انطلقت من شفتيها شهقة عالية بفزع حين أدركت أنها أطلقت النيران عليه ورأته يمسك بكتفه موضع الرصاصة وهو يتألم بعنف فأخذ جسدها كله يرتجف برعب وسقط السلاح من يدها لتهرول نحوه وتقول بهلع ملحوظ فوق صفحة وجهها: _عمران رمقها بنظرة مميتة وسط تألمه وصرخ بها: _غوري البسي هدومك چوا قبل ما حد ياچي طرحت سؤال سخيف بسبب توترها وهي تتطلع له بنظرة يملأها الندم والاعتذار: _أنت كويس؟ قال وسط تأوهاته صائحًا:
_طختيني بالنار وهكون كويس كيف.. غوري من وشي بدل ما اخلص عليكي واصل تقهقرت للخلف بقدم ترتجف ومعالم وجه مرتعدة وهي ترى دمائه تملأ كتفه وملابسه، لا تستوعب كيف فعلتها لكنها تقسم أنها لم تفعلها عن عمد ولم تكن تنوي أذيته. توقفت عن الصدمة واسرعت للحمام لترتدي ملابسها بسرعة وتخرج له مجددًا بسرعة، بينما هو فجلس على الفراش محاولًا التحكم بصوت تأوهاته وتحمل الألم، لكن فجأة انفتح باب غرفته ودخلت إخلاص التي صاحت بهلع:
_عمران حصل إيه يا ولدي إيه صوت ضرب النار ده؟ صرخت بصوت مرتفع حين رأت ذراعه غارق الدماء وهو ممسك بكتفه ويتألم فركضت نحوه وجلست بجواره تصيح في رعب: _ولدي مين اللي عمل فيك إكده يا حبيبي رد على أمه بصوت متعب: _كنت بنضف السلاح ونسيت أن الخزنة مليانة ودست عليه بالغلط.. بشار فين عشان ياخدني للمستشفى أنا مش هقدر اسوق كانت تهتف برعب وقد ادمعت عيناها وهي تراه بهذه الحالة: _سلاح إيه وأنت مالك بالسلاح يا ولدي
خرجت آسيا من الحمام ووقفت تتطلع له من مسافة وبعيناها ألف اعتذار وشعور، بالأخص بعدما سمعته يخبر أمه أنه هو من فعلها عن طريق الخطأ، هي حتى لم تتجرأ على الاقتراب منه وبقت بعيدة لكنها وجدت إخلاص تنظر لها بنارية وفجأة استقامت واقفة وغارت عليها تجذبها من ذراعها صارخة: _أنتي اللي عملتي في ولدي إكده.. وهو بيداري عليكي يا وش النصايب كلها
لم يكن لديه الطاقة للرد عليهم وتركها لوالدته أن قتلتها فلن يعد يهتم، تجاهلت آسيا ما قالته إخلاص وكانت ستهم بدفع يدها والاقتراب منه لكي تساعده ويغادروا ليذهبوا للمستشفى فأن بقى كثيرًا سيصبح خطرًا عليه، لكن جاء باقي المنزل على أثر صوت الطلق الناري وصياح إخلاص وكان أولهم إبراهيم الذي هرول نحوه ابنه وهتف بزعر: _عمران مين عمل اللي فيك إكده؟ كان بشار قد وصل وتسمر بأرضه منصدمًا حين رأى ابن عمه هكذا، لكن عمران توقف على قدميه
وأجاب على إبيه بصوت ضعيف: _بعدين هقولك يابوي خلينا نروح المستشفى معدتش مستحمل الألم رغم أن القلق كان ينهش قلب إبراهيم نهش على ابنه إلا أنه لم يجادله فذلك ليس الوقت المناسب وصحته أهم الآن، حيث امسك بذراعه السليم وساعده على السير ولحق بهم بشار، أما آسيا فركضت خلفهم وهي تقول باهتمام: _أنا هاچي معاكم
وجدته التفت برأسه للخلف نحوها ورمقها بنظرة اقسمت أنها شعرت بأن النظرة قتلتها من حدتها وشراستها فتصلبت مكانها دون حركة وتابعتهم بعد ذلك وهم يغادرون من دونها. فور رحيلهم اندفعت إخلاص نحوها وصرخت بها مجددًا: _ردي عليا أنتي كنتي عاوزة تقتليه صح مش كيف ما بيقول كانت أعصاب آسيا مدمرة دون أي مجهود وحين سمعت صراخ إخلاص بها صرخت بها بصوت اخرسها تمامًا:
_بدل ما أنتي واقفة قصادي إكده وكل همك تمسكي عليا حاچة.. روحي ورا ولدك واطمني عليه.. حلي عن نفوخي يا إخلاص ومتچننيش أنا فيا اللي مكفيني رفعت إخلاص سبابتها في وجهها وقالت بنظرة تحمل الوعيد كلها شراسة ونقم: _يرچع ولدي بالسلامة بس الأول وبعد إكده افضالك ولو طلعتي صح أنتي اللي طختيه هاخد روحك بيدي يابت خليل
لم تكترث آسيا بتهديداته السخيفة من وجهة نظرها وفور رحيلها عن غرفتها صفعت الباب خلفها بعنف ونزعت حجابها عن رأسها بعصبية ثم القته وراحت تمسح على شعرها وتشده بلطف وهي تقول بصوت نادم ومبحوح: _عملتي إيه يا آسيا.. أن شاء الله هيرچع زين دي رصاصة في الكتف وحاچة بسيطة يعني
منذ ساعات تنتظر بالغرفة وعيناها عالقة على ساعة الحائط تارة تخرج للشرفة وتنظر للشارع تتفقده ثم تعود للداخل مجددًا، ربما ما يدهشها أكثر ليس ما فعلته بقدر اهتمامها وقلقها عليه، حاولت قتله من قبل لكن هذه المرة مختلفة فالندم يقتلها هي الآن، ولا تستطيع التوقف عن القلق حتى لو حاولت وكانت تسكت أصواتها القاسية التي تحاول دفعها للامبالاة والتفوه بعبارات " توقفي عن الاهتمام والندم فهذا ما كنتي تريدينه وتسعين له منذ البداية.. أن
تقتليه وها أنتي حققتي الخطوة الأولى"، دفعت بتلك الأفكار بعرض الحائط وراحت تراقب الساعة التي تخطت الواحدة بعد منتصف الليل، لم تتمكن من البقاء هكذا مكتوفة الأيدي وارتدت حجابها بسرعة ثم أسرعت للخارج لا تعرف ماذا تقصد لكن قالت ربما أجد أي شيء يمكنني من معرفة أخباره وبالفعل بينما كانت في طريقها للأسفل قابلت بلال الذي يبدو أنه كان بالخارج وعاد
للتو اسرعت نحوه وسألته: _كنت مع عمران يابلال؟ ضيق عيناه باستغراب ثم تمتم في عدم فهم: _عمران! رجحت أنه قد لا يعرف شيء عن ما حدث ولم يكن موجودًا فقالت بسرعة: _طيب اتصل بيه عشان أنا معرفش رقمه ومعيش تلفون بلال مضيقًا عيناه: _وأنتي عاوزة تتصلي بيه ليه.. هو ماله؟ تأففت بنفاذ صبر وقالت: _تعبان وفي المستشفى يابلال هتف بصوت خشن ومندهش: _مستشفى!! .. حصل له إيه؟ قالت بشبة صيحة منفعلة من فرط القلق:
_مش وقت اسألتك اتصل شوفه واطمن عليه الأهم دلوك رمقها بحيرة وعدم فهم لكنه أخرج هاتفه وراح يتصل بأخيه ليطمئن عليه لكن صوت رنين هاتفه جاء من غرفته فالتفتت آسيا برأسها للخلف ولم تعود بها إلا على صوت بلال وهو يقول بتعجب: _هو سايب تلفونه في البيت!! قالت بإيجاز وتلهف عفوي منها: _أبوك وبشار معاه اتصل على أي حد فيهم
رغم حلقة الأسئلة التي تدور بذهنه الآن لكنه قرر أن يطمئن على أخيه أولًا ليفهم ماذا حدث له ومن ثم يحاصرها بأسئلته. اجرى اتصال بأبيه ودار بينهما حوار هاتفيًا لم تسمعه لكنها كانت تتابع تعبيرات وجه بلال المنذهلة والقلقة وهو يستمع لأبيه الذي يسرد له ما حدث ويطلعه على أحوال شقيقه، انتظرته على أحر من الجمر حتى ينتهي حديثه وعندما انتهى سألته بقلق ملحوظ: _هااا قالك إيه؟
طالت نظرة بلال الصامتة لها.. كانت نظرة كلها شك يوشك أن يكون يقين وقال بالأخير في نبرة غليظة: _أنتي ليكي يد في اللي حصل ده؟ زفرت بخنق عندما سمعت سؤاله واشاحت بوجهها بعيدًا.. لا تستطيع الاعتراف بأنها هي من فعلت ولا تملك طاقة للدفاع أو حتى الكذب. أخذ بلال يتطلع إليها بغضب ينتظر ردًا حتى لو كان كذبًا لكن صمتها أكد شكوكه فابتسم بعدم تصديق وقال في عين ملتهبة وكلها بغض:
_كنت متوكد.. أصلًا اللي قاله أبوي محدش يصدقه، عمران مبيمسكش سلاح وملوش شغل معاه هو حتى يوم ما مات أبوكي ممسكهوش وكان شايله معاه احتياطي للآمان.. إيه اللي هيخليه يطلعه دلوك عشان ينضفه! لم تجيبه واكتفت بالنظر إليه في إندهاش وضيق لتجده يلقي عليها نظرة مخزية ويقول بغيظ: _بعد كل اللي عمله معاكي ده وكنتي عاوزة تقتليه.. أنا لو ماسك نفسي وحايش روحي عنك دلوك عشان أخويا بس واحترامًا ليه مهما كان اسمك مرته للأسف
أطرقت رأسها أرضًا بحزن وخنق دون أن تتحدث.. بينما هو فتركها وتحرك مبتعدًا عنها يقود خطواته تجاه غرفته لكنها اوقفته بصوتها المبحوح ونظراتها الراجية: _مش هتقولي أبوك قالك إيه عليه؟ طالعها بقرف واستطرد بسخط: _متستحقيش تعرفي وملكيش صالح
بقت مكانها عيناها عالقة عليه وهو يبتعد ليدخل غرفته ويتواري عن أنظارها، شعرت بالعجز للحظة وأمتلأ قلبها باليأس فعادت بخطواتها الثقيلة لغرفتها مجبرة على تحمل الانتظار إلى أن يخبرها أحدهم بأي شيء عنه أو ربما يعود هو.
اقتربت من الفراش وجلست فوقه ثم راحت تحدق أمامها بفراغ ونظرات ضائعة ثم شردت للحظات قد تكون دقائق وهي تتذكر أفعاله معها، دفاعه عنها أمام عائلته فوق مائدة الطعام وإخفائه للسبب الحقيقي خلف زواجهم، اهتمامه بها عندما مرضت وحمايته لها من عمها وعائلتها وأخيرًا تحمله لخطأها ونسبه لنفسه كأنه هو من الحق الأذى بنفسه حقًا. عندما عادت لواقعها أدركت أن عيناها امتلأت بالعبرات، فبكت بحرقة وألم.
بكاء على كل شيء أصابها ومازال يؤذيها. العجز وقلة الحيلة تستحوذها، فقد وجدت نفسها عالقة بين شقي الجحيم: من جهة والدها، ومن الجهة الأخرى زوجها الذي تظنه متسببًا في قتل أبيها. وفوق كل هذا، بدأت تفقد قدرتها على التحكم بمشاعرها. تقلق وتهتم لأمره، حتى أنها تتأثر بأفعاله. والآن يمزقها شعور الندم على ما فعلته به.
جلست على الأرض واستندت بظهرها على الفراش، ثم ضمت ساقيها لصدرها واستمرت في بكائها الموجوع. تبحث عن مخرج ومفر، لكن لا يوجد، وكأن كل الطرق تؤدي إليه! *** داخل منزل خليل صفوان. كانت فريال تجلس بجوار ابنها المريض وتضمه لصدره بحنو، بعدما هدأ سعاله وانفاسه بدأت تعود لطبيعتها. وكان شقيقه الصغير يجلس بجواره على الجانب الآخر من الفراش. نظرت فريال لابنها الصغير وقالت بجدية: _قوم ياعمار من چنب أخوك احسن تتعدي وتتعب أنت كمان.
لم يظهر الصغير اعتراض ونهض من جوار أخيه، ثم اتجه ليجلس على فراشه. بينما فريال فاخفضت نظرها لمعاذ وتمتمت: _هاا بقيت احسن دلوك ياحبيبي؟ أماء لها بالإيجاب، ثم سألها بعبوس: _أما أنتي هتمشي؟ هزت بالنفي وأجابته بحنو باسمة: _لا هقعد معاكم الليلة دي يامعاذ. ابتسم بسعادة وعانق أمه بقوة، حتى أن عمار هرول نحو أمه وعانقها وسط ضحكها على تصرفهم الطفولي والعفوي. ثم ابعدتهم عنها وقالت بلهجة دافئة رغم حزمها:
_يلا عاد بزيادة عشان تناموا. وأنت يامعاذ مينفعش تقعد سهران إكده عشان تخف بسرعة. لم يعترض معاذ، لكن عمار زم شفتيه بخنق. فرمقته بقوة وقالت مبتسمة: _يلا على السرير. سأل عمار بحيرة: _هو أبوي وين؟ قالت فريال بهدوء وهي تنهض من جانب معاذ وتمسك بيد عمار تقوده لفراشه لكي ينام: _راح يخلص شغل وراجع.
صعد الصغير فوق فراشه وتمدد بجسده الصغير، ثم تابع أمه وهي تتجه نحو كبس الكهرباء وأغلقت الأنوار. ومن بعدها انحنت على رأس شقيقه المريض وقبلته، ثم عادت له وتمددت بجواره على الفراش تنوي النوم أيضًا مثلهم. ابتسموا لوجودها معهم ومشاركتها لهم في النوم بغرفتهم، وأغلقوا عيناهم لكي يخلدوا للنوم.
بعد مرور ساعة تقريبًا، وسط محاولاتها للخلود إلى النوم لكن دون جدوى. فقد كان عقلها مشغول بالتفكير به. وتحدق في الظلام أمامها بشرود، متذكرة لحظاتهم الدافئة قبل ساعات. وكانت البسمة تشق طريقها لشفتيها دون إرادة منها. فاقت من شرودها والتفتت حولها تلقي نظرة على أبنائها، فوجدتهم بسبات عميق لا يشعرون بأي شيء حولهم. تنهدت الصعداء ونهضت من الفراش بحذر شديد، ثم قادت خطواتها لخارج الغرفة بخطوات متريثة. فتحت الباب بكل بطء وخرجت، ثم اغلقته خلفها بنفس الطريقة.
تحركت تجاه غرفته، أو غرفتهم بالمعنى الأدق. وفتحت الباب ثم دخلت، فوجدته نائم في فراشه. ابتسمت وأغلقت الباب خلفها، ثم اقتربت منه لتجلس بجواره على حافة الفراش وراحت تتطلع إليه ببسمة عاشقة وهي تتمعنه. تذكرت كيف كانت تمر لياليهم وهي نائمة بين ذراعيه، تدفن وجهها بين ثنايا صدره وتستمع لصوت دقات قلبه. اشتقت له ولذلك الشعور. فقد انطفأت روحها وهي بعيدة عنه، تقضي لياليها وحيدة دونه.
لم تسمح للتردد بإعاقتها في رغبتها بالتمتع بتلك اللحظات مرة أخرى. حيث تمددت على الفراش بجواره وتأملته للحظة، قبل أن تمد يدها وتبعد ذراعه بلطف لتفرده، ثم انضمت له تدخل قوقعته الخاصة. تنام برأسها فوق ذراعه وتدفن وجهها بصدره، مغلقة عيناها في ابتسامة عاطفية. كانت تمامًا كالطفلة الصغيرة التي استيقظت بمنتصف الليل في الظلام واستحوذها الخوف، فذهبت لأبيها والتصقت بأحضانه لتتمكن من متابعة نومها بأمان دون خوف. فتح جزء من عيناه بخمول وانزعاج، وحين أدرك أنها هي، أغلق عيناه مجددًا
ورد بصوت ناعس: _بتعملي إيه يافريال؟ رفعت رأسها قليلًا وتطلعت بملامحه الهادئة اثناء النوم، ثم ردت باسمة برقة: _هنام چارك وبحضنك الليلة دي. سمعها ولم يجيب، بسبب شعور النعاس القوي الذي يهيمن عليه. وفقط اكتفى بأنه لف ذراعه عليها وضمها إليه أكثر بصمت. فابتسمت هي بسعادة وتركت نفسها تنعم بجمال تلك اللحظات. لكن غامت عيناها بالعبرات عندما تذكرت علاقتهم كيف أصبحت. فهمست بصوت مبحوح يغلبه البكاء:
_اتوحشتك قوي وغصب عني سيبتك. حسيت روحي عاچزة ومش عارفة أعمل إيه ولا اختار مين! لم تعرف هل سمعها أم لا، لكنها لم تهتم كثيرًا وسكنت بين ذراعيه، تترك لنفسها حرية الاستمتاع بشعور الدفء بين ثنايا صدره، ثم أغلقت عيناها لكي تنام هي الأخرى. ***
فتحت عيناها مفزوعة على أثر الأصوات العالية القادمة من الخارج. وحين تلفتت حولها رأت ضوء النهار وأشعة الشمس تملأ الغرفة. فتذكرت أنها بقت الليل كله على الأرض تنتظره، لكن النوم غلبها وغفيت مكانها على نفس وضعيتها. وثبت واقفة وأسرعت تجاه باب الغرفة تضع أذنها عليه، تستمع للأحاديث التي تدور بالمنزل في الخارج، والتي كانت كالآتي بين العائلة وعمران الذي يبدو أنه عاد للتو من المستشفى.
خرج صوت إخلاص المغتاظ وهي توقف ابنها الذي يقود خطواته تجاه غرفته بالأعلى: _رايح وين ياعمران؟ ضيق عيناه وأجابها ببساطة: _طالع أوضتي هرتاح شوية ياما، في إيه! هتفت بعصبية ورفض امتزج بقلقها: _لا مهتقعدش مع الحية اللي فوق دي في اوضة واحدة تاني. تروح تعملك حاچة ياولدي وأنت نايم ومش حاسس بيها. اشتدت حدة نظراته وقال لأمه بانزعاج: _چرا إيه ياما، ما قولتلك أنا اللي طخيت نفسي بالغلط. هتف إبراهيم بغضب مماثل لزوجته:
_وأنت إيه ليك شغل مع السلاح وتمسكه ليه من الأساس! لاحت بشائر الغضب الحقيقي على ملامح وجهه، حيث صاح منفعلًا بلهجة رجولية لا تقبل النقاش: _أنتوا هتحققوا معايا ولا إيه يابوي؟ أنا قولت اللي عندي والكلام خلص ومش عاوز حد يفتح الموضوع ده تاني وانسوه واصل كمان. أنا زين الحمدلله وواقف قصادكم مفياش حاچة أهو. لحظة صمت منه وهو يمر بنظره على وجوههم جميعًا ليجد الضيق على ملامحهم، لكنه لم يكترث ورد بهدوء غريب عكس حالة
الثوران التي كان بها للتو: _عن أذنكم هطلع اوضتي اريح وأنام. كان إبراهيم سيهم بالتحدث في غيظ، لكن أوقفه شقيقه عبد العزيز وهو يهمس: _خلاص يا إبراهيم بزيادة سيبه على راحته.
تراجع عن ما كان سيقوله وصمت مجبرًا، ثم اندفع يتجه نحو غرفة الجلوس الكبيرة. والجميع تفرق باستثناء إخلاص التي بقت مكانها تتابع ابنها وهو يصعد الدرج ويضم ذراعه المصاب لصدره، بسبب تعليمات الطبيب له بعدم تحريكه، وكذلك القماش الطبي الملفوف حول كتفه كله من أسفل ملابسه. توعدت لآسيا بعقاب عسير على ما فعلته بابنها ومحاولتها لقتله بمنتصف بيته وبغرفته بين عائلته كلها.
داخل الغرفة، ارتدت آسيا للخلف عندما سمعت صوت خطواته تقترب من الغرفة. تقهقرت ليس خوفًا بقدر ما هو توترًا ورغبة قوية في رؤيته بعد حادث الأمس وتلك الساعات الطويلة التي قضتها تتلوى من الانتظار. انفتح الباب وظهر هو من خلفه بهيبته وقامته الطويلة والعريضة، ثم دخل وأغلق الباب بهدوء عكس نظراته الثائرة التي كان يثبتها عليها. رغم اضطرابها وخوفها، إلا أنها احتفظت بشجاعتها ووقفت أمامه بثبات تهمس في نبرة جديدة عليه كلها لطف:
_حمدلله على السلامة.
لم تحصل على رد منه سوى تلك النظرات القاتلة المستقرة في مقلتيه. فزاد ارتباكها من صمته المريب. لم تعتاد عليه هاديء بلحظات الغضب، وما زاد صدمتها عندما وجدته ينزع حذائه عنه ويتحرك باتجاه الفراش ليجلس فوقه بكل حرص حتى لا يتألم إذا حرك ذراعه بقوة دون وعي منه. وكانت هي تتابعه بعدم فهم وتتساءل بخوف حقيقي عن نوع العاصفة التي ستشهدها منه هذه المرة وسط كل هذا السكون واللامبالة الغريبة. يبدو أنها أطلقت العنان لشبح مرعب وهو الآن بمرحلة التحضير.
ودت التحدث ومحاولة شرح موقفها له وأن ما حدث لم يكن مخطط له كما هو يظن بالتأكيد، لكنها لم تجد الكلمات لتبدأ بها. وكانت تخشاه ولا تمتلك الجرأة للدفاع، فهي فعلتها مرة وبالأمس كانت الثانية.
اضطربت عندما رأته ينظر لها بعين مشتعلة، وفورًا تراجعت للخلف عندما رأيته يقف ويقترب منها. اصطدمت بالحائط خلفها وكان يفصله عنها بضع خطوات. ولا تعرف كيف بخطوة واحدة أصبح أمامها، وفجأة هوى فوق وجنتها بصفعة قوية. ثم أصدرت صرخة عندما جذبها من شعرها صارخًا: _چبتي السلاح ده من وين؟ تألمت لكنها تطلعت بعيناه وقالت بقوة تليق بها: _لقيته في دولابك. ضحك ساخرًا وهدر بنظرة شيطانية لا ترى أمامها سوى الغضب:
_وأنتي طبعًا دستيه وقولتي مسيره ياچي يوم واقتله بيه. واللي مقدرتش أعمله في المرة الأولى هعمله في التانية. وامبارح كانت فرصتك منها تخلصي مني ومنها ملمسكيش. تلوت بين يديه وهي تحاول إفلات خصلات شعرها من قبضته وتهتف بالنفي: _مكنش في نيتي اقتلك بيه. ترك شعرها ثم قبض على فكها بعنف وهو يقرب وجهها إليه ويهتف بنظرة مشمئزة كلها نقم لم تراه ينظر به إليها أبدًا من قبل:
_كان لازم اسيبك لناسك عشان يقتلوكي ويريحونا منك. كنت قادر موافقش ومكنش حد هيقدر يقرب مني وكان زمانك ميتة دلوك. لكن أنا تحملت غلطك وبلاويكي اللي وصلتك ووصلتني للي أنا فيه. ورغم أنك حاولتي تقتليني اتچوزتك ودرايت عليكي. لكن أنتي مفيش حاجة بتطمر فيكي وكيف القطط ناكرة للچميل عشان بعد كل ده تحاولي تقتليني تاني.
رغم أنها كانت تنظر في عيناه تتصنع القوة المزيفة، إلا أن عيناها كانت تلمع بدموع القهر. كانت تتوقع أن تقابل جموحه على ما فعلته به كما اعتادت منه. لكن ذلك الرجل الذي تراه أمامها شخص مختلف، وها هو أخيرًا يطلق جانبه المظلم وقسوته الحقيقية ليثبت لها أنه ليس كما ظنته أبدًا، وبالأخص بعدما رأيته يكمل بنظرة متوعدة ومرعبة لا تحمل الشفقة:
_بس الوضع دلوك مختلف، أنتي مرتي. ولما حاولتي تقتليني في الأول مكنتش قادر أعملك حاجة وقررت أني هنسى عملتك. لكن أنتي كررتي غلظتك للمرة الثانية والمرة دي محدش هينچدك مني يا آسيا. انتفضت رعبًا وحاولت إبعاد يده عن فكيها حتى تتمكن من التحدث على الأقل. فتركها، لكن أكمل باسمًا بلؤم: _طختيني امبارح عشان كنت هقربلك. هتعملي إيه دلوك عاد لو قولتلك أني هتمم چوازنا!
اتسعت عيناها بصدمة، وكان ستهم بالفرار من بين براثينه، لكن قبض على خصرها بتملك وعنف وجذبها إليه هاتفًا بابتسامة قاسية: _رايحة وين! سقطت دموعها وقالت بصدق في صوت يغلبه البكاء: _مكنتش اقصد يا عمران والله ما كنت اقصد. ابتسم لها ساخرًا بعدم تصديق وراح يتطلع إليها بتشفي. فقد استحوذه جموحه ولم يعد يرى أمامه سوى الانتقام منها. بينما هي فتوسلته لأول مرة وهي تبكي عندما شعرت بيده تتجرأ على جسدها: _بعد عني ياعمران ابوس يدك.
مكنش في نيتي أذيك والله، أنا كنت عاوزة أهددك وأخوفك بس عشان متقربش، ومعرفش كيف الرصاصة طلعت. لم يستمع لها، فبكت هي بضعف، ودارت بوجهها للجهة الأخرى تقول بصوت مرتعش بسبب البكاء وهي تترجاه للمرة الثانية. كانت تمتلك خيار أن تدفعه من كتفه المصاب، وكان سيتركها فورًا، لكنها لم ترد أن تؤلمه. هي ليس لديها أدنى شك أنه ليس بوعيه وغضبه يتحكم به، وإلا لم يكن ليفعل هذا أبدًا.
"عمران، أبوس يدك بعد.. مش عاوزة أكرهك من تاني.. مكنتش أقصد والله.. مكنتش أقصد."
طالت نظرته الساخطة وهو يراها تتوسله وتبكي بعجز لأول مرة أمامه، وتقسم أنها لم تفعلها عن عمد. هدأ ثورانه، وانزاحت غمامة الغضب عن عينيه ببطء ليدرك الوضع ولوهلة، استنكر نفسه وما يفعله، ليتركها فورًا بنظرات مستاءة ويبتعد عنها، ثم يغادر الغرفة بأكملها، يقصد الطابق الثالث حيث توجد غرفته المفضلة، علها تهدأ من اشتعال صدره وتمتص شحنة الغضب المكتظة بداخله. بينما هي، فجلست فوق الفراش منخرطة في نوبة بكاء عنيفة بقلة حيلة. ***
بعد غياب لأيام منذ الحادثة، أخيرًا عاد للجامعة من جديد. استقبله أصدقاؤه بالترحيب الشديد، وقضوا وقتًا ممتعًا يضحكون ويمزحون من بعد انتهاء محاضراتهم. وبينما هو كان يستمع لهم وهم يتحدثون عن الأحداث الأخيرة بالجامعة، لمحها وهي تسير لداخل مبنى الكلية متجهة نحو ساحة الجلوس الواسعة. فظلت عيناه عالقة عليها بشرود إلى أن اختفت عن أنظاره. فتنهد بهدوء، واستقام واقفًا، ثم انحنى على صديقه مؤمن وتمتم: "أنا هروح أشوف حاجة وراجع."
كان معه حقيبة كبيرة نسبيًا يضع بها أدواته الهندسية الكبيرة بسبب التدريب العملي، ففتح الحقيبة وأخرج كيسًا أسودًا لا يظهر داخله، وسار مبتعدًا عن أصدقائه الذين كانوا يتابعونه باستغراب ويتهامسون بين بعضهم البعض ضاحكين بلؤم.
فور ابتعاده عن أنظارهم، أخرج ما كان داخل ذلك الكيس وهو الشال الصغير الخاص بها، وامسكه بيده، ثم ألقى بالكيس داخل صندوق القمامة، وتحرك نحو ساحة الجلوس الكبيرة، ووقف بالمنتصف يبحث بين المقاعد والطلاب عنها. فسقطت عيناه عليها وهي تجلس فوق طاولة منعزلة بمفردها، وأمامها كتابها تدرس بتركيز دون أن ترفع نظرها عنه. ابتسم بساحرية وتعجب كيف تستطيع التركيز وسط كل هذا الضجيج من حولها. لكنه لم يقف كثيرًا، حيث تحرك نحوها بخطوات واثقة، وعندما وصل لطاولتها، وقف على الجهة المقابلة لها وهتف مبتسمًا:
"ممكن أعطلك شوية؟ رفعت رأسها بسرعة في استغراب، لكن تجمدت دماء وجهها حين رأته، وللحظة شعرت بأنها توقفت عن التنفس من فرط الصدمة. فوجدته يبتسم باتساع عليها، ويجذب المقعد للخارج، ويشير بيده عليه يسألها بنظراته في لباقة إذا كانت ستسمح له بالجلوس أم لا. لكنها كانت تحلق بسماء عالم موازي، وتتطلع إليه بخجل وعدم استيعاب، حتى أنها هزت رأسها له في بلاهة على سؤاله غير المباشر، فضحك هو وسألها مرة أخرى بوضوح أكثر:
"ممكن أقعد ياحور ولا لا؟ عادت لواقعها وأدركت ما يحدث، فتلعثمت وشتمت نفسها ألف مرة على تصرفها الأهوج، لترد عليه بإحراج وصوت خافت: "اتفضل طبعًا." جلس فوق المقعد أمامها مباشرة وحدق بها صامتًا. لا يمكنه الإنكار أنه يروق له تصرفاتها العفوية وخجلها اللطيف، حتى هدوءها ورقتها. نتحنحت هي وهتفت بود: "حمد لله على السلامة." رد عليها بهدوء جميل مبتسمًا: "الله يسلمك." صمت للحظة وطرح عليها سؤالًا يهمه: "أنتي اللي ندهتي عليا صح؟
هزت رأسها بالإيجاب ولم تنتظر حتى يسألها كيف رأته وما إلى ذلك، حيث تابعت من نفسها تشرح له بخفوت جميل: "أه شوفتك بالصدفة، وبعدين شوفت الولد ده ماشي وراك وماسك سكينة. حاولت ألحقك قبل ما يوصلك، بس هو وصل قبلي، فندهت عليك على أمل أنك تتفادى أذيته، بس ملحقتش." لمعت عيناه بابتسامة جذابة ليهدر وهو يزم شفتيه بلطف: "يمكن لو مكنتيش ندهتي عليا، مكنتش هبقى قاعد قصادك دلوقت."
يلمح أنها هي من أنقذت حياته، لكنها كالعادة لم تفهم من فرط توترها وخجلها. فحاولت التغلب على اضطرابها والتصرف بطبيعية لتسأله بفضول حقيقي: "هو مين ده وكان عايز يأذيك ليه؟ أخذ نفسًا عميقًا وقال بوداعة جميلة: "فاكرة لما شوفتيني أول يوم وكنت رايح الحمام وكنت بنزف من مناخيري وشفايفي مليانة دم؟ هزت رأسها بالإيجاب في تركيز شديد لما يسرده، فأكمل هو بجدية:
"كنت متخانق معاه.. لقيته بيتعرض لبت وبيضاويها، ولما تدخلت وحاولت أبعده، فضل يقول دي خطيبتي وملكش صالح، وهي أنكرت ده، ولما لقيته مفيش فايدة فيه، حصلت خناقة بينا كبيرة، واللي اكتشفته بعدين أنه كده على طول ودي مش أول بت يتعرضلها. المهم هو خد فصل لكام شهر من الكلية واتمنع من الامتحانات، يعني هيشيل السنة كعقاب، وعشان كده الشيطان لعب في عقله الصغير وخلاه يفكر ينتقم مني، بس هو مكنش يعرف مين بلال الصاوي."
كانت تستمع لما يسرده بذهول، لتسأله بفضول وقلق: "طيب وهو هرب ولا فين دلوقتي؟ ابتسم وقال بنبرة رجولية: "مرمي في السجون طبعًا ومهيشوفش النور تاني." أجابت بغضب واشمئزاز: "أحسن يستاهل بني آدم مريض. الواحد مش بيستوعب إزاي الناس دي عايشة وسطنا والله. ربنا يحفظنا منهم." تأملها للحظة مبتسمًا، لكن سرعان ما تنحنح برجولية وقال في نظرة تذهب العقل: "أنا هقوم بقى عشان معطلكيش أكتر عن مذاكرتك.. أنا كنت حابب أشكرك."
ابتسمت له بامتنان، فاستقام هو واقفًا، وكان سيهم بالمغادرة، لكنه تذكر الشال الذي بيده، فالتفت له وقال ضاحكًا: "كنت هنسى أهم حاجة." مد يده بالشال وقال مبتسمًا وهو يغمز بمزاح: "شكرًا.. هو صحيح كان بيمص دمي مش بيوقفه، بس أدى الغرض لغاية المستشفى." ضحكت رغمًا عنها على مزحته، وقالت بنعومة تليق بها وسط ضحكها: "العفو."
ابتسم على ضحكها، وأنه نجح أخيرًا في إضحاكها. ثم استدار وسار مبتعدًا عنها، يتركها تتابعه وهي تبتسم بهيام، تارة تنظر للشال وتارة له، وهي تضحك بعينان متوهجة. ***
اندفعت إخلاص نحو غرفة ابنها بعدما رأته يتجه للطابق الثالث، وأدركت أن آسيا بمفردها الآن. فاسرعت في خطواتها تجاه غرفته، وفتحت الباب على مصراعيه، ثم دخلت وأغلقت خلفها، لتجد آسيا تجلس فوق الفراش وترمقها ببرود واستهزاء، مما أشعل نيران غضبها أكثر. فاندفعت نحوها كالثور الهائج، ودفعت آسيا بعنف بعدما وقفت لترتد وتصطدم بالفراش ساقطة فوقه. فغارت عليها إخلاص وهي تصرخ بها تشدها من خصلات شعرها:
"فاكرة روحك مين عشان تحاولي تقتلي ولدي في عز بيته وفي أوضته؟ ده أنا آكلك بسناني وبعدين آخد روحك وأخلص عليكي وأصل ياحية." اندهشت آسيا من هجومها المفاجئ عليها، لكنها لم تشعر بالخوف ولو بمقدار ذرة. وحين شعرت بالألم بسبب جذبها من خصلات شعرها، ثارت كالوحش ودفعت إخلاص بعيدًا عنها، صارخة بها بنفاذ صبر:
"زودتيها قوي وأنا ساكتالك من وقت ما جيت عشان معنديش خلق ليكي.. بدل ما أنتي حطاني في دماغك روحي حطي جوزك كده في دماغك، يمكن تعرفي تكسبيه بدل ما ضرتك مبتخلاهوش يقضي ساعة واحدة معاكي." اتسعت عين إخلاص بذهول لتصرخ بها في انفعال هادر بعدما ضربتها من نقطة ضعفها: "أنتي إيه عرفك بالكلام ده! ابتسمت لها آسيا بشيطانية، وقالت في نظرة تليق بساحرة مثلها، فهي لم تلقب هكذا من فراغ:
"أنا عارفة كل حاجة، أمال فاكراني بقضي الليل كله أولول وأبكي.. وأعرف حاجات أنتي نفسك متعرفيهاش، عشان كده بقولك اتقي شري، بدل ما تطولك ناري اللي هتطول ضرتك قريب." قبضت إخلاص على ذراعها وصاحت بها بعصبية شديدة: "حاجات إيه دي اللي تعرفيها، انطقي؟ لمعت عين آسيا بخبث وتشفي، لتهمس بنظرات أشبه بشيطان عاد لينتقم:
"حاجات كيف أنها مثلًا بتبخ السم في ودن إبراهيم كل ليلة عشان يطلقك، وهو للأسف قرب ييأس، ومتستغربيش لو عملها قريب وقالك أنتي طالق." أظلمت عيني إخلاص وتحول وجهها للون الأحمر القاتم من فرط الغيظ، حتى أن جسدها كله أخذ ينتفض والنيران اشتعلت بصدرها، فلم تعد ترى شيء أمامها، وابتعدت عن آسيا واندفعت للخارج، لتتركها تبتسم وتضحك بتشفي وهي تهمس: "شيطان ودخل بينهم وناره هتحرق الكل." ***
بعد مرور تقريبًا نصف ساعة من رحيل إخلاص، انفتح الباب ودخل عمران. كانت جالسة فوق مقعدها الخاص كعادتها في هدوء، وفور رؤيتها له أشاحت بوجهها للجهة الأخرى تأبى النظر إليه. أما هو، فلم يكترث لأمرها وتجاهلها، ثم تحرك نحو الفراش وجلس فوقه، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا يخص العمل، وكان يتحدث عن أمور مهمة تخص الوكالة وأيضًا شحنة الأسماك الجديدة. لم تهتم هي لما يتحدث عنه، لكنها استغلت فرصة انشغاله بالحديث وراحت تتطلع إليه بغيظ واستياء. نظراتها كانت نارية وشرسة، واستمرت لوقت وهي تنظر له بهذه الطريقة، حتى أنها لم تنتبه أنه انتهى من حديثه ولاحظها. فرفع حاجبه مستنكرًا
نظراتها ليقول: "بتبصي كده ليه؟ عادت تلف رأسها للجهة الأخرى في خنق دون أن تجيبه بعدما سمعت سؤاله، لكنه أكمل باستهزاء وغضب بسيط: "أنتي اللي مش عاجبك كمان بعد اللي عملته! ده أنتي تحمدي ربك أني حوشت روحي عنك." نظرت له وقالت بتبرم وقوة: "وأنا قولتلك مكنتش أقصد، لكن أنت كانت غايتك تشوفني ضعيفة ومكسورة." أظلمت عيناه وهدر بسخط مكتوم: "وأنا إيه اللي يخليني أصدق واحدة عملتها وحاولت تقتلني من قبل، يعني دي مش أول مرة." هبت واقفة
وصاحت به بعصبية وحرقة: "عشان أنا مش هخاف منك، ولو كانت في نيتي كنت هقولك طوالي كيف ما قولتلك في الأول، أنا اللي عملتها ومكنتش خايفة لا منك ولا من غيرك." هب هو الآخر واقفًا واندفع نحوها يهتف بنبرة مخيفة: "ولما مكنش في نيتك دسيتي السلاح معاكي ليه! نظرت في عيناه بشجاعة وقالت بصلابة: "عشان أنا مش عايشة في الجنة."
وأنت بنفسك قلتلي قبل ما أدخل البيت ده أهلًا وسهلًا بيكي في الجحيم لو فاكر. ولما لقيته دسيته أمان ليا لأني مش ضامنة حد في البيت ده. سكتت للحظة واحدة وتابعت منفعلة: _وأنت بتتعمد تتقرب مني عشان تجنني وتستمتع. ولما حاولت تقربلي امبارح معرفتش أعمل إيه عشان أهرب منك وأخوفك. ابتسم مغلوبًا في غيظ وقال في نظرة شرسة: _فقولتي أخوفه بالسلاح!
لمست السخرية في نبرته من تصرفها الأهوج والغبي، فأبعدت نظرها عنه كاعتراف غير مباشر بسذاجتها، لكنها دافعت عن نفسها بثبات تطلق حجة أسخف من تصرفها: _ملقيتش غيره قصادي. صر على أسنانه يحاول تمالك أعصابه، ثم رفع أنامله يمسح على لحيته بغيظ لينفجر بها صائحًا: _وأنتي بتلعبي في حاجة مبتفهميش فيها ليه من الأساس. انفعلت من صراخه عليها، فصاحت هي الأخرى: _مكنتش أعرف أنه فيه رصاص وكنت فكراه فاضي.
عاد يمسح على وجهه كله هذه المرة وهو يزأر من بين أسنانه ويستغفر ربه. للحظة خشيت أن يغضب بشدة ويعود لحالته المرعبة التي كان عليها عندما عاد من المستشفى. فتراجعت للخلف واستدارت تهم بالرحيل عن الغرفة بأكملها، لكنه قبض على ذراعها يوقفها بنظرات مخيفة هاتفًا: _رايحة فين! تنفست الصعداء بنفاذ صبر وقالت: _رايحة لفريال عايزة أطلع من الأوضة دي شوية واشم نفسي يا عمران. هدأت حدة نظراته وكذلك لانت قبضته على ذراعها ليقول بلهجة آمرة:
_اللي بيغلط بيتحمل عواقب غلطه عشان يحرم بعد كده ميدخلش في اللي ملوش فيه. وأنتي كيف ما شايفة مش بقدر أحرك يدي ومش بعرف أعمل حاجة. يعني هتفضلي في الأوضة هنا تخدميني وبس. طالت نظرتها المندهشة له وسرعان ما تحولت لغيظ، لكنها لم تتجرأ على الاعتراض أو حتى التفوه بكلمة واحدة. وسكتت كرد بالإطاعة على أوامره. ثم وجدته يترك يدها ويقول بخشونة ونظرة تحمل من الوقار والهيبة ما يليق به:
_ودلوقتي يلا انزلي حضريلي الوكل عشان لازم آكل وآخد العلاج. اتسعت عيناها وردت بعدم استيعاب وغضب مكتوم: _أنا هحضرلك الوكل!!! رد عليها بثبات انفعالي تام ونظرات ثاقبة: _أيوة أنتي أمال مين غيرك. هروح أطلب من أمي ولا أختي ومرتي قاعدة. ابتسمت بغيظ وقالت وهي تتمالك أعصابها: _لا إزاي ميصحش طبعًا لازم أنا اللي أعمل كل حاجة عشان أتحمل نتيجة غلطي كيف ما قلت. بس مش خايف أحطلك سم في الوكل!
ضحك بصمت وكانت تلك هي الوهلة الأولى لها تراه يضحك. ثم وجدته يجيب بقوة ومكر: _حاولت تقتليني مرتين واديني قصادك أهو. فكرك السم هيحوق فيا. ابتسمت رغمًا عنها ساخرة وهي تشيح بوجهها للجانب. ثم ابتعدت عنه وسارت للخارج تقصد المطبخ لتحضر له الطعام وهمست بقلة حيلة مبتسمة: _عندك حق مفيش حاجة بتحوق فيك ما أنت خارق للطبيعة.
كانت جليلة بطريق غرفة أحفادها لتطمئن عليهم فوجدتهم نائمين في أفرشتهم بعمق. ابتسمت بحنو وأغلقت الباب مجددًا ثم غادرت واتجهت نحو غرفة ابنها لتوقظه من نومه حتى لا يتأخر عن عمله. وقفت أمام باب غرفته وامسكت بالمقبض ثم فتحته ودخلت وعلى ثغرها ابتسامة دافئة، لكنها تلاشت تدريجيًا واختفت تمامًا فور رؤيتها لفريال وهي نائمة بين أحضانه وهو يضمها بذراعيه في كل حميمية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!