الفصل 1 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
32
كلمة
3,797
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

قبل سنتين من الآن .........

اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي.

أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منهم ليهتف له بحدة: _إيه اللي بيحصل ده في إيه؟ توقف الشاب مجبرًا ليجيبه على عجالة حتى يلحق بالبقية: _الدنيا والعة عند بيت خليل صفوان. زاد اتساع عيناه والصدمة تعتلي معالم وجهه بالكامل ليصيح به بغضب: _وإيه الشوم والساكنين اللي في يدكم دي وطالعين بيها من البيت؟ رد عليه الشاب متعجلًا بعد أن حرر ذراعه من قبضته: _عم عبد العزيز وبشار وبلال هما اللي طلبوا منينا.. باينله هيبقى دم للركب.

تصلب بأرضه للحظات بعد ركض ذلك الشاب نحو الشارع الخلفي تحديدًا أمام منزل عائلة خليل صفوان. ولكن دهشته لم تدم حيث أسرع ركضًا خلفه ليرى بعينه ما الذي حدث. لكن انفرجت شفتيه بصدمة حين رأى الاشتباك العنيف بين العائلتين، عائلته وعائلة خليل صفوان. والتقطت عيناه الدماء التي تسيل من بعض الشباب نتيجة الصراع بالأسلحة والعصا وأهل المنطقة والجيران بعضهم يقف يشاهد تلك المجزرة من بعيد منذهلًا دون أن يتجرأ على التدخل والبعض الآخر يقف بنوافذ منازله من الأعلى!

لمح بعيناه أخيه الصغير وهو يتشاجر مع شاب يتدخل في الشجار لصالح عائلة صفوان وذلك الشاب يمسك بيده سلاح أبيض ويحاول طعنه به فصاح بصوته الجهوري: _بـــلال! وبظرف لحظة كان يهرول ركضًا نحو أخيه ويمسك بذلك الشاب ثم يوجه له لكمه عنيفة أبرحته أرضًا نظرًا لفرق البنية والقوة التي بينهم. ثم جذب السكين من يده والتفت تجاه أخيه يهتف بعصبية وعدم فهم: _إيه اللي بيحصل ده يا بلال؟ بلال بنظرة نارية تنضج بالشر والغضب:

_الحرب ابتدت ياخوي.. وياقاتل يامقتول.. ناس خليل صفوان ابتدوا الخيانة وهما اللي حطو البودرة في السمك عشان يلبسوها فينا وكلنا نروح فطيس.

وكأن الصدمات كانت من نصيبه هو بذلك اليوم حيث طالت نظراته المندهشة لأخيه. لكن سرعان ما تحولت لأخرى ملتهبة تنبض بالانتقام مثل أخيه وبقية عائلته والتفت للخلف يتابع ما يحدث أمام عيناه من قتال بين الجميع. وقبل أن يخطو خطوة للأمام حتى ينضم لعائلته ليثأر لحقهم رأى شاب يقربه بالعمر يرفع سلاحه الناري ويصوبه باتجاه خليل صفوان ويطلق النيران لتستقر الرصاصة بجسده الهزل. فيسقط الرجل على الأرض وتتعالى معه نواح النساء وصياح أبنائه ورجال عائلته وهم يركضون نحوه. أما ذلك الشاب الذي أطلق النيران فر هاربًا بلحظتها بعد أن وثب فوق دراجته النارية.

ولم تمر سوى دقائق قليلة حتى بدأت سيارات الشرطة تصطف بالشارع و....... استفاق من شروده على صوت أمه وهي تهتف له باسمة: _صباح الخير ياولدي. التفت لها وبادلها الابتسامة وهو يجيبها: _صباح النور ياما. تفحصته إخلاص بنظرها وسألت بتعجب: _لابس خلچاتك وجاهز.. على فين إكده من صباحية ربنا؟ تنهد الصعداء ورد بصوت رجولي غليظ: _ما أنتي عارفة الشغل مش بيتقله لا في أي وقت. هزت رأسها بتفهم هامسة:

_ربنا ينورلك طريقك ياولدي.. قوم يلا عشان نفطر، الفطار چاهز وكله چوا بيفطر. استقام واقفًا وانحنى على رأس أمه يقبلها بحنو هامسًا: _مليش نفس افطروا أنتوا أنا يدوب الحق اشوف الشغل اللي ورايا وقولي لبشار يحصلني على هناك. اعترضت بضيق تجيبه في دفء أمومي: _هتطلع على لحم بطنك.. كُل لقمة حتى ياولدي. تمتم بابتسامة خافتة: _مش جعان والله ياما. انهى عبارته ولم ينتظر ردها بل اندفع يقود خطواته لخارج المنزل لكنها

اوقفته بصوتها المرتفع: _عمران! توقف واستدار لها برأسه لتبتسم له وتقول باهتمام: _خد بالك من نفسك. لقد اعتاد على تلك العبارة منذ الحادثة المشهورة التي وقعت قبل سنتين ومازالت تداعياتها مستمرة حتى الآن. ابتسم لأمه بعدم حيلة ورد بصوت أجش: _حاضر ياما متقلقيش. ثم استدار وأكمل طريقه لخارج المنزل بينما إخلاص فظلت تتابع ابنها ونجلها الوحيد وهو يختفي من أمام نظراتها داعية ربها أن يحفظه لها من كل شر..........

داخل منزل خليل صفوان ....... بالطابق الثاني تحديدًا داخل إحدى الغرف الواسعة التي تضم فراشًا متوسط الحجم وخزانة صغيرة ومقعدًا هزاز بأحد زوايا الغرف. أما الحوائط فكانت بيضاء تمامًا كالثلج. تلك هي الغرفة الأفضل والأكبر بالمنزل كله ولم تتمكن أي فتاة من العائلة الحصول على غرفة مثلها. فغالبًا الغرف الكبيرة والمميزة تكون من نصيب الرجال فقط ولا سيما إذا كان متزوجًا.

توقفت أمام المرآة تلقي النظرة الأخيرة على مظهرها وهي بتلك العباءة المنزلية ذات اللون الأزرق ومطرزة بخيوط بيضاء عند الصدر وفي الأسفل بأشكال فرعونية مميزة. رفعت يديها ترفع شعرها الغزير والحريري لأعلى وتثبته بمشبك أسود ثم تلتقط حجابها من نفس لون العباءة وتلفه حول شعرها بإتقان وحرص على عدم ظهور شعرة واحدة منه.

وبينما كانت على وشك الاستدارة والرحيل سقطت عيناها على الصورة الموضوعة داخل إطار صغير فوق المنضدة الصغيرة. تجهّم وجهها بحزن وحسرة لتمد اناملها وتلتقط الإطار ثم تتحرك به وتجلس فوق الفراش وهي تتأمل الصورة بعينان دامعة وتهمس في حرقة: _اتوحشتك قوي يابوي. منه لله اللي كان السبب. انهمرت عبراتها واحدة تلو الأخرى بشوق وألم لكن سرعان ما لمعت عيناها بوميض مخيف ينضج بالشر والثأر وهي تهتف:

_حقك مش هنسيبه حتى لو كان فيها قتلهم كلهم واحد واحد.. النار اللي چوانا مش هتطفي ولا تهدي غير لما يتحرق قلبهم كيف ما حرقوا قلبنا عليك. ثم تابعت بعينان ملتهبة كجمرة من النيران: _هانت يابوي هانت.. قريب قوي هناخد تارك وعزاك. كفكفت دموعها بظهر يدها واستقامت بكل صلابة واقفة ثم اتجهت نحو طاولة مكياجها ووضعت الصورة بمكانها لتسدير بعدها وتغادر غرفتها بأكملها.

نزلت درجات الدرج بقسمات وجه جامدة وكأنها لم تكن تبكي منذ قليل وتتوعد بالانتقام لثأر أبيها!! عند وصولها لآخر درجات السلم التقت عيناها بعيني ابنة عمها "خلود" فاكتفت بإرسال بسمة متكلفة لها وعبرت من أمامها دون أن تلقي بتحية الصباح حتى عليها. مما دفع الأخرى لرمقها بنظرة متعالية ومغتاظة. توقفت أمام غرفة الجلوس الخاصة بجدها وطرقت الباب عدة طرقات خفيفة لتسمع صوت عمها من الداخل وهو يهتف بقوة: _ادخل.

فتحت الباب بأدب ودخلت لتقابل وجه جدها وعمها بابتسامة عذبة ثم تتقدم أولًا من جدها وتنحنى علي يده تقبل ظاهرها باحترام هامسة: _صباح الخير ياجدي.. اخبار صحتك إيه دلوقتي؟ ربت حمزة على رأسها بلطف هاتفًا في حنو: _نحمده ونشكره يابتي. ابتسمت له بحب ثم التفتت نحو عمها واقتربت منه لتنحني على كف يده تقبل ظاهره بالمثل هاتفة: _صباح الخير ياعمي. أجابها منصور باسمًا: _صباح النور ياحبيبة عمك.

استدارت برأسها للجانب لترى ابن عمها "علي" يشارك أبيه وجده الجلسة الصباحية فالقت عليه التحية بالمثل في ابتسامة خافتة. ثم استدارت وقادت خطواتها لخارج الغرفة لكن قبل أن تفتح الباب وتنصرف سمعت عبارة عمها وهو يقول بغضب دفين: _قولت إيه يابوي في موضوع الصلح ده؟ اوعاك تقولي إنك موافق! تصلبت بأرضها مندهشة على أثر كلمة عمها (صلح) ولم تتمكن من تمالك نفسها حيث استدارت بجسدها كليًا لهم وسألت بعينان نارية: _صلح إيه ده!!

خرج صوت منصور الرجولي وهو يلقي عليها أوامر بحدة: _ملكيش صالح بالكلام ده.. روحي على المطبخ ساعدي أمك وخلود ومرات عمك في الفطور يلا. لم تكترث للهجة وأوامر عمها بل تحدثت بكل قوة وشجاعة: _أنتوا ناوين تعملوا صلح معاهم؟ طب وحق أبويا!! حق ولدك يا چدي! خرجت صيحة مرعبة من حمزة الذي صاح بها منفعلًا: _هنعيدو ونزيدو في الكلام ولا إيه عمك قالك ملكيش صالح بالحديت ده.. من ميتا الحريم بتدخل في كلام الرچالة.

ابتلعت بقية عباراتها في فمها ولم تتمكن من استرسال الحديث بعد صيحة جدها بها فأجابت مجبرة وهي تشتعل من داخلها: _حاضر ياچدي. ولم تلبث لحظة أخرى حيث التفتت تندفع لخارج الغرفة وهي تصفع الباب خلفها بعنف ونيران الغضب والثأر بثناياها تزداد اشتعالًا....... بين جدران غرفة أخرى داخل منزل خليل صفوان .......

تساعد ابنها الأصغر ذو الست سنوات في ارتداء قميصه الأبيض وغلق أزراره حتى لا يتأخر على دوامه اليومي. بينما نجلها الأكبر كان يجلس على أحد المقاعد يرتدي حذائه بمفرده. التفتت فريال بنظرها نحوه وهتفت بحنو: _لبست جزمتك يا معاذ؟ أجابها معاذ الذي يبلغ من العمر عشر سنوات: _أيوة يا ماما، خلصت. أومأت له بالإيجاب، ثم التفتت برأسها نحو ابنها الصغير تحدثه بعدما انتهت من مساعدته في ارتداء قميصه:

_يلا يا عمار، روح البس جزمتك انت كمان، أحسن تتأخروا على المدرسة. أخوك معاه امتحان. هز رأسه بالموافقة وهرول نحو الكومود، يفتح بابه ويجذب حذائه الرياضي الصغير من داخله، ثم يتوجه نحو الفراش يجلس بجوار أمه ويبدأ في ارتدائه بمفرده. توقفت هي وتقدمت نحو ابنها الأكبر تقف أمامه، ثم تمد يديها للياقة قميصه تضبطها له، هاتفة باهتمام وقلق أمومي: _فاكر اللي ذكرناه امبارح يا معاذ؟ أجابها بإيجاب في ثقة:

_فاكر يا ماما، اطمني. بعدين ده امتحان شهر، يعني مش آخر السنة. ظهر الاحتدام على محياها لتجيبه بحدة: _وإيه يعني امتحان شهر؟ اسمه امتحان ولا لأ! أجاب على أمه بنفاذ صبر وخنق: _حاضر يا ماما، حاضر. لانت حدة ملامحها وابتسمت له بحنو أمومي، قبل أن تميل برأسها قليلاً بسبب طول جسده حيث يصل لصدرها، ولثمت شعره بلطف هامسة: _ربنا ييسر لك الامتحان يا حبيبي.. خد بالك من أخوك وانتوا بتعدوا الشارع.

تنهد الصعداء بنفاذ صبر من تعليمات أمه التي لا تنتهي، وقال موجهًا حديثه لأخيه الصغير: _يلا يا عمار. تابعته وهو يتحدث لأخيه ويلملم أدواته المدرسية داخل حقيبته، فابتسمت بحنو، هو تمامًا نسخة مصغرة من أبيه بكل شيء، حتى أن تصرفاته تشبهه وكأنه رجل وليس طفل. انتهى معاذ من ارتداء حذائه واستقام واقفًا يجذب حقيبة مدرسته ويسير مع أخيه لخارج الغرفة، لكن معاذ توقف عند الباب والتفت برأسه لأمه يهتف:

_إحنا هنعدي على جدي وجدتي وخالي عمران واحنا راجعين من المدرسة يا ماما. هزت رأسها بالموافقة لهم متمتمة: _طيب. ابتسموا لها بحب، ثم التفتوا بجسدهم وغادروا، فتنهدت هي براحة، ومدت يدها تلتقط حجاب شعرها تلفه جيدًا حوله، ثم غادرت هي أيضًا غرفتها تقصد المطبخ بالطابق الأول. *** زاد اجتماعهم الصباحي فردًا للتو، وكان يجلس ساكنًا يتابع انفعالات عمه وهو يهتف بغضب في جده:

_على جثتي يا أبويا أحط يدي في يدهم من تاني. حق أخويا اللي اتقتل غدر مش هسيبه. حمزة بعصبية من محاولة ابنه لعدم تنفيذ أوامره: _وأنا كلامي خلص يا منصور، وقولت الصلح ده هيتم. تحدث علي بلهجة مهذبة لكنها تحمل الضيق: _عاوزنا ندخلهم بيتنا كيف وننسى كل حاجة يا جدي؟ حمزة بلهجة رجولية صارمة: _أنا مجبتش سيرة النسيان. واوعاكم تنسوا أن خليل ده ولدي.

كان منصور يترنح في جلسته وهو يشتعل من العصبية، بينما علي فنظر لابن عمه الجالس بكل هدوء يتابعهم بنظرات جامدة، وسأله بخنق كأنه ينتظر منه الاعتراض بدوره على أوامر جدهم: _ساكت إكده ليه يا جلال؟ ما تقول كلمة؟ أطلق جلال زفيرًا حارًا من بين شفتيه، ثم انتصب في جلسته وتمتم بتأيد لرأي جده: _جدي عنده حق. الصلح أحسن حل دلوقتي. وثب منصور واقفًا يصيح بعصبية:

_لا انتوا معدش فيكم عقل واصل. أنا مش هحضر الصلح ده، اعتبرني موت يا أبويا مع خليل. أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة ليسمع صيحة أبيه الجادة: _هتحضر يا منصور، غصبن عنك. وكلمتي مش هتنيها، سامع ولا لأ؟ كان جلال ينقل نظره بينهم بعينان مظلمة، هو ليس راضيًا عن ما يسمى بالصلح، لكنه أفضل قرار الآن حتى يتسنى له الانتقام لثأر أبيه بكل هدوء. *** داخل المطبخ...

كانت آسيا تجلس على مقعد حول طاولة المطبخ الصغيرة، وقدماها ترتعش بعنف أسفل الطاولة من فرط غضبها. كلما تتذكر حديث عمها وجدها بالغرفة ومنعهم لها من التدخل. كان المطبخ فارغًا ولم يتبقى به سواها بعد أن خرج الجميع ليتناول طعام الإفطار، وإذا بها ترى فريال وهي تنضم إليها بالمطبخ، فتلونت عيناها بحمرة الغضب وظلت تتابعها بنظراتها النارية، لو كان بإمكان النظرات الحرق لحرقتها بأرضها.

كانت فريال تلتفت بين آن وآخر باستغراب من نظراتها لها، ولم ترغب في أن تسألها بالبداية بسبب علاقتهم السيئة، لكن نظراتها كانت غريبة لها، فسألت دون أن تنظر لها: _مالك يا آسيا بتبصيلي إكده ليه؟ رمقتها بنظرة مميتة وهي تهمس بصوت مريب: _وإنتي مالك؟ ولا سيادتك هتقوليلي أبص كيف ومبصش كيف في بيتي؟ تنهدت فريال بخنق لتجيبها بثبات دون أن تلتفت لها: _زي ما هو بيتك فهو بيتي أنا كمان، ولا إيه!

ابتسمت آسيا ساخرة واستقامت واقفة كالأسد المتربص، ثم تقدمت إليها لتقف خلفها وتهتف بصوت يحمل من القوة ما يليق بها: _لا ده مش بيتك، ده بيت خليل صفوان وأخويا اللي هيطلقك. إنتي احمدي ربك أنه لسه مخلّيكي في بيته وعلى ذمته بعد ما أبوكي وأخوكي قتلوا أبويا. كانت فريال تقف أمامها بكل ثبات وشجاعة دون أي خوف، رغم هيبة وقوة آسيا التي لا مثيل لها: _أبويا وأخويا مالهمش صالح ومقتلوش عمي خليل. ضحكت آسيا عاليًا باستهزاء لتجيبها

مازحة بنظرة ملتهبة: _صح!! أمال مين اللي قتله جلال؟ لوت فريال فمها بنفاذ صبر وردت عليها بخنق: _أنا مفضياش لحديتك الماسخ ده يا آسيا، اللي فيا مكفيني أصلًا. لم تنطفئ نار غضبها حتى الآن، حيث تابعت بحرقة وغضب: _تقتلوا القتيل وعاوزين تمشوا في جنازته.. بس ورحمة أبويا ما هيتم الصلح ده، وقريب قوي قلبكم هيتكوي على أبوكم وأخوكم كيف ما كويتوا قلبنا على أبونا.

التفتت لها فريال برأسها وتابعتها بنظرها وهي تندفع لخارج المطبخ كالبركان، لتتنهد الصعداء بضيق، فقد نجحت ككل مرة في تعكير مزاجها. *** داخل منزل إبراهيم الصاوي... بتمام الساعة التاسعة مساءً داخل غرفة الصالون الواسعة، كان إبراهيم يجلس فوق الأريكة يحدق في الفراغ أمامه بشرود ينتظر وصول ابنه. ولم يلبث دقائق حتى وجد باب الغرفة ينفتح ويدخل عمران وهو يرتدي (قفطان) صعيدي أبيض، ثم يتقدم ليجلس على مقعد مقابل لأبيه

ويهتف بصوت رجولي غليظ: _لساتك (لسه) مصمم على الصلح ده يا أبويا؟ إبراهيم بجدية تامة: _بزيادة مشاكل ودم يا ولدي. اللي قتل خليل صفوان هربان ومعرفينش ليه طريق جرة، وطول ما إحنا مكملين في العداوة دي إكده هنثبت إن لينا يد في قتل خليل. التهبت نظرات عمران ليهتف بغضب ونبرة مخيفة: _وأنت يهمك في إيه تثبت ليهم إننا ملناش يد في قتله؟ إحنا عارفين زين إننا مقتلناش حد. تابع إبراهيم بكل رزانة وهدوء رغم غضب ابنه:

_وهما ناس خليل صفوان يا ولدي، هيسكتوا عن حقهم! أنا خايف عليك عشان إكده بقولك الصلح خير للكل. ابتسم عمران بثقة وهدر بقوة: _متخافش عليا، أنت مخلف راجل مش عيل صغير. سكت للحظة ثم تابع بغضب حقيقي: _هما اللي بدأوا الغدر من البداية لما حطولنا البودرة في السمك، ولما خليل اتقتل قالوا إحنا اللي عملناها!! زفر إبراهيم بقوة وقال بعدم حيلة: _يا عمران يا ولدي، اسمع الكلام زين وافهمني.

طالت نظرات عمران الدقيقة لوالده، وكأنه يحاول التوغل لعقله وفهم ما يدور بداخله، فقست نظراته وهو يميل للأمام قليلًا يستند بساعديه على فخذيه هاتفًا: _إنت خايف إكده ليه يا أبويا وشاغل بالك بيهم وبالصلح ده؟ اللي اعرفه عنك إنك مبتكسرش عن حقك، وهما غلطوا في حقنا واحنا مقتلناش حد، فيك إيه عاد؟ بدأ الانزعاج يظهر على وجه إبراهيم الذي هتف بصرامة:

_فيا إني قولتلك خايف عليك إنت وأخوك وواد عمك. هما مفهمينش إننا مقتلنهوش ومش هيرتاحوا غير لما ياخدوا حقهم، لكن الصلح هينهي كل ده. التزم الصمت مرغمًا وهو يتأفف بصوت مرتفع في خنق، ليجد أبيه يتابع بنبرة جادة: _أنا كلمت حمزة صفوان وبكرا هنروح عندهم وهنعمل قعدة عرب ونفضوا العداوة دي. استمرت نظرات عمران المستاءة إلى أبيه دون أن يتفوه ببنت كلمة على ما قاله، وكأن إبراهيم فهم وأدرك ما يدور بعقله ولا يتفوه به، فرد عليه

يمنعه من مجرد التفكير: _عمك وبشار وبلال هييجوا معايا، وأنت كمان هتيجي يا عمران. مازال الصمت هو سيد الموقف، وكأن بصمته يجيب على أبيه بردوده المفحمة، استقام واقفًا فجأة وهتف بصوت رجولي غليظ: _تصبح على خير يا أبويا. أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة ليقابل أمه أمامه التي ابتسمت له وسألته باهتمام: _أحضرلك العشا يا ولدي؟ رد بإيجاز في نبرة مريبة والغضب يشتعل في عيناه: _مش عاوز.

تابعته إخلاص وهو يتجه للدرج يصعد للأعلى حيث غرفته بنظرات تعجب وضيق، ثم التفتت ودخلت الغرفة حيث يجلس زوجها بالداخل. *** بين زوايا غرفة آسيا بمنزل خليل صفوان... تجلس قبالتها أمها على الفراش وتهتف بنبرة حازمة: _إنتي مفكرة إني راضية عن الصلح ده يعني! آسيا بعصبية شديدة: _أمال ساكتة ليه يا ماما؟ متكلمتيش مع جلال وجدي ليه؟ صاحت جليلة بقوة: _ده كلام رجالة وإنتي عارفة إن مفيش ست تقدر تتدخل فيه. هعمل إيه يعني!

لوت آسيا فمها بعدم تصديق وهدرت تجيب على أمها مستنكرة خضوعها وضعفها: _إنتي اللي بتقولي إكده يا حاجة جليلة! راحت فين جليلة اللي بكلمة واحدة منها الكل بيمشي ألف؟ لاح شبه ابتسامة مريرة على ثغر جليلة التي ردت بألم وانكسار: _كان زمان يا بتي قبل ما يكسروا ضهري ويقتلوا أبوكي. أنا كنت بتحامى وأفرد جناحاتي على الكل عشان عارفة إن أبوكي في ضهري. مالت آسيا على أمها وهمست بنظرة قوية:

_إنتي اللي علمتيني مأسيبش حقي أصلًا. اتعلمت القوة والجبروت منك وعشان إكده لازم متتنازليش عن حق أبويا. ولو خليل صفوان مات ففي اللي من لحمه ودمه، ولدك هو ضهرك وحماكي. تنهدت جليلة بحزن وردت بعدم حيلة في عينان دامعة: _الدم مبيخلصش يا بتي. وأنا مش حمل فراق تاني، معدش باقيلي غير إنتي وأخوكي.

التهبت نظرات آسيا وهي تطيل النظر بأمها، ولم تشعر بتلك العبرات الحارقة التي تجمعت بعينيها تتصارع على السقوط، وإذا بها تثب واقفة تصرخ بأمها في وجع وصوت ينبع من صميمها ممزوجًا بدموعها التي تنهمر بغزارة فوق وجنتيها: _محدش فيكم حاسس بالنار اللي في قلبي. كلكم نسيتوا حق أبويا وعاوزين تردموا دمه اللي مبردش تحت التراب. عملهم إيه عشان يغدروا بيه ويقتلوه؟

ده كان بيقول إبراهيم الصاوي ده أخويا وعياله زي عيالي. كان بيشيل فريال من على الأرض شيل ويقول دي بنت الغالي، وعمران كان بيعتبره كيف جلال بالظبط. حتى في عز الخناقة كان بيحاول يلم الموضوع ويحجز بين عياله وعيال إبراهيم. وهما عملوا إيه! قتلوه بدم بارد. توقفت جليلة واقتربت من ابنتها ثم ضمتها لصدرها، تربت على شعرها بحنو، هامسة في صوت باكي: _ربنا ينتقم منهم يابتي. انهارت باكية بين ذراعين أمها وهي تهتف بصوت مبحوح:

_كان حنين على الكل ياما وعمره ما أذى حد.. ليه عملوا إكده فيه! سالت دموع جليلة فوق وجنتيها وهي تحتضن ابنتها وتشاركها في البكاء بصمت. بقت آسيا داخل نوبة بكائها العنيفة بين ذراعين أمها حتى توقفت بعد دقائق. ابتعدت عنها بقوة ثم رفعت أناملها وكفكفت دموعها بقوة، ورمقت أمها بشراسة لتقول بعينان تحمل الوعيد: _لو كلكم سكتوا عن حقه أنا مش هسكت ياما.

طالعتها جليلة بنظراتها مطولاً في عدم حيلة، فمهما حاولت ردعها لن تستطيع. فهي كما قالت منذ قليل تشبهها تماماً بكل شيء. ***

خرجت فريال من الحمام مرتدية قميصاً حريرياً قصيراً، تاركة العنان لشعرها ينساب بحرية على ظهرها وكتفيها، وبيدها منشفة صغيرة تجفف بها وجهها من الماء. لكن وقعت عيناها على زوجها الذي يجلس فوق الفراش بسكون تام منذ عودته ويحدق في الفراغ بشرود. أما ملامح وجهه القاسية فتنَم عن طوفان عاتي بداخله. فضلت الصمت بالبداية وتوقعت سبب غضبه، ثم تقدمت نحو طاولة مكياجها الخاصة والتقطت فرشاة الشعر لتبدأ بتسريح شعرها في لطف.

التقطته نظراتها في انعكاس المرآة لتراه وهو يحرك كتفيه بألم بادٍ على ملامحه، لتتنهد بحنو وتلتفت له. ثم تتقدم منه وتصعد فوق الفراش وتجلس القرفصاء خلفه. وباللحظة التالية كانت ترفع يديها الناعمتين وتضعهما فوق كتفيه من الجانبين وتبدأ في تمسيده بكل رفق. صدر منه تأوهٌ متلذذٌ بملمس أناملها الساحرة، وأغمض عينيه في راحة. مرت دقائق معدودة وهي مستمرة في تدليك رقبته وكتفيه حتى وجدته يلتقط يدها ويقربها من شفتيه، يلثم باطنها هامساً

ببحة رجولية مميزة: _يدك كيف السحر يافريالي. ابتسمت له بغرام ثم سألته باهتمام وقلق: _إنت مضايق من حاجة يا جلال؟ اعتدل في جلسته والتفت لها ليتمتم اسمها بعين تفيض حباً: _وعرفتي كيف إني مضايق! فريال بنبرة رقيقة مثلها: _محدش يعرفك قدي يا أبو معاذ.

أمعن النظر بها مطولاً يتأمل ملامح وجهها الجميلة. شعرها الناعم الذي يتطاير بفعل نسمات الهواء الخفيفة يجعلها تبدو كالحورية. وشفتيها المنتفختين تعطيهما اللون الوردي دوماً. أما عيناها ذات اللون العسلي تسحبه داخل دوامة لا طريق للخلاص منها. رفع أنامله وأبعد خصلات شعرها عن وجهها برقة شديدة، ثم راح يملس فوق وجنتيها هامساً بعشق دفين: _وهو مين يشوف العيون اللي كيف الجنة دي ويفضل في هم ملازمه.

ارتفعت بسمة مغرمة فوق ثغرها ثم أجفلت نظرها عنه بخجل. ليضحك هو ويمد أنامله يرفع ذقنها ليصبح نظرها مباشراً لعينيه ويهمس: _لساتك بتخجلي مني يافريال.. أنا جوزك وأبو عيالك ولينا عشر سنين متجوزين. أجابته بدلال أنثوي ساحر: _أنا مش بخجل منك.. بخجل من كلامك اللي مهما حاولت مبعرفش أجاري فيه. غمز لها بابتسامة لعوب وهو يهمس: _طب ما تجربى يمكن تعرفي!

قهقهت بخفة دون أن تجيبه لتجده يقترب منها ويلثم وجنتها بحنو، ثم يحاوطها بذراعيه ويضمها لصدره. استكانت بين ذراعيه تماماً تتلذذ بشعور الدفء والأمان الذي لا تشعر به سوى معه فقط. لمعت عيناها بوميض أمل للحظة فور تذكرها شيئاً، فهمست بنعومة دون أن تبتعد عنه: _جلال. خرج صوته الرجولي الدافئ: _اؤمري. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تسأله بترقب: _هو بكرة هيكون في قعدة عرب ويتم الصلح صح؟

امتعضت ملامح وجهه ولم تحصل على إجابة منه سوى بعد وقت، وكانت فقط إجابته مقتضبة كالآتي: _اممممم. استشعرت غيظه المكتوم فحاولت أن تلين حدته من وجهة نظرها. حيث ابتعدت عنه ورمقته بحب هامسة في حزن: _إنت عارف إن أبويا وعمران مالهمش يد في قتل عمي خليل مش إكده؟

استقرت في عيناه نظرة مميتة أصابتها بالرعب، فازدردت ريقها بقلق بسيط ولوهلة ندمت على ما تفوهت به. حتى وجدته يجيبها بصوت مريب اختلفت نبرته كلياً عن تلك النبرة الحالمة والعاشقة التي كان يتحدث بها منذ قليل: _الصلح ده مش هيرجع المايه لمجاريها واصل.. يعني مش معناه إن عيلة خليل صفوان وإبراهيم الصاوي هيرجعوا حبايب من تاني. أنا منستش حق أبويا ومش هنساه. _جلال بـ قاطعها بلهجة حازمة ومستاءة:

_بزيادة عاد يافريال، حدّث في الموضوع ده.. ما إحنا كنا زي الفل. التزمت الصمت رغم غضبه، وأشاحت بوجهها عنه للجهة الأخرى في ضيق. بينما هو فانحنى عليها ولثم شعرها بدفء قبل أن يتمدد بجسده على الفراش، ثم أغمض عينيه وهو يتنفس الصعداء بخنق محاولاً النوم بعد هذا اليوم المجهد جسدياً وفكرياً.

ظلت هي على حالها لوقت طويل والهموم تستحوذ عليها. من جهة زوجها وحبيبها ووالد أبنائها، ومن جهة عائلتها وأبيها وأخيها. تؤلمها تلك العداوة أكثر من الجميع. تدعو ربها وتتمنى لو يعود كل شيء كالسابق. انهمرت دموعها بغزارة، ثم استدارت نحو جلال النائم وانحنت عليه تلثم جبهته بحب متمتمة: _إن شاء الله الصلح ده يكون هو نهاية العداوة دي وتمسكوا اللي قتل عمي خليل وتصدق إن أبويا وأخويا ملهمش صالح يا جلال. *** صباح اليوم التالي...

كان عمران يسير بجانب والده وهم بطريقهم لمنزل خليل صفوان. مرتديًا الزي الصعيدي (جلابية سوداء ويعلوها عباءة بنية اللون يضعها فوق أكتافه) ومن خلفهم كان كل من أخيه الصغير وعمه وابن عمه. وصلوا للمنزل ودخلوا لغرفة الصالون الكبيرة ليجدوا جميع رجال عائلة خليل صفوان مجتمعين. بينما بالخارج فكانت آسيا تشتعل من فرط الغضب والغيظ.

حاولت كثيراً أن تضبط نفسها ولا تتهور في تصرفاتها لكنها فشلت، فاستقامت واقفة واندفعت نحو الغرفة التي تضم اجتماع العائلتين ووقفت خلف الباب تستمع لصوت جدها وهو يقول بصوت غليظ: _اللي قتل ولدي هربان ومش هنسيبه.. ومسيره يقع تحت يدنا.. والحرب اللي بينا دي طالت واحنا لا حمل دم تاني ولا انتوا برضوا مش إكده ولا إيه يا حج إبراهيم؟ أجاب إبراهيم مؤكداً على كلمات حمزة:

_صح يا حج حمزة.. إحنا طول عمرنا كنا حبايب والي حصل ده كان شيطان ودخل بينا وحق أخويا خليل هيرجع بإذن الله قريب قوي. صدح صوت جلال وهو يجيب بنظر قاتلة يوجهها نحو إبراهيم: _هيرجع طبعاً قريب قوي. تقابلت النظرات النارية بينه وبين عمران ولم ينقذ الموقف سوى صوت حمزة وهو يضم كفيه لبعضهم ويقول بحزم: _نقرأ الفاتحة بنية تمام الصلح وبنية الرحمة على خليل ولدي.

ضم الجميع كفيه ليبدأوا في قراءة سورة الفاتحة باقتضاب، لكن فجأة انفتح الباب بقوة وظهرت من خلفه آسيا وهي تقف بكل هيبة وجبروت هاتفة أمام حشد الرجال هذا من العائلتين: _الصلح ده مش هيتم!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...