تحميل رواية «ميكاتوا» PDF
بقلم نور اسماعيل.
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما تأخرت في ترتيب الكلام يقول: لا تكمل.. أفهم ما تريد قوله. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما أخطأت يقول: لا تعتذر.. أتفهم ما حدث. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي تشعر أنه يعرفك أكثر من نفسك! لقائلها "زكي فضل مطر" أنتظرك العمر بأكمله حتى وأنت لا تفكر في المجيء حتى! "هيام" لم يكن وداعًا لائقًا بما عشناه، ولم يكن حضورًا لائقًا بما في قلوبنا.. ولكنه القدر. "زاد مطر" أنا من أقف على محطاتي، أنا من أنوي الرحيل وأنا من أنوي المكوث، أنا صاحبة القرار ال...
رواية ميكاتوا الفصل الأول 1 - بقلم نور اسماعيل.
مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما تأخرت في ترتيب الكلام يقول: لا تكمل.. أفهم ما تريد قوله.
مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما أخطأت يقول: لا تعتذر.. أتفهم ما حدث.
مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي تشعر أنه يعرفك أكثر من نفسك!
لقائلها
"زكي فضل مطر"
أنتظرك العمر بأكمله حتى وأنت لا تفكر في المجيء حتى!
"هيام"
لم يكن وداعًا لائقًا بما عشناه، ولم يكن حضورًا لائقًا بما في قلوبنا.. ولكنه القدر.
"زاد مطر"
أنا من أقف على محطاتي، أنا من أنوي الرحيل وأنا من أنوي المكوث، أنا صاحبة القرار الأول والثاني والأخير.
وآخر قراراتي كانت أنا لا شيء غيري.. أنا فقط!
الساعة الآن.. السادسة صباحًا.
كرر المنبه رسالته عدة مرات، امتدت يد زاد لتطفئه بينما كانت تنعم بنعاس طويل هادئ. نهضت وجلست على سريرها تزيح شعرها المشعث الفوضوي للخلف وتتثاءب. نظرت إلى الهاتف ورأت كم الرسائل التي في انتظارها لفتحها. مطت شفتيها ومن ثم هبطت ترتدي خفيها وأمسكت بريموت التحكم عن بعد لتفتح ستائر الشرفة الزجاجية لغرفتها المطلة على حمام السباحة والحديقة الكبيرة الغنّاء المحيطة بالقصر الذي تعيش به!
ترجلت ووقفت أمام الزجاج تترقب أشعة الشمس الخفيفة مع طيران العصافير ورفرفة غصون الأشجار.
فهي زاد مطر، بلغت من العمر سبع وثلاثين عامًا.. ذات بشرة بيضاء وعينان سوداويتان عميقتان، حاجبان كثيفان، فم صغير وأنف منصوب. طولها مناسب لوزنها الذي تحافظ عليه طيلة الوقت.
عزباء وتقدس حياة الوحدة والحرية.. تدير شركات مطر للشحن، صاحبة رأي وفكر مستقل ولديها ريادة في القيادة وإدارة العمل بكفاءة فهي تربية عمها الحميدة.
مدت يدها لتسحب إحدى المناشف وهمت بالدلوف إلى المرحاض ولكن قبل هذا سبق فعلها بالاتصال هاتفيًا بخدم القصر لتحضير وجبة الإفطار الخاصة بها ووجبة الإفطار التي تعد خصيصًا لعمها "زكي فضل مطر".
تحممت، خرجت وارتدت ملابسها، وضعت القليل من مساحيق التجميل، صففت شعرها.
وفي طريقها إلى غرفة عمها، طرقت الباب ولم يجب فدلفت.
- زكي، يا زيكو لسه نايم!
اقتربت من فراشه لتجده يغط في سبات عميق، وبجانبه مجموعة من الأظرف وردية اللون وأوراق الرسائل القديمة ذات اللون الأصفر. أمسكت بواحد منهم وقرأت التالي..
"مش عارفة إزاي وإمتى يا زكي ممكن نتقابل، بس اللي أعرفه إني هحاول ومش هعدي الميعاد دا بالذات.
وحشتني، ووحشتني لمسة إيدك يا حبيبي..."
لم تكمل زاد قراءة الرسالة، فهي تعلم دون قراءة.. سمعت الكثير من عمها وبكل مرة تستمع للمزيد دون ضيق.
وكأنها أسطورة ضمن أساطير العاشقين، زكي وهيام!
دنت زاد من أذن عمها وأردفت بهدوء:
- اصحى يا زكي، يلا لسه فيه دوا وأكل ورياضة ودكتور العلاج الطبيعي على وصول..
كان زكي بدأ يستعيد وعيه قليلًا، فهمست زاد بخبث في أذنه بصوت هادئ:
- هيام!
انتبه زكي وفتح عينيه فضحكت زاد، ساعدته في النهوض وحينما نظر إلى وجهها ابتسم ابتسامة عريضة وأردف لها:
- هتبطلي إمتى خبث؟ بقى بتوشوشيني باسمها.
جلست زاد بجانبه وأخذت تدلك أحد ذراعيه وهي تتحدث:
- يعني هصحيك إزاي، ما هي شفرتك الوحيدة يا زيكو.. يلا فوق عشان لسه هفطر معاك وبعدين هنزل عالشركة.
نهضت من جانبه تقوم بوضع الرسائل في الأظرف على مرأى زكي فقال لها:
- طبعًا قعدتِ تقري المكتوب قبل ما تصحيني.
هزت زاد رأسها بالنفي وضحكت قائلة:
- لا طبعًا، لأن أنا عارفة مكتوب إيه وحصل إيه وحافظاهم ومستعدة أسمعهم كمان، أنت بقى لسه محفظتهمش؟!
نظرت إلى عينيه بعمق، فقال زكي وهو يتهرب من نظراتها بعيدًا:
- حافظ حرف حرف بس برضه هفضل أقرأهم وكل كلمة وكل حركة تتعاد عليا عشان أصبر على بعدها أصبر قلبي إنها مش معايا.
جلست زاد بجانبه مرة ثانية وقالت له متعجبة بنبرة صوت حنونة:
- تفتكر ممكن حد يوصل لسنك يا عمو، ٦٥ سنة ولسه بيحب كدا؟
ابتسم زكي وأردف:
- طالما قلبه لسه بيدق، يبقى هيفضل يحب.. بشرط أن الحب يكون بجد.
نهضت زاد وكعب حذائها يدوي بالغرفة في طريقها لخزانة زكي الخاصة تضع الرسائل القديمة إثر تحدثها إليه:
- عشان كدا أنا مش هرتبط ولا هتجوز، قصتك علمتني يا أحب وأتحب واللي قدامي يتمسك بيا يا هفضل لوحدي وكدا أفضل.
طرقت الخادمة الباب ودلفت بوجبة الإفطار لهما، ومن ثم تناولاها حتى حان وقت الطبيب الخاص بزكي.
فاطمأنت زاد لحاله وودعته ورحلت.
وبدأ زكي في دورة جديدة من دورات علاجه.. زكي فضل مطر.
بلغ من العمر خمسة وستين عامًا، صاحب مجموعة شركات مطر الكبرى للشحن والتفريغ، بدأ من القاع.
رجل عصامي حتى أصبحت لديه كل هذه الثروة، غير متزوج ويعيش مع ابنة أخيه زاد بقصره الكبير.
منذ عامين أصيب بمرض الشلل المؤقت فتقاعد بالمنزل وتولت زاد زمام الأمور، وطوال تواجده بالمنزل.
إما لتلقي العلاج، أو للعب الرياضة، أو للجلوس لسماع مطربه المفضل عبد الحليم حافظ متصفحًا كل شيء يذكره بأفضل جزء بحياته.. حبه الكبير والوحيد.
أسمر البشرة، ذو شعر أجعد قليلًا يشبه للفنان أحمد زكي بعض الشيء، حتى في صغره كان يسمونه النمر الأسود.
الرسائل، الأغاني، الهدايا، الأماكن.. تبقى الذكرى ونيسه الوحيد بعد الفراق!
- وين رايحة تيتا؟ مو قلتِ لي رح تكملي لي القصة!
قالها الصغير ناصر.. حفيد هيام من ابنتها الكبرى، كان يرفع بصره لها إثر روايتها له إحدى روايات الأطفال الشهيرة. تنهدت وبللت شفتيها المحاطة بالتجاعيد وكسرات الوجه علامة على تقدم السن وأردفت له:
- تيتا رح تشرب قهوتها ومن بعدها رح تكمل لك القصة.
تركها الصغير وترجل يلعب بعيدًا بفناء المنزل الكبير، فجلست هيام تنظر إلى فنجان قهوتها الساخن.. قهوتها المفضلة والتي تعد خصيصًا لها، الإسبريسو المختلط بمزيج قليل من اللبن، احتست القليل.
وأمسكت بريموت التلفاز تقلب القنوات الفضائية حتى وقفت على فيلم من بطولة أحمد زكي، ابتسمت مع ترقرق دمعة خفيفة بمقلتيها لتعود لذكرياتها، لأيامها القديمة.. لحب عمرها الوحيد.
زكي!
عام 1990
كانت تتهيأ هيام أمام المرآة تضع حمرة الخدين والشفاه بكثرة، وتمشط شعرها على صوت أغاني عبد الحليم خصيصًا أغنية "أول مرة تحب يا قلبي".
وتتغنى معها وجسدها بالكامل يتراقص، هيام محمود حسون، سبع وعشرون عامًا، ابنة تاجر كبير يعيش ويعمل بالسعودية ويقيم هو وعائلته بها وهيام واحدة منها.. تمتاز هيام بالبشرة المختلطة المميزة بين السمرة والبشرة البيضاء.. ذات أنف متساوٍ مع استدارة وجهها، حاجبان خفيفان إلى حد ما تقوم برسمهما بالقلم لتوضيحهما.
وجنتين ممتلئتين، فم مكتنز وضحكة واسعة جميلة.
- عم ترقصي وصوت الأغاني عالي، وين رايحة؟!
قالتها والدتها بعدما دلفت إلى غرفتها، فأردفت هيام:
- نازلة أشتري شوية أغراض يا أمي.
- أوك بس ما تتأخري، والبسي العباية على جسمك ما يصح تنزلي بهاي الملابس.
تركتها ورحلت، فأكملت هيام ما كانت تفعله حتى انتهت وهرولت إلى السيارة، ليهبط زكي منها ويقوم بفتح الباب لها لتجلس بالخلف وهو يقف حتى دلفت للداخل ليغلق الباب ويقوم بالدوران إلى الناحية الأخرى يركب ناحية مقعد السائق ويدير المقود وانطلق..
- وحشتني يا زكي.
ابتسم زكي ينظر بالمرآة لها وأردف:
- مش أكتر مني والله، أنا منتظر من إمتى المشوار دا.
- اتلككت لأمي بأي شيء ناقصني وقولت لها هنزل أشتريه ضروري، حكت لي إني ما أتأخر.
بس مو مهم، المهم إني أشوفك وأكون معك.. وين رح توديني؟
ضحك زكي ضحكة واسعة وأردف:
- لاء ما هو يا يتحكي مصري يا سعودي، وبما إنك مصرية فأتكلمي مصري.
عشان أفهمك أكتر.
دنت هيام من مقعده وتحدثت بالقرب منه:
- أنا أصلًا لو حكيت عِبري هتفهمني يا زكي.
نظر زكي إليها مطولًا ومن ثم أردفت هي بهلع:
- حاسب هنخبط في السيارة أمامنا!
تفادى زكي الحادث فضحكت هي، أردف هو:
- قلت لك ما تقربيش كدا، مش بعرف أتحكم في أي حاجة.. ولا عاوزة نعمل حادثة وأبوكِ يقطع عيشي وما نشوفش بعض تاني.
خافت هيام فعادت للخلف وهي تردف:
- لاء خلاص هقعد في حالي.
نظر زكي إلى وجهها بالمرآة وأردف:
- طب قولي لعيونك يكونوا في حالهم عشان نعرف نوصل على خير..
عادت هيام من ذكرياتها وزفرت زفرة حارة ومن ثم احتست رشفة من قهوتها وعيناها مثبتتان على التلفاز، لا تراقب الفيلم.. بل تستعيد صورة سجين قلبها في رؤية بطل العرض!
وكأن بداخلها يردد أنه من فرط انتظارها له ذبلت، ولم تعد قادرة على مواساة نفسها، تتمنى أن تأتي عاصفة شديدة إما أن تيقظها من غفلتها أو ترحمها حتى لا تكمل في هذه الحياة التالفة، تلك الحياة التي لم تعد باستطاعتها إكمالها بدونه!
- تقصد إيه يا مستر عبد القدوس بأن نفتتح شركة نشاطها مغاير لنشاطنا اللي متعودين عليه من سنين؟
قالتها زاد بنبرة صوت معترضة أثناء اجتماعها برؤساء الأقسام بالشركة، فأردف لها أحدهم:
- أنا برضه شايف اقتراح مستر عبد القدوس صح، إحنا لو عملنا ده هيبقى تجديد دم للشركة ودا هيبقى بمثابة عائد أفضل للشركة وعملائها.
وضعت إحدى رؤساء الأقسام القلم بفمها ومن ثم تحدثت:
- بس أنا شايفة حاجة تانية، إحنا ما نعملش شركة ليها نشاط تاني.. أنا شايفة إن شغل الميديا والتليفزيون والدعاية والإعلان هو دا اللي ماشي وبيكسب بصورة مش طبيعية.
نظروا إلى بعضهم البعض جميعًا فأردفت زاد:
- بمعنى إيه، ننتج فيلم ولا مسلسل؟
- ننتج برنامج تليفزيوني موضوعه يعمل مشاهدة عالية على منصات الإنترنت ودا في حد ذاته يعمل ضجة غير عادية لشركاتنا.
عادت زاد بظهرها إلى المقعد وعبست بوجهها مع مطة لشفتيها تفكر، فاسترسل أحد الموظفين حديثه:
- إحنا ممكن نعمل دراسة جدوى وحصر للمواضيع اللي ممكن نقدمها في برنامج تليفزيوني وأي القنوات الفضائية اللي ليها نسبة مشاهدة عالية والتقرير يبقى على مكتبك بالكتير كمان يومين.
وتشوفي إنتِ ومستر زكي مطر وتقرروا..
إيه رأيك يا فندم!
قلبت زاد فنجان الشاي وقدمته إلى عمها إثر تحدثهما سويًا.
فهمت حاجة من الجنان دا؟
ابتسم زكي وتناول منها فنجان الشاي وهو يقول:
أنتِ إيه اللي مخليكِ مش موافقة؟!
عادت زاد بظهرها للخلف ووضعت ساقًا على ساق وقالت:
طبيعي دا جنان وماوافقش عليه، إحنا شركات شحن وتفريغ مالنا ومال الميديا والتليفزيون والبرامج وقلة القيمة دي.
شرد زكي بخياله وأردف لها:
هما لسه هيقدموا دراسة الجدوى للموضوع صح؟
بيقولوا يومين ويكون على مكتبي.
تمام، أنا شايف إن دي فرصة للموضوع.. أنا حابب ومتحمس.
نظرت له زاد متعجبة نظرة مضحكة وأردفت:
زيكو اسمح لي أقول لك إنك غريب.. غريب جدًا!
ضحك زكي وارتشف من فنجان الشاي وأخذ يهز رأسه على نغمات أغنية يوم من عمري لعبد الحليم حافظ.
بيقولك مرة مكوجي تاه في الصحراء لقى تعبان قعدوا ساعة يبخوا على بعض، اضحك يا نكد!
رواية ميكاتوا الفصل الثاني 2 - بقلم نور اسماعيل.
لقد أرهقتني من كثرة إخفاقاتك في الحياة، كثرة تناولك للبؤس وكأنه جرعة يومية.. دعني أريحك وأريح نفسي من غبائك!
نفسي التي أهلكتها في بحور الحزن والآلام قد عاودتني مجددًا، بعد بكاء مرير وأفكار سوداوية، بعد عناء سرمدي ونفس مصابة بداء الكتمان، بعد كل هذا سقطت! سقطت وبداخلي صرخة شلت أركاني، أذابت ثلوجى، فانهارت بعبرات محملة بالأسى، ومن يا ترى يكون بجواري بعد كل هذا؟
(منذ عامين)
أمام المرآة.. كان يقف نبيل يمط شفتيه، يتهيأ لزيارة عروس جديدة من ضمن القائمة التي ترشحها له كل يوم والدته وشقيقاته.. فقد بلغ من العمر الثمانية والثلاثين وحتى الآن لم يرتبط ولو لمرة واحدة سواء عاطفياً أو بشكل رسمي.
نبيل فهمي، ثمانية وثلاثون عاماً.. يعمل شيف بإحدى مطاعم لدى فندق معروف، يعزف عن الارتباط أو التعامل مع جنس حواء بأكمله. يرى الحياة بلون سوداوي إلى حد ما وهذا ما جعل من حوله يقدم العديد من الاقتراحات له لكي يتزوج ويغير مجرى حياته.
دلف شقيقه وقام برش بعض زخات العطر على ملابس نبيل قائلاً:
"أيوا يا عريس، جميل جدا.. يلا عشان نعدي نجيب تورتة وإحنا رايحين."
التف نبيل له وأردف بنبرة لا مبالية:
"ونجيب تورتة ليه؟ ما إحنا هنروح ومش هعجبها وهترفض وهنرجع قفانا يأمر عيش، هما ياكلوا التورتة وأنا أقعد آكل نفسي على حقي."
نظر له شقيقه متعجباً واردف:
"وليه كل الافتراضات دي، العروسة دي بيقولوا مبسوطة لما شافت صورتك وعرفت صفاتك.. أبونا كلمها قبل ما إحنا نروح يبقى فين المشكلة؟"
"على فكرة أنا سمعت ماما وهي بتقول إنها معترضة إني أكبر منها بـ 15 سنة."
"بس أهلها حددوا الميعاد إننا نروح ونتقدم، لو كانت هترفض كانت قالت لأهلها لأ."
هز نبيل رأسه بيأس وأردف ينظر إلى أسفل:
"يعني خلاص انتوا اتفقتوا نروح!"
أردف شقيقه بثقة:
"المفروض."
"طب افرض أول ما شافتني اعترضت على إني ساكت وزعقت فيا زي العروسة اللي قبل اللي فاتت كان اسمها إيه.. آه مجدولين."
تنهد شقيقه بفارغ الصبر فأكمل نبيل:
"أو مثلاً قبل ما نروح بدقايق يبلغونا إنها ولعت فروحها ونقلوها لمستشفى الحروق زي المرحومة عروسة السما."
استراح فايز ليهدئه فـ أردف له مبتسماً:
"يا عم فك، إحنا رايحين نخطبلك.. طب استنى هقولك نكتة بيقولك مرة مكوجي تاه في الصحراء لقى تعبان قعدوا ساعة يبخوا على بعض، إضحك يا نكد!"
لم يضحك نبيل، بل لم تنتفخ شفتيه من الأساس.. فأمسك فايز شقيق نبيل يديه وربت عليهما وتحدث مردفاً له:
"ممكن تنفض الذكريات المنيلة دي عن دماغك يا بلبل، ونبص لنص الكوباية المليان!"
"ماهو نص الكوباية الفاضي فضي لما شربته سارة على بق واحد ومدوبة جواه سم فئران لما خطبتوها ليا غصب عنها."
"يووووه، يالا يا نبيل."
قالها فايز بفارغ صبر وأخذ يجرّه إلى الخارج استعداداً للذهاب، وفي طريقهما كان الجميع يتحدث بالسيارة عداه حتى وصلوا منزل العروس ديانا.
احتسوا مشروب الضيافة، كان مجرى الحديث الترحيب والحديث عن عمل العريس وما هي خطته المستقبلية وكان كل هذا يجري ونبيل على صمته، ينظر للجميع بطرف عينه حتى دلفت ديانا حاملة صنية الكيك المحلى مع ابتسامة رقيقة فضحت أسنان بيضاء مرصوصة مع قولها:
"مساء الخير يا جماعة."
ديانا، 23 عاماً.. خريجة كلية التجارة وبدأت العمل بشركة مقاولات منذ شهور، راتبها متوسط بالكاد يكفي احتياجاتها، ممتلئة الجسد، ذات شعر بني اللون ولكنه خفيف الكثافة، وجهها مستدير ووجنتيها ممتلئتان. عيناها ذات لون بني متماشى مع شعرها، ضحوكه متفائلة لطيفة الشخصية تحب الطعام اللذيذ، جربت أن تلج داخل علاقات عاطفية عديدة ولكنها فشلت، وحينما تقدم لها نبيل وافقت حتى تجرب مغامرة الارتباط الرسمي.. من الممكن أن ينجح.. ربما!
دلتفت ديانا وجلست إلى أقرب مقعد وبدأ الحوار وتجاذب أطراف الحديث.
"بسم الصليب عليكِ يا ديانا زي القمر بس يعني عايزة تخسي شوية."
كانت مبتسمة ديانا حتى سمعت آخر كلمات والدة نبيل اقتضبت واختفت بسمتها مع قولها:
"والله يا طنط عاجبني شكلي كدا ومش مضايقة حد بيه."
"بتلبسي كام إكس؟"
"نعم!"
أردفت ديانا تجيب على سؤال نبيل متعجبة منه فـ أكمل هو:
"أيوه لازم أعرف مش هنرتبط، لازم أعرف مقاساتك إيه عشان نجارة أوضة النوم."
دنت ديانا نحوه وقالت مستفهمة:
"وهو إيه دخل أوضة النوم في مقاساتي هو أنا هنام في الدولاب!"
ضحك الجميع فـ أرادت والدة ديانا تغيير مجرى الحديث لتدعو والدة نبيل وأشقاءه للجلوس بالخارج وترك نبيل وديانا بمفردهما لأخذ مساحة من الحديث، وما أن ترجلوا للخارج فقامت ديانا بسؤال نبيل:
"سيبك أنت، التورتة اللي انتوا جايبينها بطعم إيه؟!"
اتسعت حدقة عين نبيل وقام بالرد عليها:
"سيبك بس من طعم إيه دلوقتي، طبعاً إنتِ عارفة إني أكبر منك بـ 15 سنة وإني بشتغل شيف في مطعم فندق.. مرتبى يدوب ومجبتش لسه شقة والشبكة هتبقى بالتراضي كدا البسي دبله وحلق ونقفل الليلة لأن والله أنا قلقان ومتشائم ومش ناقص."
ضحكت ديانا ضحكة واسعة وصفقت بكلتا يديها، وقالت له:
"يا بني اصبر بس، إحنا نلبس الدبل ونلبس في بعض ونشوف الدنيا."
"بعد كل اللي قولتهولك مكملة.. طب حلو."
"ماهو اسمع، أنا لازم أمشي الجوازة مش كل شوية أدخل علاقة ويتعلم عليا أنا عايزة ألبس الدبلة وننزل صورة كلبش أنا وأنت وأعملك كابشن على صور في الفيس وأنت متفكرش تعملي لايك حتى وأغير صور البروفايل 3 مرات في اليوم إني مخطوبة وبحب خطيبي وخطيبي بيموت فيا وأنت تكون عامل لي بلوك أساساً ولا شايفني وأعمل ستوري واتس بصور وكابشنز أعمل جو يعني.. وهكذا، وأهم من ده كله إنك طباخ وأنا بقى بموت في الأكل.. فهمت حاجة؟!"
ومرت الأيام، وتمت الخطبة.. إحساس اليأس متملك نبيل بينما كانت ديانا بعالم آخر تذهب عملها تشتري بكل راتبها طعام وشيكولاتة، تخرج للتنزه مع أصحابها وتتحدث هاتفياً مع نبيل الصامت المحبط كالعادة.
وتمر السنوات، والوضع كما هو لا يوجد جديد.
وبعد عامين، يقف نبيل بالمطبخ يحضر الطعام ويتذكر كم المديونيات التي عليه لتحضير منزل الزوجية من أثاثات لمفروشات وتسديد كافة الالتزامات.. يريد فسخ الخطبة ولكن أهله في كل مرة يمنعونه فقد تم من العمر الأربعون ومازال لا يستطيع تحمل مسؤولية ويهابها كـ الخوف من وحش كاسر.
"إنت بتعيط يا شيف نبيل!"
نظر نبيل ناحية رئيسه بالعمل إثر تقطيعه للبصل فـ أردف نبيل:
"لا أنا بس عشان تقطيع البصل."
"طب شد حيلك، الغدا قرب ينزل."
تركه ورحل، حتى أتاه صوت رنة الهاتف باسم ديانا لـ يتأفف، فيترك ما بيده ويضع سماعة الرأس ويجيبها:
"أيوة."
"اسكت مش أنا لقيت إعلان عن حتة شقة تحفة، وإيجارها زي ما أنت عايز.. هو بس المقدم عالى حبتين."
امتعض نبيل بشفته السفلى وأردف:
"كام المقدم؟!"
"50 ألف.. بس متقلقش هتعرف تدبرهم."
ترك نبيل ما بيده وتحدث بصوت عالٍ:
"أنا هجيب منين 50 ألف مقدم زائد العفش والفرش والجمعيات والأقساط، ما ترحميني أبوس إيدك."
تأففت ديانا منه ونفثت في سماعة الهاتف مع قولها:
"بقولك إيه، أنت تستأذن من شغلك ونروح نشوف الشقة عشان أنا زهقت منك ومن إحباطك والخطوبة مش هتتفسخ يا نبيل لو عملت إيه وهنتجوز وهنكمل حتى لو أجرت عريس بدل ك..."
أغلقت المكالمة بوجهه، فـ زفر نبيل زفرة حارة لـ يتحدث إلى نفسه:
"وكمان هتجيبي عريس إيجار يا ديانا، عليكِ وعلى جوازتك السودة يا بعيدة."
وما زال لدي الرغبة في إنهاء كل شيء دفعة واحدة، الارتباطات.. الصداقات.. المواعيد، العمل، الجدل.
أريد أن أنهي كل شيء ملوحاً بإحدى يداي مردفاً بصوت أجش قائلاً لا! لا أريد أي شيء بعد اليوم. فـ ليتوقف هذا الهراء وليرحل بعيداً عني.
"هو أمي كانت بتاكل وهي حامل فيا إيه عشان تخلفني حزين كده؟ كأنها كانت بتتوحم على ألبومات تامر عاشور!"
أخذت تُقلب ديانا كوب القهوة المثلجة أمامها وهي تنظر له نظراتها الحانقة كالعادة فـ أردف نبيل:
"بقولك إيه يا ديانا أنا قلقان لما نتجوز نخلف عيال حزينة."
رفعت ديانا شفتها العلوية ممتعضة وقالت:
"أكيد هنخلف عيال حزينة مدام باباهم كتلة كآبة كدا، فك.. فك الله يخليك."
وضع ديانا الملعقة من يده بعدما قلب كوب الشاي أمامه منزعجاً ومردفاً إليها:
"إنتِ إيه! دهون جسمك دخلت على مخك حجبت عنه الرؤية؟ بقالنا كام سنة مخطوبين؟ بقالنا كام سنة بنكون روحنا وبنحط القرش على القرش وأنا شغال وطالع 43 عين أهلي!"
لوحت ديانا بيدها قائلة ونبرة صوتها قد ارتفعت قليلاً:
"يعني إحنا أول المخطوبين ولا آخرهم! كل الشباب كدا وواحدة واحدة بتخلص كل حاجة.. متقرفنيش معايا لأني أساساً قرفانة من هدومي."
نهض نبيل واقفاً مشيراً لها بإصبعه السبابة:
"ماهو دي مش مقاسات هدوم عشان تطيقيها ولا ده منظر واحدة قلقانة على خطيبها وعاوزة تقف جنبه وهو حزين بالشكل ده."
نهضت ديانا أمامه تتحدث بصوت جهور مما جعل من حولهم بالمقهى ينظر لهم ويلتفت إليهم:
"ماهو أنت على طول حزين وكئيب، يبقى هفضل واقفة طول عمري أما رجلي يصيبها الروماتيزم.. أنا ماشية!"
تركته ورحلت فـ أخذ ينظر ناحيتها نظرة حانقة مطولة وهو يتمتم:
"سابتني ومشيت كعبول هانم، سابتني وأنا حزين ومخنوق حتى الشاي مشربتوش، روحي يا شيخة ده إحنا لو واكلين مع بعض سم فئران مكنتيش هتعملي كده حسبي الله ونعم الوكيل."
"بقولكوا إيه، أنا مش عايز أكمل!"
قالها نبيل بصوت عالٍ فـ انتبهت والدته وشقيقته، فـ أردفت له والدته:
"مش عايز تكمل ليه يا نبيل؟ ديانا بنت كويسة ومؤدبة ومستحملاك بقالها سنتين."
جلس نبيل إلى أقرب مقعد وتحدث بعدما نفث ببطء:
"يا جماعة أنا متقدمش خطوة، أنا فيه حاجات عليا أكبر من احتمالي، أنا مش بنت وهعنس عشان وصلت للأربعين.. ديانا مخها مش هنا.. مخها في البطاطس والكاتشب والألوان المزهزهة اللي لابساها دايماً.. أنا مرتبى دا لا يجيب شقة إيجار ولا تمليك ولا حتى جحر فار أصلاً بقالنا سنتين سوا مش عارف أتأقلم معاها ولا مع فكرة الجواز من أصله، لا هي ولا غيره. ده الحمد لله إن غيرها كان بييجي الاعتراض من عندهم، أنا خايف ومش عايز أكمل ومش قادر."
إثر تحدثهم رن هاتف نبيل باسم ديانا لتحثه والدته بأن يجيبها فـ رد:
"نعم يا ديانا."
"اسكت شوفت لك برجك بيقول إيه دلوقتي، لقيت مغامرة هتغير مسار حياتك تماماً.. أنا من وقت ما قريتها وأنا مبسوطة أوي."
تحدث نبيل بنبرة غير مكترثة:
"وأيه يبسط فـ كده، ثم مغامرة إيه.. انتِ فاكرة نفسك مخطوبة لـ زاهي حواس! أنا راجل طباخ، آخري في الدنيا أروح الكنيسة يوم الأحد، وأطبخ للناس في شغلي أكل طالبينه وأخد مرتب أياهطه على بعضه فـ ميكفيش حاجة وأحس إن كدا كدا لا اللي جاي بتاعي ولا اللي راح كنت فيه فـ أحط إيدي على خدي وأشيل الهم وأتنكد."
لم تتركه ديانا ليكمل حديثه فـ أردفت له منزعجة:
"باس باس.. أنا قربت أروح أشيل المرارة منك.. سلام."
أغلقت الهاتف فنظر إلى والدته قائلاً:
"أنا دماغي هعرف أكفي منين متطلبات الجواز وهي بتقرا الفلك!! أنا عايز أفك أرجوكم."
"أنا وصلت أربعين سنة وأساساً زهقت من الدنيا."
"لا عايز عروسة ولا بسبوسة."
نهضت والدته من مكانها وتحدثت له في ثبات:
"نبيل، هتكمل في جوازتك وهتكمل في جمعياتك وهنشوف الشقة اللي قالت عليها ديانا."
"ولو سمحت تبص للدنيا بعين ناس عايشة فيها مش عين ميتين."
"تعبتيني."
تركته ورحلت في صمت، هو بهدوء.. هدوء يخفي خلفه الكثير.
قالها عبد الرحمن منيف: لا تظن الهدوء الذي تراه في الوجوه يدل على الرضا؛ لكل إنسان شيء في داخله يهزهُ ويعذبه.
رواية ميكاتوا الفصل الثالث 3 - بقلم نور اسماعيل.
"رائد"
إليكِ لأنكِ أخذتِ كل ما تبقي مني لأحيا، لأنني لا أعرف طريقًا للبهجة سواكِ، ولأن لا طريقًا للوجع إلا وبدايته أنتِ.
"مايا"
إليك أنتَ يا هزيمتي وانتصاري، يا من تغفو بذاك الجزء الذي ينبض وجعًا يسار صدري، والذي يحييني ويحتضر بوجودك.
عام ٢٠١٥
بخطوات سريعة تريد اللحاق بشيء ما، حتى دلفت إلى قاعة متوسطة الاتساع بها مجموعة من المقاعد يجلس عليها بعض الأشخاص مجهولي الهوية. نرتفع بالنظر لأعلى، هذه الخطوات ذيل فستان فضفاض الاتساع وفوقه معطف خفيف نفس اللون القرمزي. وشاح يخرج منه بعض الشعيرات الناعمة ذات لون الشيكولاتة بالحليب رغمًا عنها. شفتان تقضمهما خائفة من أن يفوتها ميعاد المحاضرة يتلونان بلون وردي. عينان واثقتان وأهداب كثيفة. مايا رشدي، ٢٥ عامًا. درست بكلية الآداب قسم التاريخ، ولا تعمل، تكتفي فقط بحضور دورات تدريبية للتنمية البشرية وعلم النفس. تعيش بطبقة اجتماعية فوق المتوسطة. الابنة الوحيدة لوالديها. تهوى الموضة وعمل شكل خاص بهويتها لذاتها فقط حتى لا تكون شبيهة بإحداهن.
واليوم كانت لديها محاضرة لأول مرة تنضم إليها بعد حجزها لها. تريد معرفة الآخر أكثر، فهي مولعة بهذه المجالات والبحث عنها.
يجلس أمام المحاضرين شاب يافع، طوله مناسب، يرتدي بذلة ذات لون كحلي. يضع نظارة طبية ذات إطار أسود سميك. شعره خفيف نسبيًا من المقدمة وكثيف بالخلفية حتى إنه يغطي رقبته بعض الشيء.
يجلس أمامهم واثقًا من نفسه. يقوم بتحريك يديه حتى يدعم محاضرته بلغة جسده. الجميع منتبه معه. إنه رائد الشمري، خريج كلية التربية، يعمل في مجال الصحة النفسية والجلسات بما يُدعى في الحاضر باللايف كوتش. يبلغ من العمر الثلاثين عامًا.
والآن، إثر تحدثه والجميع منتبه معه، محاضرة عن اختلاف الرجل عن المرأة.
"أظن أننا كلنا متفقون أن الراجل والست كائنين مش بس مختلفين، لأ دول اتنين مالهمش علاقة ببعض أصلًا. فيه ناس بتشوف أن الفروق دي بسيطة، لأ مع احترامي الفرق كبير جدًا وكأنك بتقارن مثلًا بين الرقص الهندي وأكلة الكشري."
ضحك كل من في القاعة، فابتسمت هي وخبأت بسمتها. فانتبه رائد وأكمل وهو ينظر ناحيتها:
"يعني مثلًا لو اتكلمنا عن الصحوبية واختلافها من الشباب والبنات هنلاقي البنات مبدئيًا كدا يحبوا يمشوا في جماعات في أسراب، متفهمش ليه."
ضحكت مايا بشدة حتى ابتسم رائد أمام ضحكتها وأكمل:
"عايزين يروحوا المطعم الفلاني سوا، يعملوا شوبينج يبقى سوا. واحدة فيهم رايحة تعمل بيرسينج وتخرم ودنها، يلا كلنا مع بعض عالصايغ. كأنهم مجموعات بطاريق في القطب الشمالي ماشيين جماعات لا يتوهوا."
"نيجي بقى للشباب، دول استحالة تلاقي تجمع لو على جثثهم، مبدأ الخلعان عندهم أساسي. مش بيتجمعوا إلا في حالتين، يا إما خناقة يا إما لو بيلعبوا بلايستيشن. مش عشان بيحبوا بعض، لأ كان على عينهم والله.. هما بس بيحترموا قوانين اللعبة!"
مر الوقت وانتهت المحاضرة وهم الجميع للرحيل. وكان رائد يقوم بوضع أشياءه في حقيبته حتى مرت مايا من جانبه تهم بالخروج. ليشتم رائحة عطرها الفريدة، مميزة ورائعة، أخذته لعالم ساحر. حتى استوقفها بالنداء:
"سوري، بس حضرتك أول مرة تحضري مش كده؟"
ابتسمت مايا وهزت رأسها مع إمساكها بحزام حقيبتها في كتفها وأردفت:
"أيوه، وبصراحة انبسطت جدًا واستفدت كمان بطريقة جديدة."
ابتسم رائد وأردف لها مازحًا:
"طب كويس إن كان فيه استفادة، أنا كنت خايف يكون دمي تقيل ولا حاجة في تقديم المعلومة."
"بالعكس، أنا طول المحاضرة بضحك أصلًا."
"مانا لاحظتك."
رفعت مايا أحد حاجبيها وقالت:
"اومال ليه بتقول كنت خايف دمك يبقى تقيل لما لاحظتني وأنا بضحك أهو؟"
ابتسم رائد وأردف لها واضعًا كلتا يديه في جيب بنطاله:
"لو حابة أبعتلك تلخيص المحاضرات اللي فاتت، أنا بصورهم، ممكن أبعتهملك."
هزت مايا رأسها بالإيجاب وهمت تفتح حقيبتها وتناولت هاتفها وأردفت له:
"أوكي، اكتب هنا رقمك."
دون رائد رقم هاتفه وقام بالاتصال حتى رن هاتفه، فردف لها:
"آنِسة..."
"مايا!"
ابتسم رائد وهز رأسه لها مع بسمة ثغره الهادئة.
مرت الأيام تلو الأيام، يتحدثان على الواتساب ليلاً ونهارًا في أي شيء وكل شيء. الهوايات، المهارات. ماذا يحبان، ماذا يكرهان. ما الفيلم الذي يفضلان مشاهدته. أي فصول السنة يستمتعون به. الأكلات. حكايات عن الذكريات. ذكرى أيام الطفولة، ذكرى وقت الجامعة. ذكرى أول إعجاب وأول دقة قلب بريئة. ما هي أهدافهما في الحياة. حديث الواتساب أصبح مواعيد، والمواعيد آلت إلى مقابلات. يذهبان إلى إحدى المطاعم المتعارف عليها بشهرة الطعام الشهي، ويكون مقصدهم في كل مرة أرادوا أن يتناولوا بها الطعام سويًا. تأخذهما ساقيهما إلى مقهى لتقديم القهوة بطعم برازيلي، فيحتسيان قهوتهما المفضلة. هو السادة وهي الميكاتو، أي القهوة الإسبريسو مع خليط بسيط من الحليب.
"يمكن تكون أحلى قهوة في العالم الميكاتو، يمكن عشان هي قهوتي المفضلة."
قالتها مايا ضاحكة بعفوية مع ارتشافها رشفة من فنجان قهوتها، فتمعن رائد النظر بها وأردف:
"حاسة إننا قربنا من بعض في وقت بسيط؟"
قامت مايا بقضم شفتيها كعادتها وخبأت بسمتها وهي تشيح بنظرها بعيدًا، فتحدث رائد:
"أنا الفترة دي أكدت لي أن مفيش حد في حياتك يا مايا، وعشان كدا أنا حابب أقرب منك أكتر."
تسارعت دقات قلب مايا خلف بعضها، ونظرت إليه في خجل، فاسترسل رائد حديثه:
"مايا، أنا فيه حاجة بتشدني ليكِ أكبر من الإعجاب."
توترت مايا وقامت بالنظر إلى هاتفها وأردفت له:
"رائد.. الوقت اتأخر، وانهاردة كنت هنزل مع ماما نجيب شوية حاجات.. بليز ممكن توصلني لأقرب تاكسي؟"
أمال رائد برأسه لها واقتربت يده من يدها الموضوعة على المنضدة وأردف بثبات مع نبرة صوت هادئة:
"مايا، أنا بحبك!"
تسمرت مايا في مكانها، ولم يكن لديها ما تقوله، بل اكتفت بصمت المفاجأة، فابتسم هو وداعبها بأصابعه على كف يدها، فضحكت هي، فقالها مرة ثانية وثالثة حتى قامت هي بإسكاته وهي تضحك بشدة.
مر العام، تلو العام، وهما على صداقتهما سويًا. كلاهما يدرس أخلاق وصفات الآخر، يتعمقان ببعضهما البعض، يمتزجان أكثر، ليصبحا شخصًا واحدًا. كل واحد منهم أعطى للآخر شيئًا من شخصيته.
في هذه الفترة تأكدت مايا من حبها لرائد، بدليل قدوم العديد من الرجال لطلب يدها، وفي كل مرة كانت ترفض برغم صفاتهم الحميدة، ولكن هنا أدركت أن قلبها مُعلق بشخص واحد فقط.. رائد!
حتى أتى يوم ليس بالحسبان.
هي وهو بأحد المقاهي، هي غاضبة وهو متوتر للغاية، حتى ظاهرة عليه حركة ساقه، وهي كل ثلاث دقائق تقوم بضبط وشاحها على وجهها.
"على فكرة أنا مش بقولك كدا عشان كل العصبية دي."
اعتدل رائد في جلسته وأردف لها وعيناه عابستان:
"يعني هتقوليلي جايلي عريس هقولك تمام، وعملتي إيه؟ رفضتي زي كل مرة. تقوليلي لأ، واضح إن بابا وماما موافقين عليه وأنا مش عارفة أثر عليهم زي كل مرة. فـ تفتكري أرد بإيه؟"
"بإيه يا رائد؟"
حك رائد بذقنه قليلاً ومن ثم خلع نظارته وفرك عيناه عدة مرات وفرك أنفه في حركة متوترة لا إرادية حتى قال لها بثبات:
"لأ، مفيش حد هيتجوزك يا مايا لأنك حبيبتي أنا وبس، وأنا مش هسمح ببعدك عني. أنتِ فاهمة؟"
هزت مايا رأسها ساخرة من حديث رائد قائلة:
"طيب تمام، أنا هروح أقول لبابا مش هقبل العريس عشان أنا حبيبة رائد وبس، تمام كدا؟"
"بتتريقي؟"
"اومال هقول إيه بس."
"هتقوليلهم رائد عاوز معاد. أنا جاي أتقدم لك يا مايا."
اتسعت حدقة عيناها ناظرة له وأردفت بذهول:
"بس أنت لسه واخد الشقة جديد اللي أنت فيها جديد ومش متشطبة، وكمان عندك قسط عربيتك."
وضع سبابته على مقربة من شفتيها وأردف مصوبًا مقلتيه إلى أعماقها:
"مش مهم أي حاجة، هتدبر بس تكوني معايا."
في حفل صاخب، وجمع من الشباب والبنات أصدقاء العروسين والأقارب والزملاء.
كان الجميع يصفق ويتراقص وبوسطهم العروسان، مايا ورائد.
كانت مبهرجة مايا في حلة ذهبية اللون، أما عنه كان يرتدي بذلة سوداء ورابطة عنق ذهبية.
"وقرينا الفاتحة."
صينية خشبية يمسكان بها مدون عليها هذه الجملة واسميهما وتاريخ خطبتهما. كان الجميع مبتهجًا، سعيدًا، مرتاحًا، حفل جميل بروحيهما.
ومحادثات ليلية مفعمة بالحديث الغرامي الملتهب.
"بس متنكريش إني أمور وأتحب برضه."
ضحكت مايا ضحكة خفيفة وأردفت له بصوت خافت يكاد يكون مسموعًا:
"فيه حد يشكر في نفسه كدا برضه."
"طب اعترفي إني كنت فتى أحلامك."
"إنت مش كنت فتى أحلامي، إنت كنت كل أحلامي!"
قهقه رائد بصوت عالٍ وقال لها في زهو بالغ:
"طبعًا يا بنتي، هو أنا أي حد ولا إيه؟"
شعرت مايا بغروره المبالغ فيه فبادلته الحديث الساخر:
"بس بس بس، أنا أصلًا بقولك كلمتين من باب العطف عليك."
"وأنا يا ستي شحات الغرام وقبلت وبحبك.. بحبك قوي."
تثائبت مايا وأردفت له:
"رائد أنا هنام بقى."
"طيب خلي الخط مفتوح، وأنا ناني وأنا سامع صوت أنفاسك يا روحي."
لطيفة كَسقوط الندى صباحًا، وكمثل أول خطوة لطفل صغير، كَ تفتح الزهرة لأول مرة، كَ أول تغريدة لعصفور، لطيفة كَ كل شيء لطيف، وكل لطيفٍ يشبهك يا مايا.
ومضت الأيام بالتسوق لشراء أغراضهم، وجلوسهم بالمقاهي يقومان بالتفكير في كيفية تدبير المال وما القادم وما الذي يجب فعله. كانت تمر أيامهم ما بين مشادة للحظة صفاء، لجفاء وخصام وهجر بالأيام.
جلسة صلح تتوجها باقة من الزهور الحمراء. عيد الحب ودمى قطنية. عيد ميلاد مايا ومفاجآت في الشارع مع صديقاتها. عيد ميلاد رائد وحفل بسيط فوق مركب يجمع الأصدقاء والمزيد من الصور.
ثم جاءت دعوة لحضور حفل زفاف أحد أقارب رائد. تهيأت مايا وارتدت فستانًا جميلًا رقيقًا ذو لون زهري ووشاح نفس اللون مع وضع المكياج الخفيف يليق بملامحها الغائرة المرسومة.
سمعت صوت آلة التنبيه لدى سيارة رائد، فهبطت على الفور بعد طبع قبلة على وجنة والدها. وما إن رآها اختفت بسمة وجهه التي كان يستقبلها بها.
"فيه إيه؟"
كان سؤال مايا له أثناء قيادته السيارة، ف أجابها رائد دون النظر إليها عابسًا:
"مفيش."
"لأ فيه، احنا رايحين فرح وأنت كنت مبتسم وأنا نازلة. أول ما ركبت كشرت. فيه إيه؟"
على صمته رائد ظلّ متجهّمًا، فردفت مايا بشيء من العصبية:
"هتقول فيه إيه ولا لأ، أنا عارفة لما تفضل لاوي وشك كدا."
"إيه رأيك في الفستان اللي أنتِ لابساه دا.."
نظرت مايا نظرة عامة على فستانها وهي جالسة في السيارة وقالت:
"ماله؟"
"ضيق جدًا، ضيق إيه دا زفت.. وكمان شعرك اللي برة الحجاب دا وكذا مرة اتكلمت عليه."
قامت مايا بإدخال خصلات شعرها المنسدلة على استدارة وجهها خارج وشاحها:
"على فكرة أنا قولتلك إن بيطلعوا غصب عني عشان نبات شعري قريب وشعري ناعم جدًا، أكيد مش قصدي. والفستان مش ضيق ولا حاجة."
مط رائد شفتيه وعلى وضعه دون النظر إليها:
"خلاص يبقى أنا أعمى."
"يوه أنا مقلتش كدا."
ظلا صامتين، حتى وصلا الحفل. على عبوسه هو بينما هي تناست بعض الشيء حتى صفقت في مكانها على صوت الأغاني وحركت أكتافها كتفاعل معها، فقام هو بإسكاتها بشكل محرج لها للغاية:
"فيه إيه، مش عارفة تقعدي هادية شوية؟!"
أحست مايا بالإحراج ونظرت حولها هنا وهناك ومن ثم أردفت وعيناها تترقرق بالدموع:
"عاوزة أمشي."
"إحنا لسه جايين، اقعدي الناس بتبص علينا."
زفرت مايا بحرارة وأمسكت بحقيبتها وأردفت بعصبية:
"هتوصلني ولا أمشي لوحدي."
تركته واستبقته إلى باب القاعة، فلحق بها وأعادها إلى منزلها دون أن يتحدثا ببنت شفه.
وعلى هذا المنوال.. رائد غيور ومتحكم، ومايا تهوى الحياة بعفوية كما تربت.
الكثير من المشكلات، الكثير من الهجر.. حتى أتت الطامة الكبرى.
ذات يوم كانت هناك رحلة لمدينة الأقصر يشارك فيها أقاربها الشباب والفتيات وقاموا بدعوتها، فلبت الدعوة وأخبرت رائد بميعاد الرحلة، فكانت هذه النتيجة.
"وأما أسألك بتحبني وتقولي آه، مبقتش قادر أصدقك وبقيت أخاف."
كان صوت المطرب عمر دياب المميز يدور بأرجاء المكان حتى وصل إلى منضدة رائد ومايا التي على وشك قيام عاصفة عليها الآن.
"بتقوليلى كأني تحصيل حاصل يعني."
"اومال هستأذنك يا رائد؟! دي رحلة مع قرايبي."
نفث رائد بغضب وأردف بنبرة عصبية:
"وفيها شباب!"
ابتسمت مايا بسخرية بجانب ثغرها وقالت له:
"دول ولاد خالتي!!"
عاد رائد بظهره للخلف وأردف ساخرًا أيضًا:
"أيوه يعني ولاد خالتك دول ثدييات!! مش رجالة بشنبات."
هزت مايا رأسها مستفهمة، فأكمل رائد:
"أنا مبحبش اختلاطك بأي راجل غيري، إن شاء الله يكون أخوكِ."
"طيب الحمد لله إن معنديش إخوات أصلًا."
"مايا متتريقيش."
نهضت مايا من مقعدها وأردفت له يبدو عليها الانزعاج بشدة:
"أنا عاوزة أفهم إيه مشكلتك دلوقتي يا رائد، إنّي رايحة الرحلة من غير ما أقولك ولا عشان ولاد خالتي طالعين معايا ولا عشان إيه بالظبط."
نظر لها رائد وهي تقف أمامه وأردف:
"طب اقعدي."
"أنا عاوزة أفهم لو سمحت."
"المشكلة إني مش هتروحي من الأساس يا مايا."
رفعت مايا حاجبها متعجبة وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت له:
"واللهِ؟ كدا حكم قراقوش."
"سميها زي ما تحبي، ولو سمحتِ اقعدي الناس بتبص."
نظرت مايا له نظرة مطولة وقامت بخلع خاتم الخطبة من يدها ووضعته على المنضدة:
"أنا تعبت يا رائد.. تعبت تحكمات وعاوز تخليني شخصية تفاصيلك وتلغيني. تعبت خناق.. أنا آسفة."
تركته ورحلت ورائد في ذهول مما فعلت.
رواية ميكاتوا الفصل الرابع 4 - بقلم نور اسماعيل.
"وئام"
أينما مررنا نترك أثرًا كبيرًا، قد لا نراه نحن، ولكن احرص دائمًا أن تترك أثرًا طيبًا في نفوس من تصادفهم، ولو بكلمة طيبة تجعلك دائمًا تبحث في صفحات كتابك لتعيد قراءتها.
"باسل"
أحاول العبور من كل عثرات حياتي بكل ما أملك من قوة، ولكني لا زلت عالقًا بجزء مني يرفض النسيان، وأيضًا يرفض التقدم، إنه ذاك جزئي الساكن، جزئي المحطم!
عام 2006
"إنت إيه اللي جايبهالي دي، أنا مش فاضية أربي حد يا أخويا، كفاية عليا هم ولادي!"
كانت تستمع وئام إلى هذه الكلمات من فم زوجة أبيها، والتي كانت تدوي كالرصاص في أذنها وهي طفلة في العاشرة. فجلست إلى أقرب مكان لتسترق منها النظر، أشقاؤها من والدها بعمر الأربع والثلاث سنوات يقفون لدى باب غرفتهم ممسكين بالدمى الخاصة بهم.
"دي بنتي يا حمدية، وأمها ماتت، هسيبها في الشارع يعني؟ تتربى مع أخواتها، وأهي تطبع بطبعك وتبقى تحت طوعك وتساعدني في البيت."
نظرت زوجة الأب نظرة مملوءة بالحقد والغضب نحو وئام، واقتربت منها وأمسكت بأحد ذراعيها بقوة وقالت لها بنبرة محذرة:
"اسمعي يا بت، هنا النظام نظامي أنا، والبيت بيمشي بكلمتي أنا، أقول شمال شمال، يمين يمين. أخواتك تشوفي طلباتهم وتساعديني في شغل البيت، وحسّي عينك أسمع منك شكوى ولا صوت عال، ساعتها هيبقى آخر يوم ليكي هنا."
على صمتها، كانت تحدق وئام النظر بها وهزت رأسها إيجابًا مع امتلاء عينيها بالدموع.
مرت ثلاث أعوام..
وكانت قد التحقت وئام بالمدرسة الإعدادية بنات، وهناك حدث لمعظم فتيات عمرها الحدث المعروف للبلوغ عداها! حتى في صفاتها الشكلية، كان قد بدأ مظهر البلوغ الأنثوي يظهر على زميلاتها إلا هي! كما هي نفس جسم الطفولة مثل الصبية.
اهتمت الأخصائية الاجتماعية لأمرها، فتحدثت معها وتفهمت الأمر لتطلب منها حضور والدتها. طلبت وئام من زوجة أبيها الحضور ولم تلبي الدعوة، فذهب معها والدها ليتفهم أن هناك أمرًا غريبًا تتعرض له ابنته.
وعلى وجه السرعة يتوجه بها إلى طبيب لوقّع الفحص عليها، ليجدها تحمل بداخلها رحمًا طفوليًا، أي أنه غير مستعد للبلوغ إلا بعد سنوات من العلاج، وفكرة الحمل بعيدة تمامًا تكاد تكون مستحيلة!
حاول الأب أن يهتم بهذا الأمر، ولكن رفضت زوجته معللة بأنهم بحاجة إلى المال هي وأولادها، وأن مع مرور الزمن ستتحسن وئام كمثل كل الفتيات.
وبعد سبع أعوام أخرى..
كانت قد تخرجت وئام بالكاد من المدرسة الفنية بنات، وأصبحت خادمة بمنزل والدها، تقوم بالغسل والطبخ والخبيز، ومساعدة أشقاؤها بالمذاكرة وإحضار متطلبات المنزل.
وها هو أتى عيد ميلادها الذي لم يتذكره أحد سوى شقيقتها الصغرى مها، فحضرت لها قلماً من الحمرة وفي طريقها لتقديمه لها:
"كل سنة وإنتِ طيبة يا ئِمئم، جبتهولك وأنا راجعة من المدرسة."
ابتسمت وئام وفرح قلبها حينما رأت هدية شقيقتها مع تذكرها يوم ميلادها، قبلتها في وجنتها مع عناق طويل، ومن ثم قامت شقيقتها بوضعه لها على شفتيها أمام المرآة مع قولها:
"ياسلام يا سلام ع القمر، عارفة يا ئمئم سمارك البرونزي المميز دا مع لون الروج عامل ميكس جنان."
التفتت وئام إلى المرآة لترى وجهها بها، وئام.. ذات البشرة السمراء الجميلة والشعر المنسدل الناعم الطويل، فم عريض مرسوم وعينان تتحدثان حزنًا مع نظرة لامعة.
"قمر يا ئمئم والله."
ابتسمت وئام وقالت لها:
"ربنا يخليكِ ليا يا مها يارب، إنتِ وبس اللي بسمع منك كلمة حلوة في البيت دا كله."
أثر تحدثهما سويًا، وجدا زوجة الأب تدلف الغرفة لتدعو وئام للحاق بها، خرجت وئام تتبعها حتى وصلت إلى غرفة الأب ولجت إلى الداخل ومن ثم أغلقت حمدية الباب.
"اسمعي يا وئام فيه موضوع مهم عاوز أكلمك فيه."
"خير يا بابا."
"إنتِ متقدملك عريس."
تلعثمت وئام، فاكملت زوجة الأب:
"وعريس ميتعيبش، صنايعي قد الدنيا وكسّيب ومعاه بيت بحاله مسكن فيه مراته وبناته وأمه، وإنتِ هتكوني معاهم."
عبست وئام وأردفت متعجبة:
"مراته وولاده؟! إنتو عاوزين تجوزوني واحد متجوز؟!"
قامت حمدية بمصمصت شفتيها وتحدثت ساخرة:
"ياختي إنتِ معيوبة، أرضي بنصيبك، كمان هتتشرطي؟"
نظرت وئام ناحية والدها، فاأردف هو على استحياء:
"يابنتي عزت راجل كسيب ومقتدر ميترفضش وهتبقى ليكِ شقة لوحدك بعيد عن مراته."
"ولما هو عنده ولاد ومتجوز، عاوز يتجوز تاني ليه؟"
ركزت حمدية بعيني وئام وقالت:
"شوفي يا بنت جوزي، هو معاه بنات ونفسه في الولد.. قولنا يمكن عقدتك تتفك على إيده وتتجوزيه وتخلفي له الولد."
تنهدت وئام وحدقت بعيني حمدية متحدية إياها مع قولها:
"وأنا هخلف له الولد إزاي، إذا كان عندي عيب كبير يمنعني من الخلفه ولازم له علاج سنين."
وضعت حمدية سبابتها على إحدى وجنتيها وتحدثت، شاحت بالنظر عنها:
"أهو يبقى يعالجك هو، اللي عاوز العسل يغوي قرص النحل."
نكست وئام رأسها لأسفل وقالت بنبرة حزينة على حالها:
"أنا مش موافقة."
هنا نهضت زوجة أبيها واقفة وقالت واضعة كلتا يداها بخصرها:
"نعم يا دلعدي!! مش موافقة دا إيه! هتتشرطي ياختي على نيلة إيه دا، لا مال ولا جمال ومعيوبة وحالك حال، اسمعي دلع بنات مش ناقصين."
توجهت حمدية إلى زوجها تتحدث له آمرة:
"إنت تروح تقوله موافقين وتتفقوا على ميعاد قراية الفاتحة، خلينا نخلص ونشوف أخواتها وطلباتهم، هو إيه مورناش إلا الست وئام."
ما ضللتك يومًا وما أخفقتُ في حبك، ولكن الدرب تشاقّ علينا، فأطفأ نور اللقاء وعتمَ سبيلنا.
فلا تكن كثقبٍ يستهوي التمرد على أقدارٍ تُصيبنا ولا نُصيبها.
الهاتف يرن إثر غفوة طويلة لباسل، فتمتد يده ليرى اسم صديقه، يتثائب ومن ثم يجيبه:
"أيوه يا زفت."
"إنت لسه نايم، قوم فوق واصحى البس الحتة اللي على الحبل، أنت نجحت في امتحانات المتقدمة في الأوبرا يابن المحظوظة."
اعتدل باسل فجأة ووسعت ابتسامته متفاجئاً وأردف له فرحاً:
"بتتكلم جد! أنا اتقبلت في الفرقة اللي هتعزف في الأوبرا؟!"
أجابه زميله بعد قهقه ضحكاته على ردة فعل باسل:
"أنا وإنت يا عسلية اتقبلنا، ومش كدا وبس وكمان هنعزف قدام وزير الثقافة في حفل وزارة الثقافة السنوي. ابسط بقى يا عم."
قفز باسل من فراشه وتحدث وهو يهرول إلى المرحاض:
"إنت تستاهل بوسة على أخبارك الحلوة دي، أنا نص ساعة وتلاقيني قصادك."
جهز باسل وذهب إلى مكان تجمع الفرقة الموسيقية التي قوبل بالانضمام إليها أخيرًا كعازف آلة الكمان. صافح صديقه وكانا يتحدثان بشغف فرحة القبول والمغامرة. حتى رأها آتية على مقربة منهم تحمل على ظهرها آلة "التشيللو". يتطاير شعرها بفعل الهواء وابتسامتها هادئة وصافية.
تحدثت إلى صديقاتها وانضمت لهم، حتى بدأت تدريبات الفرقة ودعوها للداخل ليجلس كل فرد بمكانه حاملاً آلته الموسيقية. استعد الجميع وبدأ التدريب.
وبعد انتهاء اليوم، كان الجميع راحلاً في مجموعات إلى الخارج، حتى ترجلت هي إلى محطة المترو وتبعها باسل بعدما ودع صديقه. استقلت القطار وهو خلفها. جلست فجلس بجانبها وتحدث إليها بجرأة:
"حضرتك معانا في فريق اللي اترشح للعزف في الأوبرا مش كدا؟"
رفعت الفتاة بصرها وهزت رأسها له إيجابًا، فاكمل باسل:
"وكمان هتكوني موجودة في حفل سيادة الوزير في قصر الثقافة."
"أيوة."
مد باسل يده للمصافحة مع تعريفه بنفسه:
"باسل حمودة، معاك في الفرقة عازف الكمان."
ابتسمت هي وأردفت له مرحبة تصافحه:
"رانيا طلعت."
مضى الوقت يتحدثان حتى انتبهت رانيا إلى محطتها، فحملت آلتها وهبطت مع توديعهم لبعضهما البعض.
مرت الأيام تلو الأيام، جمعتهم شيئًا فشئياً صداقتهم ببعضهم البعض حتى تعمقت علاقتهما إلى علاقة حب.
فقرر حينها باسل أن يتقدم لخطبتها.
باسل حمودة، 29 عامًا.. عازف آلة الكمان بفرقة موسيقية بالأوبرا، وفي كثير من الأحيان يتلقى طلبات للعزف في تترات المسلسلات والبرامج. قادم من بلدة ريفية ولكنه منذ وقت العمل وهو مستقل بالعيش بالقاهرة.
ذو وجه مستدير، حليق الرأس دائمًا مع خط خفيف من اللحية والشارب يميزانه.
متوسط طوله.. هادئ الطباع ولكن به خصلة غير مستحبة إطلاقًا "الشك".
تمت الخطبة وسرعان تم الزفاف وانتقلت رانيا للعيش مع زوجها بشقته بعد تجهيزها، فكان يومهم بالكامل سويًا سواء بالعمل أو بالمنزل لا يفترقان.
"إيه يا مدام.. مش ملاحظة حاجة؟"
رفعت وئام بصرها عن صحن الطعام أمامها ونظرت إلى زوجها.
"ألاحظ إيه يا عزت؟"
"بقالنا قد إيه ولا فيه حمل بأبيض أو أسود ولا حتى سقوط أو اشتباه، الله يرحمك يا نجوى، جابتلي البنت الأولانية من أول شهر، يدوب عدى شهر العسل عرفنا إنها حامل. ولا زهرة في أول سنة تعدي علينا كانت جايبالي توأم البنات. وإنتِ يعني لا حس ولا خبر."
تعثرت وئام في بلع ريقها أثناء طعامها وتحدثت له دون النظر إليه:
"وأنا بإيدي إيه أعمله يا عزت؟"
"لا بإيدك يا حلوة، تعالي بينا نروح نكشف ونشوف العطلة جاية منين."
وبالفعل ذهبت معه إلى الطبيب وقدامها تتقدم واحدة وتتأخر الأخرى، حتى سمع عزت ما لم يكن في توقعه. اتسعت حدقة عينه غضبًا وقام بجذب ذراعها بعنف للخارج يترجلان، حتى أنه لم يتمالك وقام بنهرها في الشارع أمام المارة.
"وأنا ذنبي إيه بس ياعزت؟"
قالت وئام باكية، فقام هو بلكزها بأحد كتفيها يتحدث والغضب يشعله:
"ذنبك إيه! هاها.. أكيد عارفة وأكيد أهلك اللي استكردوني وخدوا على قلبهم قد كده دول المهر والشبكة كانوا عارفين.. أثاريهم لزقوكي ليا في لمح البصر من غير هات وخد."
لم يكن باستطاعة وئام الرد، دموعها كانت كافية وحزنها على ما تلقت من إهانات وكلمات قاسية كان أبلغ من الرد حقًا.
"إيه دا، إنت موديني فين؟! دا طريق بيت بابا."
"أيوااا بالصلاة ع النبي إنتِ يابت الحلال مش لزماني، قال وأنا اللي كنت مستني الولد دا بشكلك ده لا فيها ولد ولا بت ولا شايب حتى."
صعدت إلى منزل والدها وعندما فتحت شقيقتها ووجدتها هكذا احتضنها مستفهمة ماذا حدث.
"فهمي أبوكِ يا سنيورة إني طلقت اختك المعيوبة ومالكمش عندي غير المؤخر وبس وشوية الهلاهيل اللي عندي في الشارع هبعتهم لها ع كااارو."
تركهم ورحل وانفجرت وئام بالبكاء تختبئ برأسها في صدر شقيقتها، تختبئ من الخذلان، من الهزيمة التي تلاحقها دائمًا، تختبئ من الانكسار والخسران والقادم المجهول!
ملابس تضعهم رانيا في حقيبة سفر بطريقة عشوائية، مع تحدثها بعصبية بالغة:
"هيكون إيه بيني وبين عماد، دا مجرد زميلي، أنا تعبت شك شك شك وتقولي غيرة.. اللي بيغير ميشكش يا باسل ويتصنت ويحط لي تسجيل مكالمات في الموبايل من غير ما أعرف."
هرول باسل إليها يحثها على البقاء متوسلاً إليها:
"رانيا.. رانيا اسمعيني.. مكانش قصدي والله، أنا بحبك ومن غيرتي بس أنا عمري ما أشك فيكي."
هبت رانيا بوجهه وأردفت:
"وبرنامج تسجيل المكالمات اللي حاططهولي، ومراقبتك وتفتيشك في تليفوني 24 ساعة وأنا بطنش، والل والس اللي أنا فيهم دايماً، فلان كلمك ليه قالك إيه كان قصده إيه؟ طولتي في المكالمة ليه، بينك وبين علان إيه، دا وصل لماما وبابا وإخواتي بتشك بنتكلم في إيه وبنقول إيه، وأكيد حاجة ليها علاقة بيك وأنا بكذب."
أغلقت رانيا حقيبتها وهرولت تجرها إلى الخارج وهو خلفها يتوسل:
"أنا عارف إني غبي ومتخلف وإني ساعات ببقى همجي في كلامي.. رانيا أرجوكِ استني."
هرولت رانيا بخطوات سريعة إلى الشارع غير منتبهة لقدوم سيارة مسرعة حتى اصطدمت بها!!
صرخ باسل غير مصدق عينيه:
"رانيااااااا!"
قلبي المحطم لم يعد بوسعه التحمل أكثر من هذا، كثرة التظاهر بالقوة والتماسك جعلت قلبي ممزقًا للغاية، جعلتهُ مكسورًا لا يُداويه أي شيء، أصبحت لا أشعر برغبة تجاه أي شيء، بيوم ما كان قلبي شيئًا جميلًا، ولي وجه مبتسم، وروح مرحة، ولكن يُحزنني قول "كنت!".
عراك قائم بين زوجة والد وئام ووئام بسبب رغبة وئام في أخذ المؤخر وتأجيرها لشقة بعيدًا عنهم وبحثها عن عمل والاستقلال بحياتها أخيرًا. رفضت حمدية ووالدها غير مبالٍ لاحول له ولا قوة.
"لاء بقى انتِ عاوزة تفجري وتمشي بدماغك، إنتِ عارفة ست ومطلقة وقاعدة لوحدها الناس هتقول إيه؟"
"تقول اللي تقوله، أنا محترمة سواء كنت ست مطلقة متجوزة بنت بنوت.. أنا هعيش باحترامي ومش هعيش هنا تاني، كفاية ذل وقهر كفاياني كدا. عندي 23 سنة عيشتهم كلهم مرار وقرف، حلّي عني الله لا يسيء كام."
أمسكت زوجة أبيها بذراعها تهزها في مكانها:
"اسمعي يا بت إنتِ مش هيفلت عيارك."
"إيه عاوزة تعملي فيا إيه تاني؟ عندكم طريقة جديدة تقدروا تدبحوني بيها أكتر من كدا؟! اتفضلوا!"
خرج الأب وتحدث إلى زوجته بأن تتركها، ولكن ظلت حمدية تنعتها بأقذر السب والشتم.
تركت وئام زوجة أبيها تتحدث وحملت حقائبها تهبط على الدرج، استقلت سيارة أجرة متوجهة ناحية الشقة التي أجرتها ودفعت مقدمها مع إيجار أول شهر، وباقي المال وفرت جزء تعيش منه حتى تجد عمل. والباقي أحضرت سرير ومكتب وموقد قديم مؤقتًا حتى يسير الحال.
بعدما أتى العمال وركبوا الأشياء وأعطتهم أُجرتهم، كان في وقت نزولهم صعود باسل، فرآهم ورأى باب شقتها مفتوحًا فوقف لبرهة لتخرج هي وتهم بغلقه فتجده أمامها.
"مساء الخير."
ابتسم باسل:
"مساء النور، حضرتك الساكنة الجديدة؟"
"أيوه."
"أهلًا وسهلًا، أنا جارك هنا في الشقة اللي جنبك لو عاوزتي أي حاجة خبطي. اسمي باسل."
ابتسمت وئام له مجاملة وهمت بغلق الباب، فانصرف هو إلى شقته. أكلت بعض لقيمات الخبز مع الجبن الأبيض وحمدت ربها. وصنعت كوبًا من الشاي وجلست بالشرفة حتى تكون شبكة الإنترنت قوية لتبحث عن العمل. ومن هنا وهناك وجدت عملًا وبدأت في إرسال معلوماتها إليهم وبدأت المحادثة حتى انتهى رصيدها وتعطل الإنترنت!
تأففت وأردفت تتحدث إلى نفسها غاضبة:
"يووه وقته يقطع، والوقت متأخر هنزل دلوقتي إزاي أشحن رصيد."
مطت شفتيها وأخذت تتخبط في السياج الحديدي على سور الشرفة، فسمعت صوت جارها باسل يأتي من الداخل:
"أنا في البلكونة يا رانيا."
دلف إلى البلكونة فوجد وئام، ابتسم مع إلقائه تحية السلام، فهمت وئام بسؤاله:
"معلش بس يا أستاذ.."
"باسل."
"أيوه أستاذ باسل..، تقريبًا عشان هنا منطقة جديدة أي محل موبايلات أو سوبر ماركت بعيد مش كدا؟"
اهتم باسل وأردف لها:
"ليه فيه حاجة عاوزاها من تحت؟"
شعرت وئام بالإحراج ومن ثم قالت له على استحياء:
"أصل رصيدي خلص فجأة وكنت فاتحة نت بتواصل لشغل يعني، فكنت عاوزة رصيد وكدا."
ابتسم باسل مع هزة رأس وأردف إليها:
"مفيش مشكلة، أنا ممكن أدخلك باسوورد الواي فاي عندي وتكملي عادي."
رفضت وئام وقالت:
"لاء لاء حضرتك أنا هشحن و.."
"ياستي الوقت اتأخر هتنزلي إزاي، والجيران لبعضها."
"مفيش مضايقة يعني لحضرتك؟"
ابتسم باسل ومد يده لها يعطيه هاتفه، ف أعطته ليدخل كلمة المرور ويعطيها إياه ثانية حتى أكملت هي محادثتها.
تحدد موعد الاختبار للعمل، ولم يتم القبول فعادت حزينة جدًا، ليلتق بها باسل أثناء صعودها الدرج.
"إزي حضرتك؟"
"الحمد لله."
"اتقبلتي في الشغل؟"
هزت رأسها نفيًا، ف تذكر باسل شيئًا وأخبرها به:
"طيب بصي، تقريبًا لو فيه شوغلة استقبال في عيادة يوافق معاكِ؟"
"أي حاجة مفيش مشكلة."
قام باسل بإعطائها عنوانه كان قد شاهد الإعلان في أحد المرات وهو بطريقه للمنزل، فهو على مقربة منه. وبالفعل تم قبولها فعادت سعيدة للغاية وأرادت أن تصنع شيئًا من الحلويات كقالب كيك أو ما شابه وإرسال صحن إلى الجيران الذين ساعدوها برغم عدم معرفتهم لها.
وقفت بمطبخها تحضر وتستمع إلى ألحان الكمانجا الآتية من ناحية شقة باسل، حتى انتهت من تحضيرها وارتدت وشاحها وذهبت تطرق الباب ففتح باسل.
"مساء الخير يا أستاذ باسل."
"مساء النور."
"أنا.. أنا يعني عملت بسبوسة فحبيت أجيب طبق ليكم بمناسبة الشغل وكدا وحضرتك السبب."
"اتفضل بالهنا والشفاء ليك انت ومدام رانيا."
تعجب باسل فقال لها:
"رانيا!"
شعرت وئام بالإحراج فقالت له:
"أنا آسفة، بسمع حضرتك طول الوقت بتناديها وتكلمها يعني.. ف أقرب وقت نبقى نتعرف إن شاء الله."
تركته واقفًا واستأذنته لتهم بغلق الباب.
"وأنت حيلتك إيه أنتَ يا مجشف؟ دا أنتَ بتعطس قميصك المعفن يجولك يرحمكم الله!"
رواية ميكاتوا الفصل الخامس 5 - بقلم نور اسماعيل.
"مُصعب"
ربما أنني لست مثالياً، لدي عيوب كثيرة ولكني أيضاً بي ما يميزني، لا أخبركِ أنني سأتخلي عن عيوبي، لكني سأحاول إصلاحها، ولكني واثق أنني سأتقبل عيوبكِ كما هي، فهلا كنتي مترفقة بشخص غير كامل، وقبلتي ذلك المعتكف على باب محرابك، ينتظر فقط إشارة منكِ ليصلح من ذاته... فقط لأجلك.
"روز"
حتى وإن كان اكتمالي بك سأكابر وأكابر فهذا طبع البشر لا يعترفون بالحقائق.
تعالا يا واد يا سارق هنا.. أنا بقالي شهر بدور عليك!
إلتفت مصعب ناحية صوت المقترب منه ف اتسعت حدقه عيناه ذهولاً.
مصعب الأحمدي من قرى صعيد مصر، 25 عاماً.
يتسم بسمرة بشرته، شفتيه المكتنزة، عيناه المتسعة، وشعره المجعد الغزير، شاربه الأسود الكثيف.
إنتقل للعيش بالقاهرة لإيجاد عمل مناسب. فبعدما تخرج من كلية الزراعة، لم يرغب بالعمل في بلده بالصعيد فبدأ بالبحث عن عمل بالقاهرة. بادئ ذي بدء قام بالعمل كسائق سيارة أجرة، ولم يلق حظاً بهذا العمل.
"حمدلله عالسلامه ياباشا"
قالها مصعب حينما توقفت سيارة الأجرة لديه أمام المكان المقصود لمستقلي السيارة، فهبط جميعهم ليتوجه له أحدهم.
"كام يا اسطى؟"
"٥٥ چنيه ياباشا"
"٥٥ جنيه! ليه هو أنا قولتلك إني رايح تاني بلد؟ دا خطوتين يا اسطى"
"ياباشا هو مشوارك بكديتي هنزود عليك ليه"
"لاء مش هدفع غير ٣٠"
إتسعت حدقة عين مصعب واردف له: "٣٠!! ليه واخدك لفة ومرجعك مكانك تاني.. هما ٥٥ يابيه ومتطلعش روحي"
"بقولك ايه هما ٣٠ يا نروح القسم"
نا خرج مصعب من السيارة وأمسك رأس الرجل بكلتا يديه قائلاً: "لا مدام هنروحو القسم يبجى نروحوا على حج!!"
وقام بدفع الرجل برأسه حتى سقط مغشياً عليه!
وكانت هذه أول مراحل حياته العملية التي فشل بها، فعمل بعدها بمطعم للمأكولات السريعة كعامل لتوصيل الطلبات للمنازل.
"ايوااا، مين؟"
"دليفرى يابيه"
فُتح الباب فاستقبله رجل قوي البنية يتناول منه الطلب فأردف مصعب:
"الحساب ياباشا، 180 چنيه"
"ايييه! ساعة يا أغ*ب*يا عشان ييجي الأكل، خلاص غ*ور من هنا نفسي اتسدت مش هاخد الأكل دا"
"ياباشا انت طلبت أكل وأنا چيت طوالي يدوب الطريق، اديني حسابي خليني أمشي"
"وأنا قلت مش عاوز الأكل دا، وامشي غ*ور من هنا.. أنا مش هتعامل مع المطعم بتاعكم دا تاني"
أغلق الرجل باب المنزل بقوة في وجه مصعب، فتمتم مصعب إلى نفسه ممسكاً بعلب الطعام المغلقة:
"يعني يابن ا*لك*ل*ب لولا مدرس الإنجليزي عقدني في تالتة اعدادي مش كان زماني دكتور وأجرب زيك مكلمنيش كديتي!"
هم مصعب بالاتصال بصاحب المطعم ليخبره بما حدث، فأخبره بأن لم يأخذ العميل طلبية سيتم خصمها من مرتبه هو الخاص!
وهنا قد غلى الدم في عروقه، فطرق الباب بقبضة يده ليصنع طرقاً مدوياً ذات صوت عالٍ ليفتح نفس الرجل له:
"ياباشا هتاخد الاوردر ولا لاء، فيها قطع عيشي دي"
"بقولك لاء إيه السئالة دي"
"يعني نفس ميتين أهلك اتسدت دلوقتي؟ بجولك إيه هتاخد الوكل ولا لاه!"
استشاط الرجل غضباً فامسك بتلابيب مصعب ليمسك به الآخر ويمتزجا بمشادة وعراك انتهى بفصل الجيران لكليهما بعيداً عن بعضهم البعض لينتهي الأمر برفده من المطعم.
لم يقف مصعب عند هذا فقط، فאלتحق بعمل آخر بصيدلية يقف لبيع العقاقير والأدوية.
"والنبي يابني عاوزة حاجة للكحة للولد دا بس متكونش حقن"
إلتفت مصعب ليأتي بأقراص ويعطيها إياها فعبست السيدة وأردفت: "برشام! لاء الولد مبيعرفش يبلعه"
نظر مصعب ناحية الطفل البالغ تسع سنوات على حد أكثر، فأردف إلى السيدة:
"مبيعرفش يبلع إيه دا كد جدي!"
"يا خويا بقولك شوفلي حاجة غير كدا"
ذهب مصعب ليبحث لها عن دواء آخر ف أتى بدواء شراب وأعطاها إياه:
"8 جنيه بس يا مدام"
رفعت السيدة حاجبها اعتراضاً وقالت له بنبرة معترضة:
"ايه دا دوا شرب! لاء لاء بيجيله مغص لما ياخده"
هنا غضب مصعب منها وأردف:
"يعني يا ست إنتِ الله يرضى عليكِ اخترعله أنا دوا، جولتِ عايزاش حقن جولنا ماشى، عايزااش برشام، عايزاش دوا شراب، نعالجوه من الكحة كيف بالتنويم المغناطيسي"
"والنبي يا خويا دورله عندك على حاجة تنفع"
"ياحجة شايفاني حاوي! يابوي الله يرضي عليكِ شوفى فالصيدلية اللي جنبنا احتمال يكونوا اخترعوا حاجة جديدة"
تركته السيدة ورحلت، حتى دلف شاب في مقتبل العشرينات وأردف إليه:
"عاوز منوم لو سمحت"
"معاك روشتة؟"
إرتبك الشاب وأردف: "لاء.. بس يعني أنا عاوزة الروشتة ضاعت مني"
"هات الروشتة وتعالى أصرفهالك يا ولدي"
قضم الشاب شفتيه وامسك هاتفه ليقوم بفعل الاتصال بعيداً ومن ثم أتى مرة أخرى:
"بص، أنا عاوز المنوم دا عشان بقالي تلت أيام مطبق وبذاكر وكدا عاوز أنام ومش جايلى نوم"
مركز مصعب معه وأردف إليه: "اطلع سلم بيتكم وانزل 8 مرات حتت هد هتنام طوالي"
تلعثم الفتى وتصنع حجة أخرى ليقدمها له: "لاء اصلك مش فاهم، تيته برضو بقالها كام يوم منامتش و..."
"هو الدوا دا ليك ولا لجدتك حيرتني؟"
"لتيته"
"بردك هات الروشتة"
لم يلق الفتى مفر، فهرب للخارج وترك مصعب وحده فطرق مصعب كفاً بكف ليتحدث إلى نفسه:
"الواد عاوز المخدر عشان يعمل مصيبة وفاكرني حمار وفاهمهوش، جبر يلم الأجرب"
ظل ب عمله بالصيدلية برغم راتبها البسيط وذات لحظةِ ما!
"تعالا يا باشا.. قرب ياباشا.. الساعة اللي بتنقل من على الموبايل كل حاجة قرب شوف يابيه"
إقترب مصعب من الرجل وأردف له: "ساعة هتتنقل اللي على التلفون صح؟"
"شوف ياباشا، هيبقى كأن معاك تليفونين وعليهم ساعة يد كمان"
ضحك الرجل ضحكة واسعة أفصحت عن صف أسنانه العريض، فامسك مصعب الساعة التي ناوله إياها الرجل وجرب وجد أنه بالفعل تنقل كل معلومات الهاتف ويمكن استخدامها كهاتف، سأل عن سعرها واشتراها.
وحينما عاد إلى الغرفة المؤجرة التي يقطن بها، حاول بها يميناً ويساراً، هنا وهناك ولم تفعل شيئاً!
حاول عدة مرات، حتى علم أنه تم وقع الاحتيال عليه. فحلف أنه سينتقم من ذاك الغشاش أينما وجده وسيوسعه ضرباً بالشارع أمام المارة.
وباليوم التالي بحث عنه بنفس المكان الذي كان يقف به ولم يجده، يوم.. اثنين.. ثلاثة، أسبوع أسبوعان حتى وجده!
أوسعه ضرباً حتى تم تخليصهم بواسطة المارين بالشارع ومصعب على كلماته يريد إعادة ماله فهو لم يكن بالمبلغ البسيط.
وبعدما تم فض الاشتباك:
"فلوسي يا راجل يا حرامي بدل ما تبات الليلة فالقصر العيني، بجى بتستغفلني إني.. معاك الساعة الشغالة صح وتبيع المجفوفة اللي زي عدمها ب 350 جنيه!"
حاول الرجل تهدئته بعدما أصيب بفمه ووجهه إثر الضربات المبرحة من مصعب وقال له:
"بقولك إيه أنا النهاردة مستفتحتش.. بكرة هتلاقيني مجهزلك فلوسك"
صمت مصعب يفكر فقام بخطف الساعة منه على حين غرة وأردف:
"اسمع يا راجل ياللي كد اللُجمة أنت، أنا هاخد الساعة الحجيجية مكان فلوسي، وأنت ابجى شوفلك حد يعطيك ساعة غيرها وكديتي حجري وصلني"
ذهب من دون أن يعتريه ما يقوله الرجل من سباب وشتائم، فكر مالياً. لمَ لا يعمل بطريقة هذا الرجل. وما يسمونه "فهلوة" الضحك على العقول، النصب والاحتيال.
فقد اعتراه التعب من العمل من هنا لهناك ولم يجد المناسب حتى الآن.
بالفعل ذهب واشترى بضع ساعات نفس شكل الساعة وقام بنفس الفعله التي فعلها الرجل ولكن بذكاء فقد قام بشراء بعض الأغراض لتغيير شكله وملامحه خوفاً من التعرض لأي مفاجأة كالذي قام بها هو مع الرجل من قبل.
اول مرة تم بيع جميع الساعات التي معه وحظي بمبلغ كبير.
فرح قلب مصعب والطمع بفرحة نجاحه في إيقاع الناس في شرك نصبه جعله يصنع هذه الخطوة مرة واثنين وثلاثة، وتوسعت أحلامه.
ففي ذات يوم كان بمقهى يقرأ عن عرض شقة للبيع بعقار متميز وذات طلة بحرية ومواصفاتها الداخلية ممتازة وصاحبتها سيدة تاركة رقم هاتفها للتواصل.
طلب فنجان القهوة للتخطيط الدقيق حتى فوجئ بصوت أحدهم.
"تعالا يا واد يا حرامي هنا.. أنا بقالي شهر بدور عليك!"
التفت مصعب إليه جاحظة عيناه والرجل قادم نحوه ليتخطاه الرجل ويذهب لشاب يجلس بالمقعد الذي بجانبه ويصافحه الرجل مع ضحكة واسعة ويجلس معه فيهدأ قلب مصعب وتهدأ دقات الخوف.
وقام بطلب ورقة وقلم للتخطيط الدقيق.
`~`~`~`
أريد حياة أكون بها أميرة، تشرق الشمس مضحكة متمنية لي يوماً أفضل، تُغني الطيور مزقزقة سعيدة ببداية يوم جديد، حياة يتطاير فيها الأشياء من حولي وأطير معها إلى عالم لا أنتمي له ولكنه يروق لي، أقوم بالأمر والنهي.. أرتكن إلى الكثير من الأموال والمجوهرات.. أصنع ذاتاً رفضها الجميع، وأخيراً أعود إلى سريري بعدما أنتهي من تدوين كل ما أحلم به على شكل رواية التي طالما تمنيتُ أنا أكون من بطلتها.
يديان ناعمتان يظهر بهما الأوردة خضراء اللون أثر بياضهما الشديد.. ممسكتان بصحيفة الجرائد وفم وردي صغير يقوم يقرأ المكتوب بصوت خافت.
روز... 22 عاماً، فتاة على قدر من الجمال. بشرة ناصعة البياض، عينان خضراوتان، أنف صغير، شعر أصفر اللون. روز الفتاة التي كان حظها جمالها ولا يوجد لها حظ آخر في هذه الحياة.
فهي تربت وترعرعت بملجأ أيتام، وجدوها ملقاة على قارعة الطريق ملفوفة بغطاء سميك وترتدي ملابس رثة. ومن شدة جمالها تم تسميتها روز من قبل الملجأ نسبة إلى شخصية روز بفيلم الأجنبي الشهير "تايتانك".
ظلّت روز هناك حتى تمت الخامسة عشر، درست حتى دلفت مدرسة التمريض وحصلت على شهادة المدرسة الثانوية الفنية للتمريض. ومن ثم تم توفير عملاً لها بمشفى عملت لسنوات حتى وصلت لسن الـ 21 حتى ذات يوم حدث لها حادثة تحرش من قبل أحد الأطباء ف قامت بعمل محضر له وتركت العمل نهائياً لتستقل بذاتها.
روز فتاة جامحة.. تحب الحياة، تحب التمرد. تحلم بالثراء والراحة الأبدية.. جادة وغير رومانسية طبعها بالمرة.
فكرت في كيفية توفير عمل لها، بالبداية كانت تبيع أي شيء وتشتري أي شيء تجده أمامها. هاتف اشترته اليوم.. تبيعه غداً أضعاف ثمنه، إعلان عن بيع قفص للعصافير الملونة تذهب لشراءه وتبيعه هي بمكان آخر بسعر أعلى، آلة موسيقية معروضة للبيع.. محل.. منزل.. ملابس مستعملة، أحذية.
حتى صنعت لنفسها كياناً لا بأس به، واليوم قرأت بالجرائد التي تجلب منها عملها الحر عن شقة للبيع بعقار متميز وذات طلة بحرية ومواصفاتها الداخلية ممتازة وصاحبتها سيدة تاركة رقم هاتفها للتواصل.
على الفور اتصلت روز بالسيدة وذهبت إلى هناك وقامت بمعاينة الشقة كلياً وسمعت السعر التي تريده السيدة واتفقت معها أن وجدت شارياً سيكون لها نسبة وقد كان.
`~`~`~`
"مين؟"
فتحت السيدة صاحبة الشقة ليكون مصعب أمامها مرتدياً ملابس عمال الكشف عن فواتير الغاز.
"أنا من شركة الغاز يا مدام، جاى أكشف لو فيه تسريب أو أي حاجة.. دا كشف من أجل الحماية مش أكتر"
"أيوه اتفضل"
دلف مصعب وتصنع قراءة العداد ومن ثم قال لها:
"معلش يا مدام ممكن تجيبي آخر فاتورة جاتلك بتاعت الشهر اللي فات"
دلفت السيدة، فنظر مصعب نظرة دائرية متفحصاً المكان بأكمله حتى عثر على مبتغاه، هاتفها.
ليهرول ناحيته ويحمله ويضعه بجيب سترته، ومن ثم تأتي السيدة فينظر بالفاتورة ويتصنع الاهتمام بالأمر في وقت عاجل قريباً ويرحل.
`~`~`~`
"الوتعجبت روز من صوت المتحدث فهي تعلم أنها سيدة، فاردفت:"
"مش مدام إيفيت معايا؟"
تنحنح مصعب وحاول التحدث باللهجة العادية لأبناء القاهرة:
"لاء أنا ابنها، أي خدمة؟!"
"اه أهلاً وسهلاً، أنا روز وكان فيه اتفاق بيني وبين مدام إيفيت أن هجبلها مشترى للشقة بالسعر اللي هي عاوزاه.. نقدر نيجي بكرة عالساعة 7؟"
إتسعت حدقة عين مصعب وحك برأسه وأردف:
"أيوه طبعاً أهلاً وسهلاً، هبقى في انتظاركم لأن والدتي تعبانة شوية"
"لا ألف سلامة يا فندم"
أغلقت روز الهاتف، وأغلق مصعب وأخذ يفكر.
وإثر تفكيره قام برفع صوته بالمناداة على نادل المقهى:
"واحد شاي كماني يا فاروق"
رجل النادل نحوه ووضع الصينية على صدره محتقناً من مصعب قائلاً:
"مش كفاية طلبات يا أستاذ مصعب، الفاتورة علت وكله عالنوتة"
إلتفت مصعب ناحيته ممتعضاً وأردف له:
"چرى إيه يا أجرب إنتَ! حد جالك إني مش هدفع.. أي جلة ذوق حرج أبوك دي"
"ياعم لو مش معاك أنا أحاسبلك ويبقى بيني وبينك بعد كدا، بس عشان صاحب المكان يعني بقى يتكلم"
"وأنتَ حيلتك إيه أنتَ يا مجشف؟ دا أنتَ بتعطس قميصك المعفن يجولك يرحمكم الله! غور هات الشاي بدل ما نكسر الترابيزة دي ع دماغك"
ذهب النادل متأففاً، بينما ركز مصعب بتفكيره ماذا سيفعل غداً.
`~`~`~`
طرق الباب.. فتحت السيدة.. قام برش المخدر في وجهها لتقع مغشية عليها، فيقوم بحملها للداخل وتغطية جسدها على الفراش وكأنها نائمة، وإذ هو يقوم بتبديل ملابسه ووضع نظارة طبية على وجهه ويقوم بتغيير تصفيفة شعره لتطرق روز الباب فيفتح لها مبتسماً.
يدخل روز والعميل الآتي من أجل الشقة، يدعوهم مصعب لكي يروا أرجاء المكان بأكمله ويطلعوا عليه حتى نال إعجاب المشترى، رأو السيدة نائمة بفراشها فخرجوا خارج غرفتها سريعاً حتى لا يوقظوها، جلس المشترى مع مصعب وروز وقاما بالاتفاق معاً على المبلغ الذي سيتم دفعه نصفه الآن حينما يكتبان العقد ببطاقة السيدة إيفيت والنصف الآخر بعد تسجيل العقد بالشهر العقاري، والمبلغ كان 4 ملايين!
تم دفع 2 مليون إلى مصعب وقام بفعل الإمضاء محل إمضاء إيفيت واتفقا على يوم ليذهبا فيه إلى الشهر العقاري ودفع باقي المبلغ.
ذهب المشترى فوقفت روز أمامه:
"نصيبي يا أستاذ محمد"
نظر مصعب إليها مطولاً، فتاة جميلة جداً ترتدي جونلة قصيرة وحذاء ذا رقبة وسترة قصيرة أيضاً بالكاد تغطي بعد خصرها، ابتسم مصعب ابتسامة واسعة مردفاً لها:
"نعم يا آنسة روز"
"نصيبي يا أستاذ زي ما اتفقت مع والدتك"
"طيب مش تاخديه لما نكتب العقد فالشهر العقاري"
وضعت روز كلتا يديها أمام صدرها معقودتان وقالت له:
"لاء معلش أنا اتفاقي إن هجيب مشترى وهيشترى، اتفاقكم ميخصنيش"
ضحك مصعب قد لفت نظره ذكاءها مع جمالها وعملها الغريب ذاك الخليط والامتزاج الغريب، ابتسم لها ابتسامة إعجاب وأردف لها:
"واتفقت معاكِ على كام والدتي؟"
"على 200 ألف جنيه"
رفع مصعب حاجبه واتسعت عيناه وكظم غيظه حتى أعطاها المبلغ وانصرفت هي سعيدة، بينما هو أغلق سريعاً باب المنزل وبدل ثيابه ووضع الهاتف بجانب السيدة النائمة وقبل أن يرحل تحدث إلى نفسه:
"نمسح رقم لهطة المهلبية دي حرام تصحى من النوم وتفوج الجوجة دي وتبلغ عنها وهي تجيبني"
قام بحذف أرقام روز من على الهاتف ووضعه وحمل حقيبة المال ورحل.
`~`~`~`
بقلبي على كفي افتحيه.. هتلاقي صورتك ساكنه فيه
رواية ميكاتوا الفصل السادس 6 - بقلم نور اسماعيل.
"قُصى"
لله درها، كلما اشتدت بي الهموم، ضمدت جراحي، بلين قلبها وسعته، وبنسيج قد غزلته بلطفها وقربها، قامت بحياكة جروحي، حتى برئت!
بأيدي يملأها حنان، أحيا بها ولها فقط.
"عزّة"
أتعلم!
لا أحد يحنو عليَّ سواكَ، ولا أحد يستطيع الإقتراب من جراحي وتضميدها إلا أنتَ، ولا أجد لقلبي موطنًا يسكنه إلا في أقصى ركنٍ بقلبك، وودت لو كان بالإمكان أن يخلو العالم أجمع إلا منكَ.
عام 2003
وَ ارفِق بِنفسكَ يا صفيَّ الرُّوحِ عَسانا، َنلتقي فِي بيتِ شعرٍ وتجمعُنا القَوافِي
ل (ريم البدراوى)،.
"القهوة والفطار بسرعه للبيه الصُغير يا زينب متتلكعيش"
كان يوجه الخادم بفيلا _طاهر إحسان_ أوامره بتحضير كل شيء على وجبة الإفطار لطاهر بك وزوجته ونجلهم _قُصى.
ترجلت الخادمه الأخرى ومعها المساعده ودلفوا إلى غرفة قصى ليقوموا بتنظيفها،
علماً منهم بأنه قد تركها وهبط لتناول الإفطار ولكنهما وجدوه مازال يستعد أمام المرآه.
"أنت هنا ياقصى بيه؟ كُنا فاكرين حضرتك نزلت"
نظر قصى ناحيتهم بابتسامته الساحره وهدوء قسمات وجهه وأردف:
"مفيش مشكلة انا خلصت وكُنت نازل"
عدّل هندامه ونظر نظرة أخيرة ومن ثم عزم على النزول.
قصى طاهر، 23 عام.
درس التجارة وإدارة الأعمال ولديه موهبة الرسم والتصوير الفوتوغرافي أيضاً.
نشأ في طبقة أرستقراطية.
لديه أخوين يكبرانه، أحدهما يعيش بكندا مع زوجته وأولاده، والآخر يتابع عملهم بالسويد وغير متزوج.
قصى لأنه الأصغر، هو المدلل لدى والدته _صفية الحارث_ هانم، فهي لا يشغلها شاغل غيره والاهتمام بأموره.
يتميز قصى بعينان حدقيتيهما بنية اللون، شعر بني ناعم له تصفيفة خاصة به، بشرة قمحية، قوام معتدل وطول مناسب.
وعلاوة عن الصفات الشكلية، قصى فتى حالم، رومانسي بطبعه ورقيق جداً في طباعه.
هبط على الدرج، ابتسم للخادمات وهما يقومان بتنظيف بهو المنزل وجلس إلى السفرة بعدما قبل رأس والده ويد والدته.
"صباح الخير.. الميكاتو في وقته"
تناول فنجان قهوته يحتسي منه، فأردفت والدته:
"طيب كُل أي حاجة قبل القهوة اللي عالريق دي، زينب عاملالك المافن اللي بتحبه"
ابتسم والده وأردف:
"سيبيه يا صفيه براحته، قصى دي عادته من سنين مش هييجي دلوقتي يغيرها"
كان قصى يحتسي قهوته ومن ثم أردف مبتهج الوجه:
"اهو ياماما بقالي سنين بقولك، الميكاتو الصبح يعدل مزاجي وبعدين أفطر"
نظرت والدته ناحيته وهي تقطع _الكوراسون_ وأردفت إليه:
"هتعمل إيه في يومك النهارده؟"
"ولا حاجة رايح الشغل مع بابا وبعدين هخلص ورايح سينما مع أصحابي، وهزور معرض فالزمالك احتمال أشتري كام لوحة"
تنهدت والدته وهي تتناول قطعة الكوراسون بفمها وقالت بعدما ابتلعتها:
"يادي اللوح والرسومات والكلام الفاضي ده"
أومأ الأب برأسه وهو يحتسي الشاي وأردف ناهياً:
"هتتعبي يا صفيه قدام قصى، سيبيه براحته قولتلك"
نظر الأب ناحية قصى وأشار بسبابته:
"انهاردة أنت مش هتروح معايا الشغل يا قصى، هكلفك بمهمة بيعملها مستر منير دايماً بس هو واخد إجازة"
انتبه قصى وأردف إلى والده بعدما ترك الشوكة والسكين من يده:
"خير يابابا"
"هتروح دار الأيتام بتاعنا، هتودي المبلغ بتاع كل شهر وتشوف ناقصهم إيه"
تعجب قصى وتصنع حركة برأسه متفهماً:
"بابا حاجة زي كدا أنا مش من اختصاصي"
"عارف.. بس منير في إجازة، ومش هستأمن حد غيرك على المهمة دي"
تنهد قصى ووضع قطعة صغيرة من الطماطم بفمه وأردف:
"أمرك يابابا"
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
"يبقى لما حد يجيب لنا حاجة حلوة او يقدم لنا هدية نقوله متشكر جداً"
"نقول أيييه؟"
صوت جميع الأطفال بالقاعة:
"مُتشكر جداً"
"برافو عليكم"
أمسكت _الطباشير_ وقامت عزة بكتابة شئ ما تقوم بتدريسه إلى الأطفال الأيتام بالدار.
عزة ابنة الـ 24 عام.
كانت ذات يوم إحدى أبناء الدار فقد أتت بها سيدة من أقارب والدتها ووالدها المتوفيان بعدما توفوا ولم يستطيع أحد أقاربها أن يتحمل نفقاتها أو تربيتها.
تربت بدار الأيتام ودرست بها حتى وصلت إلى كلية الآداب وتخرجت منها بعدما التحقت بقسم اللغة العربية، ولم تترك الدار يوم.
فهي تم تعيينها مُدرسة للأطفال بالدار ومخصص لها مكان للإقامة.
تتمتع عزة ببشرة بيضاء، عينان متوسط حجمهما وفم متوسط حجمه، يوجد خال أو _شامة_ بوجنتها سوداء تميزها زائد الغمازتين عندما تبتسم.
محجبة من صغرها، حفظت معظم أجزاء القرآن.
هادئة الطباع وترضى بالقليل ولا يوجد لها طموح سوى إنجاب طفل وأن تتزوج وتعيش مستقرة بمنزل ميسور الحال.
وها هي تقف لتعلم الأطفال ما تعلمته، مبتسمة بشوشة الوجه، يهرول جميعهم إليها ليحتضنوها.
حتى دلفت إحداهن إليها:
"عزة عزة الحقي، عارفة مين جاي؟"
انتبهت عزة وقامت من وسط جموع الأطفال الذين يحتشدون حولها، وأردفت إلى زميلتها:
"مين؟"
"حد انتِ كنتِ مستنياه من بدري عشان تقدمي الشكوى بتاعتك يا فالحة"
رفعت عزة حاجبها وأردفت:
"صاحب الدار، طاهر باشا ولا المبعوث السامي بتاعه الأستاذ منير؟"
ترجلت للخارج متسرعة تتحدث بعصبية:
"لا لالا مش هينفع يدينا فلوس يرميهالنا ويمشي، فيه حاجات كتير فالدار عاوزة تتغير. المرة دي أنا هتكلم معاه بنفسي، وهستأذن مدام حنان إني أنا اللي أتكلم معاه"
أوقفتها زميلتها ممسكة بذراعها وأردفت:
"اصبري بس، لا أستاذ منير ولا طاهر باشا.. دا ابن طاهر باشا.. يعني واحد لا عارف عننا حاجة ولا المشاكل اللي إحنا فيها، يعني الدبش بتاعك هو مش هيفهمه"
وقفت عزة ولوحت بيدها تتحدث مندفعًة:
"معلش يفهم منى"
ترجلت عزة نحو مكتب مديرة الدار وطرقته حتى أُذن لها بالدخول فولجت:
"مدام حنان، ينفع النهاردة لما ييجي ابن طاهر باشا أتكلم أنا معاه في التلفيات والحاجات اللازمة للدار؟"
ابتسمت المديرة وأردفت لها مشيرة لها بالجلوس:
"اقعدي بس يا عزة، متبقيش حمقيه كدا بالهداوة"
"يامدام حنان من إمتى مستنين حد ييجي، الحمامات بايظة سراير الولاد متكسرة. المية السخنة مش متوفرة واحنا فشتا والأولاد بتعيى وهما ولا على بالهم، كل 3 شهور يجوا يرموا قرشين ويمشوا"
طرقت إحدى عاملات الدار الباب فأُذن لها بالدخول:
"قصى طاهر باشا برة يا ست المديرة"
"ياخبر! دخليه طبعاً"
دلف قصى بخطوات متباطئة، حذائه أحدث ماركة وملابسه باهظة الثمن، رائحة عطره المميزة.
كل هذا وقعت عليه أنظار كل من كان بالمكتب، عداها عزة هدفها الأول والأخير تحقيق متطلبات الدار ولا يهمها من هو من الأساس.
"أهلاً وسهلاً قصي بيه نورتنا"
ابتسم قصى وخلع النظارة الشمسية وأردف برصانة:
"معلش أنتوا متعودين تشوفوا مستر منير بس هو في إجازة ف أنا جيت بداله"
وضع يده في جيب سترته وأخرج ظرف مغلق مملوء:
"ودا المبلغ اللي..."
"بيتهيألي مش عاوزين فلوس قد ما الدار محتاجة اهتمام ياباشا"
قالتها عزة مقاطعة إياه، فنظر الجميع لها مع نظرة قصى، فأكملت هي:
"فيه حاجات محتاجة تصليح وتوضيب، الحكاية مش فلوس وبس وكمان الأولاد نفسيتهم وحشة ومحتاجين نجهز لهم رحلة ودي عاوزة ورق وحاجات منكم كمسؤولين وأصحاب الدار. وبقالنا كتير بنكلمكم بس محدش رد علينا"
شعرت المديرة بالإحراج فقامت بتقديمها له:
"ميس عزة، من أبناء الدار وحالياً هي مدرسة هنا لتعليم الأولاد.. وهي بتتكلم بعشم خوفاً على الدار اللي بمثابة بيتها مش قصدها أي شيء تاني"
قالتها المديرة تتصنع الابتسام، فبادلها قصى الابتسامة وأردف ناظراً إلى عزة:
"أقدر أعرف إيه المشاكل يا ميس عزة؟"
"حضرتك هتحلها"
ابتسم قصى بثقة وأردف:
"طبعاً"
أخبرته عزة بكل شيء وقاموا بتجواله جولة سريعة في الدار لمعرفة المزيد عنه، ولكن قصى كان في وادٍ آخر.
من أول وهلة جُذب لطريقتها وثقتها وجرأتها، لخوفها على أطفال الدار.
حاول أن يحلق بها فيكون ملحوظاً فكان يقف يستمع إليها ويتجاذب معها أطراف الأحاديث وفتح مواضيع أخرى كي يطيل الوقت.
علم منها ما هو المطلوب ورحل، وباليوم التالي شرع في البدء بتعديل ما كانت تريد عزة بالدار وأصبحت زياراته كثيرة ومتكررة تحت بند مصلحة الدار التي يقوم بها بدلاً عن الأستاذ منير.
تعجب والده اهتمامه الزائد بالدار هكذا ولكنه أوضح له.
أما عنها.. فهي بدأت أن تشرد به كثيراً.
لم يكن في اعتقادها أنه سيكون مثالياً هكذا وإنسان بمعنى الكلمة.
صفاء بسمته، تعامله المتواضع، حتى ذات مرة تناول طعام الغداء معهم!
كل هذا يدور برأسها أثناء لفها للوشاح على رأسها فدخلت إحداهن:
"سيدي ياسيدي، ماهو البيه الصغنن جاي النهارده وبقالنا شهرين رايحين جايين عبيلو واديلو"
نظرت عزة ناحية زميلتها متلعثمة وأردفت:
"إيه اللي بتقوليه دا، عادي فكرة"
غمزت لها زميلتها وأردفت:
"عادي إيه؟ ووشك المبسوط وزبطة الطرحة والهدوم ووشك اللي بيقعد يضحك من أول ما ييجي لحد ما يمشي. وهو.. ياسلام الباشا بتاعنا عينه مبتنزلش من عليكي. كل كلامه معاكي، حتى مدام حنان فين وفين لما يعبرها بكلمة. وبقا سايب الشركات والمصانع وفاضيلنا.. يبقى إيه هاه إيه"
ابتسمت عزة وجلست إلى مقعد وتحدثت شارده في الفضاء:
"تفتكري يا ضحى؟ يعني أنا مش بيتهيألي؟"
جلست زميلتها بجانبها:
"أيوه طبعاً، هو أنا بس اللي ملاحظاها.. كل الدار ملاحظة دا قربوا كمان الرضع ياخدوا بالهم"
قالتها زميلتها ضاحكة، فقالت عزة بنبرة خائفة:
"تفتكري يا ضحى حد زي قصي بيه يبص لي؟ يبص لي أنا عزة؟"
"وإنتي فيكِ إيه قليل ياسلام"
نهضت عزة من مكانها وأردفت بصوت متهدج:
"أيوه طبعاً قليلة، دا قصي بيه إحسان.. اللي درس برة وشاف وراح وجه و عايش عيشة أنا بشوفها في الأفلام. يحبني أنا عزة، الل عشت واتربيت في دار أيتام.. البنت البسيطة اللي حتى جمالها على قده ومفيش أي حاجة تميزني عشان يحبني؟"
نهضت صديقتها وأمسكتها من أكتافها وتحدثت إليها:
"على فكرة بقا، الحب مش شرط نبقى أغنيا زي بعض أو تبقي قمر ومفيش زيك. الحب بييجي في ثانية مالوش ميعاد.. بييجي كدا يهجم عالواحد زي المرض الملعون ولو اتمكن منه.. مبيطلعش إلا بالموت!"
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
مر شهر آخر.
ومخيلة وعقل وقلب قصى مشغولون بها، فهو الآن بغرفته أمام لوحته البيضاء وريشته تحدثت بمفردها، رسمت ملامح وجهها الصبوح ووشاحها على رأسها والشامة المميزة، ابتسم وهو يحاول أن يبرز الغمازتين ويتطلع إلى اللوحة وكأنها هي التي أمامه، ويقوم بفعل الدندنة لإحدى أغنيات كاظم الساهر:
"علمني حبك سيدتي أسوء عادات، علمني أفتح فنجاني في الليلة الآلاف المرات وأجرب طب العطارين وأطرق باب العرافات"
طرقت والدته الباب ودلفت مبتسمة:
"عيني يا عيني.. هايم ولا على بالك"
ابتسم قصى وأردف:
"ماما! تعالي حبيبتي"
جلست والدته ونظرت إلى اللوحة فأردفت:
"الله! مين البنوتة الحلوة دي، بنت من بنات أفكارك!"
ابتسم قصى أثر رسمه للوحة وأردف:
"حاجة زي كدا، إيه رأيك يا صفصف بقا"
"حبيبي فنان مفيش كلام"
صمتت وتوجهت إليه بسؤال:
"حد من أخواتك كلمك النهارده؟"
"عدي كويس، كان بيتواصل معانا النهارده عشان الشغل.. لؤي بعتلي فاكس إنه بخير والولاد وبيسلم عليكي"
نهضت والدته ووقفت بجانبه وهو منهمك بالرسم:
"قولي بقا أنت مالك اليومين دول"
تعجب قصى وأردف لها دون النظر إليها:
"مالي يا صفصف مانا كويس أهو"
"لا والله، عليا أنا برضو.. أكلك قليل، بشوف نور أوضتك والع طول الليل مش بتروح المصنع مع باباك طول اليوم غير قليلا. فيه إيه يا قصى"
التفت قصى ناحيتها وقبل يديها وأردف إليها بعدما أجلسها ثانية وجلس أمامها:
"فيه كل خير يا صفيه يا ست الكل متشغليش بالك، قريب هتسمعي خبر حلو انتِ شخصياً بتلحّي عليا فيه بقالك فترة"
ابتسم ثغرها وتهللت أساريرها قائلة:
"إيه؟ قولى قولى"
ضحكه قصى وتحدث لها بهدوئه العادي:
"كل شيء في وقته حلو اصبري وهتعرفي أول واحدة والله"
ربت على يدها فربتت هي على ظهره ونهضت تهم بالرحيل من غرفته وبعدما ألقت له التحية وذهب، تركته مرة أخرى مع صورتها ومعها كل ليلة بطلة أحلامه.
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
والقرب منكِ يبهر روحي وكأن حبكِ مُنْشَعَلٌ في وتين قلبي فـ يُضيئهُ.. ويندثر شحوب وجهي .. ويمتلئ قلبي بالنور .. ويُعيد حبكِ لي الشغف لي تجاه كل شيء.
"ماشاء الله حضرتك صلحت الدار خالص ونفذت كل متطلباتنا، بجد مش عارفين نشكرك إزاي"
قالتها عزة إثر ترجلها مع قصى بأرجاء الدار، فأردف قصى لها:
"ميس عزة هو أنا ينفع أطلب طلب؟"
انتبهت عزة إليه ف تحدث قصى:
"هو هنا في تليفون مش كده"
هزت عزة رأسها إيجاباً فقال لها:
"تليفون عمومي ولا فيه واحد خاص في الأوضة بتاعتك؟"
تلعثمت وترجرت دقات قلبها وأصبح ليس في مكانه، فقالت هي:
"حضرتك بتسأل ليه"
"بصراحة؟"
هزت عزة رأسها إيجاباً فتابع قصى:
"عاوز أتكلم معاكِ، عاوز أعرفك أكتر ينفع؟"
ابتلعت عزة ريقها بصعوبة وأردفت له:
"للأسف لا"
نظر قصى حوله بخيبة أمل واضعاً كلتا يديه بجيبه ومن ثم طرأت في باله فكرة:
"طيب أنا هعرض عليكِ حاجة بس والنبي توافقي"
ابتسمت عزة ف أردف قصى مبتسماً:
"هشتريلك موبايل، وهكلمك عليه"
تعجبت عزة وأردفت:
"موبايل!! البتاع اللي طالع جديد ده"
ضحك هو وقال:
"أيوه، ومعلش متقوليش لحد على الموضوع دا خليه سر مابين"
تعجبت عزة ورفعت حاجبها له وقالت:
"ليه؟"
"عشان أنا عاوز الموضوع دا يبقى سر لحد وقت معين يا عزة.. معلش لو قلت عزة من غير ميس"
"أنا بصراحة فيه حاجة ملحة عليا أتعرف عليكِ وأقرب أكتر ولغرض شريف"
تضايقت عزة ونظرت أسفل، فاكمل قصى:
"اصبري أنا مكملتش كلامي، هو بصراحة أنا من ساعة ما جيت هنا واتعاملت معاكِ مرة واتنين حسيت إني مشدودلك، معرفش بقيت بفكر فيكِ وبقيت عاوز آجي كتير هنا وأتلكك بأي حاجة"
ابتسمت عزة ونظرت بعيداً ثم عادت بالنظر إليه ثانية فاكمل هو:
"فلو حابة.. ياريت توافقي"
"كل دا عشان إيه يا قصي بيه؟"
نظر قصى لها مطولاً وأردف نظرة كلها إعجاب:
"قريب هتعرفي ليه"
وافقت عزة أن يشتري لها هاتف نقال، تبادلوا الأحاديث والحكايات والمواضيع.
صار يأتي الدار أكثر من اللازم بحجج مزعومة، صارت تسهر ليلها تفكر به ولا تنام أبداً.
أصبحت كل لوحاته صورها.. وأصبح لسانها لا ينضب بالحديث عنه لزميلتها.
اقتربا أكثر وأكثر، أصبح قلبه لا يقوى على فراقها، وأصبحت هي تحدث الله عنه في صلواتها وتستودع إياه!
"عزة، تتزوجينى؟!"
قذفت عزة الهاتف إثر مفاجأتها فتهشم، انتبهت عزة لما حدث فغضبت من غبائها، أما عنه فلم يأت له جواباً.
عزم أمره وذهب إلى الدار وتحدث إلى المديرة.
"إنتِ فاجأتيني يا قصي بيه بطلبك دا، طالب إيد عزة؟"
"أيوه، طبعاً أنا معرفش حد أطلبها منه غير حضرتك.. قلتي إيه؟"
فكرت المديرة لثوانٍ وقالت:
"طول الأول مش لما توافق هي، وقبلها يبقى فيه موافقة من أهلك.. الموضوع مش سهل"
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
"أنت بتقول إيه؟!"
قالتها صفية بصوت مدوٍّ بأرجاء الفيلا غاضبة:
"اسمعني كدا تاني اللي قولته؟"
بثقة كان يقف قصى أمامها يتحدث دون النظر لها ينظر إلى أسفل قدمه:
"هتجوز عزة، بنت من بنات الدار اللي إحنا مالكينها بتاعت الأيتام"
سخرت والدته بقسمات وجهها وقالت له بنبرة سخرية:
"بنت من بنات الدار دي نحسن عليها نتصدق مش نتجوزهم! اتجننت ياقصى"
"أنا خدت قراري يا ماما وبلغت بابا"
"بلغت!! يعني إيه.. موافقتنا أو عدمها مش مهمة بالنسبة لك يا قصى. طب لو انطبقت السما على الأرض مش هتجوز البنت دي"
ترجل قصى خارجاً وأردف:
"آسف يا أمي.. إحنا هنتجوز ومسيرك في يوم هتوافقي لأن مش مستعد إني أتخلى عن حب حياتي عشان مجرد خرافات وأغنياء وفقراء وجو بلدي"
"انت تعرف مين أهلها، فين قرايبها أمها أبوها، هتتجوز لقيطة يا قصى!"
"عزة مش لقيطة يا أمي، عزة يتيمة جهالها ومامتها متوفيين في حادث وأهلها اللي جابوها الدار. يعني مش من الشارع، وبنت مؤدبة وأخلاقها كويسة وغير كل دا هي الوحيدة اللي قلبي اختارها. سيبيني أكمل براحتي، إيشمعنى لؤي أخويا اتجوز واحدة إنجليزية وعادي"
هرولت والدته ناحيته وامسكته من ذراعه بقوة:
"اسمع البنت دي مش هتجوزها، ولو آخر يوم في عمري مش هتجوزوا يا قصى. هقول لباباك يمنع عنك كل حاجة، مش هتطول حاجة يا قصى لحد ما ترجع لعقلك"
برصانته المعهودة نظر قصى إليها وأردف:
"مش عاوز حاجة غيرها.. تركت والدته ورحل وذهب يتحدث إلى عزة على هاتف الدار فأجابته تبكي تعلم المعركة التي ستقوم لكنه هو كان جبل لا تهزه ريح، استمع لموافقتها وسرعان تمم إجراءات عقد القران.
وفي يومها الذي حلمت به، ارتدت فستان زفافها ووضعت يدها في يده وقالا خلف المأذون ناظران إلى بعضهما البعض بحب وهيام شديد.
انتهى الحفل البسيط والذي حضره بعض من أصدقاؤه وأبناء الدار، وذهبا إلى منزل استأجره هو ليبدأوا أول ليلة بحياتهم سوياً، كان يحملها حتى وضعها على الفراش.
نظرت عزة إليه سعيدة غير مصدقة الذي يحدث، فتحدث هو لها جالساً تحت الفراش ممسكاً يدها وقبلها بحب وهيام ومن ثم رفع عيناه لها:
"أوعدك مش هتشوفي معايا إلا السعادة والحب والفرح يا عزة"
"وأنت يا حبيبي مش هتندم أبداً إنك اخترتني، ربنا يجعلني دايماً عند حسن ظنك"
فتح قصى يدها وقبلها من الداخل ووضع يده فوقها وأردف بصوت حانٍ:
"قلبي على كفي افتحيه.. هتلاقي صورتك ساكنة فيه، بحبك ياعزة"
ابتسمت هي وأردفت بحنان ممتزج بالغرام:
"وأنا كمان يا قصى، بحبك أوي"
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
مر الوقت، كان يعيش قصى أحلى أيامه هو وعزة.
بينما كانت والدته مريضة بسبب هجرانه لهم.
ووالده يتحرى الصمت ناظراً إلى وضع والدته الصحي المتدهور، حتى طلبت منه هي أن يتحدث إلى المحامي الخاص بها.
أتى المحامي وأخبرته شيئاً ليفعله وقد كان.
كانت عزة في طريقها للتسوق تبتاع الخضروات والفاكهة واللحم، حتى اندفعت بها سيدة مجهولة الهوية فأوقعت منها أشياءها.
"مش تفتحي!"
"أفتح إيه انتِ اللي خبطتِ فيا ووقعتِ حاجاتي"
"إنتِ بتردي عليا، إنتِ قلبك جامد بقااااا طب تعالي"
أمسكتها السيدة وأوسعت عزة ضرباً مبرحاً حتى انضم لها سيدتان أخريات، السوق بأكمله حاولوا تخليصها حتى فقدت وعيها ونزفت نزيف شديد.
إثر بحث قصى عن عمل لأن المبلغ المالي الذي لديه أوشك على النفاذ، سمع بالخبرية.
سرعان كان بالمشفى حتى وجدها بغرفة العمليات.
"دكتور!! مراتي مالها.. فيه إيه"
"جاتلنا في حالة وحشة جداً، مضروبة وبتنزف وحالياً بنحاول نوقف النزيف. هي كانت حامل مش كده؟"
هز قصى رأسه له خائفاً مذعوراً، فاكمل الطبيب:
"إحنا بنحاول نوقف النزيف على قد ما نقدر وممكن تخسر الطفل في سبيل حياة الأم، شد حيلك"
تركه الطبيب ودلف إليها، غاب نصف ساعة حتى خرج ثانية وملابسه ملطخة دماء وأردف:
"حضرتك لازم تمضي لنا على الإقرار دا حالاً"
أجاب قصى مذعوراً:
"إقرار إيه دا حضرتك؟"
"هنعمل عملية استئصال للرحم، لو سبناها كدا النزيف هيموتها.. ها مفيش وقت"
قام قصى بالتوقيع ويداه ترتعشان ودمعاته منهمرة وترك القلم واستند إلى الحائط يبكي محترقاً.
حبيبته بخطر وحلم الأبوة ذهب مع الرياح..!
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
ب"لاء جواز إيه؟ جواز دا مضر بالصحة ويسبب الوفاة"
رواية ميكاتوا الفصل السابع 7 - بقلم نور اسماعيل.
رواية ميكاتوا الفصل السابع 7 - بقلم نور اسماعيل
يكاتو (مطر وردى) ☂️🌧️
(7)
1990..
كان يسير زكى مُت*س*ك*عاًبطرقات مدينة القصيم بالسعودية بعدما فقد عمله ب أحد المحلات لبيع العباءات الخليجية.
هائم على وجهه لايعرف أين وجهته وإلى اين قدميه تقودانه، حتى ان*ه*كه تعب السير فجلس إلى اقرب رصيف مقابل ل مقهى للفتيات فقط.
ظلّ هكذا ينظر هنا وهناك ورأسه تفكر ما الحل، لايوجد لديه سوى قوط يومين بالكاد طعام وشراب.. وإيجار الغرفه المُشتركه التى يقطن بها.. سيأتى آخر الشهر وسيكون ليس بحوزته المال.
كان هناك رجلاً م*تس*ولاً من الواضح ان جن*سي*ته عربي ولكنه يتكلم لغة لايفهمها زكى، اقترب من زكى باسط كف يده إليه طالباً القليل من المال مُشيراً إلى فمه أى أنه يريد إطعام نفسه..
تفهم زكى أمره، ف أبتسم.. لأن زكى لم يكن أفضل حالاً منه ولكن معه القليل من المال لمساعدته لجلب طعامه، وضع يده بجيب بنطاله واعطاه القليل فمضى الرجل متهلله أساريره يتحدث بلغته فيما معناه شاكراً إياه.
وعلى جلسته يُفكر، حتى خرجت هى.. صوت ضحكاتها تملأ ارجاء الشارع، عفوية، جميله، يكاد من حُسنها تنفتن القلوب.. كانت هيام.
ترتدى عباءتها السوداء والوشاح الاسود، الزى المتعارف عليه لنساء البلده.. وبجانبها صديقاتها حتى وقفت قليلاً تتحدث إليهن ومن ثم تفرقت كل واحده منهن تستقل السيارة الخاصه بعائلتها، حتى اقتربت هى ناحية مجلس زكى تنتظر السيارة والسائق كما قالت له متى يأتى ليستقلها،ولكنه من الواضح أنه قد تأخر عليها.
نظرت ناحية زكى الجالس هكذا، ملابسه لن تبدو رثه وليس هو بحال المتسول لجلوسه هكذا..
الوقت متأخر والجو بارد، ترجلت هيام ناحيته وسألته..
_ليش چالس شدى (لهجه سعودية)
إنتبه زكى ف أردف إليها
_والله ماعارف
تعجبت هيام، ف أثار فضولها وأردفت له
_منتظر مواصله ولا شنو؟ شنو جن*سي*تك؟
_مصرى
_شنو مشكلتك؟
رفع زكى بصره إليها، فِتنه للقلب هى والعين أيضاً ف إبتسم وأردف إليها
_حضرتك مواطنه مش كده؟!
_إى مواطنه لكن أصلى مصرى، والدى مصرى ووالدتى سعودية ومُقيمه هون.. يلا خبرنى شنو مالك؟
_فقدت وظيفتى ولفيت ابحث وما لقيت، فرجلى جابتنى لهنا اقعد واستنى فرج ربنا، حتى الغرفه المقيم فيها ماحبيت ارجعلها هالحين
فكرت هيام قليلاً فيما اخبرها به زكى ومن ثم نظرت إلى ساعة يدها وتاففت قائله
_أوف! إتأخر كتير كالعادة هالسائق الأحمق، بس برجع وبقول لأبوى يغير لما إياه
مضت الدقائق، فأحست هيام التعب إثر وقفتها فجلست بجانب زكى ف اندهش هو وقال لها
_متقعديش كدا، ملابسك تتوسخ
_خليها تت*وس*خ، أبي ابوى يعرف ان هالسائق مو منيح ويستبدله عالقريب
نظرت له وأردفت فى تساؤل
_ترى شنو إسمك؟!
إبتسم زكى واردف لها
_اسمى زكى فضل، مبتعرفيش تتكلمى مصرى بما إنك مصرية الأصل؟
_بلى، بعرف عالقليل لما اتكلم ويا ابوى لكن بتغلب على لكنه وچودى بالبلد منذ نعومة اظافرى
ابتسما الاثنين حتى رأى كلاً منهم ضوء السيارة قادمه واستوقفت ليهبط منها السائق منادياً إياها
_هيام هانم، أنا ف انتظارك
هرولت هيام ناحيته غاضبه تنهره بنبرة صوت عاليه
_هالحين تذكرت تيجى، بعدما جلست بالارض وتوسخت ثيابي.. والله لا أخبر ابوى يستبدلك
ترجلت ناحية زكى وأردفت له
_معك ورقه وقلم؟!
رفع زكى كتفيه بالنفى لها، فهرولت ناحية السيارة وجلبت منها ورقه وقلم ودونت عنوان منزلها وذهبت إلى زكى واعطته إياه مع قولها
_بتيچى باكر ل أبوى على هالعنوان، بيتوچدلك شغل زكى.. بنتظرك باى
تركته واستقلت السيارة واختفت.. وظلت انظاره هو معلقه بها وبكلماتها واضعا الورقه بجيب سترته..
ومع العوده من إسطوانه ذكرياته الوحيده نجده ممسكاً بنفس الورقه وشارداً على نغمات اغنية "أسمر يا أسمرانى" العندليب عبدالحليم حافظ.
ولجت زاد وقبلته قبله حنونه ب أحد وجنتيه قائلة له..
_مممم وجبت النمر الأسود كالعاده من آخر الدنيا.. خير سرحان ف إيه
إبتسم زكى إبتسامه رقّت لها تجاعيد وجهه وأردف لها
_أكيد فيها، فعمرى كله الل فات معاها.. وأحلى مافعمرى كمان
تراقصت زاد ب رأسها له تداعبه مبتسمه قائله
_عينى عالحب ياناس، القلب شباب ولسه بيدق يا زيكو
قام زكى بطرق يدها بخفه قائلاً لها
_متخدنيش ف دوكه، اخبار الشغل وعملتِ فى نتيجه المناقصه
أراحت زاد ظهرها لخلف المقعد وقالت له بعدما خلعت حذائها العالِ من قدمها بطريقه عشوائيه وكأنها تخلصت منه
_ياااه يا ذيكو كان يوم صعب، بس متقلقش انا تربيتك خدنا المناقصه طبعا
هز زكى رأسه مردفاً لها
_هى دى بنتى زاد الل مخلفتاش، ايوة كدا أنا قاعد هنا ومش خايف انك انتِ الل بتديرى المجموعة
كانت تستمع إليه ومن ثم غرقت بالضحك وكأنما تذكرت شيئاً فقالت له
_اسكت هقولك على حته فصل حصل انهاردة
_خير قولى
_مش أنا جانى عريس!
_طب كويس
_كويس إيه يا زيكو فلسعته طبعاً
طرق زكى كفاً بكف متعجباً منها ف استرسلت هى
_أنا مش بتاعت جواز، جواز إيه الجواز دا مُضر بالصحه ويسبب الوفاة
ضحك زكى بشده ومن ثم قال لها
_رفضتِ مين يا هانم؟! إشجينى
طرقت زاد بإصبعيها بخفه بطريقه مضحكه قائله له
_مش هتصدق، طبعاً انت عارف إبراهيم الشيمى..
هز زكى رأسه بالايجاب ف أكملت هى
_أبنه، منصور.. قال إيه بعد م استلمت منه ورق الشغل الجديد داخلى داخله ناعمه متلقش على شكله
وأنا من فترة بفكر وحابب افاتحك وعاوز
روحت قولتله استووب يابنى.. لا مفيش معلش انا مكتوب على وشى ممنوع الزواج والارتباط
بصلى كدا كأنى ملبوسه ومشى من قدامى
هز رأسه زكى متعجباً منها ثم قال لها
_هتترهبنى يعنى؟! من ساعه م جيتِ من عند ابوكِ وأمك وانا متولى كل حاجه عنك من وانتِ فالجامعة ولحد دلوقتِ.. بس انا مش هقعدلك العمر كله يا زاد
لازم اتطمن عليكِ
حدقت زاد بعينا عمها وقالت برصانه وثبات
_عمو، أنا لو ملاقتش الل يستاهل يحرك قلبي من مكانه
ويستاهل انى ابيع حريتى قصاد وجوده فحياتى
ويستاهل يدخل حياتى ويبقى شريك فيها
هفضل كدا وهموت كدا.. الوحدة أفضل كتير من إنك تعيش مع حد مش فاهمك ولا حاسس بيك تحت مسمى الجواز!
كلماتها كانت الادق كانت الاصدق، لم يراجعها بل عاد لذكرياته وحنينه.. لسلطانه قلبه التى اضاعت المفتاح منذ عشرون عاماً وظل هو حبيس أيامها يستلذ عذاب حُبها.
`~`~`~
_باقى العشرين جنيه يا اسطا..
قالها أحدهم حينما كان يستقل سيارة الاجرة_الميكروباص_ فى المقعد الخلفى لمقعد نبيل المستند الى النافذه ب رأسه شارداً، واثر شروده استمع صوت احدهم يتحدث الى الهاتف كان يعرفه قديماً.. أنها هى حُبه الأول ايام الجامعة.
_حد مدفعش ياحضرات؟!
تذكر نبيل ب أنه لم يدفع أجرته، فعزم على دفعها ولكن استوقفه التفكير قليلاً هل سيقوم بدفع الأجرة عن حبيبته القديمه ايضاً من باب الذوق!
بالفعل أخرج الاجرة ل أثنين واعطاها إلى السائق، وقال له
_اتنين يا اسطا
_اتنين ليه يا حضرت، أنا فاضلى اجرة واحد بس هو حضرتك معاك حد؟
نظر نبيل ناحيتها مبتسماً ببلاهه قائلا مشيرا إليها
_ايوة أنا والآنسة
هنا كان يجلس بجانبها احدهم فاشتعل الغضب فى عينيه وأردف له
_انت والانسه ايه يا حضرت دى مراتى!
تلعثم نبيل وأردف
_ها!! اصل انا شكلى اتلخبطت اناا
_إنت إيه، اوقف هنا يا اسطااا بتدفع لمراتى طب تعالا هناا
`~`~`~
دلف نبيل المنزل ببطء يقوم ب إستشعار مكان الضرب على وجهه، وحينما ولج إلى المرحاض نظر إلى وجهه فى المرآه ف وجد علامه زرقاء حول عيناه اليمنى.
تنهد بحزن وخرج ليجد هاتفه يرن ب اسم ديانا
_فيه إيه يا نبيل مبتردش عليا ليه؟
_لسه داخل من برة يا ديانا ومكنتش سامع
_طب افتح كاميرا هوريك حاجه
إلتوت شفتيه وأمسك الهاتف وفتح الكاميرا ليراها تقف ترتدى فستان جديد وتدور حول نفسها قائله بمرح
_إيه رأيك فالفستان الجديد ؟!هروح بيه فرح رانا
هز رأسه لها بلامبالاه قائلاً
_حلو جميل
_أنا جبته أحمر نارى عشان يولع الفرح
اقتربت ديانا من كاميرا الهاتف وقالت فى تعجب
_ايه دا ايه الل فوشك دا؟
لامس نبيل المنطقه الزرقاء برفق وأردف
_ابدا دا آيشادو!
رفعت ديانا حاجبها قائله
_آيشادو ليه؟ غريبه
_عجبنى لونه قولت اجربه اجيبهولك عالفستان الأحمر
زاد اندهاشها ف اردفت له
_فيه حد يحط آيشادو ازرق على فستان أحمر؟
_ايوة انتِ فالهالوين.. انا هقفل يا ديانا عشان ال آيشادو بيوجعنى سلام
اغلق الهاتف وارتمى على فراشه يتنفس الصعداء ناظراً إلى سقف غرفته صامتاً كالعادة..
أما عن رائد فكان ممسك بهاتفه يقلب الصور، كُل صورة كان بها مع مايا.. حفلاتهم، نزهاتهم.،تناولهم لوجبه معاً
صورتها بقهووتها المفضله.. فقد مر عام على إنفصالهما ولم ينفك عقله عن التفكير بها.
اما عنها، فمن الواضح له انها قد تخطته وتخطت حُبه وتجربتهما سوياً فهو مُتابع لصفحتها على _الفيسبوك_وبوقت قريب دونت انه قد تمت خِطبتها!
تمزق قلبه وزاد حزنه على ضياعها بل بالأحرى استطاعت ان تتجاوزه بكل سهوله وهو لم يستطيع!
_خلاص يا مصطفى هحاول اقول لماما وجاية، سلام
. اغلقت مايا الهاتف وذهبت إلى المطبخ حيث كانت والدتها تُعد الطعام ف وقفت خلفها وقبلتها بهدوء وأردفت
_ماما شكلى مش هتغدى معاكم
_ليه؟
_مامت مصطفى عازمانى عالغدا هناك وكمان جاى أخوه ومراته
زمتت والدتها شفتيها وترجلت تغسل الخضروات على الصنبور وأردفت لها
_مش عارفه ليه مبرتاحش لمرات أخوه دى
_ولا أنا، بس هو اتحايل عليا وهروح خلاص مفيش مجاتش من انهارده
سلمى على بابا لما يصحى وأنا مش هتأخر
هبطت واستقلت سيارة أجرة حيث كانت أغنية"قمرين" لعمرودياب.. شردت معها
هى الاغنية التى أهداها لها رائد فى أول علاقتهما قبل اعترافهما لبعضهما البعض بالحب، ركزت مع كلمات الاغنيه وتذكرت حينما كان يراسلها ليعرف منها م رأيها بها واى الكلمات تعلقت بذهنها.. تذكرت صوت ضحكاته فى الهاتف، تذكرت صوته الهادئ حينما يكون على وشك أن يغفو ولكنه يُصر أن يبقى الخط مفتوحاً، ظلّت هكذا حتى سمعت صوت السائق.
_اتفضلى يا آنسة
عادت من ذكرياتها واعطته الاجره، صعدت الدرج ففتحت حماتها الباب واستقبلتها ومن ثم استقبلها خطيبها مصطفي مبتسماً ترجلت للداخل لتجد زوجه شقيقه وشقيقه يجلسان، تبادل الجميع التحيه وجلست مايا
كان هناك حديث مدار حول الازياء والملابس ف قالت زوجه الأخ بعض الكلمات السخيفه من الواضح انها تستفز مايا ولكن مايا حافظت على هدوئها وضبظ ذاتها.
وضعت حماتها الطعام ودعت الجميع إلى الطاولة، ذهبت مايا والحق بها خطيبها
جلسوا وتبادلوا اطراف الحديث جميعهم
_بس مايا بقى ست بيت شاطره ولا إيه
إبتسمت مايا الى حماتها وقالت وهى تأكل
_يعنى مش أوى، بيض مسلوق شاى بلبن.. مكرونه بريد صوص
ضحكت زوجه الاخ وقالت ساخره
_كدا مصطفى وطنط هيقضوا حياتهم كلها ديلفرى
تعجبت مايا وقالت
_طنط! وطنط إيه دخلها
_انتِ متعرفيش انك هتعيشى هنا مع مصطفي وطنط! اصل شقة مصطفى مقدرش يكمل اقساطها فباعها
قالتها الفتاه مستفزة إياها ف تغيرت ملامح وجه ماياونظرت له فقال مصطفى متلعثماً
_كنت هقولك بس مجاتش فرصه
حدقت به بعمق واضح عليها الضيق والغضب وقالت
_مجاتش فرصه ل إيه؟ ازاى معرفش حاجه مهمه زى دى
وكمان واخد القرار إن انا هنعيش مع طنط من غير م ترجعلى؟
إرتبك مصطفى فقالت والدته تهدئ من حدة الموقف
_اكيد كان هيقولك ي مايا، وبعدين لو قعدتوا معايا تملوا عليا البيت هيكون فيها ايه يعنى
هبت مايا واقفه من مكانها بإنزعاج وأردفت وتقاسيم وجهها صلبه
_عن اذنك ي طنط أنا همشى
ترجلت نحو حقيبتها ف التحق بها هو ليوقفها
_مايا، استنى بس
_مصطفي سيبنى امشى، وبليل لينا كلام تانى
رحلت مايا مع إبتسامه إنتصار لزوجه شقيق مصطفى وكأنما مضت الخطه بنجاح!
وليلاً تحدث إليه تليفونياً والغضب يشعل ناراً بداخلها
_يعنى ايه تاخد قرار من غير م ترجعلى، يعنى ايه كلهم عارفين إلا أنا
لاء وكمان حطتنى فموقف بايخ والست مرات اخوك بتتريق
ودا مش اول موقف.. فاكر اما غيرت قاعه الل كان فيها خطوبتنا عشان مش عاجبه مامتك
ولما قولتلهم انى بتعالج من الغدة! هو انا ليه معنديش خصوصية فعلاقتى بيك؟
هو ليه لازم كل كلمه تبقى عندهم، لاء وكمان القرارات بتاخدها معاهم ومش معايا أنا
حاول خطيبها تهدئتها مردفاً لها بنبرة متوترة
_اسمعى يا مايا، حوار الشقه لو كنت قولتهولك كنتِ هتزعلى ومش هتوافقى عالبيع خصوصاً بعد م اختارتِ الوانها والسيراميك وكل حاجه
وكمان انا فعلاً مادياً فيه حجات كتير عليا ف ماما اقترحت..
قاطعته مايا غاضبه بنبرة صوت عاليه
_مامااااا، مامااا اقترحت ماما قالت اصل ماما شايفه.. اصل ماما بتقول
مصطفى انا اتخنقت ولازم نحط حد لكل دا
تعجب مصطفي من كلماتها فقال
_يعنى إيه؟
_قريب هقولك يعنى إيه، سلام يا مصطفى
`~`~`~`
_إتفضلى حضرتك عليكِ الدور
دلفت المريضه فى دورها للفحص بالعيادة التى تعمل وئام كموظفة استقبال بها، امسكت هاتفها تتصفحه حتى دلف باسل مُبتسماً ف ابتسمت هى ووقفت تصافحه ف أردف هو
_انا بصراحه ضرسي بقاله كتير واجعنى شكله مسوس قلت مبدهاش آجى بقا
إبتسمت وئام وأردفت له
_إتفضلى يا استاذ باسل اهلاً وسهلاً
دونت اسمه وأعطته رقمه بالفحص، وانتظر هو حتى أردفت هى إليه
_مجبتش معاك مدام رانيا ليه؟ ولا أكيد مبتحبش دكاتره السنان
ضحك هو ب ألم وهز رأسه لها ايجاباً من دون أن يجيبها، مضى الوقت حتى حان دوره
فدعته هى للدخول.
انتهى فحصه وخرج شاكراً إياها وذهب، وبالمساء كانت يجلس باسل بالشرفه يعزف على آلته فخرجت هى مسرعه تضع وشاحها على شعرها وتهرول تستمع معزوفته.
وقفت تستمع خِلسه حتى أنتهى، كانت مقطوعه حزينه جعلت عيناها ينهمر منها الدمع.. ومن دون شعور منها صفقت له ف انتبه هو وابتسم
_ماشاءالله على حضرتك، أنا على طول بسمعك بتعزف بس المرة دى عن قرب
اردف لها باسل ممسكاً بآلته قائلاً
_يعنى، بحب لما اقعد كدا مع نفسي اعزف عليها
اندهشت وئام وقالت له
_مع نفسك! قصدك بعد الشغل وقت صفاء لنفسك بعيد عن البيت مش كدا
هو حضرتك مش عندك اولاد مش كدا
هز باسل رأسه بالنفى ف اردفت هى
_ربنا يرزقك
لم يعلق هو، ولكنه وجه لها الحديث قائلاً
_مبسوطه فشغلك؟
_ايوة الحمد لله، متشكره جدا ان لحضرتك
_على ايه دا نصيب وأنا مجرد سبب
صمت الاثنين فقال هو لها
_ممكن سؤال؟
_اه اتفضل
_هو حضرتك مش قلقانه انك عايشه لوحدك فمنطقه جديده عليكِ
هزت وئام اكتافها بلامبالاه وقالت له
_عادى مش هيطلعلى العفريت يعنى!
قالتها ضاحكه ف أردف هو
_بس ست صغيرة ومطلقه تعيش وحدها، تقلق مش كدا!
إتسعت وئام حدقه عينها ونظرت له مردفه ب إندهاش
_هو حضرتك عرفت منين إنى مطلقه؟!
شعر باسل بالارتباك وابتلع ريقه وظل ناظراً لها يجهز رداً مناسباً.
#لنور_إسماعيل
`~`~`~`
مائه وخمسون الفاً وستمائه!
كانت تقوم روز بعد الاوراق المالية التى بحوزتها بعدما اشترت بعض الاغراض الناقصه لها، وسددت بعض مديونيات.
ومن ثم حدثت نفسها
_كدا دول اروح احطهم فالبنك من غير م ايدى تتمد عليهم
اراحت روز ظهرها إلى الفراش تفكر فيما ستقوم به فيما بعد، ولكن تذكرت شيئاً فاعتدلت
_اسم الست ايفيت!! ازاى وابنها محمد؟
ممكن يكون مسلم زى باباه، تكون الست دى اتجوزت راجل مسلم
زمتت شفتيها وقالت بعدم إكتراث
_وأنا مالى المهم انى عملت الديل وقبضت الكوميشن وخلاص
وعلى الناحية الاخرى، قام مصعب بشراء شقه بقيمه نصف مليون جنيه
وبعض الاثاث الذى كلفه مائه الف جنيه وقام ب إدخار الباقى لحين القيام بعمليه اخرى يعثر عليها بذكاؤه.
امسك الحاسوب النقال لديه يتصفح حتى أتت له فكرة جديده وعلى الفور ذهب لتنفيذها..
_إسمع يا سخّاوى، اسمعنى زين.. ببطاقه المرحوم ابوك هنأجر العربيه وهتمضى عالايصال الل فيه تمن العربية لو لاقدر الله حصلها حاجه ويومين وترچعله المبلغ وتجوله حصلت حادثه وادى العوض يا بلديات.. سليم!
كان ينظر له صديقه غير مُتفهماً، ف مط مصعب شفتيه وأردف
_يابوى إفهم معاى وفتح مخك بعنيك ال كيف غطا الچركن دى، انت ماعليك غير هتأجر العربية وهتدفع العربون الل هعطيهولك ببطاقه ابوك ويومين وترجع تديله المبلغ الل هتتفج عليه جيمه العربيه وبس
_طب وانت، والعربية؟
_ليكش صالح هعمل إيه، انت بس تعمل الل جولتلك عليه وبس
وليك فيها مصلحه حلوة ياعم
تنهد صديقه وقال غير متفهماً
_لاء برضو مش فاهم
نظر مصعب يميناً ويساراً بطريقه مضحكه وأردف
_يابوى ركز معايا متعرجش من ورا ودنك كيف دماسه الفول، اعمل الل جولته من غير م تفهم ماشى!
ظل محدق به صديقه دون أن تنفرج شفتيه ف أردف مصعب بنفاذ صبر
_هى هوايل تتعبي فشوايل ياناس!
`~`~`~`
صوت مذياع يعلن عن اسم السورة القرآنية التالية واسم القارئ ب إذاعة القرآن الكريم، شعاع الشمس فى بداية الصباح يملأ ارجاء المكان.. يُحدث انعكاس لكل شيء لتكتمل صورة هادئة مريحه للعين..
همّت عزة مترجلة نحو المطبخ، تضع اقراص _الطعمية_ فى الصحن امامها وسكبت طعام_الفول_ فى صحن آخر وملأت صحن البطاطا المقلية والبيض المسلوق والمقى كقرص دائرى..
احضرت الصنية كاملة وحملتها ووضعت على السفرة وهى تتغنى بصوت هادئ، وزعت الاطباق وأنتبهت لفتح الباب وولوج قُصى حاملاً الجرائد اليومية متهللة اساريره كعادته ودنى نحو عزة وقبّل جبهتها بحنو ومن ثم
اردف وهو ينظر ناحية السفرة والاطباق الشهية التى عليها..
_الله عليكِ يا حبيبة قلبي، السفرة اللى بستناها من الجمعة للجمعة.. هروح اغسل ايدى بسرعه
نظرت عزة ناحيته بحب يملأ الكون، حتى أتى ثانية وجلسا سوياً يتناولان طعامهما فتحدث قصى و فمه ممتلئ
_تسلم الايدين يا أحلى عزة
تبسمت عزة برقة وقالت
_متملاش بطنك أوى عشان لسه فيه كيكه أناناس وشاى فالبلكونه
_وليه حطاهم فالبلكونه يبوظوا كدا
ضحكت عزة وهى تتناول طعامها فضحك قصى معها، فتوقفت (..) عن الضحك لثوانِ فلاحظ (..) ثم قال
_مالك؟
_متشغلش بالك، كُل بس قبل الأكل مايبرد
دنى قصى منها ممسك بإحدى يديها وهو يقول
_طيب نخلص أكل ونروح نكشف
قاطعته عزة ناظرة لعيناه
_مفيش دكاترة انهاردة، وبعدين انهاردة عيد جوازنا ياقصى مش عاوزة لا مشاوير لدكاترة ولاتعب يخلينا نعدى اليوم دا بالذات
تمعن قصى النظر إلى عيناها بعمق و أخذ شهيقاً تدريجياً ليخرجه بهدوء وهو يردف
_١٦سنه جواز ي عزة، ١٦سنه وكأننا مرتبطين إمبارح.. نفس كل حاجه
العادات، قعدتنا سوا قدام التليفزيون بنشوف فيلم ومحضرة الحجات بتاعتك
خروجنا سوا نشترى طلبات البيت، نومى فحضنك سُخن من ضربة الشمس خدتها بعد الشغل
تدليكى لرجلك اللى بتوجعك من شغل البيت، وقفتنا سوا فالبلكونه انتِ تنشرى الغسيل
وانا اصلح كرسى مكسور.. كام خناقه عدت وبنحس انها النهاية بس عمرنا ما انتهينا(..)
ولا هننتهى، اصل انا وانتِ عمرنا م هنبقى لأتنين غيرنا ابداً وكان لازم نبقى لبعض حتى لو كل الدنيا قالت لاء..
أمالت عزة برأسها تنظر له بعمق قائلة
_حتى لو مفيش اطفال؟
_مش عاوز من العالم غيرك
قبلت عزة كف يد قصى بحب بالغ وتنفست بداخله بحرااره ثم نظرت إليه
_ياريت بينى وبين كل الدنيا خراب وبينى وبينك عمار يا صاحب العمار ، عمار قلبي وحياتى والكون كله..
`~`~`~بالفصل القادم`~`~`
_هو إحنا سيبنا بعض ليه؟
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
انتظروا_القادم
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية ميكاتوا الفصل الثامن 8 - بقلم نور اسماعيل.
لم يًخفى عليكم سراً، فبمجرد خلع خاتم خطبتها دونت ذلك في منشور عبر حساباتها بالفيسبوك والواتساب والانستجرام.
بل وضعت حالة أو بما يسمونه استوري تبكي به على سوء حظها بهذه الدنيا وأن لا أمان لأي شخص وأي ارتباط من وجهة نظرها فاشل سواء عن طريق القلب أو العقل.
وعلى الناحية الأخرى، كانت كلمات مايا كلها قد قرأها رائد، حتى أنه قد تأثر بدموعها في المقطع المرئي ولم يكمل محاضرته.
ظل يقوم بإعادة المقطع ويراها أمامه هكذا، حتى أمسك هاتفه ليخرج اسمها من قائمة الأسماء وهم بالإتصال بها.
"تتذكرين حبيبتي عندما كنت لا أملك من الشيب شيء سوى روحي، وبضع شعرات متفرقات في ذقني، يومًا ما أخبرتيني بأنكِ تعشقين الشيب ويثير إعجابك، أعتقد أن شيء ما في رأسي حصل على تلك المعلومة، والآن أصبحت رأسي كلها شيب، وبعض الشعر الأسود، وأنتِ أيضًا."
بجلسة بالمقهى المفضل لديهم، كان هذا اللقاء.
"أنا ما كنتش أطمع في أكتر من المقابلة دي يا مايا."
قالها بعينان تتحدث شوقًا ويتقاطر منها الهيام المخزون.
تنهدت مايا بفراغ صبر وأردفت له:
"حكايتنا خلصت يا رائد، وما كنتش عاوزة من الأصل نتقابل، بس انت اللي صممت."
مشط بعينيه وجهها، تفحص كل شبر في ملامحها، عيناها، شفتيها، أهدابها، تابع الحسن أسفل ذقنها.
بداية غرة شعرها البارزة من وشاحها الملفوف بعناية على رأسها ورقبتها.
تذكر حينها قول محمود درويش: "لماذا لا يشتاقون مثلنا؟ ألا يوجد في مدينتهم ليل؟!"
"انت معطلني يا رائد، قول طلبتني ليه عشان أمشي."
قالتها بنبرة صوت ورتم سريع، ومن ثم أشاحت بنظرها بعيدًا عنه.
فقال هو:
"مايا.. أنا طلبت نتقابل وجيتِ، اديني فرصة آخذ حقي في مقابلتك بالكامل."
"ملكش حق فيا يا رائد، ملكش حق في أي حاجة، اللي كان بينا خلص خلاص ومن سنين، وأي كلام دلوقتي ملوش لازمة."
"هو إحنا سيبنا بعض ليه؟"
اتسعت عيناها وفغر فاهها.
فأعاد هو سؤاله:
"كنا سيبنا بعض ليه يا مايا؟"
"عشان انت عاوز تخليني نسخة على مزاجك، تفصلني تفصيل كدا وتلغيني تمامًا، توجهني بريموت كنترول وتحركني كأني عروسة ماريونيت خيوطها بين صوابعك. آسفة يا رائد مش هعيد الكَرّة تاني."
سبل رائد عينيه لأسفل ونظر إليها بخذلان ثم أردف:
"بس أنا والله لسه بحبك،، بحبك ومش عارف أتصرف لا في قلبي اللي انتِ مستبعداه ولا عقلي اللي هايم في كل تفاصيلك، اتفضلي قوللي أعمل إيه؟!"
أخذت تقضم شفتيها وبدأت دمعاتها تنساب على وجنتيها وتحمر أنفها.
فهم رائد ليمسحهم لها ف أبعدت وجهها مع قولها:
"رائد على قد حبنا انت تعبتني أوي وعلاقتنا أرهقتني جدًا."
"متقوليش حبيتيني يا مايا، لو حبيتيني ما كنتيش روحتِ واتخطبتِ على طول، ما كملناش. طيب حتى خدي وقتك وأنسي أيامنا وحبنا وكلامنا وكل اللي يخصنا وبعدها روحي لحد تاني."
قالها بعينان تنضحان مرارة، ينظر لها راجيًا أن تشعر بصعوبة دقات قلبه بين ضلوعه.
نظرت هي لأسفل وهي تتحدث تتحاشي النظر إليه:
"كنت هعمل إيه يعني؟ هوقف حياتي؟"
"ما أنا وقفتها يا مايا، قلبي مبقاش فيه مكان لحد غيرك مهما كان مين."
مسحت أنفها بالمنديل ووجنتيها برفق وتحدثت ساخرة:
"وأنا فسخت أهو، افرح فيا واشمت يالا.. مش انت كلمتني بعد ما شوفت الاستوري بتاعتي؟"
هز رائد رأسه نافيًا مع قوله:
"لأ طبعًا مش عشان كده، أنا عمري ما أشمت فيكي يا مايا، أومال حبيتك إزاي."
قرصت مايا على شفتها السفلى ونظرت له نظرة تحدٍ مردفة:
"كلمتني ليه يا رائد؟ عشان نرجع؟"
"كلمتك عشان تسمحيلي أرجع حياتك حتى لو صديق ونحاول نصلح اللي فات لو أمكن، وبعدها تقرري."
ظلّت مايا مُحدقة به دون أن تنطق بأي كلمة أخرى له.
"مودياني على فين بس يا ست كعبول."
كانت ديانا تقوم بسحب يد نبيل بعدما قامت بربط عينه بشريط حتى لا يرى ما الذي تُخبئه له، حتى وصلت إلى مبتغاها.
"باااس خلاص وصلنا، افتح عينك."
قام نبيل بفك الشريط من على عيناه لينظر أمامه، قالب من الكيك المزين بأول حرف منه ومنها بالإنجليزية.
وبالونات حمراء وزرقاء كثيرة حول المنضدة.
كان يتجول نبيل بنظره بين هذا وذاك بينما تقف ديانا مُبتهجة تنتظر رد فعله.
"إيه دا؟!"
"دا احتفال يا بُلبلى، عدى علينا سنتين سوااا انهاردة."
أمسكت شيئًا ما مصنوع ليتم الضغط عليه فيفرغ المزيد من أوراق الزينة الكثيرة هنا وهناك.
ففوجأ نبيل بصوته واهتز في مكانه.
"إنتِ عاملة احتفال إن بقالنا سنتين عدت على الخطوبة! طب إنتِ بتفكريني ليه مثلاً، دي حاجة حلوة لما أفتكر إن بتعد علينا السنين وإحنا واقفين محلك سر، لا إحنا اتجوزنا ولا إحنا إن شاء الله فسخنا. ولا أي جديد."
مطت ديانا شفتها السفلى كالأطفال وقالت ببراءة:
"يابُلبلى بقاااا، احتفل وافرح مرة يا كئيييب."
"أولاً أنا مش بلبل حد دا أولاً، ثانيًا يا ستي ألف شكر أكيد التورتايه دي هتاكليها أنتِ وعزماني أتفرج عليكِ."
ضحكت ديانا بعفوية وجلسا على المقاعد ومن ثم مثلت الجدية وأردفت:
"اسكت أنا انهاردة هكون جادة جدًا وأبطل هبل وهعجبك."
كان ينظر نبيل لها ببلاهة بينما هي أخرجت من حقيبتها نظارة طبية وارتدتها وتصنعت الجدية ومن ثم قالت:
"شايف دي عملتها عشان نظري ضعف سيكا. روحت بقا قلت هديني وقار كدا. واصبر هبهرك."
نادت النادل فوقف أمامها.
"لو سمحت عاوزين نشرب حاجة مع التورتايه دي."
أشاح نبيل بنظره بعيدًا وأردف:
"أنا مش عاوز أشرب حاجة، إشربي وكُلي انتِ يارب تملي التانك."
لم تعيره ديانا اهتمام وأردفت إلى النادل:
"فيه قهوة؟!"
"أيوه فيه طبعًا يافندم."
"طيب عاوزة قهوة، بس تكون حاجة بناتي كدا.. عشان أنا أول مرة أجربها."
"أوكي هجبلك ميكاتو، هتعجبك جدًا."
تركها النادل وانصرف.
فـنظرت هي ناحية نبيل تعدل من النظارة الطبية على أنفها وتقول بحزم:
"شوفت... شوفت قهوة كتاكيتو مع نضارة وحاجة آخر عظمه."
رفع نبيل شفتيه ممتعضًا وأردف لها:
"كتاكيتو! ليه قهوة بلسان عصفور.. اسمها ميكاتو يا أم جهل."
"فكك، المهم قهوة ونضارة.. شوفت بقا وقورة أهو ومش هبلة، حبتيني ولا لسه؟!"
ضحك نبيل وطرق كفًا بكف على طريقتها هذه وهم بمسك السكين ليقطع قالب الكيك وهو يتحدث لها:
"بت يا كعبول هتفضلي مشكلتي الأزلية، يلا ناكل عشان تضربي وتفنشري أكتر."
ضحكت ديانا بشدة وتناولت منه القطعة التي قطعها لها وظلت تأكل ووضعت القليل من مخفوق الكريم شانتيه على أنفها وأنفه وقامت بالتصوير ووضعتها بحساباتها على الإنترنت مدونة عليها:
"عدى سنتين من البؤس والأكل والحب وبقينا جد، كل سنة واحنا مع بعض يا همّ حياتي الأبدي."
"البعد بالبعد والنسيان بالنسيان وأنا لنفسي ووحدتي!"
كانت وئام تعمل بعيادة الطبيب، تجلس شاردة تفكر في الأمر الذي أخبرها به باسل جارها.
علم بطلاقها من صاحب العقار.
إذاً هو مهتم لأمرها! ولمَ.. هو متزوج ومن الواضح حبه الشديد لزوجته، فهي في المدة التي سكنت بها بالشقة المقابلة له تسمعه يناديها ويتحدث إليها طيلة الوقت.
نفضت عن عقلها التفكير المفرط في ذاك الأمر، حتى سمعت صوت زر التنبيه فيما معناه أن الطبيب يريدها بالداخل.
دلفت على استحياء فقال لها:
"وئام.. عاوز تعقمي العدة واعمليلي فنجان قهوة."
"حاضر يا دكتور."
أشار لها إلى ماكينة القهوة وهو يتحدث:
"عندك ماكينة الاسبريسو أهيه، ضيفي عليها شوية لبن عندك في الثلاجة بس سخنيهم الأول."
تعجبت وئام وأردفت له مبتسمة إثر تعقيمها لأدواته:
"أول مرة أشوف قهوة اسبريسو بلبن، أنا ماليش في القهوة أوي بصراحة."
ابتسم الطبيب وأردف لها يحثها على تناول فنجان حتى تعرف طعمه، فلبت وئام طلبه وصنعت لها فنجانًا بعدما صنعت للطبيب واحدًا وخرجت تحتسيه على مكتب الاستقبال الخاص بها.
ارتشفت رشفة ومن ثم رشفة ورفعت حاجبًا من حاجبيها من الواضح أنه قد نال إعجابها.
كانت ترتشف منه وتتحدث إلى نفسها:
"أول مرة أشرب قهوة في حياتي، بس حلوة.. لا حلوة بجدر."
هاتفها باسم شقيقتها مها، فرحت كثيرًا وأجابت الاتصال سريعًا ليتحدثا سويًا ويغرقا في حديث دام طويلًا بينهما وكأنهما كانا متعطشان ذلك.
أما عن باسل، كان يعزف مقطوعة "كانوا يا حبيبي" لفيروز مع زملائه بالمسرح شارداً أيضاً بزوجته وبكل ما مضى معها حتى تخترق ذكراه صورة إلى وئام!
عجيب اهتمامه بهذه الفتاة، فبعدما علم حقيقتها كلها من خلال اختراق حسابها عن طريق النت الهوائي الذي وصله لها إياه، علم من خلال محادثتها مع شقيقتها ومن خلال المعلومات التي قدمتها للشركات والمكاتب إثر بحثها عن عمل.
ظل باله منشغلًا بها مع إثارة الشك بداخله، ف رغم ما قرأه بعينيه عندها من محادثات فهو ينظر لها نظرة المجتمع المريض، طالما صممت على الجلوس بمفردها بعد طلاقها فهي فتاة ذات أخلاق سيئة تريد أن تفعل ما يحلو لها دون رقيب.
انقضى اجتماع خاص بمجموعة الشركات يخص شحنة مسافرة عبر البحر، وقد استغرق هذا الاجتماع ثلاث ساعات حتى شعرت زاد بالصداع وألم الرأس فأنتهته وطلبت فنجان من القهوة مع قرص مسكن.
دلفت السكرتيرة إليها ممسكة بأوراق بينما كانت زاد تجلس إلى المقعد تعطي ظهرها إلى الباب وتريح رأسها مغمضة العينان.
"آنسة زاد.. آنسة زاد."
تحدثت زاد وهي على وضعها دون أن تدير المقعد الدوار:
"مرام مفيش دماغ لأي حاجة سيبوني دلوقتي."
تحدثت السكرتيرة على استحياء لها:
"حضرتك أنا جبت كل الأوراق اللي تخص المشروع اللي كلمنا حضرتك عليه بعد فشل الفكرتين اللي فاتوا.. حضرتك هتقدري تسمعيني؟"
أدارت زاد المقعد وهي تزم شفتيها حنقًا وأردفت:
"قولي يا مرام خير."
"الفكرة حضرتك جديدة ومستحدثة، برنامج تلفزيوني عن مسابقة مثلاً. مسابقة صوت.. مسابقة شعر.. مسابقة تمثيل.. مسابقة عن المعلومات العامة. فقناة فضائية بتحقق نسب مشاهدات عالية. ودراسة الجدوى أهيه والتقرير أهوه."
تركتهم الفتاة على المنضدة أمام زاد.
فـنظرت زاد إلى الأوراق ومن ثم رفعت بصرها إليها قائلة:
"طيب أنا هبص فيهم وهشوف يا مرام، ع مكتبك."
"تحت أمر."
انصرفت الفتاة.
فـعادت زاد للدوران بالمقعد ثانية وهي تلعب بأناميلها بشعرها لتريح رأسها قليلاً.
"تضخيم الأمور التافهة لن يزيدك إلا تعبًا.. أعط كل شيء قدره المناسب حتى لا يصعب عليك التعامل معه."
كان يجلس قصي بمقهى مطل على النيل وحيدًا ينظر هنا وهناك من الواضح أنه ينتظر أحدًا.
حتى اقتربت من منضدته قدمين لرجل كبير سنًا ومقامًا.
وما أن رآه قصي هب واقفًا واحتضنه وتهللت أساريره ومن ثم جلسا.
"وحشتني يابابا."
"وأنت كمان يابني وحشتني أوي، ومعرفش هتفضل معاند لحد أمتى."
أشاح قصي ببصره بعيدًا ينظر ناحية النيل مع قوله:
"مش قادر أسامح يابابا، آه عدى سنين كتير بس مش قادر أنسى. ما أذتني وقتلت ابني وأذت عزة العمر كله أنا وهي هننحرم من أحلى شعور في الدنيا الأبوة والأمومة."
زفر والده ومن ثم أردف:
"يا حبيبي وقتها مامتك كان حبها ليك وضياعك منها عاميها."
أردف قصي مستنكرًا:
"فتفكر بالشر ده وتخلي ناس تضرب مراتي وتنزل البيبي وتشيل الرحم، أنت عارف يابابا إن عزة لحد دلوقتي فيه توابع لتعبها بسبب الموضوع ده. ولسه بتتعالج.. يعني هي عيشت إنسانة مالهاش أي ذنب غير أنها مراتي سنين في موت وتعب ووجع لا يطاق."
نكس والده رأسه أسفل فـتابع قصي:
"أنا من يومها اعتبرت حضرتك مش طرف في الموضوع ومازالت على علاقة بيك، لكن ماما... أنا مش قادر أسامحها."
وضع والده يده في جيب سترته واخرج مبلغ ماليًا كبيرًا ووضعه أمام قصي قائلاً:
"أنا أقدر أقابلك قدامها وفي البيت بس انت اللي مش حابب وأنا قدرت ده."
نظر قصي إلى المال واردف إلى والده:
"بابا إحنا مش بنتقابل عشان فلوس."
قاطعه أباه وتحدث بصوت يملئه الشيب والهرم:
"يابني ده حقك، متفتكرش عشان انت متجوز بعيد يبقى ملكش حق. ويوم هترجع المية لمجاريها يا قصي، بس برضو أنا سايبك براحتك. وعلى فكرة والدتك مستنياك طول الوقت بس بتكابر بس أنا حاسس بيها."
هز قصي رأسه ساخرًا حتى أتى النادل ليقوموا بطلب مشروبين ويكملوا حديثهم معًا.
صوت الهاتف.. يرن مرة واثنتين وفي الثالثة.. تمتد يد روز لتلتقطه وتنظر به بعينان ناعسة وتردف بصوت خافت:
"الو."
"آنسة روز عبدالله."
"أيوة."
"معاكِ المقدم رؤوف حسان من قسم شرطة الدُقي."
نهضت روز تعتدل من نومها وأنتبهت مع قولها:
"أيوه يا فندم."
"بعد إذنك تشرفينا في القسم انهاردة."
مسحت روز على وجهها وشعرها وأردفت بتوتر:
"حضرتك عاوزني في القسم ليه؟ أنا عملت إيه؟"
"مفيش حاجة يا آنسة روز، دردشة وهتمشي على طول."
أغلقت الهاتف بفكر مع خوف يدق صدرها، وبالفعل ارتدت ملابسها وصففت شعرها وذهبت إلى هناك.
فـوجدت الرجل الذي تم بيع الشقة له والسيدة صاحبة الشقة.
وما أن دلفت حتى هب الرجل واقفًا مع قوله بصوت عالٍ:
"آهيه، تعالى يا حرامية.. فين النصاب شريكك."
تحدث الضابط بحدة إليه وأردف بصوت جهور:
"اقعد يا راجل انت، متتكلمش إلا بإذنك."
تلعثمت روز وجلست وهي تقوم بإرجاع شعرها لخلف أذنها:
"فيه إيه حضرتك أنا مش فاهمة حاجة."
"فيه يا آنسة روز حادثة نصب حصلت وحضرتك شريكة فيها."
اتسعت عين روز وأردفت بذهول:
"إيه؟!"
قصت لهم القصة من أولها بعدما أدلى بأقوالهم بمحضر قسم الشرطة واتضح بالفعل أن ليس لها علاقة بهذا الرجل مجهول الهوية التي ادعى أنه ابن السيدة صاحبة الشقة.
وبعدما قضت روز بضع ساعات من الخوف والتوتر وارتعاش يداها وقدماها من الاستجواب والتحقيق وتطابق الأقوال تم إخلاء سبيلها فلا يوجد دليل ضدها مع خلو صحيفتها من أي شبهات.
خرجت روز توعد وتقسم أن وجدت هذا الرجل فسيكون آخر أيام عمره على يدها!
أما عن مصعب، فقد اجتاز للمرة الثالثة احتيالًا جديدًا بأموال طائلة ليست من حقه وها هو يحتفل بانتصاره بأحد الحانات يحتسي المشروبات الكحولية ويتراقص وسط زحام الفتيات ناسياً نفسه وأمره وزمانه.
"ب"
"أنا لا بحبك عشان أبلعلك الزلط ؛ ولا فاضية أتمنالك الغلط ؛ هبب اللي تهببه وأخفي من وشي"
رواية ميكاتوا الفصل التاسع 9 - بقلم نور اسماعيل.
إن العيون مغاريف القلوب، بها يعرف ما في القلوب وإن لم يتكلم صاحبها. ابن القيم.
لوحة بورتريه لفتاة جميلة منطلقة بالحياة، قد رسمها قصي في مرسمه، وقد أتت العميلة كي تتسلمها. فتاة يافعة وحسناء وبسمتها مشرقة، ناولها قصي إياها ودار بينهم الحديث الآتي:
- واااو، روعة بجد.
قالتها الفتاة بانبهار تنظر إلى اللوحة بعينين منبهرتين، فأردف قصي إليها مبتسمًا:
- أنا مبسوط إنها عجبت حضرتك.
- لا أنت فنان بجد، على فكرة الكومنتات على الصفحة عندك عندهم حق، أنت شغلك أحلى من اللي شهدوا لك بيه، أنا هقول لكل أصحابي عليك هنا.
بعينين تتقطران فرحًا أردف قصي إليها:
- الحمد لله إننا كنا عند حسن الظن يا فندم.
- أنا مبسوطة أوي، أنت مش متخيل قد إيه.
أخذت تنظر الفتاة إلى اللوحة وبجانبها قصي، وكانت خطوات عزة تلج إلى المكان صانعة له مفاجأة بأنها قادمة إليه دون علمه، وحينما رأت الفتاة دبت مشاعر الغيرة في صدرها ووقفت مكانها حتى رآها قصي فتهللت أساريره وترجل نحوها مرحبًا بها.
- حبيبي، إيه المفاجأة الحلوة دي.
دلفت عزة تنظر إلى الفتاة تمشطها من أخمص قدمها إلى رأسها، وجلست إلى أقرب مقعد وهي تتحدث إلى قصي وعيناها معلقة بالفتاة:
- حبيت أعمل لك مفاجأة يا حبيبي، كنت جنبك هنا بشتري خيوط للشغل الجديد المطلوب مني فقلت أعدي عليك.
كان قصي مبتسمًا لها مع ملاحظته لنظراتها المعلقة بالفتاة، فقام بإعطاء الفتاة المتبقي من المبلغ المطلوب ورحلت بعدما ألقت التحية عليهم، فأردفت عزة ومشاعر الغيرة مسيطرة عليها للنخاع:
- حلوين العملاء اللي بجيبات قصيرة دول وبلوزات شفافة.
ضحك قصي بشدة وأردف لها وهو يدنو من وجهها:
- بتغيري يا زيزي؟
- مش موضوعنا يا قصي، ثم أنا مش بغير أنا بس مستغربة البنات ولبسهم.
- كل واحد يلبس اللي يعجبه، هو إحنا هنتحكم في الناس؟
حدقت عزة به مليًا وأردفت له تكز على أسنانها بفعل مضحك:
- بس واضح الاندماج اللي بينك وبين الزباين يعني، صوت الضحكة كان جايب آخر الشارع.
على ضحكته ما زال قصي وأردف لها أثناء تلاعبه بأناملها:
- على فكرة محدش كان بيضحك، هي كانت مبسوطة بالشغل وأنا كنت مبتسم مجاملة.
هنا نظرت عزة بعمق إليه وأردفت بصوت متهدج وعينين شبه دامعتين:
- قصي، أنا عارفة إني ست مش جميلة أوي، وإني أكبر منك بسنة، ووصلت لـ 40 ومفيش أولاد وكمان مش هيبقى فيه طول حياتنا، بس على الرغم من كل دا بحاول مقصرش معاك، لا في معاملتي ولا شكلي.
دنى قصي منها وأمسك بكلتا يديها يطمئنها، تلك هي حيلته الأولى معها منذ بداية سنواتهم سويًا، وتحدث لها بصوت حانٍ كي تشعر هي به وتطمئن:
- وإيه لازمة كل دا يا عزة، من زمان وقع قدامي الاختيار إن يكون أنت، ومفيش غيرك، ومن أول سنة وقعت في اختبار إنك تكوني معايا وميكونش فيه أولاد للأبد ووافقت، بتكبري وبكبر معاك وبيكبر بينا ود ورحمة وحب.
توقف ونظر ناحية الشارع على المارة وعاد إليها بالنظر:
- البنات الحلوة كتير، والمتدلعة أكتر واللي بيلبسوا شفتشي برضه.
ضحكت عزة فأكمل هو مع ابتسامته:
- وبشوفهم كل يوم وبشوفهم من قبل ما حتى أرتبط بيك، فيه فرق بين اللي ارتبط وحب عن اقتناع، واللي ارتبط كان منبهر وبعد سنين الانبهار راح فبدأ يدور على حاجة تانية تحيي روحه، وأنا مش النوعية دي يا عزة!
في وقت معلوم يأتي إليك شخص كالنجاة ينشلك من الغرق الذي أحاطك من كل جهة، الرحمة تبدو في ملامحه وفي قلبه، يحبك بقوة فيجمع أشلائك ويخيط من جديد كل الذي منك قد تجزأ وتبعثر من قبله.
ابتسمت عزة وأمسكت يداه وقبلتهما مع قولها:
- أنا بحبك أوي والله.
اتسعت بسمة شفتيه ونهض بها قائلًا:
- طب يلا بينا بمناسبة النكد العابر دا.
ضحكت عزة بشدة فأكمل هو وهو يغلق إضاءة المكان:
- هنتغدى بره وهتفرجيني اشتريت إيه وإيه الشغل الجديد المطلوب منك.
- يلا يا حبيبي.
~
- مختلفناش، أنا دا السعر اللي أنا بعرضه على حضرتك موافق ولا لا.
قالتها روز إثر جلستها مع أحد عملائها، قام بنشر إعلان لبيع آلة العود خاصته، وبعدما قام بالعزف عليه وانتهى أخبرها بالسعر المطلوب كما في الإعلان، ولكن الإعلان مضى عليه عشرة أيام ولم يباع! فقامت روز بالتنزيل من قيمة المبلغ المطلوب به معللة أن العود لا يوجد إقبال شرائي عليه وأن المبلغ المطلوب به عالٍ، فتذمر صاحبه قائلًا:
- أنت كدا بتنزلي منه جدًا، أنا عزفت لك عليه وشوفت إن حالته كويسة جدًا.
- يا أستاذ حضرتك اللي هيشتريه هيحطه ديكور مش أكتر، مش هيعزف عليه، أنا مش هبيعه لفرقة محمود رضا، فياريت تقولي المبلغ اللي عرضته على حضرتك دا يناسبك ولا مش هينفع؟!
تنهد الرجل بقلة حيلة مع هزة رأسه بعدها بالموافقة، أعطته المبلغ وأخذت العود ورحل الرجل لتأتي لها النادلة فتطلب كوب من القهوة آخر غير الذي طلبته منذ ساعة، فأردفت لها النادلة:
- أنت بتيجي على طول هنا ومش بتطلبي غير قهوة، فيه حاجات كتير حلوة فيه ميلك شيك فيه آيس كريم.
هزت روز رأسها بالنفي وهي تضع هاتفها على أذنها تقوم بإجراء مكالمة وأردفت إليها:
- لا لا قهوة.
- طب ضروري سادة!
قالتها النادلة مع ابتسامة فابتسمت روز قائلة:
- بلاش سادة يا ستي، خليها بسكر.
ابتسمت النادلة وأردفت لها بخفة:
- هجيب لك لاتيه أو فرابتشينو.
- لا لا لا، مش لدرجة فرابتشينو، هاتي إسبريسو.
نظرت النادلة في قائمة المشروبات مردفة لها:
- هجيب لحضرتك إسبريسو وعليها لبن، قهوة ميكاتو.
- هاتي اللي تجيبيه.
ضحكت النادلة وذهبت فأجاب روز الشخص الذي تتصل به:
- ألو، أيوة يا فندم أنا جبت لك الديكور الكلاسيك القديم اللي حباه لشقة حضرتك، نقدر نتقابل امتى؟ تمام.
وهي تتحدث لمحت مصعب يمر الشارع عبر الإشارة، فهبت واقفة لتتأكد من ملامحه:
- هو!
هرولت سريعًا حتى أوقفته وأمسكته من تلابيبه مع صراخها:
- يا حرامي يا نصاب يا بتاع التلات ورقات وحياة أمي ما أنا سايباك!
نظر مصعب إليها بذعر غير متذكر إياها ومع مرور الثواني تذكرها لينظر هنا وهناك خوفًا من قدوم الشرطة، وأردف إليها متوترًا:
- إيا فيه يا حجة أنا معرفكيش، بيطلعوا متى دول يا بوي.
- بقى مش عارفني يا حرامي، تعالى القسم وأنت تفتكر يا خفيف.
هنا شعر مصعب بالخوف فأردف لها بصوت هادئ بعدما تجمعت الناس حولهم:
- طب اهدي وصلي على النبي وابلعي ريقك بدل ما نروح إحنا الاتنين القسم!
اتسعت حدقة عين روز وأردفت له بصوت عالٍ:
- ليه بقى إن شاء الله نصبت معاك!! أنا مفيش أي حاجة عليا.
- بكلمة مني هتكوني شريكتي، فاهدئي وصلي على محمد وقولي هديت عشان نتفاهم.
صمتت روز وأخذت تنظر هنا وهنا فأردف مصعب إلى المارة وهو يطرق على كف يده:
- يلا يا إخواننا ما تصدقوا طبلة وتتلموا، شعب يحب الزغاريد والشخلعة جبر يلم الأجرب!
انفض الجمع من حولهم، فأردف مصعب إلى روز بهدوء:
- تعالي بقى نتفاهموا يا أبلة بالألوان أنت ونشوفوا إيه حكايتك.
جلسا في المقهى الذي كانت تجلس به روز، أخرج مصعب سيجارة وأشعلها ووضع القداحة على المنضدة وأردف إليها بعدما نفث الدخان في الهواء:
- بصي يا أبلة... قلت اسمك إيه؟
- روز يا عسل.
- رز عدس أهو كله تموين، اسمعي أنا لو اتقبض علي هقول إننا كنا متفقين تجيبي الزبون وأنا أخدر الست.
اتسعت حدقة عين روز ذهولًا وأردفت له:
- بس دا محصلش، أعوذ بالله منك جهنم ماشية على الأرض.
- جهنم ما جهنمش هو دا اللي هقوله خليك عارفة، وعلى فكرة المفروض تشكريني.
وضعت روز سبابتها على وجهها وأردفت له تمط شفتيها:
- على إيه بقى.
- بسببي كسبت 200 ألف جنيه.
- كدا كدا الست كانت هتدهملي يا لذيذ، منك لله أنا أول مرة أدخل قسم في حياتي بسبب واحد معرفوش وأنت تمام ولا على بالك.
قهقه مصعب ساخرًا منها قائلًا:
- واديني أهو فسحتك في القسم شوية، يعني فسحة وفلوس، عدي الجمايل.
مد يده لمصافحتها وأردف لها بثقة:
- والله ما خسارة فيك تعرفي اسمي الحقيقي، معاك مصعب باشا الأحمدي من أعاظم جنوب الوادي.
امتعضت روز بشفتيها فأردف هو لها بعدما وضعت النادلة فنجان الميكاتو وانصرفت:
- ما تمدي يدك ونبدأ صفحة جديدة مع بعض ونبقى حبايب.
أشاحت روز بنظرها بعيدًا غير مكترثة به، فأمسك هو فنجان القهوة واحتسى منه بصوت مستفز لها فنظرت ناحيته باشمئزاز فأردف هو لها:
- يا ساتر يا رب إيه البصة دي! فيش بالهنا والشفا؟!
- يخربيت دي نطاعة يا أخي.
احتسى مصعب من الفنجان الكثير وأردف مستفزًا إياها:
- إيه القهوة الحلوة دي، حتى القهوة ملونة شبهك، ها هنبدأ صفحة جديدة سوا، وكأنك مشوفتنيش ونبقى حبايب وتبلعي لي الزلط ولا هتصممي على اللي في مخك ونبقى أعداء وعاوزة لي الغلط؟!
حدقت روز بوجهه مردفة له بلهجة ينفذ منها آخر صبرها:
- أنا لا بحبك عشان أبلع لك الزلط، ولا فاضية أتمنى لك الغلط، هبب اللي تهببه وأخفي من وشي.
احتسى مصعب البقية وابتسم لها مع إرسال قبلة لها في الهواء ورحل، فدبت هي بيدها على المنضدة من شدة الغيظ وزفرت بحرارة.
~
- أبوي من يوم ما جيت وبيشكر فيك وفي أخلاقك وفي التزامك معانا، فرحانة إني كنت السبب.
قالتها هيام وهي تجلس بالمقعد الخلفي للسيارة أثناء قيادة زكي، فابتسم زكي وأردف على استحياء:
- تحت أمركم.
- هو ينفع اليوم، بعد ما توديني لرفيقتي ما نرجع على طول؟!
تعجب زكي وأردف لها دون النظر إليها:
- حضرتك عاوزة تروحي فين؟
- المول، نتسوق أنا وأنت، عادي كرفقات مش لازم سائق وبنت صاحب شغله.
- حد في البيت بيعرف؟!
ضحكت هيام بشدة، وأخرجت قلم الحمرة ووضعت منه وأردفت:
"مش لازم كل حاجة يعرفوها عني فالبيت، وبعدين ما راح أعمل إيشي غلط بتسوق معك."
"وإذا حد شافنا؟ ثم ليه تتسوقي مع السائق تبعك؟!"
حدقت هيام بالمرآة، فلاحظ هو نظراتها ليتهرب منها فقالت له:
"عاوزة أتكلم معك كتير، عاوزة نكون رفقات.. حابة أكون صداقة مع حد مصري، بتمانع؟"
ابتسم زكي ودق قلبه وأردف:
"لا ما في مانع، تحت أمرك هيام هانم."
"ومن دون هانم، رح نصبح رفقات.. هيام وزكي وبس. وبالبيت تناديني كيف ما تناديني.. اتفقنا؟"
....
"يا عمووووووو!"
انتبه زكي لصوت زاد فأردف لها:
"إيه يا زاد؟"
"إيه يا زاد إيه؟ بقالي ساعة بتكلم، شوفت التقرير المتقدم عن البرنامج دا؟"
"أيوه شوفته.. بس مش حابب الفكرة."
رفرفت زاد بأهدابها تستفهم منه:
"إزاي؟"
"فكرة مسابقة ماشي، لكن مش حابب تكون شعر وغنا وتمثيل. الحاجات دي اتعملت كتير."
ابتسمت زاد مع رفعة لحاجب من حاجبيها قائلة:
"آه، عاوز حاجة كرييتف."
هز زكي رأسه لها، فقالت هي:
"يعني مسابقة، بس مش عن غنا ولا تمثيل وشعر! طب هنعمل عن إيه يا ترى؟"
وضعت أناملها على شفتيها تفكر وتركته هو يعود لذكرياته التي لا تنتهي.
`~`~`~
كانت تتهيأ مايا للخروج مع صديقاتها، ارتدت ملابسها ووضعت بعض مستحضرات التجميل، ولفت وشاحها على وجهها وقامت بتصوير مقطع مرئي وهي تقول إنها في طريقها للاحتفال بعيد ميلاد إحدى صديقاتها ووضعته على "الحالة" على الانستجرام ورحلت.
وفي الطريق وهي بسيارة الأجرة وجدت اتصالًا من رائد فأجابت:
"أنتِ خارجة؟!"
نفثت مايا بنفاذ صبر وأردفت له:
"آه، فيه حاجة؟"
"مالك يا مايا كأنك هتتخانقي معايا؟"
"أصل أكيد شوفت الستوري وعشان كدا اتصلت يعني."
صمت رائد وأخذ يقضم شفتيه يتراجع عن اندفاعه في الغيرة عليها فأردف بهدوء:
"أيوه شوفته وحبيت أتطمن عليكِ، ما قولتيليش ليه آجي أوصلك بدل الأوبر."
كانت تنظر مايا إلى الشارع عبر النافذة وهي تتحدث:
"عادي يا رائد ما جاش في بالي."
صمت رائد قليلًا، ومن ثم أردف لها بنبرة هادئة:
"ممكن طيب أقول حاجة؟"
"قول."
"اللون الأحمر عليكِ ملفت أوي، لأنك في الأصل حلوة جدًا، وأكيد ميت عين هتكون عليكِ، وأخاف عليكِ والله. كنتِ لبستِ دريس تاني."
مطت مايا شفتيها وأردفت له بلامبالاة:
"رجعنا للتحكمات يا رائد وعكر مزاجي قبل ما أروح لأصحابي!"
"إحنا اتفقنا إننا أصحاب يا مايا، ومش بتحكم فيكِ، دا رأيي وأنا بخاف عليكِ لأنك..."
صمتا الاثنين، فأكمل رائد:
"عامة سهرة سعيدة، ممكن لما تروحي تكلميني وتطمنيني؟"
"حاضر."
أغلقا الهاتف، وظلت مايا محدقة بالهاتف وباسمه وصورته طويلًا، مع ترديدها لنفسها:
"آه لو تبطل عقدك وتحكماتك بس يا رائد.. الحلو ما يكملش."
كحسنها المستحيل... كانت الطريق إليها دائمًا مستحيلة.. وعرة.. محفوفة بالمخاطر... غير محمودة العواقب.. غير مألوفة.. تشبه الميتافيزيقا أو سحر الأولين وكان يخوضها راضيًا بقلب متين.
`~`~`~`
"أتعهد أمام الله رب الأرباب وراعي الرعاة، وأمام ملائكته وقديسيه، وأمام آباء الكنيسة والحاضرين جميعًا أن نحيا حياة زوجية مسيحية كما يحق لإنجيل المسيح وأن يحرص كل منا على خلاص نفس الآخر وأن يكون بيتنا بيت صلاة وبيت طهارة وبيت بركة عملًا بقول الكتاب المقدس أما أنا وبيتي فنعبد الرب."
قالها الفتى أثناء عقد الإكليل بالكنيسة فصفق جميع الحاضرين، ومرورًا بهم حتى نصل إلى جلسة نبيل مع ديانا سويًا وهي تصفق بحرارة وهو على وضعه صامتًا ينظر لكل ما حوله بازدراء.
"ياااااي شكلهم قمر موت، بص يا بلبل حلوين إزاي."
نظر نبيل ناحيتها مزدرِيًا وأردف يشير إلى العروسين بعدما فك عقدة ذراعيه:
"قمر موت إيه، عادي.. اتنين وحكموا على روحهم بمؤبد الجواز وربطة حبل المشنقة للأبد. لا وهو مبسوط أوي."
أخرج لسانه وقام بإعادة ما قال العريس بسخرية فلكزته ديانا في إحدى جناباته بعدما عبست وأردفت له:
"إخص عليك يا بلبلي دول شكلهم حلو حلاوة، عقبالنااااه."
نظر لها نبيل ممتعضًا وأردف يعيد جملتها ساخرًا:
"عقبالنااااه، ناااااه.. خلاص هناخد أوسكار في الجواز ولا هيوزعوا علينا كروت فكة هدية. جواز عادي.. جواز.. اتنين بيروحوا برجليهم بكامل قواهم العقلية للخَنقة المؤبدة والقرف الأزلي الذي ليس له مفر."
عبست ديانا ومطت شفتيها وأردفت له ببراءة:
"لاء طبعًا مش كدا، جواز يعني حب يعني أكل مع بعض شرب مع بعض نوم مع بعض صحيان مع بعض."
"ما إحنا بنعمل كدا وإحنا لوحدنا، إيه الفكرة؟"
نفثت ديانا بنفاذ صبر فالتفت نبيل إلى هيئتها قائلًا:
"كعبول لفي كدا."
ابتسمت ديانا أنه قد التفت إلى مظهرها الخارجي أخيرًا، وهناك تعقيبًا حسنًا منه.
"إيه عجبك الأوت فيت بتاعي؟ دريس من عند روما بس تحفة، خدته بديسكاوند خمية وعشرين فالمية."
"اصبري بس بلا دريس من روما ولا من إيطاليا.. دا عريان أوي.. إيه دا مين هيدخل كمية اللحم دا جوا؟ فيه مجازر بتدور عليكِ يا كعبول بمنظرك دا."
"يووه دا فرح أوووف."
"فرح أوف.. أوبشن زيادة يعني في الفرح نقلع! أنا خايف تتحسدي بلحم الكندوز دا يا كعبولي."
ضحكت ديانا ببلاهة وقامت بتأبط ذراعه بقوة وهي تردف:
"بحبك يا بلبلي وأنت بتغير عليا.. إمتى نتجوز بقى إمتى؟"
قام نبيل بفك ذراعها وصفق مع قوله:
"سقفي زي البطريق زي سقفي."
`~`~`~`
في عودة وئام من عملها ككل يوم، كانت متعبة للغاية.. حيث أنها لم تقم بتحضير طعام لها. فقامت بشراء علبة من الطعام الجاهز "الكشري" وهي عائدة إلى المنزل. ولكن مع التعب نامت وتركتها بالخارج، وفي اليوم الثاني نهضت من نومها جائعة فتناولتها دون النظر إليها. وبعدما تناولتها بساعة شعرت بتوعك وألم في بطنها شديد.
هرولت تفرغ ما في معدتها مع تألمها الشديد والذي بسببه أحدثت صوتًا سمعه باسل بوضوح، فهرول إليها يطرق بابها ففتحت وسقطت مغشيًا عليها فقام بحملها سريعًا وهرول بها إلى أقرب مشفى.
تم عمل الفحص عليها واتضح أنها حالة تسمم ونزلة معوية بسبب الطعام الفاسد، تم غسيل معدتها وتوصيل إبر مغذية لها عبر الوريد.
استعادت وئام قواها وكل هذا كان باسل معها لم يتركها لحظة، خرجا من المشفى وأعادها إلى منزلها ثانية.
"شكرًا يا أستاذ باسل تعبتك معايا."
"على إيه ألف سلامة عليكِ، مش عاوزة مني حاجة؟"
كانت جالسة وئام على الفراش تريد أن تتمدد عليه ولكن تشعر بالإحراج لكون باسل واقفًا، بينما قد تلاعب الشيطان برأسه. سيدة في العشرينات مطلقة وبمفردها ومدانة له بدين أنه أنقذها في الوقت الذي لم يكن معها أحد!
مشط بعينيه جسدها المتعب، تلاعبت الأفكار الشيطانية برأسه. لمَ لا يحظى ببعض الوقت والمتعة والحظ معها، فهي لم تمانع! بالتأكيد هي تريد هذا ولكنها تنتظر منه الخطوة الأولى، دنا منها وأمسكها بقوة يحاول أن يقبلها بالإكراه.
أما عنها.. فقد أصابها الذهول.. ماذا يفعل هذا الأبله؟! ماذا يظن إذًا!! أنني سيدة متساهلة.. يفعل ما يفعله ومتاح طالما قام معي بمعروف أيرده لي هكذا؟!
تحاول دفعه عنها حتى تمكنت من ركلة في بطنه بقوة ليقع على الأرض، فهرولت وقد غالبها الإعياء إلى الخارج غير مرتدية حذاءها.. ومن خارج العقار تهرول بشدة نحو قسم الشرطة وحينما وصلت:
"لو سمحت عاوزة أعمل محضر في جاري.. دخل بيتي واتهجم عليا!!"
`~`~`~
رواية ميكاتوا الفصل العاشر 10 - بقلم نور اسماعيل.
ميكاتو💕 (مطر وردي)
(10)
"والي عبدالحميد"
"إيديا فجيوبي وقلبي طرب، سارح في غربة بس مش مغترب.
وحدي لكن ونسان وماشي كده، وبأبتعد... ما اعرفش... أو بأقترب. وعجبي 'صلاح جاهين'"
_هتسيبي العمارة يا بنتي وتروحي فين؟!
قالها صاحب العقار الذي تقطن فيه وئام أثناء استعدادها للرحيل والذهاب لمكان آخر، فأردفت هي بنبرة حزينة:
_معلش.. كدا هرتاح أكتر.
_طب مش ناوية تروحي القسم تتنازلي عن المحضر؟ بيقولوا بقت قضية يا بنتي.
رفعت وئام نظرها إليه، تنظر نظرة منكسرة إلى الرجل مع قولها:
_أتنازل عن إيه يا عم فاروق! دا دخل بيتي فاكراه بيساعدني اتاريه بيتهجم عليا.
افتكر إيه يا ترى؟! ست ومطلقة وقاعدة وحدها ففاتحة الدنيا عالبحري صح!
هتوافق وهترضى.. خلاص مفيش حد يظن في حد الاحترام؟!
_بس يا بنتي أستاذ باسل ساكن من زمان في العمارة هو ومراته الله يرحمها، ومعملش مشكلة لحد.
وكان في حالة ومحترم.
تحدثت وئام وعيناها في عيني الرجل وقالت منزعجة:
_يعني أنا الغلطانة يا عم فاروق؟ ربنا عالم أن شكوتي في القسم كانت بجد ودخل اتهجم عليا.
زفر الرجل بحرارة وتحدث إليها يرمي لكلامه معنى آخر:
_ماهو بصي يا بنتي، ست ولوحدها وتفتح باب شقتها لجارها الأرمل وقاعد وحده ومش عاوزاه يفهمها غلط.
شعرت وئام بمدى الظلم الواقع عليها من حديث الرجل، بل من حديث المجتمع ككل، ها هي النظرة العقيمة والتي مهما حاولت الدفاع عن نفسها ستبقى الجاني ليس المجني عليه أبدًا.
_أنا معرفش يا عم فاروق إن مراته ميتة، ثم هو جه معايا المستشفى عشان كنت بموت، وجه معايا فمن الذوق سيبته يدخلني البيت لأني كنت تعبانة أوي، وعامة يا عم فاروق.
بعد كدا هاخد بالي وأنا بتعامل مع الناس.. اشوفك على خير.
صمت الرجل فهمت وئام بحمل حقيبتها وهبطت تنظر ناحية باب شقة باسل المغلق، فقد تحول المحضر إلى قضية وعرض أمام النيابة.. وهناك باسل لم ينطق بأكثر مما قال حينما استدعوه،
بأنها تكذب! الشيطان تلاعب برأسه بأن يقوم بتوريطها أكثر وأن يتهمها اتهام ويصبح مقابل اتهامها.. ولكن شيئًا ما بداخله مازال حسن.. جعله يؤثر الصمت.
زادت أمام الحاسوب تعمل بجدية، فطرق الباب لتدلف السكرتيرة الخاصة بها:
_آنسة زاد.. الأستاذ والي عبدالحميد في انتظارك.
رفعت زاد عيناها عن الحاسوب، وتركته لتعود بالمقعد إلى الوراء مع قولها:
_خليه يدخل.
بخطوات ثابتة، هندام مضبوط بالسنتيمتر.. بنطال جينز لونه أسود وقميص أبيض، وجه تزينه اللحية الكثيفة مع الشارب، عينان تتحدثان ثقة وثبات مع ابتسامة خفيفة ومد يده للمصافحة:
_والي عبدالحميد.. مخرج تليفزيوني يا فندم.
مدت زاد يدها للمصافحة مع ابتسامة مجاملة إياه وأردفت:
_أهلاً وسهلاً يا فندم، في ميعادك بالضبط.
هز والي رأسه يمينًا ويسارًا مع نبرة هادئة واثقة:
_يعني حابب تكون دي أكتر حاجة تعبر عني، الالتزام بالمواعيد واحترامها.
أعجبها زاد حديثه المبدئي فعبرت عنه بهزة من رأسها مع قولها:
_طيب قولي إيه هي خطتك، إيه اللي حابب نبدأ نعمله.. إيه الفكرة اللي جت على بالك.
بسط والي يده على المكتب أمامها وأردف قائلًا:
_هقول لحضرتك، بس ممكن شاي أخضر.
انتبهت زاد فاعتذرت عن هذا الخطأ:
_أنا آسفة المفروض من أول ما دخلت أسألك تشرب إيه، ثواني.
ضغطت زاد الزر وطلبت له كوب الشاي الأخضر، ومن ثم بدأ هو بالحديث عن مخططه.
فالخطوط العريضة المرسومة أمامهم أنه برنامج تليفزيوني عن مسابقة، ولابد الخروج عن المألوف.
لا مسابقة تمثيل أو غناء أو إلقاء شعر!
أخرج والي أوراقه، وبدأ في التخطيط معها.. بالقلم يكتب وينتظر ردة فعلها فتردف بعدم الموافقة.
هي تقترح فلم يلق اقتراحها استحسان منه، وعلى هذا المنوال ظلا لساعتين حتى أنهكها هي التفكير فتوقفت لتقول اقتراح آخر:
_طب أنا شايفة بقى إن لازم تدخل من السلطات العليا.
قالتها بعدما وضعت القلم بين شفتيها، فتساءل والي:
_إيه هي السلطات العليا؟!
وبالفعل، ببهو القصر الكبير.. كان ينتظر والي مع زاد حتى أتت الجليسة تقوم بدفع المقعد المتحرك وعليه زكي مطر مبتسمًا، ألقى عليهما التحية وجلس ثلاثتهم.
أخبرت زاد عمها زكي بالموضوع ككل، وأن كل الاقتراحات لم تلق استحسان منهما فتريد إدخاله لعل وعسى حل العقدة عنده!
ابتسم زكي وشبك أصابع يده ببعضهم البعض وأردف لهما:
_عندي فكرة خطرت في بالي وأنتو بتتكلموا وأعتقد متعملتش من قبل وهنلاقي تفاعل عالبرنامج كبير منها.
صوبا كلاهما عينه معه حتى انفرجت شفتا زكي عن الاقتراح:
_مسابقة للثنائيات.. للعشاق، لكل اتنين بيحبوا بعض ومع بعض.
مخطوبين.. متجوزين، بيحبوا بعض ومرتبطين.
مسابقة نقيس بيها مدى حبهم لبعض، والناس تتفاعل مع القصة اللي شايفينها أروع.
ونقط يكسبوها ضد بعض، وفي النهاية فلوس.. مبلغ مالي كبير وعربية موديل السنة في انتظارهم.
ولو مرتبطين أو مخطوبين فرحهم على حساب البرنامج.
ولو متجوزين.. شهر عسل جديد في مكان يختاروه في العالم.. إيه رأيكم!
_يا زيكووو يا حبيييب إيه دا بس!
قالتها زاد في اندفاع ومن ثم انتبهت لوجود المخرج معهم، فاعتدلت في طريقتها وعادت لصوابها قائلة:
_فكرة روعة يا عمو، إيه رأيك يا أستاذ والي.
ابتسم والي وأردف:
_هو بعد يا زييييكو دي فيه كلام! طبعًا موافق وفكرة روعة.
بس فيه سؤال، إيه الحاجة اللي هتخلينا نقبل بالثنائيات دي دون عن غيرهم؟!
_الميكاتو!
نظر كل من زاد ووالي إلى بعضهم البعض متعجبين فأردف زكي:
_قهوة الميكاتو، القهوة دي أنا بحبها لأنها القهوة المفضلة لأغلى إنسانة على قلبي.
الثنائي اللي بيشرب القهوة دي.. يدخل المسابقة.
ابتسم والي ابتسامة جانبية ونظر إلى زاد وصفق بيديه للفكرة العبقرية ككل.
قاوم!
قاوم عشان تقدر تعيش
وسط الظروف الحالكات
الدنيا بتدوس تزنقك
بكوم كبير من المشكلات
بمعنى حرفي أكتر بقول
طرفين معادلة هيضغطوك
مع حبة من الضغط وحاجات
لازم تقاوم كل شيء لو حتى وحدك
لازم تقاوم كل ضغط الأزمات
خطوة وراء خطوة وراء خطوة، كانت روز ستجنّ تريد أن تعثر على ذاك المخبول الذي اختطف منها فرصة كانت تراقبها منذ زمن، حتى سمعت صوته من إحدى المحلات التي تبيع الملابس الجاهزة الرجالي، إثر تحدثه بصوته المميز ولهجته مع أحدهم:
_عتجول بكام الجاكتة دي يا أبو عمو؟!
تنهد البائع بهدوء وأردف متأففًا:
_بـ 3800 جنيه يا فندم.
ابتسم مصعب ابتسامة عريضة مضحكة قائلًا بتلقائية:
_ممعيش كاش بتجبلوا أعضاء بشرية!
نظر إليه العامل بتعجب قائلًا:
_أفندم!!
وهنا دلفت روز وأمسكت مصعب من ياقة قميصه وهي تهتف بصوت عالٍ:
_اسمع بقى عشان أنا زهقت منك أنت طلعتلي من أنهي داهية، بقى أنا روز تبعتني وتاخد أنت العمولة كلها لوحدك وتمشي.
قام مصعب بإنزال يداها من على رقبته بقوة وهو يردف لها:
_اسمعي يا اللي اسمك روزة ولا عدسة أنتِ ولا حتى درة الفشار، أنا ما خدتش فلوس حد ديت فلوسي يا أبلة.
أنا صاحب الموضوع وأنا اللي جبته لحد عندك وجولت نجسم عيش وملح وصلح سوا ماليش دعوة إن حظك معجرب وأيامك المغفلة وعندكيش سنس الفهلوة.
عبست روز بوجهها وكشفت عن أنيابها واقتربت منه تتحدث بلهجة تحذيرية:
_طب بص بقى يا عم الحلو، مش روز اللي يتضحك عليها من واحد بئف أهله لسه شاريين العتبة الخضرا أول إمبارح، حقي وهاخده وفلوسي وهترجع وهوريك.
هنا، فارت الدماء بعروقه فقام بتكوير قبضة يده ووضعها أمام وجهه وأردف:
_كلمة كماني وأدفنك مكانك، وأقسم بالله ما أسمعك عتتريقِ عالصعايدة وعلى بلادي يا مرا من غير خشا ولا حيا لاتكون آخر حروف طلعت من خشمك دي، ولولا إنك مرا في الآخر كنت عرفتك مجامك.
نظرت روز بعمق بعيناه وأردفت متحدية إياه:
_هنشوف.
يا ذاك الصغير الذي يقع في أسفل اليسار، يا عزيزي القلب لا تنصدم بالحب كثيرًا، فهو كالقهوة لكي تتذوق حلوه عليك تذوق مرارته، وإذا تعاملت معه بحرص فيكفي لك كتابة فيض من الكلمات، فلا تفرط بمشاعرك يا عزيزي حتى لا تنصدم بحائط صخري يحطمك!
رائد وقلبه الذي لا يهدأ.. يفكر بـ مايا حد الجنون ولكن لا يستطيع تغيير طباعه التي تنفر هي منها، ماذا يفعل كي يجلبها إلى حياته مرة ثانية.. يعيدها إلى مكانها مرة أخرى، مكانها الذي لم يحتله أحد غيرها من بعدها.
فكر أن يقوم بنفس الشيء الذي تقوم هي به، ويرى ردة فعلها وبناء عليه سيعلم هل مازالت تحبه أم لا..
_صباح الخير.. حابب أقول إن محاضرة النهاردة أكتر مرة كنت مرتاح فيها وأكتر مرة شرحت وكأني بكلم نفسي، تقدروا تحجزوا السيشن عالفون الواضح في الستوري وهنتظركم.
هنتكلم في مواضيع كتير بتهم الشباب والبنات..
رأت مايا المقطع المرئي الذي وضعه رائد على حسابه بالفيس بوك، جن جنونها!
يقف وخلفه فتاة جميلة للغاية وبعض من الشباب خلفهم، يقول إنه يوم رائع! بالتأكيد يقصد هذه الفتاة.
فرائد ليس من عهده هذه الأشياء، اشتعلت نار الغيرة بصدرها.
وبدا هذا واضح على حركة ساقها مع قضمها لأظافرها ففكرت ماذا تفعل..
نهضت وارتدت ثيابًا أنيقة كعادتها، لفت وشاحها.. وضعت أحمر الشفاه الوردي.
ذهبت إلى مكان محاضرات رائد، حجزت حضور المحاضرة القادمة وانتظرت..
وحينما دلف رائد اتسعت بسمته، فبداية طرف الخطة من الواضح أنه قد نجح.
قام رائد بالشرح ولم يعطها اهتمام كعادته داخل المحاضرة، فكانت نظراته موزعة بالتساوي على الجميع وكان يركز ذهنه على الشرح فقط.
انتهى، فرحل الجميع ووقفت هي بجانبه، فتصنع هو أنه يجري اتصالًا ما بأحدهم، فأوقفته هي:
_ إيه هوا أنا مش شايفني؟
حاول رائد التماسك وأردف لها بثبات:
_ لاء طبعًا شايفك، ونورتِ القاعة زيادة عن كل يوم.
_ أومال إيه شايفاك مشغول؟
قالتها بنبرة تتقطر غيرة، فأكمل رائد على نفس الوضع وهو مشغول بإجراء المكالمة:
_ أصل بكلم ميريت مجاتش النهاردة السيشن، فبشوف فيه إيه.
رفعت مايا حاجبها وهي تحرك لسانها داخل شفتيها المغلقتين مع قولها بنبرة متهكمة:
_ مممم... وأنت كل مرة بتكلم الناس اللي بتحجز عندك ليه اتأخروا؟ ولا ميريت دي حالة خاصة؟ أظن هي اللي كانت واقفة جنبك في الستوري صح؟!
لم يُجبها رائد وتصنع الانشغال، فحملت حقيبتها وهرولت منزعجة:
_ أوك أنا همشي، سلام.
أوقفها رائد ممسكًا ذراعها، وعلى وجهه بداية ابتسامة مردفًا لها:
_ فيه إيه يا مايا؟
_ لاء مفيش حاجة خالص، مش مديني اهتمام من ساعة ما جيت وبتتكلم في الفون وبسألك مش بترد، فهفضل ليه؟ همشي.
ظل محدقًا بها مبتسمًا مع تصويب عيناه بمقلتيها، فقالت هي:
_ عايزة أمشي يا رائد، وروح كلم ميريت بتاعتك ولا إيليت.
_ دي غيرة يا مايا؟! أنتِ لسه بتغيري عليّا؟!
_ سيب إيدي عايزة أمشي يا رائد.
_ مش هتمشي غير لما تجاوبي عليا.
مطت مايا شفتيها وعبست بوجهها وأردفت له:
_ طبيعي يا رائد، أنا اتعودت إنك مش بتهتم بحد غيري أبدًا.
ضحك رائد ضحكة انتصار وقلبه دق فرحًا، فأردف إليها:
_ والله العظيم لسه بحبك، ولا في ميريت ولا بطيخ، أنا كنت عايز أشوفك، أنتِ لسه بتحبيني يا مايا؟! انطقيها بقى نشفتِ ريقي.
ضحكت مايا مع تخبئة عيناها ووجهها منه، فلامس هو ذقنها ليعيد نظرها إليه وأردف:
_ مش هنبعد تاني، هروح البيت بسرعة أجيب الدبل ونلبسهم تاني وتبلغي عمو وطنط إننا رجعنا، سامعة؟
ابتسمت مايا وعانقته، أي أنها أعطته إشارة الموافقة من دون أن تنطق.
***
أطباق الملفوف والباذنجان المحشي والحمام والرقاق باللحم المفروم وصحن الملوخية الساخن والسلطات على الطاولة أمام نبيل في صحبة والد ووالدة ديانا، فقد قاموا بدعوته على طعام العشاء ولبى الدعوة.
_ إيه رأيك؟
_ صدقيني يا طنط رغم إني شيف بس الأكل رائع، تسلم إيدك.
رفعت السيدة شفتها العلوية وقالت معترضة:
_ وأنت مالك أنت؟ ما بكلمكش أنت، أنا بكلم جوزي حبيبي، إيه رأيك يا رأفت؟
_ وبعدين يا إيزابيل ما تقوليش كدا عيب.
ابتسم نبيل وأردف له:
_ شكرًا يا عمو إنك دافعت عني، أنا فاكرها بتكلمني أنا، شوف ردت عليا إزاي.
التفت إليه الرجل بنظرة مندهشة مع قوله:
_ أنا ما بكلمهاش عنك، أنا بقولها عيب تسأل وهي أصلًا بتعمل كل حاجة حلوة.
_ طب أقوم أمشي أنا أو أنط من الشباك.
نهض نبيل فأجلسته ديانا ضاحكة وفمها مملوء بالطعام مع قولها:
_ شايف بابا وماما بيحبوا بعض إزاي يا نبيل، اتعلم من جوز عصافير الكناريا دول.
وضعت قطعة من الملفوف بفمه فأخذ يمضغها ممتعضًا مع قوله لها:
_ جوز الكناريا حدفوني لبعض تهزيق يا بنت الكناريا.
_ كُل كُل، غلطتك من الأول عشان اتدخلت أثناء أنشودة حبهم لبعض.
صمت الجميع ولا يوجد صوت سوى طرق الملاعق بالصحون فقط، ففك والد ديانا حصار الصمت قائلًا:
_ وأنت مش شايف يا حضرة الشيف إن آن الأوان نشوف إمتى تحديد الإكليل ولا فيه مانع؟
_ ما أنا بقول أقوم وأنتِ ماسكاني.
قالها نبيل ناهضًا فأجلسته ديانا ثانية مردفة له:
_ يوووه يا نبيل مش كل شوية تقوم، عايزة أكل.
_ أنتِ المهم عندك الأكل ومش مهم جايباني هنا يشطفوني بميه وملح؟
نظرت والدة ديانا له وقالت بصرامة بعدما ابتلعت الطعام:
_ أظن سنتين كفاية يا نبيل، شد حيلك العيلة بدأت تتكلم.
نظر نبيل لها ونظر حوله مع قوله:
_ بتكلمني أنا ولا تقصد حد تاني وهتهزق؟
أشارت ديانا أن الحديث موجه له بالشوكة وفمها مملوء طعام، فتنحنح نبيل وأردف:
_ لسه الظروف مش سامحة يا طنط، الشقق ضاربة في العالي والإيجار الجديد فكرة مش حلوة، وكل اللي معايا يجيب العفش بس ونبقى نأجر العروسة.
قالها مبتسمًا فوجدهم ينظرون جميعًا له بحنق دون أن يتحدثوا، فتنحنح ثانية وقال:
_ صدقيني يا طنط أنا بحاول وحاولوا تصلوا ليّا وليها إننا نتجوز قبل ما نبقى عرايس السماء.
لكمته ديانا بقبضة يدها في ذراعه وقالت:
_ بعد الشر بسم الصليب أنت إيه، كتلة بؤس متحركة.
صمت الجميع فتحدث والد ديانا:
_ بص يا نبيل، إن ما وضعتش حد للخطوبة الطويلة دي أنا هفسخها لأن ببساطة ديانا جاي ليها عريس مناسب.
_ جوزوها.
قالها نبيل دون النظر لهم وهو ينظر إلى صحنه ويتناول طعامه، فقامت ديانا بقرص ذراعه فتأوه وقالت:
_ لاء طبعًا إيه اللي حضرتك بتقوله دا يا بابا؟ أنا بحب نبيل وهفضل معاه لآخر عمري.
قالتها بأداء زائد عن حده وكأنها تقف أمام كاميرا تصوير، فنظر لها نبيل ساكن الفم وبداخله الطعام فاغرًا فاهه فقال لها والدها:
_ الموضوع منتهي، يا يتحرك وياخد خطوة يا أنا هنهي الموضوع بمعرفتي.
نهض والدها ووالدتها فنظر نبيل ناحية ديانا وجدها تأكل بنهم شديد فأردف لها:
_ مش هتقومي وراهم؟ مش خلص الاجتماع؟ آااه أنتِ مش هنا أنتِ في المخلل! لاء معاكِ ربنا.
***
سلمت عزة شال مشغول من صنع يدها بخيوط الصوف الكروشيه إلى الفتاة وأعطتها المبلغ المطلوب مبتسمة بعدما شكرتها وأخبرتها ببعض الجمل المعهودة بأنها فنانة والشال جميل جدًا وقد نال استحسانها.
دقائق وأتتها مكالمة من جارتها تريدها أن تتحدث إلى ابنتها المنهارة بكاءً، من الواضح أنها قصة حب وفشلت، فهذه الفتاة تعامل عزة كوالدتها نظرًا لعدم إنجابها أطفال وتتحدث إليها في كل أمور حياتها. هدأت عزة من روعها وتحدثت لها بهدوء:
_ يا نهى، أنا قلت لك قوليله قبل ما تقول كلمة بحبك شوف نفسك، هتتحمل، هتكمل، هتسند، هتحترم، هتهتم، هتحتوي، ما تدخلش تبوظ حياة حد وتمشي، حياة الناس مش لعبة! أديكِ شايفة قصي معايا، الحب أفعال مش كلام بس يا نهى، أرجوكِ خدي بالك يا حبيبتي، مش أي حد نسلمه مشاعرنا، مش أي حد نفصفص له بحياتنا وبخباياها، وقلت لك من الأول الولد دا بيلعب.
كان صوت بكاء الفتاة يمزق القلب، حزنت عزة كثيرًا لحالها وإثر تحدثها لها وجدت رقم هاتف غريب عنها يتصل، فأخبرت نهى بأن عليها الرد وأنها ستتصل بها في أقرب وقت ممكن.
_ ألو...
_ مدام عزة؟
_ أيوه حضرتك.
_ أنا ما أعرفكيش وأنتِ ما تعرفينيش بس عايزة أقول لك خدي بالك، جوزك متجوز عليكِ ومخلف، اصحي من النوم في العسل بقى.
شهقت عزة مع صرختها بالهاتف:
_ قصي جوزي!
الفلوس هي اللي بتهدي الأعصاب إنما الليمون ده تعصره على خيبتك!