مش عارف دا تم إزاي ومين يقدر يعمل كده.
قلت: يعني عاصم حي!؟
معرفش، معرفش، ومن فضلك ابعد عني، سيبني في حالي.
هزيت كتف.
فارس؟ اسمح لي أعزمك على فنجان قهوة.
أنا مدين لك باعتذار.
سحبت فارس نحو مقهى قريب.
ودي كانت أول مرة نتكلم فيها مع بعض كأصدقاء، فقد كان فارس ابن وحيد على تلت بنات يتحمل مسؤلية تخنقه ولا يجد شخص موثوق يتحدث إليه.
لم أكذب على فارس، وجدته شاب صغير ضائع يحاول مساعدة أخوته البنات والحفاظ على شرفهم.
أخبرته الحقيقة كلها، الحقيقة اللعينة العارية.
ابتسم فارس بوهن.
سارة عملت كل ده؟
مستغرب والله سارة دي كتكوته، غلبانة وحظها كان مع واحد نجس.
جلسنا نفكر وأنا أحرق لفافات التبغ، كانت لدي رغبة عميقة بمساعدة فارس أكثر من ثلاثة ساعات.
فارس، لو عايزني ابعد عن القضية هبعد ومش هتشوف وشي تاني، أنا مش شخص متفرغ زي ما انت فاكر وفي الحقيقة يكفي ما تعرضت له من ضرب على يدك.
تنهد فارس: كنت فاكرك من الشرطة، طلعت مجرد كاتب.
وشعرت بالاهانة، جرحتني الكلمة، ورغبت بسؤاله: ماله الكاتب؟
لكن فارس أردف: احرص على أن تجعلني أظهر بصورة خلابة عندما تكتب القصة، لا تعذبني وتجرحني كما تفعل دائما مع أبطالك.
اتضح لي أن فارس فتش خلفي ووصل لمتصفحي الرسمي.
وأنه يعرف كل شيء عني.
قلت: أنا لازم أمشي، الوقت اتأخر.
قال فارس: تمشي تروح فين؟
انت هتروح معايا البيت نتعشى سوى.
تركت والدتي تطبخ.
لا، مستحيل، لن أذهب معك إلى أي مكان خاصة منزلك.
أقسم فارس وذهبت معه مرغماً.
كنت أعرف البناية التي يقيم داخلها فارس، شقة في الطابق الثاني.
فتحت باب الشقة أخته الصغيرة وبدا لي أنها خارجة من معركة.
تفضل !!
جلسنا في صالة رحبة حسنة التأثيث علقت على جدرانها لوحات زيتية رديئة.
كتاب مختفي العنوان ممزق ملقى إلى جوار التلفاز المتربع على طاولة في منتصف الصالة.
الشقة تغمرها روائح الطبخ.
انت وصلت يا فارس، جاءنا صوت الوالدة من المطبخ.
أيوه يا ماما، معايا ضيوف.
مشت المرأة نحونا وهي تمسح يديها في مريلة الطبخ، سلمت علي وهي ترمقني بارتياب.
تعرف أنني لست من أصدقاء فارس الذين تعرفهم.
ولست عريس بالطبع ملابسي وسحنتي لا توحي بذلك.
لكني كنت مطمئناً فمظهري لا بأس به ولا أبدو داخله كمتشرد متسكع.
مرحباً أمي !!! متأسف لازعاجك واخراجك من المطبخ.
عادي يا ابني انت ضيف عندنا.
وكان وجه المرأة الأبيض متورد من الحرارة والمجهود وعينيها تائهة مرتابة تبحث عن أجوبة تنظر تجاه ابنها.
لا تقلقي، لست لص، أو متشرد، ومستبعد أني تلمحيني مرة أخرى خلال حياتك حتى صدفة في الطريق.
فتحت المرأة فمها بغباء حانقة على ابنها الذي لم يتوقف عن الضحك.
مالك يا ابني فيه إيه؟
صاحبك تعبان يا فارس؟
لا يا ست الكل دا تأثير ريحة الأكل تسلم إيدك.
ابتسمت المرأة لأول مرة.
ما انت بتتكلم زينا عادي أهو، اومال مالك من الصبح بتلوى بقك!
وكان علي أن أتمادى أكثر من ذلك فأنا لا أقول سوى الحقيقة وأعلم أن الانطباعات الأولى هي التي تدوم مدى الحياة.
الحقيقة سيدتي أنك شديدة الجمال بصورة غير معقولة حتى أنت ظننت لوهلة أنك شقيقة فارس وليس أخته.
تنهد فارس وفتح فمه اللعين.
ما تاخدش في بالك يا ماما أصله كاتب.
كاتب محكمة؟
كاتب يا ماما بيكتب روايات وقصص.
وشعرت بقلبي يعتصر وصدرى ينشق نصفين، والمرأة تهز يدها بلا اهتمام لكن بلطف، ثم قالت: ربنا يرزقك يا ابني.
وكان علي أن لا أبالي، فالحياة تبتسم لمن يرقص أكثر.
وأكلت طعامي في غم ونكد.
كيف أوضح لهذا الوغد أن تلميحاته تزعجني، وهل يقصد ذلك حقاً؟
أنهيت طعامي في شرود وعندما نظرت تجاه أم فارس وجدتها تضحك تكاد تختنق من الضحك.
نظرت تجاه فارس استفهم؟
انت مضحك جدا يا ابني، وفهمت، فهمت أن نصفى الآخر تحدث أثناء شرودي وتولى المسؤلية.
ودعتهم ورحلت، سرت على الرصيف وأنا أدخن لفافة تبغ ولاحظت شخص يراقبني، كان يتحرك ويقف مثلما أفعل.
سرت ببطء حتى أسمح له برؤيتي، كنت أعرف أنها فرصة نادرة لن تتكرر على أن أقـبض على ملامحه ولو للحظة واحدة.
توقفت أمام دكان وابتعت قنينة ماء، ثم سقطت على الأرض وأغمضت عيني وأرعشت قدمي كأنني في نوبة صرع.
تجمع الناس يحاولون إسعافي.
كنت أفتح عيني وأغلقها.
حتى لمحته يقف على الجهة المقابلة.
رواية مطلوب فتاه حزينه الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
كان شخصًا لم أره من قبل، لا يشبه عاصم ولا حتى فارس، شخص قوي البنية وملامحه صارمة قاسية.
التقطت عيني بعينيه لحظة واحدة قبل أن يرحل.
نهضت وشكرت الناس، وسرت بخطوات سريعة تشبه الركض.
كان يعرف أنني ألاحقه لذا أسرع خطواته وراح ينعرج داخل الشوارع والأزقة.
كان يحفظ الشوارع أكثر مني، بدا واضحًا أنه يقطن تلك المنطقة.
لم أقو على ملاحقته، لكن كانت لدي فكرة.
لذا بعد أن اختفى، واصلت سيري تجاه بناية نيرة.
أخفيت نفسي بعناية وظللت أراقب مدخل البناية.
نيرة لم ترد على رسالتي حتى الآن.
كان يمكنها أن تنكر لكنها لم ترد.
بعد ساعات شعرت بالضيق.
جلست داخل المقهى، هاتفت فارس ورويت له ما حدث معي.
"أين أنت؟" سألني فارس بنبرة قلقة.
"على مقربة من شقة اختك."
قال فارس: "لا تغادر مكانك مهما حدث، سأحضر فورًا."
قلت: "لا تقلق، لدي خطة."
لم أفهم سبب فزعه.
لم يمنحني الفرصة وأغلق الهاتف.
جعلت أفكر مدة طويلة عن سبب خوفه ولم أنجح في إيجاد أي سبب.
بعد نصف ساعة وصلتني رسالة من نيرة: "أرغب في مقابلتك، رأيتك تراقب الشقة، أعرف أنك في مكان قريب."
قلت: "ها ها، خدعة أخرى، في المرة السابقة كدت أن أُقتل. تعتقدين أنني غبي؟"
كتبت: "من فضلك يجب أن تحضر، كل ما تفكر به صحيح، أنقذني، يجب أن تخرجني من تلك الشقة قبل أن يقتلني."
حاولت أن أرسل لنيرة رسالة أخرى لكن هاتفها أغلق.
ترددت دقائق أفكر، ثم أمسكت هاتفي وتحدثت مع سارة، والتي كانت تنتظر ملاطفتي بعد أيام لم تسمع خلالها خبرًا مني.
قلت: "سارة اسمعي، الأمر جاد جدًا، أنت الشخص الوحيد الذي يمكنني الوثوق به. هل أنتِ جادة في معرفة الحقيقة؟"
قالت سارة بتهور: "أيوه، لازم أعرف عاصم كان بيخوني ولا لأ."
قلت: "سارة اقسمي على ذلك؟"
أقسمت سارة.
"تمام، أعتقد أن عاصم حي. بعد ساعة سأكتشف الحقيقة. ما أريده منك مهم جدًا، إذا لم تسمعي مني خلال أربع ساعات، هاتفي الشرطة. اتهمي زوج اختك نيرة باختطافي."
قالت: "لكن زوج أختي خارج البلاد؟"
قلت: "عارف، لكن لو اتهمنا عاصم الميت باختطافي الأمر سيكون مجرد مزحة ولن يهتم أحد. أنا ذاهب لشقة نيرة، هعرف الحقيقة. اعملي إلى طلبته منك وخليكي فاكرة أن استهتارك ممكن يتسبب في قتلي!؟"
قالت سارة: "حاضر، هعمل إلى قلت عليه."
أغلقت سارة الهاتف وعلى وجهها ابتسامة ونظرت لطرف الغرفة وأومأت برأسها.
"الفرصة الأخيرة !! فاهم؟"
أخذت نفسي، البناية قريبة، الليل لم يحل بعد.
ماذا يمكن أن يحدث؟
وصلت مدخل البناية، الشقة في الطابق الثالث.
طرقت الباب، فتحت لي نيرة بوجه أصفر وتركت باب الشقة مفتوحًا.
لاحظت أن عينيها متورمة، تطرف باستمرار، يديها تتحرك باضطراب، وبين فينة وأخرى تنظر تجاه المطبخ الخالي.
كانت تبعد عينيها عني، تتحاشى نظرتي.
"فيه إيه؟"
رفعت نيرة يدها العارية البيضاء ولاحظت آثار قيد على معصمها.
"أنا آسفة، لازم تعرف، مكنش قصدي كل دا يحصل، والله غصب عني."
وانخرطت في البكاء.
"متبكيش خلاص، من فضلك قوليلى فيه إيه؟"
اقتربت من نيرة المنحنية تجاه الأرض، ربت على كتفها برفق.
"قوليلي الحقيقة."
همست نيرة: "مفيش وقت، أنت لازم تهرب من هنا. أنا رضيت بقدرى لكن أنت شخص بريء. حاولت أحذرك أكتر من مرة لكن مكنتش بتنتبه لإشاراتي."
قلت: "نيرة فيه إيه، قولى الحقيقة؟"
"بقلك اهرب، ممكن يظهر في أي لحظة. أنا مقتلتش عاصم والله، لكنه هدّدني لو فتحت بقى هيقتل فارس وكل عيلتي."
"مين يا نيرة؟"
من باب الشقة المفتوح سمعت أنا، وقبل أن أستدير تلقيت ضربة قوية في ظهري، تلتها ضربة أقوى في رأسي المصابة.
سقطت على الأرض وكان آخر ما رأيته عيون نيرة الواسعة المرتعبة.
كنت مقيدًا مثل حثالة في سقف غرفة عندما فتحت عيني وأبصرت شخصًا هزيلًا مريضًا مقيدًا من يديه جالسًا على الأرض، ملابسه ممزقة، ملطخة بالدم والروث يتساقط المخاط من فمه.
كان يشبه جثة منتهية.
دققت النظر في وجهه، كان عاصم.
أطلقت لعنة.
"كنت أعرف أنك حي، لكن ما لا أفهمه لماذا أنت مقيد هنا؟"
"أنا أقولك."
وظهر من الظلام ذلك الرجل الذي لمحته وكان يراقبني.
ارتعش جسد عاصم وراح يهذي ويصرخ.
"مكنش لازم تحشر أنفك في شؤون الغير."
سحب قطعة خشب وأدركت أن ضربة واحدة منها قد تفقدني ذاكرتي.
ضربني بالعصا على ظهري بكل قوته حتى شعرت أن عظامي تتكسر.
صرخت مثلما لم أصرخ في حياتي.
كان يضربني على ساقي ويدي حريصًا ألا يقتلني.
أخيرًا بصقت الدم، قلت: "لدي سؤال واحد، كم الساعة الآن؟"
أطلق الرجل ضحكة كبيرة: "الوقت غير مهم، هنا لن تعرف ليل من نهار."
قلت: "اجعلها أمنية من رجل ميت."
نظر لساعته.
"الساعة تعدت منتصف الليل."
تنهدت بارتياح ولاحظ ذلك.
"أنت فرحان كده ليه؟"
بصقت نحوه.
"الشرطة ستكون هنا في لحظتها."
أطلق نخره طويلة.
"من سيبلغ الشرطة؟ الشرطة بعيدة عن هنا."
قلت: "ليست بعيدة، الشرطة على علم بكل شيء. سارة هاتفت الشرطة الآن يبحثون عنك."
قهقه قهقه.
ونظر تجاه المطبخ وصفق بيديه.
ظهرت سارة من المطبخ تحمل كوبًا من عصير البرتقال.
"تفضل يا حبيبي."
ومنحته قبلة في فمه.
صرخت: "اللعنة، أنت زوج نيرة؟"
"يعني عاصم لم يقم بخيانة زوجته؟"
"لا لا لا."
صرخت: "لا يمكنني فهم ذلك، لماذا راسلتني تلك اللعينة؟ لماذا أقحمتني في مشكلة غير موجودة من الأصل؟"
"متقلقش يا برنس هتعرف كل حاجة قبل موتك."
"قلت من فضلك أخبرني الحقيقة، أنا أستحق ذلك."
قالت سارة: "مفيش، مش أنا اللي راسلتك، نيرة هي اللي بعتت ليك أول رسالة لما كتبت أرغب في مساعدتك. بعدها أنا وحبيبي عرفنا، واستلمت أنا المهمة. أكملت ما بدأته أختي نيرة. وأجبرنا نيرة تكمل معانا المسرحية غصب عنها، عجبتك صح؟"
"لا لا هناك شيء غامض، أنا غير مقتنع. حضرت لشقتك وكان ممكن تقتلينى؟"
صرخت سارة: "غبائك ده كان هيكشف كل حاجة. كنت فاكرك ذكي؟ إزاي صدقت إن محدش شافك وانت طالع عندي؟ كنت فاكرك أذكى من كده، أنت شوهت سمعتي في العمارة بحضورك لكن مكنش ممكن أقتلك. كان لازم تخرج من عندي سليم زي ما دخلت، اضطريتني أكذب على الجيران وأقول قريبى عمل حادثة. أنت فاكر إني فعلاً قدرت لوحدي أجرك جوه الشقة وأرفعك على السرير؟ الجيران ساعدوني والأكل إلى طفحته كان فيه منوم. أنا سبت الشقة ونمت عند الجيران لحد الصبح."
قلت بيأس: "وفارس؟ شريك معاكم؟"
تلقيت لكمة قوية كسرت أسناني.
"كفاية كده يا كاتب."
وقالها بسخرية: "وأنا لا أحب أبدًا من يسخر من مهنتي أو ما أكتبه."
"طبعًا عاصم عرف إن سارة بتخونه صح؟ مع جوز أختها نيرة. وكان لازم يتخلص منه. لكن السؤال، أنت دبرت حادث قتله وكان ممكن تتخلص منه بعدها بسهولة، ليه أبقيت عليه حي؟ ليه تعذبه؟"
صرخ زوج نيرة بغضب: "لأن الكلب ضرب سارة حبيبتي، عذبها أيام طويلة كان لازم انتقم منه. الموت مكنش كافي علشان يطفى ناري، كان لازم أعذبه كل يوم وكل لحظة."
"أنت نسيت حاجة مهمة يا برنس."
فتح زوج نيرة فمه بغضب: "حاجة إيه انطق."
"نسيت إني كاتب، بألف قصص وفي عقلي أكتر من سيناريو. أنا كنت عارف إنك موجود في مصر، وإنك انت اللي دبرت قتل عاصم لما اكتشفت إنه استباح جسد زوجتك نيرة. للأسف كنت غلطان."
"لكن!!"
"لكن إيه؟ انطق."
لم يتم كلمته، تحطم الباب ودلف منه رجال الشرطة يشهرون أسلحتهم، ومعهم فارس ونيرة.
تم إسعاف عاصم ونقله إلى المشفى وهو في حالة سيئة.
كانت بعض عظام جسده متكسرة وفقد عقل من كفة يده.
تمت معاينتي من طبيبة المشفى والتي أكدت أنني سليم ولا أعاني إلا من بعض السحجات والجروح السطحية.
نيرة كانت معي في المشفى، أكدت لي أنها تتابع صفحتي الشخصية على الفيس بوك منذ مدة بعيدة جدا من قبل زواجها وتحب قصصي.
وهذا ما دفعها في لحظة يأس لكتابة رسالة تطلب فيها مساعدتي بعد أن هددها زوجها بقتلها وقتل كل عائلتها، حتى أنها اضطرت منع فارس من زيارتها حتى تبعده عن الخطر.
سارة التي كانت تراقب صفحتها ولديها الرقم السري والإيميل كشفت الرسالة وأنت تعرف الباقي.
بعد ساعتين خرجت من المشفى رفقة فارس ونيرة.
كان فارس ممتنًا جدًا لمساعدتي، كان يعرف أن هناك سرًا غامضًا لكنه لم يتوقع أن يكون عاصم بريئًا.
سمح لي فارس بمرافقة نيرة نحو منزل العائلة حيث كان من الصعب أن يترك عاصم بمفرده.
تحدثت مع نيرة، كان كلامها عذبًا، أحببت طريقة كلامها ومشيتها وضحكتها ونظرتها تجاهي المفعمة بالإعجاب.
وأخذنا الكلام و...
...
...
...
...
انتهت.