تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 15 — رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق
انتصبت في وقفتها وسحبت يدها من أسفل الفراش بسرعة ثم استدرت له بوجه مفزوع، وحين رأته يتطلعها بنظرة ثاقبة ينتظر منها إجابة، بالأخص بعدما رأى حالتها المريبة، ازدردت هي ريقها بتوتر وقالت بثبات مزيف:
_ كنت بعدل ملاية السرير.
رغم أنه لم يقتنع بما فيه الكفاية، إلا أنه قرر تجاهل ذلك الشعور ولم يعقب عليها. ثم دخل وأغلق الباب جيدًا، ليقترب من الفراش ويضع يده في جيب جلبابه ليخرج هاتفه ومفاتيح سيارته ومحفظته الصغيرة، ثم وضعهم فوق طاولة الإدراج المجاورة للفراش. وكانت هي تتابعه بصمت تفكر فيما تريد أن تخبره به، لكن التردد يستحوذها. ورغم أنها تتوقع ردة فعله وإجابته، إلا أنها رغبت في التجربة، حيث قالت له بصوت هادئ:
_ أنا عاوزة أروح الصيدلية أجيب كام حاجة.
التفت لها برأسه ورمقها بقوة للحظات قبل أن يسأل بصلابة:
_ حجات إيه دي؟
لم تجب وبقت تحدقه بصمت دون رد. فتنهد هو وقال بحزم:
_ قولي اللي عايزاه وهجبهولك.
هزت رأسها بالرفض وهمست في صوت منخفض يغلفه الخجل دون أن تنظر له:
_ لا مش هينفع، دي حجات لازم أجيبها أنا بنفسي.
فهم ما تلمح إليه عندما رأى خجلها ونظراتها الزائغة، فمسح على وجهه متأففًا وقال مغلوبًا:
_ طيب روحي البسي يلا.
لم تكن تتوقع أن يوافق على خروجها من الأساس. وعندما سمعته يتفوه بتلك العبارة، طالعته ببعض الدهشة وهمت بالاستدارة لترتدي ملابسها وحجابها، لكنها توقفت ونظرت له تسأله بترقب:
_ أنت هتيجي معايا؟
رفع حاجبه يستنكر سؤالها ليقول بصوت غليظ:
_ أمال هتنزلي وحدك في نص الليالي دلوقت.
لوت فمها بيأس واستدارت لتتجه نحو الخزانة تخرج عباءة سوداء وفضفاضة، ثم سارت نحو الحمام وتوارت داخله لدقائق معدودة. ثم خرجت بعدما ارتدت ملابسها ووقفت أمام المرآة تلف حجابها بدقة. وعند انتهائها، تلفتت حولها بالغرفة لم تجده، لكن استقرت عيناها بالشرفة فرأته يقف بها. لتقول بنبرة مرتفعة بعض الشيء:
_ أنا خلصت.
انتبه لصوتها فتحرك وخرج من الشرفة، ثم تقدم هو قبلها للخارج وتبعته بخطواتها الهادئة وهي شاردة الذهن تفكر فيما تنوي فعله. رغم أن هناك صوتًا يحاول ردعها ويصرخ عليها "لا تفعلي ستكونين الخاسرة"، لكن شوقها وروحها المتخبطة تسعى لرؤية نعيمها حتى لو لمجرد دقائق قصيرة.
رغم أن خطواته كانت أسرع منها، لكنها كانت تحاول السير على خطاه وعيناها تتجول حولها تتمعن بكل شيء كأنها قضت سنوات دون أن ترى النور. وعند وصولهم أمام الصيدلية، توقف هو أمام الباب ودخلت هي لتشتري ما تريده. وبعد انتهائها وهي تنتظر الطبيب الصيدلي أن ينتهي من الحساب، تذكرت أنها لا تملك المال. فاتسعت عيناها بصدمة ولم تلبث للحظة أخرى لكي تفكر فيما ستفعله، فوجدته ينضم ويقف بجوارها ثم يخرج المال من جيبه ويدفع الحساب كاملًا. شعرت بالخنق، فلو كانت تذكرت أنها لا تملك المال، لكانت وجدت حجة أخرى للخروج.
حملت الكيس بيدها وسارت للخارج تتبعه في خطواته، لكنها توقفت عندما أصبحوا بالمنتصف بين الشارع الذي يؤدي لمنزل زوجها والشارع الذي سيقودها لمنزل والدها. وقالت بخفوت:
_ عمران.
توقف والتفت لها متعجبًا. فاقتربت هي ووقفت أمامه تهتف بنبرة صوت غريبة:
_ في كام حاجة نسيتهم في بيت أبويا عاوزة أروح أجيبهم.
رفع حاجبه وقال بقوة:
_ تروحي تجيبيهم كيف يعني؟
ردت بصوت مكتوم ومختلف عليها:
_ أنا معايا المفتاح ومحدش هيكون صاحي دلوقت، كلهم نايمين. هدخل أجيب حاجتي من أوضتي وهطلع طوالي.
طالت نظرته الحادة لها ليقول في الأخير بغلظة:
_ يبقى أنتي من الأول كان في نيتك تطلعي عشان تروحي مش تشتري حجات كيف ما قولتي.
التزمت الصمت كرد بالإيجاب على عبارته. وكان هو سيجيبها بالرفض، فهذا ليس الوقت المناسب لتذهب لمنزل أبيها بعدما حدث، وقد تحدث مشكلة إذا رآها أحد. لكن النظرة الضائعة التي بعينيها ومعالم وجهها الذابلة، حتى روحها المهشمة، أحس بها. أشفق عليها لأول مرة ووجد نفسه يشير لها بيده على طريق منزل والدها باستسلام. لمعت عيناها وتراقص قلبها فرحًا بموافقته، لكنها أخفت ذلك الشعور ورسمت الجمود فوق معالم وجهها. إلا أن تصرفها التلقائي عندما سبقته بخطواتها كشف حماسها وفرحتها.
وصلا أمام الباب ووقفت ترفع رأسها للأعلى تلقي نظرة مريرة على المنزل. ثم دست يدها في حقيبتها الصغيرة وأخرجت المفتاح لتضعه في قفل باب المنزل بحذر وتفتحه بكل بطء. دفعت الباب بيدها وتسمرت دون أن تتمكن من عبور عتبة الباب بقدمها، ومر من أمام عينيها شريط مأساتها الأخيرة وهي تغادر بحقيبة ملابسها دون أن يودعها أحد منهم بنظراته حتى. تلألأت العبرات في عينيها وخشت أن تنهار أمامه باكية، فأسرعت وخطت أولى خطواتها للداخل. لكن أوقفها بنبرته الحازمة وهو يأمرها بنظرة تعلم عواقبها جيدًا:
_ متتأخريش.
لم تعترض ولم تبدي أي رد فعل معاكس، بل هزت رأسها له بالموافقة في إطاعة كاملة ودخلت، ثم أغلقت الباب ليبتعد هو ويقف على مسافة بعيدة قليلًا ينتظرها.
كان الصمت المخيف يهيمن على المنزل بأكمله وبعض الأجزاء كانت مظلمة والأنوار مغلقة. فقادت هي خطواتها المتأنية نحو الدرج تصعد درجاته ببطء وعيناها غارقة بالدموع، حتى أن دموعها توالت في الانهمار قبل وصولها لغرفتها.
فتحت باب غرفتها ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها وتصلبت مكانها عندما استقرت عيناها على بقعة صغيرة بإحدى الأركان وتذكرت كيف كانت تلوذ إليها هربًا من بطش عمها وشقيقها وهم يعاقبوها كالمذنبين. توسلت لهم وهي تصرخ بعجز، لكن صوتها لم يصل لآذانهم التي أصمها الغضب. تتذكر كل كلمة وكل فعل وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع بغزارة، حتى أن تلك العبرات تحولت لنحيب قوي وهي تبكي بصوت مرتفع بعدما جثت على الأرض وانخرطت بنوبة بكائها العنيفة التي دامت لدقائق. ثم استجمعت نفسها بصعوبة وحاولت الوقوف على قدميها من جديد لتتحرك نحو خزانتها وتفتحها، ثم تبدأ بأخذ أشياءها الخاصة ومنها ما كان يعود لوالدها وأهداهم لها كذكرى. ثم التفتت فرأت صورتها التي تجمعها مع أبيها فوق الفراش. اقتربت وجذبتها هي الأخرى، ثم غادرت الغرفة بعد انتهائها. وقبل أن تقود خطواتها للدرج لتغادر، توقفت وهي تتلفت حولها على غرفة كل من أمها وشقيقها. ترددت كثيرًا، لكنها استمعت لصوت قلبها بالأخير واقتربت من غرفة أمها أولًا تفتح الباب وتلقي نظرة من الخارج دون أن تدخل. فوجدتها نائمة في فراشها بسبات عميق. فقذفت بذهنها عباراتها الأخيرة "أنا مليش بنات.. بتي ماتت"، "ياكش ربنا ياخد ويريحني منك"، "هيتجوزك وياخدك وتنسينا واصل".
امتلأت عيناها بالعبرات في ألم ومرارة، لكنها أظهرت رباطة جأش وأغلقت الباب مجددًا. ثم غيرت وجهتها تجاه غرفة شقيقها وحين فتحت الباب لم تجده، لكنها سمعت صوت المياه بالحمام. فأغلقت الباب بسرعة خشية من أن يراها وتحركت بعدها للدرج تقصد باب المنزل لتغادر قبل أن يراها أحد. لكن بتلك اللحظات كان منصور بطريق عودته للمنزل. ولحسن الحظ أنه لم يلحظ عمران الذي كان يقف بأحد الجوانب، بينما عمران تأهب واقفًا فور رؤيته له، وعُلقت عيناه على الباب ينتظرها. فلوهلة ندم أنه سمح لها بالقدوم.
فتحت آسيا الباب وخرجت، وبعدما خطت أولى خطواتها خارج المنزل اصطدمت بعمها فتسمرت وارتدت بتلقائية للخلف في اضطراب. بينما منصور فاشتعلت نظراته وصاح بها منفعلًا:
_ بتعملي إيه هنا؟
ابتلعت غصة مريرة في حلقها وردت بثبات مزيف:
_ جيت آخد كام حاجة نسيتها وماشية.
قبض منصور على ذراعها بعنف وصرخ في ابنة أخيه بقسوة:
_ معدش ليكي حاجة هنا بعد عملتك الـ... ورجلك متعتبش هنا تاني وتنسي أن ليكي ناس، فاهمة ولا لا.
غامت عيناها بالعبرات الحارقة وسكنت أمام جموح عمها لا تملك القدرة على المقاومة، بل بدت ضعيفة ومنكسرة كما شعرت بذلك اليوم الذي انهالوا عليها بالضرب.
اندفع عمران نحوهم مسرعًا ووقف حائلًا بين منصور وزوجته ودفع يده بعيدًا عنها ليرمقه بنظرة قاتلة ويقول بصوت يدب الرعب في الأبدان:
_ اوعاك ترفع يدك عليها تاني وخصوصًا لو قصادي يامنصور.
صاب منصور بعض الدهشة على أثر ظهور عمران فجأة، لكنه ابتسم بسخرية على عبارته وقال بغضب:
_ أنا عمها واكسرلها ضلوعها كمان لو عاوز.
التهبت نظرة عمران وقال بخفوت مرعب:
_ ده لما كانت بتكم وفي بيتكم، لكن دلوقتي هي في كنفى.
لم تكن آسيا في حال يسعها للتدخل أو حتى التحدث، فقط كانت تحاول البقاء صامدة وتحدق بعمها في خزي وأسى. توقفت عن عد المرات التي مزقوا شيئًا مختلفًا بقلبها، وبهذا اللحظة عمها مزق شيئًا جديدًا. لكنها لم تجد ملاذًا لها من بطشه وجموحه سوى ظهر زوجها الذي احتمت به حتى لا يلمسها عمها. فسمعت عبارته الأخيرة وهو يقول بقرف وخنق:
_ يبقى خد مراتك من هنا ياواد الصاوي قبل ما أرتكب فيها جريمة.
رفعت آسيا نظرها للأعلى بتلقائية فرأت جلال يقف بشرفة غرفته ويتابع ما يحدث بجمود، حتى أنه يرمقها بغضب ونارية. فأرسلت له بعينيها نظرة كلها خزي وبغض، وربما تلك هي الوهلة الأولى التي يراودها شعور أنها توقفت عن شعورها بالحزن لفراقهم، وربما حتى أصبحت هي الغاضبة والناقمة عليهم.
فأنزلت نظرها لعمها وقالت بجرأة ونظرة كلها وعيد وحرقة:
_ عندك حق ياعمي، أنا معدش ليا مكان هنا ومعدش ليا ناس، عشان ناسي عمرهم ما كانوا هيصدقوا عني حاجة كيف دي. وقريب قوي هتعرفوا الحقيقة، بس وقتها هيكون فات الآوان وهتكون آسيا بتكم ماتت صح.
سكتت للحظة ثم قالت ببسمة شيطانية وعينان تلمعان يوميض مخيف كالساحرات تمامًا:
_ وابقى بلغ سلامي لخلود عشان هي غالية قوي عندي، وقولها قريب هردلها الجميل اللي عملته معايا.
رفعت رأسها مجددًا وألقت نظرة على أخيها ممتلئة بالقوة والشموخ، ثم أنزلتها وابتعدت تسير بخطواتها الثائرة مبتعدة عنهم. وعمران استقرت في عيناه نظرة مرعبة نحو منصور قبل أن يتركه ويسير مبتعد هو الآخر يلحق بآسيا.
على الجانب الآخر داخل إحدى الغرف كانت تجلس منيرة مع شقيقتها ويتحدثون حول حدث الليلة بحماس. لتقول شقيقتها بفرحة:
_ هي دي الرجالة مش اللي كنتي متجوزاه ده.
قالت منيرة بقرف وخنق:
_ قطعت سيرته..
متجبليش سيرته واصل مبطيقش اسمع اسمه حتى
قالت شقيقتها بخبث:
_ كنتي فرحانة ومش طايلاكي الفرحة من وقت ما عرفتي أن چليلة عاوزاكي لولدها وأهم النهاردة كانوا إهنه واتقدموا وكلها أسبوع وتبقى مرته
ابتسمت منيرة بخجل وسعادة وهي تستعيد لحظات من الساعات القليلة السابقة قبل رحيلهم عندما دخلت بيديها حاملة كاسات العصير وانحنت على كل فرد لكي يأخذ كأسه وعند وصولها له راحت تتمعنه بإعجاب رغم أنه كان باردًا ولم ينظر لها حتى إلا أنها فسرت تصرفه بوقار وهيبة منه وسرعان ما أشاحت بنظرها عنه حتى لا يلاحظها أحد.
همست لشقيقته بإعجاب وهي تتغزل به:
_ كله هيبة ورچولة إكده يابت أنا ممصدقاش إني خلاص كلها أيام وأتچوزه
ضحكت شقيقتها وقال بلؤم:
_لا صدقي وچهزي حالك بقى زين في الأسبوع ده.. عشان تاكلي عقله متنسيش أنه لسا مطلقش مرته يعني ممكن ترجع وتاخده منك في أي وقت لو مكنتيش ناصحة وعرفتي تكسبيه وتاخديه في حچرك وتخليه يحبك
ابتسمت منيرة وقالت بشيطانية:
_ فريال مفيش خوف منها دي هبلة ومهتقدرش تاخده مني طالما ضيعته مرة صعب تكسبه تاني.. وهخليه يطلقها كمان اصبري واتفرچي
تبادلت النظرات الماكرة مع شقيقتها وهم يضحكون ثم أكملوا محادثاتهم الليلة وهو يقهقهون بصوت عالي ويتبادلون أطراف الحديث المختلفة.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة ابراهيم وإخلاص........
كانت تجلس بجواره على الفراش فاقتربت منه أكثر وسألته باهتمام حقيقي:
_ صحيح عملت إيه ياحچ مع الواد اللي ضرب بلال؟
قال إبراهيم بهدوء وهو يزم شفتيه بخنق:
_ ناسه كانوا عاوزين يطلعوه بفدية ويدفعولنا عشان نسحب القضية.. بس عمران اتدخل وكل اللي عملوه مچابش نتيچة ويومين ولا حاچة وهيتعرض على النيابة وهنشوف هياخد قد إيه
قالت إخلاص بغضب:
_ ياكش ميطلعش واصل.. امال هو عاوز يأذي شاب كيف الورد وميخدش عقابه
هتف إبراهيم بنزرة مشتعلة:
_بس ناسه مش هيچبوها لبر باينلهم وعاوزين قرصة ودن زينة
توترت وقالت بخوف تنهيه بحزم:
_ ملوش لزمة يا إبراهيم هما لازم هيحاولوا يطلعوا ولدهم وطالما هيتعرض على النيابة خلاص هياخد چزائه مدخلش روحك أنت وعمران في مشاكل بزيادة المصايب اللي احنا فيها أبوس يدك
طالعها مطولًا عندما رأى الارتعاش على وجهها وابتسم لها بحنو ثم فرد ذراعه وضمها لصدره بحنو متمتمًا:
_ متخافيش ياغالية مفيش حاچة.. وبعدين مصايب إيه دي؟
هتفت بغيظ ونقم دون أن تبتعد عن أحضانه:
_ چواز ولدي من بت خليل ده أول مصيبة
ضحك إبراهيم بعدم حيلة وقال متعجبًا:
_ لساتك في الموضوع ده يا إخلاص.. انسى وتقبلي الوضع خلاص ده بدل ما تبقى فرحانة ومستنية تفرحي بولاده كمان
ابتعدت عن صدره هذه المرة وقالت ساخرة بعصبية:
_ افرح ده إيه.. فرحتي لما يطلقها ومعاوزاش ولدي يچيب عيال منها واصل الحرباية دي
رمقها باسمًا وقال بجدية ونظرة تحمل المكر:
_ عمران هو اللي يقول عاوز ولا مش عاوز مش أنتي يا إخلاص
هزت رأسها بالرفض وقالت بإصرار واستياء شديد:
_ ولو بردك مش هسيبلها ولدي
ضحك مغلوبًا ثم استقام واقفًا وهو يقول:
_ هطلع اروح اطمن على بلال وأشوفه بقى كيف
اماءت له بالموافقة مبتسمة ليتجه هو نحو الباب.. وعلى الجانب الآخر كانت عفاف تقف أمام باب غرفتها وعيناها عالقة على غرفة إخلاص وهي تشتعل من فرط الغيظ. لكنها انتفضت مفزوعة عندما سمعت صوت الباب واسرعت لغرفتها تغلق الباب لكن تركت جزءًا منه مفتوحًا وأرسلت منه عيناها للخارج تراقب من الذي خرج من الغرفة وعندما رأت زوجها ابتسمت بمكر واعتدلت في وقفتها ثم فتحت الباب وخرجت وهي تنظر له مبتسمة فرمقها باستغراب واقترب نحوها وهو يقول:
_ في إيه ياعفاف؟
انتظرته حتى وقف أمامها وراحت تبتسم بدلال ولفت ذراعها حول رقبته هاتفة:
_ مفيش حاچة ياحچ بس اتوحشتك
ابعد يديها عن رقبته خشية من يراهم أحد ورمقها بحدة هاتفة:
_ اتحشمي ياولية!
قهقهت بغنج أنثوي وقالت في لؤم:
_ طيب تعالى ياحچ عاوزاك في موضوع مهم
تمتم ببعض الجدية رغم أنه بدأ يلين:
_ رايح اطمن على بلال
ردت بسرعة باسمة:
_ بلال زين وبقى كيف الحصان أنا كنت لسا عنده وسبته عشان ينام
رفع حاجبه لها وابتسم بلؤم مماثل لها فضحكت وجذبته من يده للداخل وأغلقت الباب. بينما إخلاص فكانت تقف على باب غرفتها تتابع ما يحدث وهي تشتعل كجمرة من النيران وحين رأته يدخل معها ويتوارون عن أنظارها شعرت بأنها ستحترق من فرط غيظها فدخلت لغرفتها مجددًا وصفعت الباب بعنف وسط شتمها لعفاف وتعهدها له.
***
كانت آسيا تقوم خطواتها شبه ركضًا فوق الدرج وهو يصعد خلفها بهدوء على عكسها.. وعندما وصلت لغرفتهم فتحت الباب بعنف ودخلت وهي تتنفس بصعوبة ويداها ترتعش من فرط القهر والغضب. دخل عمران خلفها وأغلق الباب ثم قال بسخط ونبرة مريبة:
_ كانت أول وآخر مرة اعملي حسابك رچلك مش هتعتب بيتكم تاني
استدارت له وقالت بمرارة ورباطة جأش:
_ اطمن أنا معدتش هدخل هناك تاني خلاص مكنتش مستنية كلامك.. كنت فاكرة أني ليا مكان في قلوبهم حتى لو صغير لكن طلعت غلطانة وهما نسيوني ومسحوني من حياتهم
تقدم منها ووقف أمامها مباشرة هامسًا بخشونة:
_ أظن دلوك عرفتي أن مكانك إهنه معايا وملكيش مكان تاني
ابتسمت وقالت ساخرة في عينان مظلمة وكأنها مسلوبة الروح:
_ مش هتفرق كتير هناك نهايتي وإهنه چحيمي
انهت عبارتها وتركته لتتجه نحو الشرفة تقف بها لتستنشق بعض الهواء النقي عله يهدأ من نيران صدرها.. بقت واقفة لدقائق طويلة وحين عادت للداخل لم تجده ظنته بالحمام لكن حين اقتربت منه وجدته فارغًا. لم تعقب كثيرًا وتتساءل إلى أين ذهب بل تجاهلت الأمر وبدأت في تبديل ملابسها وعندما انتهت توجهت نحو الفراش وتمددت بجسدها عليه مغلقة عيناها علها تسبح بأحلامها بعيدًا عن واقعها المؤلم.
عاد هو بعد نصف ساعة تقريبًا فقد خرج وذهب للمحزن لكي يطمئن على الأوضاع عندما اتصل أحد العمال وأخبره بأن هناك عطل بالبرادات ويخشى أن تفسد الأسماك.
فتح الباب ودخل فوجدها نائمة بسبات فبدأ في نزع جلبابه عنه ودخل الحمام ليأخذ حمامًا دافئ قبل أن يخلد النوم. خرج بعد دقائق معدودة وهو ممسكًا بمنشفة صغيرة يجفف بها شعره من المياه. استيقظت هي على أثر خطواته وحركته بالغرفة لكنها لم تفتح عيناها بسبب شعورها بالنعاس والخمول الشديد وراحت تكمل نومها مجددًا لكنها فتحت جزء صغير من عيناها لا يرى ولمحته وهو يقترب من المنضدة المجاورة للفراش وتحديدًا لرأسها لكي يلتقط جاهز التحكم بالمكيف. ودون وعي منها مدت يدها ووضعتها فوق كفه الكبير تمنعه من التقاط الجهاز هامسة بصوت ناعس:
_ أنا بردانة
ضيق عيناه بتعجب من عبارتها ويدها الممسكة بيده ودام سكونه لثواني قليلة وهو يتمعن الموقف قبل أن يسحب يده ببطء ويترك جهاز التحكم متراجعًا عن تشغيل المكيف ثم ابتعد والتف حول الفراش من الجهة الأخرى ليتسطح بجسده العريض وقبل أن يغفو مد يده للغطاء ورفعه عليها يدثرها به...
***
بصباح اليوم التالي داخل الجامعة......
مر يومين منذ الحادث ولم تراه بالجامعة أبدًا.. ولا تعرف لماذا علقها لا يتوقف عن التفكير به والقلق عليه. باتت تبحث بوجوه الجميع بحثًا عنه أملًا في أن تراه ويكون عاد مجددًا. قلقها ينهش قلبها نهش ولا تتوقف عن طرح الأسئلة ماذا حدث له بعدما ذهب للمستشفى وماهو حاله الآن.
وسط شرودها انتشلتها صديقتها نور وهي تقول بحيرة:
_ سرحانة في إيه تاني يا حور؟
تطلعت لصديقتها بتردد ورغبت في أن تتشارك معها ما يؤرق عقلها لكنها تعلم أنها لن تسلم منها إذا شكت لمجرد الشك فقط أنها معجبة بذلك الشاب. فأثرت الصمت بالأخير ولم تجيب ولكن الأخرى كانت ذكية وماكرة حيث ابتسمت وقالت بشك:
_ أنتي من ساعة الحادث اللي حصل للولد اللي اسمه بلال ده وأنتي كدا.. مكنتيش بتحبي تقعدي في الكافتريا أصلًا وفجأة ياسبحان الله حبيتها ومش عايزة تقعدي غير فيها.. وطول ما أنتي قاعدة عينك مش ثابتة في مكان واحد وكأنك يعني بتدوري على حد كدا منعرفوش خالص هو اسمه بلال بس
لم تتمكن من حجب ضحكتها على مزحة صديقتها الأخيرة وردت مغلوبة بعدما أدركت أنها كشفت أمرها:
_ أنتي عايزة إيه بقى دلوقتي يانور
لمعت عين نور بخبث وقالت:
_ عايزاكي تكوني جريئة كدا وتقوليلي أيوة أنا قاعدة هنا عشانه
تأففت بنفاذ صبر وقالت ببسمة مستسلمة:
_ أيوة قاعدة هنا عشان مستنية أشوفه وفعلًا بدور عليه ارتحتي كدا
هزت نور رأسها بالإيجاب وهي تضحك بخفة في استمتاع ثم ألقت نظرة على شاب يجلس على مقعد بمفرده يتفحص هاتفه وحين دققت النظر به قالت لحور:
_ هو مش ده صاحبه برضوا وهو اللي راح معاه المستشفى؟
نظرت حور لذلك الشاب الذي تقصده فهزت رأسها وقالت بخفوت:
_ أه هو ليه؟
نظرت لها نور وقالت بجدية:
_ طب ما تروحي اسأليه عليه طالما أنتي مهتمة وقلقانة أوي كدا
اتسعت عين حور بصدمة وقالت برفض قاطع:
_ إيه الهبل ده لا طبعًا مستحيل أعمل كدا.. هو تلاقيه لسا تعبان ولما يخف هيرجع الكلية
قالت نور بغيظ:
_ ولغاية ما يخف احنا هنفضل نقعد في الكافتريا المملة دي بقى بنبص في اللي رايح واللي جاي مستنينه يظهر.. ما تروحي تسألي صاحبه يابنتي وخلصينا
هتفت برفض وأصرار في حدة:
_لا يانور قولتلك مش هسأل حد عايزاني اتفضح وهو يروح يقوله بعدين.. عايزة تروحي تسأليه أنتي روحي
لوحت لها بيدها وقالت في قرف ساخرة:
_ واروح أسأله أنا ليه هو أنا اللي معجبة بصاحبه وقلقانة عليه!
استاءت حور بشدة واشتعلت نظراتها لتستقيم واقفة وتقول بضيق:
_ إيه معجبة دي أنا مقولتلكيش إني معجبة بحد.. أنا بس قلقانة عليه من باب الإنسانية أنا غلطانة إني بتكلم معاكي أصلًا يانور
فغرت نور عيناها بدهشة من انفعال صديقتها التي اندفعت مبتعدة عنها وتركتها.. فهمست لنفسها متعجبة مازحة:
_ إنسانية إيه دي!.. والله ولسا فيكي إنسانية يابلد
جذبت حقيبتها واستقامت واقفة مسرعة تلحق بصديقتها وهي تهتف منادية عليها وسط ضحكها:
_ ياسفيرة الإنسانية استنى!
لم تعيرها حور اهتمام واكتفت بإلقاء نظرة نارية عليها وأكملت طريقها بينما الأخرى فكانت تلحق بها وهي منخرطة في نوبة ضحك عنيفة.
***
قادت إخلاص خطواتها تجاه غرفة الصالون حيث يجلس بشار يتابع بعض أعماله من المنزل بسبب تعبه البسيط.
كانت تحمل له مشروبًا دافئًا ليهدأ من حدة الحمى التي لديه.
وحين دخل ورآها تحمل الصينية وفوقها كوب اليانسون الدافئ وبجواره السكر والمعلقة، ابتسم واستقام واقفًا، ثم أسرع نحوها وحمل عنها الصينية متمتمًا بحب:
_ تسلمي ياما، ربنا يبارك لنا في صحتك.
ابتسمت له بحنو أمومي عندما سمعته يناديها بأمه، ورتبت على كتفه بلطف هاتفة:
_ اشرب وخد العلاج اللي قولتلك عليه يا ولدي عشان الدور ما يزيدش عليك.
أومأ لها بالإيجاب، وسط ابتسامة وجهه الجميلة، وعاد مجددًا يجلس فوق الأريكة، وتبعته هي لتجلس بجواره وتتابعه في صمت للحظات. عندما انتبه لنظراتها، قال بحيرة:
_ في حاجة عايزة تقوليها ولا إيه يا أمي؟
تنحنحت برزانة، ثم قالت في جدية ونظرات دقيقة:
_ آه، كنت عايزة أقولك إيه رأيك أشوف لك عروسة ونخطبك؟ عاوزين نفرح بيك عاد يا بشار.
تجهمت ملامح وجهه، وقال رافضًا بهدوء:
_ مش بفكر دلوقتي في الجواز يا مرت عمي.
عبس وجهها، وقالت في حزن ونظرة ذات معنى:
_ وهتفضل لغاية إمتى مبتفكرش كده يا بشار؟
لم يجيبها، واكتفى بصمته وهو يطالعها باستغراب، لا يفهم ما تلمح إليه، فقالت هي بكل وضوح وحزم:
_ ما تبصليش كده، أنا مربياك مع عمران بعد أمك الغالية الله يرحمها، وعارفة كل حاجة زين. عارفة إن عقلك وقلبك مشغولين برحاب، متحاولش تداري عليا.
أبعد وجهه عنها، يخفي مرارته وضيقه الواضح في عينيه، ليجدها تكمل بحزن ونبرة دافئة كلها حب:
_ أبوك ملوش غيرك، ونفسه يفرح بيك ويشيل عيالك. ليه تضيع روحك عشانها وهي خلاص كلها كام شهر وتتجوز؟ مينفعش تفضل شايلها في قلبك يا بشار.
عاد بوجهه لها، وهتف في خنق وانزعاج:
_ وأنا بحاول أشيلها من قلبي ياما، هعمل إيه أكتر من المحاولة؟
قالت بقوة ونبرة صارمة:
_ تعمل اللي بقولك عليه وتوافق على الجواز. مش هتنساها ولا تعرف تشيلها من قلبك غير لما تخطب وتتجوز وتدي لنفسك فرصة.
طالت نظرته الصامتة لها دون أن يجيب، فسألته هي بترقب:
_ ها، قلت إيه؟ موافق وأبدأ أدور لك على عروسة تليق بيك؟
صمته كان رده للحظات، وهو يحدق بزود عمه، يفكر فيما تقوله. محاصر بين الموافقة والرفض، لكنه بالأخير وجد لسانه يتحدث دون وعي منه ويقول:
_ ماشي، موافق.
تهللت إخلاص، وقالت براحة وهي تربت فوق كتفه بحنو:
_ زين يا ولدي، إن شاء الله قريب نفرح بعيالك كمان.
لم يبادلها الابتسامة، وبقي ساكنًا هو، حتى لا يعرف كيف نطق بالموافقة. أما إخلاص، فتوقفت وسارت لخارج الغرفة، تتركه بمفرده يتخبط بين مشاعره وأفكاره.
***
فتحت عينيها بخمول، وانفزعت حين وجدت وجهها مقابلًا لوجهه فوق الوسادة. للحظة كانت ستوبخ نفسها أنها نامت بجواره من الأساس، وكانت ستثب واقفة من فوق الفراش، لكن شيئًا ما تعلق بها وأبقاها بالفراش على نفس وضعها، وراحت تتأمله بعيون هائمة. كانت تلك هي الوهلة الأولى لها التي تدقق في تفاصيل وجهه، لحيته الكثيفة وشاربه الذي يخفي جزءًا من شفتيه الغليظة، حتى عيناه الثاقبة، تتذكر جيدًا حين يتطلع إليها ويثبتهم عليها، تشعر أنها ضائعة داخلهما، وكأنهم دوامة تسحبها لعمقها.
شردت للحظة وهي تتذكر الأمس وما قاله: "ده لما كانت بتكم وفي بيتكم، لكن هي دلوقتي في كنفى." "أظن دلوقتي عرفتي إن مكانك هنا معايا وملكيش مكان تاني." بقيت لدقائق طويلة نسبيًا وهي شاردة به، حتى عادت لوعيها فجأة، واتسعت عيناها بذهول مما تفعله. هزت رأسها بالنفي، تطرد تلك الأفكار التي علقت بها، ووثبت واقفة من الفراش وهي تهمس بغضب:
_ جرالك إيه، فوقي يا آسيا!
التفتت برأسها للخلف تجاهه، وأعادت نظرة النقم والأشمئزاز مجددًا لوجهها، وهي ترمقه، حتى لم تكن نابعة من صميمها حقًا، ولكنها كانت مصممة على نزع أفكارها المنحرفة عن علقها. وأسرعت نحو الخزانة تخرج ملابس نظيفة لها، ثم اتجهت للحمام لتأخذ حمامًا دافئًا، عل المياه تغسل وتطهر علقها من تلك السخافة الذي هو مقبل عليها.
بعد ثلاث دقائق بالضبط من دخولها الحمام، فتح هو عينيه بخمول على أثر أشعة الشمس المتسللة من الشرفة لعينيه، ثم مد يده للمنضدة المجاورة للفراش يلتقط هاتفه من فوقها وينظر للساعة. فاتسعت عيناه بدهشة حين أدرك أنها العاشرة، وتأفف بخنق، ثم استقام جالسًا فوق الفراش وهو يفرك عينيه بقوة. بقى مكانه ينتظر خروجها من الحمام بعدما سمع صوت المياه بالداخل. ولم تمر سوى عشر دقائق تقريبًا حتى خرجت. وحين رأته، ألقت عليه نظرة مغتاظة وحانقة قبل أن تكمل طريقها وتقف أمام المرآة لتبدأ في تسريح شعرها. لم يكترث هو لها، وتوقف متجهًا نحو الحمام.
دقائق قليلة وخرج هو، ثم اقترب من الخزانة لكي يخرج ملابسه. وبقيت هي تتابعه في نظرات مغتاظة. هناك بعض الكلمات العالقة بحلقها، وإن لم تخرجها ستخنقها، لتقول بالأخير في غضب:
_ أنت غايتك إيه بالظبط؟ بتعمل كده معايا ليه؟
التفت لها برأسه، وغضن حاجبيه بعدم فهم، لتكمل هي تشرح له ببساطة أكثر، وقد ارتفعت نبرة صوتها:
_ بتدافع عني قصاد ناسك، وإمبارح بتحميني من عمي، وبتعمل تصرفات غريبة، ولما كنت تعبانة عملت روحك مهتم وقلقان عليا. أنت عاوز إيه؟
احتدمت نظراته، وقال بلهجة مخيفة:
_ حسك ما يعلاش عليا.
لم تكترث له، بل تابعت بنفس نبرتها، والغضب أصبح يتملكها أكثر:
_ لتكون بتفكر إنك كده هتخليني أصدق إنك كويس ومالكش يد في قتل أبويا.
أظلمت عيناه على أثر ذكرها لذلك الأمر، فباغتها بصرخة نفضتها في أرضها، وهو يقبض على ذراعها بقوة:
_ لما أقولك حسك ما يعلاش، تبقي توطي صوتك وتتكلمي بأدب. أنا مش خايف منك عشان أثبت لك إني قتلت أبوكي ولا لا، وميهمنيش أصلًا. اللي قتل أبوكي هربان، ومحدش فينا له يد في اللي حصل.
صاحت به في صوت مبحوح، رغم خوفها من جموحه المرعب:
_ كداب ومش مصدقاك.
همس بصوت دب الرعب في قلبه، وعينان تنبض بالغضب:
_ إن شاء الله عنك ما صدقتي. لو اتكلمتي بالطريقة دي تاني، قولي على نفسك، يا رحمن يا رحيم يا آسيا. أنا ليا كام يوم هادي معاكي، بس شكلك مبتجيش غير بالعين الحمرا.
تطلعت له بخنق، وسكنت مجبرة خوفًا من بطشه، ثم حاولت نزع ذراعها من قبضته، لكنها فشلت، ولم يتركها إلا عندما هو أراد، وبعدما طالت نظراته المشتعلة لها.
فور تركه لذراعه، راحت تفرك مكان قبضته بألم، وهي ترمقه بنقم وغيظ. أما هو، فشرع في ارتداء ملابسه، وبعدما انتهى، غادر وتركها دون أن يلقي عليها نظرة واحدة حتى.
***
بتمام الساعة الثامنة من ذلك اليوم...
كانت فريال جالسة بغرفتها فوق فراشها، وتتفحص هاتفها، وتفكر بقلق، لماذا لم يأت اليوم أولادها لزيارتها كما اعتادوا كل يوم؟ ولم تكن لتلبث لحظة أخرى حتى وجدت هاتفها يصدح برنين مرتفع، وظهر اسم جلال فوق الشاشة. تهللت ولمعت عيناها بسعادة غامرة، فراحت تجيب عليه مسرعة في لهفة:
_ الو يا جلال.
أتاها صوت ابنها الكبير، وهو يقول بصوت ضعيف وخافت:
_ أيوه ياما، أنا تعبان، تعالي.
صابها الهلع، وردت على ابنها بخوف:
_ مالك يا معاذ يا حبيبي؟
رد معاذ بنفس نبرته، وهو يسعل:
_ تعبان، تعالي عاوزك تقعدي معايا.
سألته بقلق واهتمام:
_ هو محدش قاعد معاك ولا إيه؟
رد في خفوت لعدم قدرته على الحديث:
_ لا، أبويا معايا، ولسه راجعين من عند الدكتور، وستي راحت تغزي الجيران.
استقامت واقفة، وقالت بتلهف وقلب ينتفض من الخوف على ابنها:
_ حاضر، هلبس طوالي دلوقتي وأجيلك يا حبيبي.
أنهى مع أمه الاتصال، ومد يده بالهاتف لأبيه، الذي سأله باهتمام:
_ قالت لك إيه؟
رد على أبيه مبتسمًا، وفي وجهه متعب:
_ جايه دلوقتي.
تنهد جلال الصعداء، وأظهر الجمود، رغم فرحته أنه سيرىها وستعود لمنزلها، حتى لو لمجرد ساعات قليلة. نظر للطعام الذي أمام ابنه، وقال له بحزم:
_ أمك جايه أهي خلاص زي ما كنت عاوز، كل يلا عشان تاخد العلاج.
قفز الصغير عمار بسعادة، وهو يقول في طفولية:
_ هييييه، أنا هروح أستنى أمي قدام الباب.
لم يمهل نفسه اللحظة ليستمع لرد أبيه، حيث اندفع ركضًا للخارج، يقصد الطابق الأرضي، لينتظر أمه عند الباب كما قال للتو.
انتهى معاذ من طعامه، وأخذ دوائه، وبتلك اللحظات كانت فريال قد وصلت، وعانقت ابنها الصغير بحرارة، الذي كان يستقبلها في فرحة غامرة بعودتها لمنزلهم، ثم صعدت معه للأعلى، حيث غرفتهم. وحين دخلت، رأت البسمة تعلو وجه ابنها، فسرعت نحو وجلست بجواره، تضمه لصدرها، وهي تلثم شعره بقبلات متتالية، هاتفة:
_ مالك يا حبيبي؟
سمعت صوت جلال، الذي هتف بجدية:
_ دور برد شديد، والدكتور علق له محلول في العيادة، وكتب له على علاج وحقن.
انقبض قلبها، وقالت بقلق، وهي توبخ ابنها:
_ بتدخل تستحمى طبعًا يا معاذ، وتطلع تنام على المروحة عشان كده تعبت. بتعمل زي أبوك!!
تطلع لأبيه، وقال ببراءة، زام شفتيه:
_ بس أبويا مبيتعبش!
ضحك جلال بخفة، أما هي، فردت بحزم على ابنها:
_ أنت صغير ومناعتك ضعيفة، ومتستحملش، هتقارن روحك بأبوك.
رد معاذ في أسف، ووجه عابس:
_ مش هعمل كده تاني يا أمي، أنا آسف.
لانت حدة نظراتها، وابتسمت لصغيرها بحنو، ثم مالت عليه وقبلته برفق من وجنته وجبهته. بينما جلال، فتوقف عندما صدح صوت رنين هاتفه، وغادر الغرفة ليجيب على المتصل، وتركها مع أولادها، وهي تهتم بابنهم المريض.
بعد مرور خمسة عشر دقيقة تقريبًا، توقفت هي وغادرت غرفة أولادها، متجهة لغرفتها لكي تجلب مقياس الحرارة وتطمئن على حرارته. فتحت الباب ودخلت، ثم راحت تبحث بالأدراج عنه، لم تجده. بعد لحظات، وجدت باب الحمام ينفتح، ويظهر جلال، الذي انتهى للتو من حمامه الدافئ، وكان عاري الصدر. تصرفت بطبيعية، ومنعت نفسها من النظر إليه بصعوبة، لتقول في خفوت:
_ الترمومتر فين؟
أشار على الخزانة دون أن يتحدث، فاتجهت نحوها وفتحتها، ثم راحت تبحث داخلها بيدها، لم تجده. كانت على وشك أن تتحدث بأنها لا تجده، لكنها رأته بالأعلى، فرفعت ذراعها وحاولت التقاطه، لم تستطع. فتنفست بقوة في الأخير، والتفتت تجاهه، تقول في رقة غير مقصودة منها:
_ مش لاحقاه يا جلال، تعالي هاته.
طالت نظرته لها، ثم اقترب بعد لحظات، ووقف خلفها مباشرة، يمد ذراعه للأعلى لكي يلتقطه، ثم جذبه واخفض ذراعه للأسفل، وتطلع إليها. شعر بأن حصونه كلها انهارت في لحظة، عندما اقتربت منه وباتت شبه بين ذراعيه. التهبت مشاعر الشوق والحب في صدره، ولم يعد يشعر بوجود أي غضب منها في تلك اللحظة. هو فقط يريد أن ينعم معها ببعض لحظاتهم الخاصة، لكي يروي روحه المتعطشة لها. أما هي، فقالت بتوتر بسيط، وهي تتطلع بجسده:
_ البس هدومك، هتتعب كيف ولدك.
لم يجيبها، وبقى يتأملها بشوق وغرام. لا تنكر أنها اشتاقت لنظرات العشق من عينيه، وحين رأتهم الآن، شعرت بأن الثلوج التي بينهم ربما بدأت في الذوبان.
فابتسمت له بحب وهمست في خجل:
_ چلال!
همستها الناعمة باسمه أسلبته عقله ولم يعد قادرًا على التحكم برغبته العارمة بها حيث همس دون وعي:
_ فريالي!
انغمسوا معًا في لحظات خاصة فصلتهم عن العالم بأكمله ولم ينتشلهم منها سوى طرق الباب وصوت عمار وهو يقول بهلع:
_ ياما الحج معاذ بيكح جامد قوي
انتفضت وابتعدت عنه بسرعة ثم هرولت مسرعة للخارج متجهة لغرفة ابنها لكي تطمئن عليه، بينما هو فمسح على وجهه متأففًا بخنق وللحظة ظهر شبح ابتسامته على شفتيه، يشعر نفسه مغيب وكأنه ليس بوعيه وحين يعود لوعيه سيندم على ما فعله، لم يشغل نفسه بالتفكير كثيرًا وارتدى ملابسه بسرعة ثم أسرع نحو غرفة أولاده ليطمئن على ابنه.
عاد عمران للمنزل وقاد خطواته للطابق الثاني حيث غرفته.. صعد الدرج بهدوء ثم سار بالدرة الطويلة المؤدية لغرفته وحين وصل فتح الباب ودخل ثم أغلقه خلفه.. نزع عباءته البنية عنه وألقى نظرة على الغرفة الفارغة فضيق عيناه وهتف مناديًا عليها:
_ آسيا!
لم يحصل على رد منها فعاد ينده عليها مجددًا لكن بصوت أشد قوة ولم يجد إجابة أيضًا فاقترب من الحمام ووقف أمامه ثم مال بأذنه يستمع لأي صوت قادم يؤكد له أنها بالداخل لكن لم يسمع.
كانت هي قد انتهت من حمامها وتهم بارتداء ملابسها وتلف جسدها بمنشفة بيضاء عريضة وكانت شاردة الذهن للدرجة التي لم تجعلها تتمكن من سماعه وهو ينده عليها لكن فجأة انفتح الباب وحين رأته ضمت ذراعيها لصدرها وهي تصرخ بزعر.
طالعها بصمت لكنها استشاطت وصرخت به منفعلة:
_ أنت قاصد تعملها.. دي مش أول مرة
قال بصوت أجش:
_ بنده عليكي مبترديش لو كنتي رديتي مكنتش هدخل
صاحت بعصبية وهي تحاول إخفاء جسدها عن أنظاره:
_ يعني هكون روحت وين هو أنا بطلع من السجن ده.. اطلع برا ياعمران
صر على أسنانه بغيظ يحاول تمالك أعصابه بينما هي فلم تتوقف حيث صرخت بصوت مرتفع في غضب:
_ اطلع برا
اندفع نحوها كالثور الهائج وكتم على فمها بيده وهو يصرخ:
_ أنا قولت إيه الصبح
انتفضت وابعدت يده عن فمها هاتفة باستياء:
_ متقربش مني قولتلك مليون مرة
استفزته بشدة وعنادًا بها لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه بعنف هاتفًا بانزعاج ملحوظ:
_ لو أنا مبقربش منك فده بمزاجي لكن أنا لو عاوز حاجة هاخدها.. وده حقي
ارتعشت بين يديه وحاولت التملص من قبضته بقلق بعد عباراته الأخيرة لكنه أحكم قبضته وقربها أكثر وهمس بمكر وهو يرفع يده متعمدًا للمنشفة ينوي نزعها عنها لكي يثيرها جنونها:
_ إيه رأيك؟
حين شعرت بيده انتفضت ودفعته بعيدًا عنها بكل قوتها صارخة:
_ متقربش ياعمران تاني أوعاك
لم يكترث لها وعاد يقترب بخطواته مجددًا لكنها أسرعت وفرت هاربة للخارج.. وقفت بجوار طرف الفراش وتابعته وهو مازال يتقدم بنظرات متحدية وحادة.. خشيته حقًا بتلك اللحظة وصدقت أنه قد ينفذ ما كان يخبرها به بالداخل، لكنه لم يكن ليفعل هو فقط يريد الانتقام منها.
انحنت ودست يدها أسفل الفراش تمسك بالسلاح ثم أخرجته ووجهته صوبه وهي تحذره:
_ متقربش
تصلب مكانه بصدمة عندما رأى السلاح بيدها ليصيح بها بصوت مرعب:
_ جبتي السلاح ده منين؟
ردت عليه بصوت خائف ومضطرب:
_ ملكش صالح ومتقربش مني وإلا هعملها
توقف ورفع كفيه متمتمًا بهدوء مزيف ليهدأ من روعها ويجعلها تتركه من يدها:
_ طيب مش هقرب منك.. نزلي السلاح ده مش لعب عيال الخزنة مليانة رصاص
اضطربت عندما سمعته يقول أنه ممتليء بالرصاص.. رغم أنها لا تنوي قتله حقًا ولن تكن تفعلها هي فقط تهدده لكي يبتعد عنها إلا أنها توترت بشدة، بينما هو فكان يثبت نظره على عيناها حتى لا يجعلها تنتبه أنه يقترب منها ببطء.. لكن دون أن تشعر ضغطت بالخطأ على الزناد فخرجت الرصاصة واستقرت بجسده.