الفصل 41 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
19
كلمة
5,380
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

مر أكثر من نصف ساعة منذ شجارهم وحتى الآن لا يسمع لها أي صوت وكأنه بمفرده داخل المنزل. رغم نفورها منه في ذلك الوقت وعدم رغبته برؤية وجهها حتى إلا أنه لم يستطع كبح مشاعر القلق التي تغلغلت في ثناياه. ودفعه فضوله لمعرفة مالذي تفعله أن ينهض ويغادر الغرفة متجهًا نحو الصالة متصنعًا أنه سيكمل حديثه المستأنف معها أو ربما شجارهم!

لكنه تصلب بأرضه عندما رآها فوق الأرض فاقدة وعيها. وبثواني معدودة كان يسرع نحوها ويجلس بوضعية الاندفاع بجانب رأسها ثم يرفع رأسها عن الأرض ويضرب فوق وجنتها برفق هاتفًا: _آسيا.. آسيا

عندما لم يجد استجابة منها اعتدل في جلسته واستقام منحنيًا ثم حملها فوق ذراعيه واتجه بها لغرفة نومهم بالداخل ليضعها فوق الفراش بحرص شديد. ويعود يبدأ محاولاته مرة أخرى في إفاقتها. تقريبًا قام بتجربة كل الطرق الممكنة وجميعهم لم يجدوا بنفع معها فتسارعت نبضات قلبه والخوف هيمن عليه. فالتقط هاتفه بسرعة وكان سيهم بالاتصال بالطبيب لكن توقف وانزل الهاتف ببطء من فوق أذنه عندما وجدها تفتح عيناها وتأن بألم وهي ترفع يدها

لرأسها ممسكة بها وتهمس: _آاه ياراسي استقرت نظراته الجافة لها وهو يرد عليها بلهجة رجولية غليظة: _شوية والوچع يروح. أكيد حاسة بألم عشان وقعتي عليها

انتفضت على أثر صوته فلم تكن مدركة لوجوده. وعندما سمعته اعتدلت في نومتها ونظرت له بقلق وخوف دون أن تتحدث. تدرس تعابير وجهه هل كما هي أم هدأت قليلًا. لم تختلف نظراته المخيفة لها لكن مظهره يبدو أقل هدوءًا مما كان عليه منذ قليل. ودت أن تتحدث لكنها ترتعد كلما تتذكر العواقب الوخيمة التي واجهتها عندما ردت عليه وكيف تحول لوحش كاسر يدمر كل شيء.

دام ذلك الصمت القاتل بينهم وهي تحاول عدم التركيز على عيناه المرعبة وهو يستمر في التحديق بها في كل غضب وغلظة. خشيت أن ينهض ويفتك بها في لحظة مباغتة من شدة حدة نظراته لها. كانت تتصارع مع عقلها الذي يلح عليها في التحدث وطرح سؤال بسيط فقط. لكنها كانت تلبي الطبيعة التي فطرتها الشعور بالخوف. لكن مع الإلحاح الشديد من ذلك الصوت المزعج تحدثت بصوت بالكاد يسمع: _أنت هديت شوية؟

طال تحديقه المريب فيها والذي كان يزيد من شعورها بالندم أنها تحدثت. ثم سمعته يجيب أخيرًا بكل هدوء لكنه يضمر في ثناياه غليان دماءه: _على حسب.. يعني لو قفلتي خشمك ده ومقولتيش حاچة تعفرتني هفضل هادي إكده أو متمالك أعصابي بمعنى أصح

هزت رأسها بالموافقة وهي تضم سبابتها وابهامها وتسير بهم على طول شفتيها المغلقة تريه أنها لن تفتح فمها أبدًا. فسيطر الصمت عليهم مجددًا وهذه المرة هي كانت لا تنظر له أو تتحاشى النظر إليه بالمعنى الأدق. حتى سمعته يقول بصوته الرجولي: _بما أننا مكملناش كلامنا.. فأنا سامعك دلوك يلا قولي ال*** ده قالك إيه؟ التفتت له وتمعنته للحظة قبل أن تسأل ببلاهة: _اتكلم وارد عادي ولا ممنوع؟ ارتفع حاجبه اليسار بنظرة مريبة فتنحنحت

هي بتوتر وقالت له في خوف: _ما بلاش النهاردة خليها بكرا نكمل كلامنا.. أصل أنا تعبانة وأنت كمان أكيد مرهق فنتكلم بكرا ودلوك ننام.. أنا بقول ده رأى حلو قوي يلا عاد تصبح على خير أنهت عبارتها واعتدلت في الفراش تهم بالتمدد عليه وتوليه ظهرها حتى تنام أو تهرب منه في المعنى الأصح. لكنها ارتجفت قبل أن تكمل اعتدالها حتى في الفراش على أثر صيحته بها: _آســيــا

عادت لوضعها الأول مجددًا وهي ترسم ابتسامة خوف على ثغرها وترد عليه بخفوت محاولة إقناعه بوجهة نظرها التي في صالحها قبل صالحه: _ما هو أنا لو اتكلمت دلوك وحكيت هتتعصب تاني وأنا هتعب وهيچلي هبوط تاني وأنت هتخرب الدنيا كيف ماعملت من شوية عمران بانزعاج حقيقي وغيظ: _آسيا مستنفذيش صبري أنا قولت اتكلمي يبقى اتكلمي من غير لت وعچن كتير

ازدردت ريقها بتوتر واستغرقت برهة من الوقت محاولة التفكير في طريقة مناسبة لتبدأ بها الحوار حتى لا يستيقظ ذلك الوحش مجددًا. فقالت في خفوت: _قبل كل حاچة أنا مكنتش اعرف أن ده هيحصل وأنها إكده ولو كنت أعرف مكنتش أبدًا غلطت الغلطة دي بس للأسف وثقت فيها ودي أول مرة أعملها وآخر مرة أثق في حد رفع يده يمسح على وجهه ولحيته وهو يتأفف بنفاذ صبر ويهتف في حدة: _هو مش موضوع تعبير وبتبدأيه بمقدمة اخلصي اتكلمي أنا سألتك قالك إيه؟

تحلت بالشجاعة المزيفة وقالت بصوت منخفض دون أن تنظر لوجهه خوفًا من ردة فعله: _أنا حكيت لسندس اللي حصل معايا وكيف اتچوزنا وهي قالتله وهو چه وكان فاكرني لساتني مچبورة على الچواز منك وعايزة أطلق وكان بيعرض عليا يساعدني بس أنا مسحت بكرامته الأرض وطردته صمت مميت هيمن عليه. وعندما رفعت رأسها له رأت ملامح وجهه عادت لذلك المنظر المرعب مجددًا. فحاولت الثبات وتابعت في محاولة فاشلة لامتصاص جموحه:

_أنا مكنتش اتوقع أنها تقوله ياعمران صر على أسنانه بغيظ واغلق عينيه للحظة يتخيل أن ذلك الوغد كان يعرف كل تلك التفاصيل عن حياتهم وعلاقته بزوجته وكيف تزوجها. ففقد صموده المزيف وفتح عينيه مجددًا يصرخ بها بصوت جهوري: _وأنتي كيف تحكي لحد الكلام ده وتقولي لها أسرارنا انتفضت مكانها رعبًا لكنها التزمت الصمت ولم ترد خشية من أن تسوء الأوضاع أكثر بينهم. أما هو فهب واقفًا وهو يغلي من الغضب ويغلق على قبضته بعنف ويتمتم وهو

يمسك بدفنه ويشد على لحيته: _وال***** عرف أننا اتچوزنا عشان نداري على فضيحة فافتكرك كيف ***** اللي يعرفهم.. يا**** يارتني فرغت السلاح في نافوخك وخلصت عليك واصل وطفيت ناري. لا وأنتي فتحتيله الباب ودخلتيه ردت بصوت خافت محاولة الدفاع عن نفسها: _مكنتش أعرف أن قذر للدرچة دي اندفع نحوها وانحنى عليها يصرخ بأنفاس ملتهبة ووجه مرعب:

_تعرفي ولا متعرفيش أنتي اتخبلتي في نافوخك عشان تدخلي راچل البيت وأنا مش موچود. ومش أي حد ده كان مدمن وراچل **** كل ليلة مع حرمة شكل يعني كان ممكن يعملك إي حاچة اتسعت عيناها بصدمة بعدما اكتشفت حقيقته. بينما هو فرفع قبضته المغلقة وهو يصر على أسنانه من فرط غيظه وجموحه ثم ضرب بقبضته على الحائط وهو يصرخ بها: _قوليلي أنا دلوك اعمل فيكي إيه عشان ارتاح

انكمشت على نفسها في الفراش ودون أن تشعر وجدت دموعها تسيل على وجهها غزيرة وهي ترد عليه بصوت مرتجف ومبحوح: _بزيادة ياعمران هو انا كنت اعرف أن كل ده هيحصل ولا أنه إكده وكنت قاصدة اعمل كل ده يعني. أنا بس لما لقيته بيقول الموضوع مهم ويخصك ويخصني الفضول هو اللي خلاني ادخله واتكلم معاه هدأت نبرة صوته لكن بحته ومظهره المرعب لم يختفي: _وهو أنتي أي راچل هيخبط عليكي ويقولك عاوز اتكلم معاكي في موضوع مهم وأنا مش قاعد هتدخليه؟

استمرت في البكاء الذي تحول لنحيب مرتفع دون أن تجيب عليه أو حتى تنظر لوجهه. وراحت تحني وجهها وتدفنه بين ثنايا كفيها تخفيه عن أنظاره القاتلة تمامًا دون إن تتوقف عن البكاء. فتمعنها بعيناه القاسية والغاضبة دون أن يحرك ساكنًا. ثم هتف بلهجة صارمة لا تقبل النقاش أبدًا:

_من إهنه ورايح البت دي تنسيها وتقطعي علاقتك بيها على الآخر ومشوفكيش بتتحدتي معاها واصل وإلا أنتي المسئولة عن ردة فعلي. أنا مندمتش على چوازي منك قد ما ندمت إني چبتك معايا القاهرة. يومين ونرچع البلد تاني كانت منغمسة في نوبة بكائها. فكرر أوامره عليها مرة أخرى حتى يتأكد من أنها استوعبت: _سمعتي قولتلك إيه! مش عاوز اسمعك بتچيبي سيرة البت دي تاني ولا ترمي السلام عليها حتى فاهمة ولا لا

هزت رأسها له بالموافقة امتثالًا لأوامره دون أن ترفع وجهها عن كفيها. بينما هو فاعتدل في وقفته واستدار ثم غادر الغرفة ليتركها بمفردها تقضي الليلة كله وحيدة بعد أن قرر النوم بغرفة عمله الخاصة على الأريكة. *** بصباح اليوم التالي داخل منزل ابراهيم الصاوي......

كان الجميع ملتف حول طاولة الطعام ويتناول وجبة الإفطار. وكان بلال جالس الجهة المقابلة لأمه ووالده وزوجة أبيه. وكانت نظراته الثاقبة مستقرة على والده يتابعه وهو يتحدث مع أمه بكل طبيعية وهي تبادله الحديث في كل لطف وابتسامة عذبة. على عكس إخلاص التي كانت لا تنظر لابراهيم أبدًا كأنها لا تطبق النظر في وجهه وقمساتها عالية ومنزعجة. فضيق بلال عينيه مستغربًا. وللحظة ظن أنها تعرف بزواج والده لكن سرعان ما استبعد ذلك الاحتمال. فمن المستحيل أن تظل بهذا الهدوء إذا عرفت. ربما تكون منزعجة بسبب آخر مجهول.

لاحظت عفاف نظراته المريبة لهم وأنه لا يأكل بل يستمر في مراقبتهم والتحديق في والده بغضب. فسألته بحيرة: _بلال مالك ياولدي في حاچة مضايقاك ولا إيه؟ انتبه لتصرفاته المريبة ونفر برأسه وهو يزفر بخنق. ثم راح يجيب على أمه بحنو مبتسمًا: _لا ياما مفيش حاچة أنا سرحت شوية بس استقرت نظرات ابراهيم الساخطة على ابنه بعدما فهم سبب حالاته الغريبة هذه. فترك الطعام الذي بيده وهب واقفًا فجأة وهو يوجه حديث الصارم لبلال: _تعالى ورايا

تنفس الصعداء بضيق ثم استقام واقفًا هو الآخر ولحق بوالده وسط نظرات الجميع المستفهمة وفضول عفاف الذي سيقتلها لمعرفة ما الذى يحدث بينهم. بينما في الداخل فور انعزالهم عن أنظار ومسمع الجميع هتف ابراهيم ساخطًا: _أنت عاوز تعمل مشاكل وخلاص ولا أيه! اقترب بلال من المقعد وجلس فوقه وهو يجيب على أبيه بغضب مماثل:

_أنا مش عايز حاچة يابوي بس كمان مش قادر افضل ساكت إكده وأنا شايفك مخبي علي أمي. أظن كفاية قوي ست سنين وچه الوقت عاد أن عيالك وحريمك يعرفوا هتف ابراهيم ساخرًا في انزعاج: _أنت بتهددني يعني يابلال أني لو مقولتش لأمك أنت اللي هتروح تقولها هز رأسه بالرفض التام مجيبًا على والده: _لا يابوي أنا مقولتش إكده ومتقلقش أنا مش هقولها حاچة. أنا عاوزها تسمع منك أنت مش مني. أنت اتچوزت وده حقك أظن من حقنا وحقها كمان أننا نعرف

لوى ابراهيم فمه بخنق قبل أن يجيب على ابنه مغلوبًا في نبرة هادئة: _الكل هيعرف يابلال اهدى ياولدي.. أنت مش هتعاديني وتقف قصادي عشان اتچوزت على أمك. طالت نظرة بلال المقتضبة لوالده قبل أن يستقيم واقفًا ويقول بلهجة مهذبة وهادئة متجاهلًا ما قاله للتو: _عن أذنك يابوي أنا همشي عشان ورايا مشوار ضروري. أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة فوجد أمه في وجهه وهي تسأله بقلق: _في إيه يابلال مالك أنت وأبوك؟ تنهد في وجه فاتر ورد بإيجاز:

_مفيش ياما موضوع تبع الشغل. ولم يترك لأمه مجالًا لطرح المزيد من الأسئلة حيث ابتعد عنها وسار لخارج المنزل بأكمله. وبينما كان في طريقه للسيارة ارتفع صوت رنين هاتفه فرفعه لمستوى نظره وحدق في الشاشة لاسم المتصل الذي جعله يغضن جبهته باستغراب، لكن الفرحة تغلغت في قلبه وبسرعة دون تفكير أجاب على الهاتف في وجه مشرق: _الو. وصله صوتها المرتعش والخائف وهي تهتف: _ايوة يابابا تعالالي بسرعة. اختفت بسمة ثغره وتقوست ملامحه للقلق

والجدية وهو يقول يجيبها: _أنا بلال ياحور.. مال صوتك إكده أنتي كويسة؟ أنزلت الهاتف عن أذنها تنظر في الشاشة تتأكد من الاسم الذي قامت الاتصال به فوجدته بلال بالفعل، لقد كان اسمه يتبع اسم والدها بضبط في قائمة الاتصالات بسبب تشابه أول حرف في الأبجدية وبسبب تلهفها ضغطت على اسمه دون وعي. رفعت كفها ومسحت على وجهها بغيظ ثم عادت بالهاتف لأذنها مجددًا تجيبه باعتذار: _أنا آسفة يابلال اتصلت بيك بالغلط كنت عايزة اتصل بـ بابا.

لم يبالي بما قالته للتو وأعاد سؤاله للمرة الثانية في اهتمام: _قوليلي الأول أنتي كويسة.. في حاچة حصلت معاكي؟ أجابت بالرفض المزيف حتى لا تزعجه بمشاكلها رغم أن صوتها المرتعد لا يلائم كلماتها أبدًا: _لا يا بلال مفيش حاچة أنا كويسة.. معلش ازعجتك. خرج صوته الحاد وهو يسألها للمرة الثالثة: _حور مالك اتكلمي.. أنتي فين طيب؟

تنهدت في الأخير بقلة حيلة وردت عليه تصف له مكانها فأخبرها أن سيأتي لها حالًا وانهى الاتصال معها واسرع نحو سيارته لكي يستقل بها وينطلق نحو موقعها. *** بمدينة العين السخنة داخل منزل خاص بجلال......

كانت فريال تقف في شرفة غرفة نومهم تتأمل في مياه البحر أمامها وهي مبتسمة ونسمات الهواء الباردة تلفح صفحة وجهها. كانت الشقة في الطابق السادس ورغم خوفها من المرتفعات إلا جمال المنظر الذي أمامها كان لا يقاوم. أغلقت عيناها ببطء تترك الهواء يرسم لوحته الرقيقة على صفحة وجهها المبتسم. رعشة جميلة اجتاحت جسدها عندما أحست بقبلته الدافئة من الخلف على رأسها وهو يهمس: _هتبردي وتتعبي يافريال. هزت رأسها بالنفي وهي

مازال متحفظة بابتسامتها: _مش بردانة.. والمنظر ده وحشني قوي لينا سنين مچيناش إهنه. تحرك ووقف بچوارها وهمس بحب وهو يتأمل مباح البحر أمامه: _آخر مرة چينا كنتي حامل في عمار برضوا واختارنا هنسميه إيه هنا. هزت رأسها بالإيجاب وهي تضحك وتكمل وسط ضحكها بمرح: _أنت كنت عاوز تسميه حمزة على اسم جدك وأنا كنت عاوزة عمار وأنا اتخانقت معاك ولغاية ما ولدت واحنا كنا بنتخانق وأنت بعدين عشان ترضيني كتبته عمار وعملتها مفاجأة ليا.

مال ثغره ببسمة دافئة وعاشقة ثم التفت لها ورمقها مطولًا بعبوس متمتمًا: _وقتها كان في بينا مشاكل كيف دلوك ولما چينا إهنه وانتي ولدتي نسينا كل الزعل ورچعنا كيف ما كنا. وقتها أنا مندمتش إني سميته عمار لأن كان ليه نصيب من اسمه وهو اللي چمعنا من تاني. أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وراحت تتأمل منظر المياه مجددًا مجيبة عليه بحزن: _مكنتش مشاكل كيف المشاكل اللي احنا فيها دلوك ياچلال. جلال ببسمة دافئة كلها عاطفة:

_كيف ما عدينا اللي فات نعدى ده كمان طول ما احنا چار بعض. رمقته مطولًا بأسى وعينان دامعة ثم تنهدت في قلة حيلة واستدارت تدخل للغرفة وتتجه نحو الأريكة تجلس عليها بوجه عابس. بينما هو فأكمل مراقبته لأمواج البحر الهائجة مثل روحه. قطع تلك الأجواء الكئيبة بينهم دخول عمار ومعاذ ليهتف معاذ بضيق: _مش هننزل البحر عاد ولا إيه يابوي! رد عمار مازحًا متعمدًا إضحكاهم: _أيوة أنا حران قوي وعاوز انزل اعوم.

رفعت فريال كفها تضعه على وجهها وهي تضحك مغلوبة. وكذلك جلال الذي دخل من الشرفة وهو يجيب على ابنه الصغير ضاحكًا: _روح املى البانيو چوا وعوم فيه براحتك. قهقهوا بقوة باستثناء عمار الذي تصنع الضيق والغيظ من سخرية أبيه عليه. بينما معاذ فأسرع نحو أمه يجلس بجوارها ويحتضن كفها يهتف متوسلًا: _قوللي لأبوي ياما خليه ياخدنا وننزل عشان خاطري. رد جلال بلطف ونبرة تحمل الجدية:

_احنا لسا چايين من سفر طويل وتعبانين وأمكم كمان تعبت نريح النهاردة وبكرا ننزل ونروح المكان اللي تحبوه. زموا شفتيهم بعبوس وظهر اليأس على محياهم فلم تتمكن من مقاومة الحزن الذي في عيناهم وابتسمت لهم بحنو أمومي وهتفت لجلال برقة: _خلاص ياچلال بعد الغدا خدهم خليهم يلعبوا شوية وأنا هقعد استناكم إهنه. قفزوا فرحًا صارخين وارتموا على فريال يعانقوها بقوة وكل منهم يلثم وجنة من وجنتيها بقبلات متتالية وسط ضحكها القوي وهي

تحاول إبعادهم عنها وتهتف: _طب خلاص كفاية. لم ينقذها من هجموهم اللطيف عليها سوى صوت رنين هاتف جلال فأشارت لهم بحزم أن يلتزموا الصمت حتى يتمكن والدهم من التحدث فابتعدوا عنها ببطء وهم يضحكون في هدوء ثم غادروا الغرفة. ***

تقف في المطبخ منذ ساعة تقريبًا تقوم بتحضير الفطار. فليلة الأمس كانت مرعبة وانتهت بأنه تركها بمفردها في الغرفة لكن النوم لم يمر على عيناها حتى لثانية واحدة وظلت الليل كله مستيقظة حتى ظهر ضوء النهار وارتفعت الشمس في السماء وأشعتها ملأت كل مكان فهنضت من فراشها مبكرًا ووقفت في المطبخ تحاول الهاء نفسها عن الحزن والتفكير بتحضير الطعام.

كان السبب الحقيقي وراء عدم قدرتها على النوم هو تفكيرها المستمر وحالة العتاب والتعنيف لنفسها على أفعالها بداية بتصرفها الأهوج مع صديقتها عندما سردت لها حياتها الخاصة نهاية بسماحها لسليم أن يدخل المنزل ثم عنادها وردودها المستفزة على زوجها. رغم أنها تشعر ببعض الضيق من الذي فعله وحالة الهياج المخيفة الذي استحوذت عليه لكنها تعطيه الحق بالأخص بعدما أخبرها بحقيقة سليم المريضة. ويبدو أن الأمر لن يتوقف عند الليلة الماضية فقط بل سيكون له آثار أكثر سلبية ومهمتها هي الآن إصلاح ما أفسدته.

سمعت صوت باب الحمام ينفتح فعرفت أنه انتهى للتو من حمامه الصباحي وكانت ستتجه له لكن توترها منه منعها وظلت مكانها في المطبخ تكمل تحضيرها الطعام في عبوس. انتظرته أن يخرج هو من الغرفة لكنها لم يخرج فضيقت عيناها باستغراب فقذت بذهنها احتمال وبسرعة تركت ما بيدها وتحركت للغرفة في خطوات سريعة قدر الإمكان وعندما دخلت ورأته كان شكها صحيح حيث وجدته ارتدي ملابسه ويستعد للرحيل. فوقفت خلفه وهتفت بهدوء: _أنا چهزت الفطار مش هتاكل؟

رد بنبرة خالية من المشاعر: _لا. لوت فمها بأسى ثم تقدمت إليه ووقفت أمامه مباشرة تهتف بندم وحزن: _أنا آسفة. رمقها بطرف عينيه في جمود ثم ازاح نظره عنها وتجاهل آسفها دون أن يرد عليه حتى. لكنها لم تيأس وتابعت تقول بصدق: _حقك عليا واوعدك أول وآخر مرة بعد إكده مش هتصرف من دماغي أبدًا غير لما آخد أذنك الأول. ومش هعمل إكده تاني أبدًا غير لو كان بعلمك.

خانها التعبير في آخر عبارة لها. وكأنها تخبره أنها ستكرر فعلتها لكنها ستخبره أولًا حتى لا يكون الأمر تم خفية دون علمه. اضطربت بشدة عندما رأت نظرته الحادة لها واسرعت تقول في توتر تنقذ الموقف وتصحح السذاجة التي تفوهت بها: _لا مقصدش والله.. قصدي يعني مش هعمل أي حاچة تضايقك تاني واللي تقوله هيتنفذ من غير ولا كلمة.

لانت نظراته مجددًا لكن تعبيرات وجهه الجافة كما هي وحتى الآن لا يرد عليها يستمع فقط لمحاولاتها في الاعتذار ونيل رضاه بصمت. ابتعد عنها والتقط عباءته لكي يرتديها وبينما كان سيهم بارتدائها بنفسه وجدها تتولى هي عن المهمة وهي تهمس ببسمة رقيقة: _أنا هلبسهالك. التفت لها بوجهه ورمقها بانزعاج وهو يهتف: _بعدي يدك.

انزلت يدها ببطء ووجه مقتطب وتركته هو يرتديها بنفسه كما أمرها للتو إن تبتعد عنه. ورغم هذا لم تتوقف بل تابعت وهي تسأله بوجه يلمع بالأمل وبسمة واسعة: _طيب أنا عملت الكنافة اللي بتحبها مش عاوز تاكل منها قبل ما تطلع؟ لم تحصل على رد منه فقد تجاهلها مجددًا. هذه المرة تحول حزنها لغيظ وعناد في الوصول لمبتاغها. فظلت محافظة على بسمتها وعندما التفت لها بجسدها وكان يهم الانصراف اعترت طريقه وقالت بغطرسة:

_هتاكلها وتاكل صوابعك وراها.. أنا محدش كان بيقدر يقاوم الكنافة بتاعتي.. چربها بس قبل ما تطلع ومش هتندم. رد عليها بلهجة حازمة وصوته الرجولي: _بعدي من طريقي يا آسيا. تجاهلت تحذيره وأكملت مبتسمة بحماسة غريبة: _اجيبلك قطعة ومعاها كوباية الشاي هتظبط مزاجك طوالي. تأفف في نفاذ صبر ثم هتف بلهجة صارمة ومنزعجة: _قولتلك بعدي يا آسيا متخلنيش اتعصب. زمت شفتيها بيأس واردفت في خنق: _يعني مش عاوز كنافة؟!!

ازاحها عن طريقه بيده في لطف وابتعد وتركها وهو يستغفر ربه محاولًا تمالك أعصابه بينما هي فاستدارت خلفها تحدق في الباب على أثر رحيله وتهتف في ضيق: _أنت الخسران على فكرة. ثم اقتربت من الفراش تجلس فوقه بانزعاج وتهتف في يأس: _اصالحه كيف أنا دلوك يعني!

وبينما كانت عيناها تتحول بالغرفة سقطت على الخزانة أمامها. فتجمدت ملامح وجه آسيا وقذف بذهنها شيء تذكرته جعلها تهب واقفة بسرعة وتتجه نحو الخزانة لتفتح الباب وأول شيء يلتقطه نظرها كان ذلك القميص الأسود المعلق فاستدعى عقلها مشدهم الأخير قبل الشجار. _معرفش بس ممكن لو لبستي حاچة قصيرة ومريحة هتبقى حلوة عليكي اكتر. عقدت ذراعيها أسفل صدرها بعدما فهمت محاولاته الماكرة في الوصول لهدف معين لا تعرفه. وراحت تسأله بسخرية مبتسمة:

_حاچة كيف إيه يعني. غمز لها بعيناه في وقاحة وقال: _كيف القميص الأسود مثلًا.. فكراه؟ عادت للواقع وهي تبتسم بشيطانية ولؤم ثم مدت يدها لداخل الخزانة تلتقط القميص وهي تقول له ضاحكة: _ورانا طلعة الليلة! توقف بلال بسيارته في المكان الذي وصفته له حور ونزل من السيارة متلهفاً وهو يتلفت برأسه يميناً ويساراً باحثاً عنها حتى وجدها تقف بمفردها بجانب الرصيف وهي أيضاً تراقب السيارات تنتظره. أسرع نحوها وهو يهتف: _حور إيه اللي حصل؟

أشرق وجهها وابتسمت في تلقائية فور رؤيتها له حتى شعور الرعب الذي كان يتملكها لم يعد له وجود، لكن بعد سؤاله ظهر الخوف البسيط مجدداً على محياها وهي تسرد له ما حدث معها:

_حرامية حاولوا يسرقوا الشنطة بتاعتي ولما حاولت أقومهم طلعوا سكينة ولولا أني سبتلهم الشنطة كانوا ممكن يأذوني بالسكينة دي.. والحمدلله أن موبايلي كان في إيدي وعشان كده كنت بتصل بـ بابا عشان ييجي ياخدني لأني فلوسي كلها كانت في الشنطة ومش هعرف أرجع لوحدي من غير فلوس. سألها باهتمام وقلق شديد: _طيب المهم انتي كويسة؟ هزت رأسها بالإيجاب مبتسمة: _أيوه الحمدلله كويسة متقلقش. تنهد بلال بضيق وهتف في لهجة جادة:

_هي الشنطة كان فيها حاجة مهمة يعني؟ هزت رأسها بالنفي وهي تزم شفتيها بفتور متمتمة: _لا لا هي الفلوس والكتب بس يعني أنا مكنتش واخدة معايا حاجة النهاردة ولا حاطة حاجة في الشنطة. التفت حوار يتفحص تلك المنطقة الهادئة والمريبة ثم سألها في انزعاج بسيط: _انتي إيه اللي جايبك المكان ده أصلاً يا حور؟ تنهدت الصعداء وردت بخفوت: _واحدة صحبتي بيتها هنا وهي تعبانة وجيت أزورها. هز رأسه بالتفهم بعدما زفر أنفاسه الحارة

في انزعاج ثم تمتم في هدوء: _طيب يلا عشان نمشي وأوصلك البيت. استقلت بالمقعد المجاور له داخل السيارة بينما هو فتأملها للحظات في صمت ثم قال ضاحكاً بخبث: _بس عموماً أنا فرحت بالاتصال اللي بالغلط ده. التفتت له وطالعته بعدم فهم للحظات لكن سرعان ما احتلت مشاعر الاندهاش ملامحها بعدما فهمت تلميحه الخبيث وقالت بسرعة تثبت له خطأ معتقداته:

_أنت فاكرني كنت قاصدة.. والله بجد كنت بتصل بـ بابا وبعدين أعملك إيه إذا كنت أنت حرف الباء وهو برضه اسمه كده وفي التليفون موجودين تحت بعض. قهقه بخفة وأجابها بمرح: _طب أنتي متعصبة ليه أنا مش زعلان والله وبالعكس مبسوط سواء كان قصدك أو من غير قصد مش هتفرق بالنسبة ليا. هدأت حدة ملامحها واعتدلت في جلستها بشموخ وهي تردد عليه دون أن تنظر لوجهه:

_بس هتفرق معايا.. وعموماً مش معنى إني اتصلت بيك وسمحتلك توصلني البيت أبقى أنا خلاص نسيت الكلام اللي قولته ليك في الكلية. رفع حاجبه مستنكراً التحول الرهيب الذي يماثل سرعة البرق، ثم مال ثغره للجانب في مكر وسألها بذكاء وهو يزم شفتيه:

_أنهي كلام بالظبط لما اتخانقنا في الأول خالص وعنادتي ومركبتيش معايا ولا لما هددتيني إنك هترفضيني لو اتكلمت مع أي بنت وبالأخص اللي شوفتيني قاعد معاها وعشان كده كنتي متعصبة مني ومش عايزة تكلميني بسبب إنك غيرانة؟ اتسعت عيناها بصدمة وتسارعت نبضات قلبها توتراً وخجلاً عندما ضربها بحقيقة غيرتها عليه، فدام سكونها الغريب لبرهة من الوقت تحاول فيها تجميع أفكارها وإيجاد رد مناسب عليه فوجدته يسألها ضاحكاً بنظراته الساحرة:

_إيه مالك مصدومة كده ليه؟ فشلت في العثور على رد تنفي به حقيقة مشاعرها أو ربما التوتر والخجل أوقفوا عقلها عن التفكير وقيدوا لسانها فلم يكن هناك رد منها سوى الصمت وهي تشيح بوجهه عنه وتثبته على الطريق أمامهم في سكون وملامح وجه مثيرة للضحك جعلته ينفجر ضاحكاً عليها ثم يبدأ بتشغيل محرك السيارة وينطلق بها وهو بين كل لحظة وأخرى يلتفت لها مبتسماً بحب فيجدها كما هي على وضعها تراقب الطريق بصمت دون أن تميل بنظرها نحوه سنتي واحد.

***

وقفت فريال بالشرفة تشاهد أولادها وهم يلعبون ويسبحون في المياه وجلال كان يجلس على الشاطيء يتابعهم بنظراته وهو يبتسم وكان مرتدياً سروال جينز قصير ويعلوه قميص بنصف كم، هي لا تراه يرتدي تلك الملابس الرجالية المثيرة إلا عندما يأتون لقضاء رحلة قصيرة هنا، كانت تراقبهم وهي تضحك على مزاحهم معهم وخصوصاً عندما انضم لهم والدهم ليسبح معهم، كانت تلك اللوحة الدافئة بين الأب وأولاده تثير عواطفها الأمومية وتأثرت على أثرها حتى أن

عيناها تلألأت بالعبرات وهي تشاهدهم، لكن تلاشت ابتسامتها تدريجياً واختفى ذلك التأثر الأمومي والمشاعر الجياشة عندما لمحت فتاة متحررة تجلس على أحد المقاعد أمام الشاطيء بالقرب من زوجها وأولادها وعندما دققت النظر معها وراقبتها جيداً لاحظت أنها لا تزيح نظراتها المعجبة عن زوجها، فاشتعلت نيران الغيرة في صدر فريال وظلت تراقب تلك الفتاة في نظراتها الوقحة حتى خرج جلال من المياه وترك الأولاد يكملون لعب وسباحة مع بعضهم واتجه هو

لمقعده مرة أخرى.

رأت فريال بعينيها المتسعة تلك الفتاة وهي تهب واقفة وتسير بخطواتها المتمايلة نحو جلال، فغلت الدماء في عروق فريال وأصبح وجهها ككتلة من الدماء الحمراء من فرط غيظها، فوجدت نفسها دون وهي تندفع للداخل وتلتقط هاتفها تنوي الاتصال به لكي يعود للمنزل هو والأولاد لكنها توقفت بعدما التقطت الهاتف وتذكرت أنه لم يأخذ هاتفه معه، فأصدرت زفيراً حاراً وألقت بالهاتف على الفراش ساخطة. بالأسفل أمام الشاطيء.....

لاحظ جلال فتاة ترتدي تنورة طويلة تبدأ بفتحة من فوق الركبة حتى الآخر من الجانب تحديداً فوق قدمها اليسار وفوق التنورة بلوزة دون أكمام وبفتحة مثلثية في المنتصف وتترك شعرها الناعم ينسدل فوق كتفيها، كانت تقترب منه وهي تبتسم بثقة وعندما وصلت له ازدادت ابتسامتها اتساعاً وهي تسأله برقة تليق بفتاة جميلة مثلها: _معلش كنت حابة أسألك هو أنت من المدينة هنا؟ رفع حاجبه بدهاء رجولي بعدما فهم محاولاتها في إجراء حوار معه،

ورد عليها ببرود: _لا. ردت عليه مبتسمة وهي تبدأ بتعريف نفسها وتمد يدها لتصافحه: _أنا شروق. نقل جلال نظره بين وجهها وبين يدها الممتدة بنظرات ساخرة ثم رد عليها بابتسامة متكلفة دون أن يصافحها: _أهلاً وسهلاً يا آنسة شروق. اتسعت عيناها بدهشة بعدما لاحظت لهجته الصعيدية المميزة وقالت بإعجاب شديد: _إيه ده هو أنت صعيدي؟

بدأت تزعجه حقاً لكنه لا يريد إحراجها برده القاسي واكتفى بإيماءة رأسه لها بالإيجاب دون أن ينظر لها متعمدًا التركيز مع أولاده وهم في المياه فتابعت هي بنفس نبرتها الناعمة: _أصل أنا حاسة نفسي شفتك قبل كده بس مش فاكرة فين! ردت عليها فريال مبتسمة بقرف ولهجة استهزاء: _في الأحلام يا حبيبتي.. دي أحلام من الشياطين ابقي اتوضى قبل ما تنامي واتغطي زين. التفتت الفتاة خلفها تنظر لفريال باستغراب وتسألها في نظرة متعجرفة:

_إيه ده مين أنتي أصلاً؟ فغرت فريال عيناها بصدمة متصنعة وردت عليها بنفس التعبيرات السابقة: _متعرفنيش؟ .. أنا شوفتيني في نفس المكان اللي شوفتيه فيه افتكري وهتعرفي. خرج عمار من المياه وركض باتجاه فريال وهو يصرخ فرحاً: _أما! فهمت الفتاة أنها زوجته بعدما رأت أولاده ينادونها بـ " ماما " فلوت فمها بقرف واستدارت ثم سارت مبتعدة عنها بينما فريال فصاحت عليها بسخرية:

_ابقي استري نفسك بدل ما يلفحك الهوا وترقدي على السرير وتحرمينا من طلتك. كان جلال يتابع تلك الحرب الباردة وهو يضحك بصمت وبعد عبارة زوجته الأخيرة انفجر ضاحكاً بقوة وهو يهتف: _تعالي اقعدي يافريال أنتي إيه اللي نزلك؟ اندفعت نحوه ثائرة بعد سؤاله وجلست بجواره تهتف ساخطة: _أنت مكنتش عايزني أنزل يعني.. ولا عجبتك البت وكنت بتسايرها في الكلام! تنهد مغلوباً وهو يضحك ويميل على رأسها يلثم رأسها بحنو متمتماً:

_مفيش ست واخدة عقلي وقلبي غيرك والله يافريالي. تأثرت للحظة ولانت لكن فوراً استعادت غضبها وابتعدت عنه تقول مغتاظة: _ما هو لازم البنات تتلزق فيك وأنت نازل بالشورت كده. غضن حاجبيه بتعجب ثم مال ثغره للجانب في بسمة حائرة وهو بجيبها: _وهو أنا هلبس الجلابية يعني وأنا نازل البحر يافريال؟ عقدت ذراعيها أسفل صدرها واشاحت بوجهها أصبح في مواجهة البحر وهي ترد عليه بضيق وصوت مبحوح:

_لا أنا اتخنقت وعايزة أرجع البلد من تاني.. رجعني مش عايزة أقعد هنا. لوى جلال فمه بنفاذ صبر وهو يتمتم: _امممم بدأنا عاد في الهرمونات. اقترب منها واحاطها من كتفيها يهمس لها في لطف وحنو: _طيب صلي على النبي كده ياحبيبتي وتعالي يلا نطلع البيت فوق نرتاح وكفاية العيال لعبوا كتير النهاردة. دفعت يديه بعيداً عن كتفيها بوجه عابس ومستاء: _بعد عني أنت بتقربلي ليه.. أنا مسامحتكش.

أنهت عبارتا واستقامت واقفة وهي تعود مجدداً باتجاه المنزل بينما هو فمسح على وجهه متأففاً بنفاذ صبر ومستغفراً ربه ثم توقف وأشار لأولاده أن يخرجوا ويلحقوا بهم على المنزل. *** اتجهت آسيا نحو الباب بعدما سمعت صوت الرنين وهي تسير مستعينة بعكازها في بطء حتى وصلت للباب وفتحت فوجدت عمران أمامها افسحت له الطريق وابتسمت وهي ترد عليه بمزاح لطيف: _إيه رجعت تاني عشان تاكل الكنافة ولا إيه!

رمقها بطرف عيناه رافعاً حاجبه ثم دخل وأغلق الباب ورغم عنه تحرك ثغره للجانب مغلوباً منها، رأيته يتجه مباشرة نحو غرفة عمله الخاصة فأدركت أنه نسي شيء وعاد ليأخذه وكانت ستهم باللحاق به لكنها توقفت على أثر صوت رنين الباب مجدداً فصغرت عيناها باستغراب وعادت للباب لكي تفتح وقد كان عمران في تلك اللحظة خرج على أثر صوت رنين الباب ووجدها تفتح وكان الطارق صديقتها سندس وشقيقة سليم.

سقطت عين سندس على عمران ورأت نظراته المنزعجة والمخيفة فتنحنحت باحراج ونظرت لآسيا في حزن تهمس: _كنت جاية أتكلم معاكي في حاجة صغيرة يا آسيا لآخر مرة لو مفيش مانع أو مشكلة. طالت نظرات آسيا الممتعضة لها ثم التفتت برأسها للخلف تنظر لعمران وتسأله بنظراتها هل يوافق أم لا، فتنهد بخنق وهز رأسه لها بالموافقة فعادت تنظر لسندس مرة أخرى وتجيبها بهدوء وهي تفسح لها الطريق للدخول: _اتفضلي.

أشارت لها بيدها على غرفة بجانب الباب مباشرة فدخلت سندس ثم لحقت بها آسيا وأغلقت الباب، تقدمت إليها وجلست على المقعد المقابل لها وهي تستمر في إرسال إشارات الخزي والغضب لها بينما سندس فتحدثت بأسف وندم حقيقي: _أنا آسفة يا آسيا صدقيني والله أنا مكنش في نيتي أبداً إني أذيكي أنتي معزتك عندي غالية أوي. آسيا منفعلة بعصبية: _ده جزاتي أني حكيتلك واتكلمت معاكي على أسراري تروحي تحكيها لأخوكي القذر ده..

امتلأت عيون سندس بالدموع وردت عليها بخجل دون أن تقوى على النظر لها: _مكنتش أقصد والله، وأنا كنت فاكرة إن سليم اتغير وبقى شخص كويس واتعلم من أخطائه، بس حتى أنا كنت غلطانة في أخويا وهو خد جزاه ويستحق اللي حصله، يمكن يتعظ وربنا يهديه.. بس لما سألني عنك أنا كنت فكراه بيسأل وعايزة يعرف فضول مش أكتر، وأنا بسذاجتي حكيتله، ورغم إني نبهت عليه ميجبش سيرة لحد أبداً، بس دي غلطتي أنا فعلاً يا آسيا.

أنهت عباراتها الأخيرة وهي تنهار في البكاء الشديد بحرقة وألم، فتأففت آسيا بضيق بعدما هدأ غضبها منها ولان قلبها، لكنها ردت بجفاء: _خلاص يا سندس، اللي حصل حصل، ومن النهاردة ورايح معدش في بينا أي كلام، وتنسي إننا كنا صحاب واصل. توقفت عن البكاء وهي تهتف بصوت مرتجف:

_أنا أساساً ابن عمي جاي ياخدني شوية كدا وهروح أعيش في بيت العيلة مع جدو وجدتي في المنصورة، يعني مش هتشوفيني تاني، وحبيت بس أجي أعتذر منك قبل ما أمشي، لأن اللي حصلك ده كان بسببي. لوت آسيا فمها باقتطاب ثم تمتمت في خنق: _جزء صغير منه كان بسببك، وهو الأخير، لكن الباقي كله كان بسبب أخوكي.. عموماً، خلاص يا سندس، أنا هنسى اللي حصل، وانتي كمان انسى، وروحي عيشي مع أهلك مرتاحة بعيد عن أخوكي ده.

هزت رأسها لها بالموافقة ثم استقامت واقفة وهي ترفع أناملها تمسح دموعها وتبتسم لآسيا بعذوبة وصفاء هامسة: _شكراً يا آسيا إنك سمعتيني وسمحتيلي أعتذر منك. هزت رأسها آسيا في بسمة خافتة دون أن تجيب، بينما سندس فاستدارت وغادرت الغرفة، ثم فتحت باب المنزل وانصرفت. فظلت آسيا مكانها تحدق على أثرها في الباب صامتة، ولوهلة أشفت عليها، أنه كان من نصيبها شقيق فاسق كهذا.

استدارت وعادت للداخل تحديداً إلى الصالة، فوجدت عمران يجلس على الأريكة ينتظرها، وفور رؤيتها لها سألها بحزم: _قالتلك إيه؟ تقدمت نحوه وجلست بجواره تقول في صوت رزين: _ولا حاجة، جايه تعتذر مني. هز رأسه بتفهم رغم أن ملامحه كانت توحي بالسخرية والاشمئزاز، لكن آسيا تجاهلت كل شيء وراحت تستغل الفرصة وتبتسم له برقة وهي تقول: _اديني خلاص قطعت علاقتي بيها واصل كيف ما قولت، وشوفتني كيف بتسأذنيني الأول قبل ما أدخلها و....

قاطعها عمران بلهجة صارمة وملامح وجه مريبة تثير الرهبة: _إنك تستأذنيني في كل حاجة بتعمليها ده مش اختيار، لا ده إجباري، يعني أنتي معملتيش حاجة غريبة. ازدردت ريقها بتوتر وعادت برأسها للخلف وهي تهمس لها بخوف مبتسمة: _أنت هتتحول تاني ولا إيه؟ ثم تابعت بنعومة جميلة وهي تهز رأسها بالإيجاب: _طبعاً هاخد إذنك في كل حاجة يا معلم، مقدرش أصلاً.. بس خلاص مش هتسامحني عاد.

حدقها بنظرة متفحصة وطويلة قبل أن يستقيم واقفاً ويتجاهل محاولاتها في نيل رضاه مجدداً، ثم يجيب عليها بحدة: _أنا طالع، ومتفتحيش الباب لحد واصل، فاهمة ولا لا! تأففت بخنق أن كل محاولاتها تنتهي بالفشل معه، وهو يتجاهلها في كل مرة ولا ينظر لوجهها حتى، لكن لم تستطع تجاهل تعليماته وهزت رأسها بالموافقة وهي تبتسم بتكلف. لحظات قصيرة وكان يغادر المنزل ويتركها وحيدة مرة أخرى، وهذه المرة ضيقت عيناها بعناد وغيظ وهي تقول:

_هنشوف بليل يا معلم، هتفضل كده بتتجاهلني برضه ولا لأ. *** بتمام الساعة العاشرة مساءً داخل منزل جلال بمدينة العين السخنة...... خرج من الحمام بعدما انتهى من حمامه الدافئ، ثم قاد خطواته لخارج الغرفة لكي يبحث عن فريال، فوجدها تجلس في الصالة أمام التلفاز على الأريكة تشاهد فيلماً يبدو رومانسي، ويتبادل فيه الأبطال العناق الحميمي، لم يكن ذلك هو الغريب، بل الغريب في الأمر أنها كانت تشاهدهم وتبكي!

وقف يراقبها وهو يبتسم في دهشة، ثم تحرك ببطء نحوها وجلس بجوارها في هدوء شديد هامساً بنبرة حاول إخراجها طبيعية دون ضحك: _أنتي بتبكي ليه؟ ردت عليه بصوت مبحوح وهي ترفع أناملها لوجهها تمسح دموعها: _المشهد جميل ومؤثر قوي يا جلال. كبح ضحكته بصعوبة وتمتم في خفوت ونبرة حانية: _أيوه مختلفناش إنه هو جميل.. بس بصي كده هما كيف مبسوطين وفرحانين، أنتي زعلانة ليه عاد، المفروض تضحكي معاهم. انهمرت دموعها مجدداً وهي

تجيب بحزن شديد وسط بكائها: _معرفش، بس أنا حسيت نفسي عايزة أبكي. لم يتمكن من كبح ضحكته أكثر من ذلك، لكن تمالكها قدر الإمكان وخرجت صامتة، ثم فرد ذراعه وضمها لصدره متمتماً في حب: _ابكي يا حبيبتي براحتك، ابكي. رفعت فريال نظرها للتلفاز مجدداً تنظر لوجوه الأبطال العاشقة ومشهد النهاية السعيد، وهي تقول بحسرة وشجن: _حبهم لبعض حلو قوي.. أنا مفيش حد بيحبني كده، ده هو عمل كل حاجة عشانها من كتر حبه ليها.

تقوست ملامحه وتحولت من الضحك للصدمة الممتزجة بالغيظ والانزعاج من سخافة كلماتها، ثم أبعدها عنه وقال ساخراً: _وهو أنا بعملك رز بلبن بس يعني ولا إيه؟ ابتسمت له لكن سرعان ما قالت ضاحكة في نفس مشتهية: _الله تصدق، نفسي في رز بلبن صح يا جلال.. إيه رأيك أقوم أعمله! عض على شفتيه السفلية محاولاً تمالك أعصابه، لكنه فقد قدرته في البقاء صامداً أمامها وهتف بلهجة مرتفعة قليلاً وساخطة:

_قومي اعملي يا فريال وابقي هاتيلي طبق معاكي، ولو لقيتي في سم فران في المطبخ ابقي حطيلي منه كمان عشان آكله وأموت قبل ما تجلطيني تاني. طالعته بقرف وانزعاج من عصبيته الغريبة عليها، ثم هبت واقفة واتجهت للمطبخ لكي تقوم بتحضيره، وقفت في المطبخ وابتسمت بخبث ونظرات شيطانية وسط ضحكتها الصامتة عليه... ***

فتح عمران باب المنزل ودخل، ثم نزع حذائه بجانب الباب ووضعه بمكانه، وتحرك نحو غرفته بالداخل، لكنه تسمر بمنتصف الطريق عندما وجدها تجلس فوق الأريكة بالصالة، وهي مرتدية ذلك الثوب الأسود القصير وتترك شعرها الأسود الطويل ينسدل على ظهرها وكتفيها بحرية، أما وجهها فكانت تزينه ببعض مساحيق الجمال الهادئة التي تزيد من جمالها، كان منظرها الأنثوي المثير يحبس الأنفاس ويسلب العقول.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...