خرجت همسة من جليلة بعينين متسعتين: _آسيا!! تطلعت لأمها بثبات وقسوة ليست معهودة عليها وقالت: _چاية أشوف خلود. غضنت جليلة حاجبيها ورددت خلفها باستغراب وعدم فهم: _خلود! تنفست آسيا الصعداء بقوة وتمتمت بقسمات وجه صلبة ونظرات كلها شموخ ووقار: _ممكن أدخل ولا لا يا حاجة جليلة؟
انعقد لسان جليلة وعيناها تلألأت بمرارة بعد رؤية حال ابنتها الغريب الذي وصلت إليه.. تتصرف كأنها لا تعرفها وتناديها بالألقاب دون أن تلفظ بكلمة أمي. سحق قلبها تحت الأسى والحزن وهي تراها أمامها بهذا الوضع حتى لو كانت قوية كالسابق وبعينيها نفس الجبروت والعزة، لكن وقوفها أمامها وهي تطلب منها الأذن لدخول منزل والدها مزق قلبها، وللحظة نقمت نفسها على ما فعلته بها فهي باتت شبه متأكدة أنها لم تفعل شيئاً وهم حكموا عليها ظلماً.
اكتفت بأنها أفسحت لها الطريق لتدخل. فقادت آسيا خطواتها السريعة الدرج تقصد الطابق الثاني حيث غرفة خلود، لكن أثناء مرورها من أمام غرفة شقيقها خرجت فريال بالصدفة ورأتها، فهتفت بصدمة: _آسيا بتعملي إيه هنا؟ اقتربت آسيا منها حتى أصبحت شبه ملتصقة بها وهمست لها بنظرات جافة وهي تثبت عيناها على باب الغرفة: _جلال جوه؟ هزت فريال رأسها بالإيجاب وهي تضيق عينيها بعدم فهم لتجد الأخرى تكمل ببسمة شرسة:
_طيب خليه يطلع ويستنى تحت عشان ميفوتهوش العرض. التزمت الصمت للحظات وهي تحاول فهم مقصدها، بينما آسيا فتركتها وأكملت طريقها لغرفة خلود. وفريال كانت تتابعها بنظراتها حتى وجدتها تقف أمام غرفة خلود، فاتسعت عيناها بصدمة، وباللحظة التالية فوراً كانت تبتسم بفرحة وخبث بعدما أدركت ما تعنيه.
استدارت برأسها للخلف تجاه غرفتها وعادت لها مجدداً، وفور دخولها رأت زوجها وهو يستعد للخروج وقد كان انتهى من ارتداء ملابسه، فعقدت ذراعيها أسفل صدرها ووقفت خلفه على مسافة بعيدة نسبياً وهي تبتسم بسخرية. بعد دقيقة التفت بجسده للخلف، وفور وقوع عينيه عليها هتف بتعجب: _واقفة كده ليه؟ ابتسمت له بغضب وتقدمت بخطواتها نحوه حتى أصبحت على بعد سنتيمترات قليلة منه، ثم قالت:
_مستنية أشوف شكلك هيبقى كيف بعد ما تعرف الحقيقة.. كيف ما ظلمت أختك ظلمتني أنا كمان. ضيق عيناه بعدم فهم وقال في لهجة غليظة: _ظلم إيه ده يا فريال وإيه اللي جاب سيرة آسيا! رمقته باستنكار وقالت وهي تستدير وتبتعد عنه متجهة نحو الباب: _انزل تحت وهتعرف كل حاجة. تصلب مكانه لثوانٍ بعد رحيلها، وفوراً كان يجذب هاتفه ويرتدي حذائه ويسرع للخارج يقصد الطابق الأرضي تحديداً كما قالت زوجته للتو.
فتحت آسيا الباب ودخلت دون انتظار الإذن من خلود، التي انتفضت واقفة بزعر فور رؤيتها لآسيا أمامها وبمنتصف غرفتها. هدرت بذهول: _آسيا أنتي كيف دخلتي البيت؟ ابتسمت لها بتكلف وردت في سخرية: _دخلت من الباب هكون دخلت كيف يعني يا خلود! هزت خلود رأسها بالنفي وقالت بعدم استيعاب توضح لها مقصدها: _قصدي هما كيف دخلوكي البيت؟ أخذت نفساً عميقاً وأخرجته زفيراً متهملاً، ثم تقدمت نحو خلود وهي تهمس بنبرة تثير القلق: _صحتك كيفها؟
سكتت للحظة وهي ترمقها باستغراب من سؤالها، لكنها بالأخير أجابت في هدوء: _زينة الحمدلله.. أنتي جيتي عشان تسألي على صحتي؟ عادت البسمة لثغر آسيا مرة أخرى ودارت بنظرها على طول جسد خلود لتهمس بالأخير وبعينين مريبة: _امال انتي محتاجة اهتمام ورعاية خاصة ولا عايزة عيلك يحصله حاجة؟ تجمدت الدماء في وجه خلود وأصفر لونه حتى أنها ازدردت ريقها بصعوبة من صدمتها وأخذت تحدق في آسيا بارتباك، ثم أردفت بتصنع عدم الفهم: _عيل إيه ده!
ضحكت آسيا بشيطانية وقالت وهي ترفع يدها وتربت فوق ذراع خلود بلؤم: _أنا عارفة كل حاجة يا خلود.. متقلقيش مش هفضحك، بس قصاد كده هتقولي للكل إنك افتريتي عليا وغلطتي فيا وفي شرفي وخلتيني في نظر ناسي واحدة فاجرة وزانية. وهاهي عادت آسيا التي تعرفها، لكن التي كانت منذ أيام وهي تتحدث معها بالمقهى كانت فتاة أخرى. وللأسف هي نجحت في خداعها هذه المرة. اضطربت خلود وظهر الخوف على محياها فقالت برفض قاطع:
_أقول كيف أنتي عارف أبويا وجدي وعلي هيعملوا فيا إيه لو عرفوا اللي عملته فيكي. انتصبت آسيا بوقفتها وهي ترفع رأسها بشموخ وترد بكل قسوة وحدة تلقي عليها تهديداته الصريحة: _لو عايزة أخليهم يعرفوا إن بتهم الشريفة متجوزة عرفي وحامل كمان معنديش مشكلة. زعرت بشدة وراحت تمسك بيد آسيا تتوسلها ببكاء ورعب: _لا أبوس إيدك يا آسيا ما تقوليليش حاجة.. دول يقتلوني فيها.
أخفضت نظرها لها بتشفٍ والأخرى تتوسلها ببكاء وارتعاش. كان منظرها يعيد تكرار ذكريات ذلك اليوم عندما كانت تتوسل الجميع وسط انهيارها ووجهها المتورم لكي يصدقوها، لكن الجميع اختار الطريق المعاكس لها وتخلوا عنها. هتفت خلود باستسلام في صوت مبحوح: _خلاص هعمل كل اللي انتي عايزاه بس متجيبيش ليهم سيرة أبوس إيدك. زفرت يد خلود بعيداً عنها باشمئزاز وقالت في شراسة: _هتنزلي دلوقتي قصاد الكل وتقولي الحقيقة وقصادي.
انتصبت خلود في وقفتها وطالعتها بصدمة تردد خلفها: _دلوقتي؟ انحنت آسيا بجسدها على الفراش المجاور لها وجذبت حجابها ثم ألقته بوجه خلود وهي تصيح بها: _البسي خلصي يلا عشان ننزل زمان الكل مستنينا تحت. طالت نظرة خلود المرتعدة لآسيا وبقت متشكرة بأرضها لدقائق قبل أن تبدأ في ارتداء حجابها مرغمة وسط دموعها التي تنهمر فوق وجنتيها بغزارة، والأخرى كانت تتابعها بتشفٍ وقرف.
بعد مرور عشر دقائق تقريباً كانت خلود تنزل درجات السلم ببطء وخلفها آسيا حتى وقفت على الأرض ونقلت نظرها بين الجميع، كانت العائلة بأكملها متواجدة. ألقت آسيا نظرة على فريال التي ابتسمت لها بدفء وفهمت من نظراتها أنها هي التي قامت بجمع العائلة كلها، فرمقتها آسيا بامتنان وحب نقي. لم يلبث للحظة حتى صاح منصور بغضب: _أنتي بتعملي إيه هنا؟ هتف حمزة بحزم يسكت ابنه عن الحديث: _منصور.. استنى خلينا نشوف عايزة تقول إيه!
نقلت آسيا نظرها على وجه أمها التي كانت عيناها لامعة بالدموع، وحين نظرت لشقيقها وجدته ساكناً تماماً يتابعها بنظرات غاضبة مثل جدها والبقية. وجدت البسمة الساخرة تصعد لثغرها بتلقائية وقالت تجيب على جدها دون أن تنظر له حتى: _مش أنا اللي هقول.. بتكم هي اللي هتقول وتتكلم.
كان الرعب والصمت يستحوذ على خلود وهي تتنقل بنظرها بين وجوه عائلتها، تحاول توقع ردة فعلهم بعدما تكشف لهم فعلتها الشنيعة. لكن حين استقرت عيناها على وجه آسيا رأت التحذير المرعب، فتنفست الصعداء بتريث وبدأت تتحدث وهي مطأطأة أرضاً لا تتجرأ على رفع عينيها بوجوههم: _آسيا معملتش حاجة.. يعني مكنش في حاجة بينها هي وعمران. رفعت آسيا نظرها ورأت السكون والذهول مهيمناً على الجميع، فابتسمت بثقة وهتفت بحدة توجه حديثها لخلود: _كملي.
ازدردت خلود ريقها بتوتر وتابعت بصوت مرتجف: _أنا عدلت الصور وقولت إن هي وعمران بيحبوا بعض وفي بينهم حاجة. كانت الصدمة تستحوذ على منصور هو وعلي وكذلك حمزة، بينما جلال فأظلمت نظراته وهي واقف يندفع نحو ابنة عمه يصرخ بها بانفعال مرعب: _عدلتيها كيف يعني؟ هدرت بصوت باكي دون أن ترفع نظرها لوجه جلال:
_أنا لما شوفتها هي وعمران كانت بتتخانق معاه وبتتهمه إنه هو اللي قتل عمي خليل وأنا صورتهم وعدلت الصور عشان يبان إن في بينهم حاجة. احتقن الدماء في وجه جلال وراح ينظر لوجه خلود بعصبية يرغب بفعل الكثير بها، لكنه لا يستطيع لمسها. رفع يده في الهواء وراح يمسح على وجهه، وحين سقطت نظراته على شقيقته رآها ترمقهم بخبث وسخرية. ولم يزيح نظره عنها إلا عندما صك سمع الجميع صوت صفعة جليلة القوية لخلود وهي تصرخ بها:
_افتريتي على بتي ولعبتي بشرفها وخليتنا نعمل فيها كل ده.. ودلوقتي جاية تعترفي بعملتك ماهو العيب على أبوكي وأمك اللي معرفوش يربوكي. استشاط علي واندفع نحو شقيقته يبعد زوجة عمه عنها ويوجه لها صفعته العنيفة وراح يجذبها من حجابها قابضاً على شعرها من فوق الحجاب وهو يصرخ بصوته الرجولي: _جبتي الفجر ده منين؟
كانت تبكي وتصرخ بين يدي شقيقها وآسيا تتابعهم مبتسمة بسخرية، تتشفي في منظرهم جميعهم وهم يسمعون الحقيقة التي لم يصدقوها عندما توسلتهم وهي تخبرهم بها. انحنت على أذن خلود وهمست لها بنبرة لا تحمل من الشفقة أو الرحمة شيء: _سبق وقلتلك فتحتي على روحك طاقة جهنم لما فكرتي تأذيني.. وجه وقت الحساب أنا كنت قاطعة عهد على روحي إني هخلي نهايتك أبشع من نهايتي يابت عمي.
كان علي يسمع كلمات آسيا ولا يفهم منها شيء، لكن نظراته كانت متسعة بدهشة، وباللحظة التالية كان يتابع ابنة عمه وهي تقترب من جده ووالده وتقف أمامهم ثم تضع بيد أبيها ورقتين وتهتف باشمئزاز ونقم: _ده عشان تعرف حقيقة بتك الشريفة.. بتكم متجوزة عرفي وحامل والدليل في يدكم أهو.
صرخت إنصاف بصوت مرتفع واتسعت عينا كل من منيرة وفريال بذهول، بينما البقية فكان صمتهم مرعب أكثر. راح منصور يتفقد الورقتين بتدقيق ومن ثم جذبها حمزة من يده، وبالأخير كان علي.
أما جليلة فلم يكن يهمها شيء وسط كل هذا سوى ابنتها. تفكر كيف ستجعلها تغفر لها وتسامحها. وجلال كان يقف مصدوماً يتلقى الصدمات دفعة واحدة لا يدري كيف يتصرف، لكنه ألقى نظرة نارية ومشمئزة على خلود وتابع بنظره عمه وهو ينقض على ابنته وينهال عليها بالصفعات والضربات القوية، وهذه المرة حتى جدها نالت من نقمه وجموحه نصيباً وسط صراخ زوجة عمه وبكائها العالي على ابنتها. لكن منصور كان لا يرى شيئاً أمامه وكأنه أصاب بالعمى يضرب ابنته بأي مكان تطوله يداه ويساعده حمزة وسط صراخهم عليها ونعتهم لها بالفاجرة والألفاظ الأخرى.
انطفأت نيران آسيا المشتعلة في صدرها بعد أن رأت ذلك المشهد أمامها، ثم استدارت وكانت تنوي الرحيل، لكنها توقفت عنوة على أثر قبضة أمها على ذراعها وهي تهتف برجاء وبكاء: _متمشيش يا آسيا.. حقك علينا يا بتي سامحينا. رفعت آسيا نظرها لجلال ورأت نظرات الندم والحزن في عيناه، ثم عادت لأمها تنظر لها ولوجهها الغارق بالدموع. ولأول مرة لا تشعر تجاههم بأي شيء سوى النقم والنفور. فأبعدت يد أمها عنها وهتفت بجفاء ونظرات
كلها قوة وعدم مبالاة: _بتكم ماتت. استدارت وقادت خطواتها لخارج المنزل، فلحقت بها جليلة وهي تصرخ عليها ببكاء لتركض منيرة تحاول إيقافها، وكان خلفها جلال ينوي اللحاق بشقيقته ليوقفها. لكنه تسمر بأرضه عند باب المنزل بعدما رأى عمران وهو يقف أمام سيارته يستند عليها بظهره منتظرًا زوجته. وعندما اقتربت منه آسيا انتصب في وقفته وانحنى عليها يقبل رأسها بحنو مبتسمًا لها، ثم امسك بيدها واتجه نحو باب السيارة ليفتح الباب لها.
وقبل أن تستقل بالسيارة ألقت نظرة عليهم خالية من المشاعر وصعدت. وبعد ثوانٍ كان عمران يستقل بجوارها وينطلق بالسيارة مبتعدًا عن المنزل وسط بكاء جليلة وهي تردد بندم: "آسيا.. آسيا، حقك عليا يابتي سامحيني آاااه." داخل منزل إبراهيم الصاوي... كانوا بطريقتهم لغرفتهم، لكن عمران توقف عندما سمع صوت والده، فنظر لآسيا وهمس لها بخفوت: "اسبقيني وأنا چاي وراكي."
كانت تتجول وتسير معه طوال الطريق كالجسد بلا روح، عيناها منطفئة ووجهها ذابل، شفتيها عابسة وملامحها تعكس الألم والقهر الذي بقلبها. رغم أنه أخذها وتجولوا قليلًا لكي يزيح الهم عنها قليلًا، لكن دون جدوى. هزت رأسها له بالموافقة وتابعت طريقها لغرفتها بالأعلى، وهو اتجه لوالده. دخلت الغرفة واغلقت الباب، ثم تقدمت نحو الفراش وجلست على حافته، وأخذت تستعيد الساعات السابقة في عقلها تتذكر نظرات الجميع وتوسلات أمها وندم شقيقها.
وبنفس اللحظة كان يقذف بعقلها ذكرى اليوم المشؤوم عندما كانت تتوسلهم لكي يصدقوها ولا يتركوها طعمًا لتلك العائلة وتتزوج من رجل لا تريده وتكرهه، لكنهم لم يتلفتوا لها وصدقوا ما رأته عيناه. بعد مرور خمسة عشر دقيقة تقريبًا وهي على نفس الوضع، وصل عمران أخيرًا. دخل وثبت نظره عليها، لكنها كانت لا تنتبه له تنظر في الفراغ بضياع. فتنهد الصعداء بقوة واقترب منها حتى جلس بجوارها وراح يرفع يده يمسح على رأسها بحنو متمتمًا:
"اتكلمي يا آسيا إيه اللي مضايقك؟ رفعت نظرها الضائع له، وبلحظة تجمعت العبرات بمقلتيها فقالت بصوت مبحوح يغلفه البكاء: "مش قادرة انسى اللي عملوه فيا ياعمران." سكتت للحظة ثم تابعت وكانت دموعها انهمرت فوق وجنتيها وأصبح صوتها مهزوزًا:
"مش هقدر اسامحهم واصل على الظلم اللي ظلموه ليا.. رموني كأني مش بتهم وجابوني على البيت ده وجوزني منك غصبن عني ومحدش فيهم سأل فيا واعتبروني مت.. مفيش حد فكر يسأل ولا يهتم أنا عايشة كيف وسيكم وإيه بتعملوا فيا. ودلوك عاوزني اسامحهم وانسى كل حاجة كيف بعد ما هملوني لحالي وأنا مليش حد." فرد ذراعه ولفه حول كتفيها ثم ضمها لصدره وراح يملس فوق ذراعها بكفه العريض وهو يهمس بصوت رزين وجاد:
"متغصبيش روحك على حاجة وقت ما تحسي نفسك قادرة تنسي وتسامحي وقتها ترجعي ليهم، لكن دلوك متفكريش في حاجة. وأنا جارك وجوزك يعني انتي مش لوحدك." ابتسمت بغرام وسط دموعها ثم رفعت نظرها له دون أن تبتعد عن صدره لتهمس بعينان كلها امتنان وعاطفة: "انت الوحيد اللي كنت جاري رغم كل اللي عملته فيك.. كنت ضهري وسندي." صمتت للحظة ثم تابعت بعين عادت تغرق بالدموع مرة أخرى:
"تعرف ياعمران أنا بشوف فيك حنان وحب أبويا.. كل اللي عملته وكل حاجة بعملها حتى لو غلط أنا ببقى عارفة إنك في ضهري وهتحميني وببقى مرتاحة ومطمنة طول ما أنت جاري." ابتسم لها ثم انحنى عليها ولثم جبهتها بقبلة مطولة هامسًا: "بظبط وعشان إكده متزعليش روحك ووقت ما تبقي مستعدة تواجهي ناسك وتسامحيهم ارجعي ليهم." التزمت الصمت لثوانٍ وهي تفكر، ثم ابتعدت عنه لتسأله بوجه عابس: "هو أنت عاوزني ارجع لهم واطلقني؟! ضحك بخفة ليرد
عليها بصوت الرجولي القوي: "ترجعيلهم بمعنى تسامحيهم وترجع المايه لمجاريها من تاني يا آسيا مش إنك ترجعي وتسيبي بيت جوزك طبعًا." عادت البسمة لثغرها من جديد، فوجدته يهب واقفًا ويهتف بجدية: "يلا عاد قومي اغسلي وشك وجهزي روحك عشان أنا معايا شغل في القاهرة ومسافرين الفجر الليلة." اتسعت عيناها بدهشة لتردد بتعجب: "القاهرة والفجر؟! رد مبتسمًا بخبث وهو يتجه نحو الخزانة ويبدأ في تبديل ملابسه:
"اممممم هناخد أسبوعين لو مش عاوزة تاجي معايا خليكي هنا في البيت عادي." ردت على نفسها ساخرة بقرف وفي صوت منخفض: "وإيه اللي يقعدني في بيت العقارب ده لحالي وأنت مش قاعد." تنهدت الصعداء ورفعت أناملها تمسح دموعها من فوق وجنتيها برقة، وعندما التفتت نحوه ورأته شبه عارٍ صرخت بفزع وسرعان ما أشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تهتف بغيظ: "قولتلك مليون مرة ياعمران متغير قصادي كده! رد ببرود مبتسمًا وبلهجة صعيدية غليظة:
"امال اقلع خلجاتي وين يعني في الطرقة برا مثلًا ولا إيه؟! استقامت واقفة وهي مازالت تتحاشى النظر لجسده وسارت باتجاه الحمام. أخذ يتابعها بنظراته وهو يضحك. كانت تسير هي تنظر للجانب خشية من أن يسقط نظرها عليه دون قصد، وعندما وصلت للحمام دخلت واغلقت الباب ثم راحت تهتف من الداخل بغيظ ممزوج بخجلها: "الناس بتغير في الحمام مش قصاد أي حد كده."
رفع حاجبه باستنكار لعبارتها المتناقضة التي لا تناسب زوجين أبدًا، لكنه اكتفى ببسمته المغلوبة عليها وتابع ارتداء ملابسه ثم التقط هاتفه وأجرى اتصالًا يخص العمل. كان صوت صراخ إنصاف هو فقط المسموع بالمنزل بعدما رأت ابنتها فاقدة الوعي أمامها والدماء التي تسيل منها جعلت النصف السفلي من ملابسها الصفراء كله أحمر اللون. فقد فشلت هي في انتشالها من بين براثن زوجها وجدها، لكن جلال بعد رؤيته لمنظر الدماء هرول نحو عمه ودفعه بعيدًا
عن خلود يصيح به: "متستاهلش تقتلها وتدخل روحك السجن.. بزيادة ياعمي." كان علي يقف يحدق بشقيقته مذهولًا وهو يرى دمائها تملأ ملابسها، هذا يعني أن آسيا لم تكن تكذب فيما يخص حملها وهي بالفعل كانت حامل. بتلك اللحظة كان منصور يصرخ بجلال وهو كالثور الهائج: "حطت راسي في الطين وجابت لنا العار بت **** دي **** هقتلها واغسل عاري عشان ارتاح."
كانت جليلة بعالم آخر تجلس بركن بعيد عنهم وتبكي على ابنتها بندم، وكل من فريال ومنيرة يتابعون ما يحدث أمامهم بصمت دون أن يتجرأ أحد منهم على التدخل. على عكس إنصاف التي كان صوتها المرتفع يزلزل المنزل وهي تولول وتلطم بصراخ وبكاء من خوفها على ابنتها. فتحت خلود جزء بسيط من عينيها بضعف وهي تتأوه بألم، كانت بين الوعي واللاوعي تسمع أصواتهم لكن لا تفهم ولا تشعر بشيء. وفجأة انقض عليها علي يقبض على فكها عندما رآها تفتح عينيها
يلقنها بألفاظ نابية: "يا فاجرة يا **** كيف ما العيل اللي في بطنك ده مات هتحصليه أنتي و **** اللي عملتي عملتك معاه ده.. وعزة جلالة الله يا خلود لأقتلكم انتوا الاتنين." دفعه جلال عنها وصرخ به بعصبية: "عــلــي." ثم رفع نظره ليحدق بزوجة عمه ويقول بحزم: "اتصلي بالإسعاف خليها تيجي بسرعة." أسرعت إنصاف شبه ركض تجاه هاتفها وبظرف لحظة كانت تضغط على الأرقام وتجري اتصالها بالإسعاف.
بينما الجد حمزة فاقترب من مقعد خشبي مبطن وجلس فوقه وهو يضع رأسه بين راحة كفه مغلقًا عينيه بتعب من فرط الهم والتعب. وما هي إلا لحظات حتى توقف وكان ينوي الذهاب لغرفة الجلوس حتى يرتاح، لكنه فجأة سقط على الأرض فاقدًا الوعي. هرول الجميع نحوه يحاولون إفاقته لكن دون جدوى. أصبحت الكارثة كارثتين الآن والمنزل أصبح يملأه الصراخ كمنزل الميت الذي يتلقى واجب العزاء من الناس. مرت ساعات طويلة دون أن تحصل على أي خبر منهم.
كانت تحاول الاتصال بزوجها لكن لا يجيب عليها وبدأ قلقها يزداد على الجد من أن يكون قد صابه مكروه. لم تكن تهتم بخلود ولا يهمها أمرها فهي نالت جزاء أفعالها الدنيئة. عاد الأولاد من المدرسة للمنزل ووجهتهم الأولى كانت لغرفة والدتهم بعدما وجدوا المنزل فارغًا ولا يوجد أحد. انفتح الباب ودخل عمار أولًا وهو يهتف بسرعة: "أما هي جدتي وجدي حمزة والكل وينهم مفيش حد في البيت."
تنهدت الصعداء بضيق ورتبت بكفها على الفراش بجوارها تشير لهم أن يقتربوا ويجلسوا بجوارها، ففعلوا بسرعة وسألتهم هي باهتمام: "إيه أخبار المدرسة النهاردة حليتوا زين مع الأبلة؟ عمار بحماس طفولي وسعادة: "إيوة وادتني نجمة كمان في الكراسة وخلت الفصل كله يصقفلي عشان أنا شاطر." ابتسمت فريال بحب لابنها وانحنت عليه تلثم شعره بحنو، ثم رفعت رأسها ونظرت لابنها الأكبر فترى السكون يستحوذ عليه يحدق بأمه وكأنه يود قول شيء لكنه متردد.
تجاهلت ما رأته بتلك اللحظة وأجابتهم على فضولهم بعبوس: "جدكم حمزة تعب شوية وهما راحوا معاه المستشفى." معاذ بهذه اللحظة في خوف: "طيب هو بقى كويس دلوقتي ولا لسا تعبان؟ زمت شفتيها بحزن وقالت وهي تهز كتفيها بجهل: "معرفش يا ولدي أبوك مش بيرد عليا.. إن شاء الله يكون كويس.. انتوا قوموا دلوقتي غيروا هدومكم عشان تتغدوا وبعدين راجعوا على الحفظ قبل ما تروحوا الدرس.. ولما أبوكم يرد عليا هقولكم قالي إيه."
زموا شفتيهم بعبوس طفولي واستقام عمار أولًا ممتثلًا لأوامر والدتهم وهو يتجه لخارج الغرفة. وكان معاذ سيهم بالنهوض واللحاق به لكنها قبضت على ذراعه تثبته مكانه وتسأله بجدية: "مالك يامعاذ ياحبيبي في حاجة عاوزة تقولها وخايف؟ هز رأسه بالنفي ورد على أمه متنهدًا بخنق: "لا أنا مش خايف ياما بس مش عارف أقولك ولا أقول لأبويا." ضيقت عيناها باستغراب وعادت تسأله باهتمام وفضول: "تقولنا إيه.. قولي عاوز تقول إيه لأبوك؟!
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن ينظر لعينان أمه ويتمتم بغضب ملحوظ واقتضاب: "شوفت مرت أبوي وهي كانت في مكتبه وبتفتح خزنته وكانت بتاخد فلوس ولما دخلت اتفزعت وحطت الفلوس مكانها تاني وقفلت الخزنة بسرعة.. كانت بتسرق من فلوس أبوي ياما." اتسعت عينا فريال بصدمة وهيمن السكون عليها لبرهة من الوقت قبل أن تسأل ابنها بترقب: "شفت الكلام ده ميتا؟ رد بثقة تامة وثبات: "امبارح الصبح."
التزمت فريال الصمت وانحرفت عيناها من على وجه ابنها لتحدق في اللاشيء بشرود وملامح وجه ساخطة. وما هي إلا دقيقتين بالضبط حتى عادت بنظرها لصغيرها وأملت عليه تعليماتها الصارمة: "طيب متجيبش سيرة لابوك واصل باللي شفته يا معاذ ولو حصل وشفت أي حاجة من مرت أبوك تاني تاجي وتقولي أنا علطول ياحبيبي تمام." لوى فمه بعدم فهم لكن قال بانصياع لأوامر أمه: "حاضر ياما.. بس ليه مجيبش سيرة لأبوي؟ ابتسمت له بحنو وغمزت له بخبث ثم همست:
"لا أنا ولا أنت ولا عمار عاوزين مرت أبوك تفضل هنا في البيت معانا صح." ابتسم لأمه وهو هز رأسه بالإيجاب، فضحكت هي على ابنها الداعم لأمه وانحنت عليه تقبل شعره هامسة بلؤم: "عشان إكده مش هتجيب سيرة لأبوك وهتقولولي كل حاجة بتعملها مرت أبوك وتعمل اللي أقولك عليه أنت وعمار.. عشان نمشيها من بيتنا." ضحك بخفة وراح يلقي بحمل جسده كله على أمه يعانقها بقوة وهي يقول بسعادة وحماس: "اتفقنا."
عشان تمشي مرت أبوي ونرجع كلنا كيف ما كنا في الأول وأنتي وأبوي متتخانقوش تاني بسببها. ابتسمت لابنها وهو بين ذراعيها وراحت تلثم رأسه بقبلات أمومية دافئة، بينما هو فسكن داخل أحضان أمه وهي يغلق عينيه براحة. ***
داخل المستشفى بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.. كان كل من منصور وعلي وجلال يجلسون بالخارج في انتظار الطبيب ليخرج من غرفة العمليات ويطلعهم على وضع الجد. ينتظرون منذ ساعات طويلة وحالتهم المزرية كانت مختلفة ما بين الغضب والهم والقلق، وبين الجمود والسكون التام، كأن صاعقة من السماء ضربت رأسهم بنفس اللحظة وحرقتهم كلهم بأرضهم. رأوا الطبيب وهو يخرج من الغرفة أخيراً ويقترب منهم، فتوقف جلال وتقدم نحوه يسأله باهتمام:
"إيه يادكتور طمنا كيفه چدي؟ رد الطبيب براحة وهدوء: "اطمنوا هو بخير حالياً الحمدلله، اتدخلنا في الوقت المناسب. هي كانت بداية جلطة في المخ، لكن الحمدلله ربنا ستر." تنهد جلال وهو يردد الحمدلله، بينما منصور فسأل الطبيب بمضض: "وخلود؟ أجابه الطبيب بوجه عابس: "للأسف مدام خلود دخلت العمليات فوراً عشان عملية الإجهاض، وهي حالياً هيتم نقلها لغرفة عادية.. هو حصل معاها إيه بالظبط لأن واضح أن كان في آثار عنف على وشها!
نعته لها بالمدام جعلت شقيقها ووالدها يستشيطون من جديد، لكن جلال تولى هو المهمة ورد على الطبيب بهدوء: "وقعت يادكتور من فوق السلالم والواقعة كانت شديدة قوي." هز الطبيب رأسه بتفهم رغم عدم اقتناعه، لكنه أجاب بالأخير في جدية: "طيب ياريت لو زوجها موجود خلوه يجيلي على المكتب عشان في إجراءات مهمة لازم يخلصها تخص الطفل والمدام."
أنهى عبارته واندفع بعيداً عنهم يسير باتجاه غرفته التي بالطابق السفلي. بينما منصور فاستشاط وراح يهتف بوعيد وهو يترنح من فرط الغضب: "يا ***** جبتيلنا العار، كان لازم اقتلك وأرتاح منك واصل.. تطلعي أنتي بس وأنا هقتلك أنتي وال**** اللي عملتي عملتك **** معاه." ترك علي والده وعاد مرة أخرى لمقعده يجلس فوقه، وقد أخذت قدماه تهتز بعنف وهو يضع كفه فوق فكه يضغط عليه بقوة من فرط نيران غضبه الملتهبة. ***
داخل منزل إبراهيم الصاوي...... هتفت إخلاص باعتراض: "هتاخدها معاك ليه عاد؟! رد عمران على أمه بضيق: "هاخدها عشان مرتي ياما، أسيبها إهنه ليه؟! قالت إخلاص في غيظ شديد: "أنت مش رايح تخلص شغلك.. يبقى تفضل إهنه، إيه اللي يوديها معاك." مسح عمران على وجهه متأففاً بنفاذ صبر ونظر لأمه بخنق يقول في حدة:
"أما أنا هاخد أسبوعين في القاهرة وأنا راجل متچوز أاقعد لحالي ليه ومرتي موچودة.. مطرح ما أكون موچود تكون هي، ولا أروح أجيب حرمة غريبة تخدمني وتقعد معايا في الشقة! استاءت إخلاص بشدة وراحت تهز قدميه بعنف في غيظ لتقول له بقسمات وجه ملتهبة: "وأنا خايفة تضحك عليك ياولدي وتاخدك تحت جناحتها.. دلوك أنت عاوزها تروح معاك مطرح ما تتحرك، بعدين كمان هلاقيها جايبالك الواد." زفر حرارة أنفاسه الملتهبة من الغضب واستقام واقفاً
يجيب على أمه بحدة: "ومتجيبش ليه؟ مش مرتي ولا أنا مليش نفس أشوف عيالي! اتسعت عين إخلاص بصدمة من رده، لكنها هدأت من ثورانها بأنه قال هكذا فقط ليسكتها ولأنها استفزته. تابعته بنظراتها النارية وهي تراه يندفع لخارج الغرفة ليتركها ويرحل.
داخل الغرفة كانت آسيا تقوم بجمع ملابسهم في الحقائب تستعد لرحلتهم التي ستكون بعد ساعات معدودة. وبعدما انتهت من توضيب حقيبتها انتقلت لحقيبتها وبدأت في جمع ملابسه ووضعها بالحقيبة. كانت جميعها من الجلابيب البلدي ذات الطابع الصعيدي، لكن يدها توقفت بدهشة عندما سقطت يداها فوق بعض البناطيل والقمصان مختلفة الألوان. فراحت تمسك بقميص منهم وتحدق به بتعجب لا تفهم سبب وجودهم بخزانته، فهي أبداً لم تراه يرتدي بنطال وقميص!
بتلك اللحظة دخل الغرفة ومعالم وجهه كانت تنم على وجود بركان بداخله، لكن فور رؤيته لها وهي تمسك بملابسه وتتأملهم بشرود سألها بصوته الرجولي الذي نفضها في أرضها: "بتعملي إيه؟! ضمت قميصه لصدره وقالت بخفوت مبتسمة: "ولا حاجة، كنت بلم الشنط مش أنت قولتلي هنمشي الليلة في الفجر." لانت حدة ملامحه قليلاً ليقول بجدية: "آه، خلصي الشنط ونامي شوية عشان متتعبيش في الطريق."
اماءت له بالموافقة دون أن تصدر أي صوت، بينما هو فاستقرت عيناه على قميصه الذي بيدها وأردف: "مسكاه ليه ده؟! أخفضت نظرها للقميص ثم عادت بنظرها له مجدداً تقول ببسمة ناعمة: "عادي، أنا كنت بلم هدومك ولقيتهم وسطهم فاستغربت عشان عمري ما شفتك لابس غير الجلابيب." دس يده في جيب جلبابه وأخرج مفاتيح سيارته وهاتفه وحافظة نقوده وهو يجيب بلهجة غريبة وصوت غليظ: "سبيهم مكانهم، متمليش الشنطة على الفاضي بحاجات مش بلبسها كيف ماقولتي."
ضيقت عيناها بتعجب من أسلوبه الجاف، لكنها تصنعت عدم الاهتمام وبقت مكانها تقف كالصنم تتابع حركاته بنظراتها حتى وجدتها يتجه نحو الحمام ويختفي بداخله. فسقطت بنظرها للقميص الذي بيدها وهي تبتسم بمكر، وبسرعة راحت تخرج بقية القمصان وتختار منها ما يتماشى مع ذوقها وتضعها بالحقيبة، وفعلت المثل مع البناطيل. حيث بالنهاية جعلت حقيبته نصفها ملابسه المعتادة جلابيبه والنصف الثاني من القمصان والبناطيل. ثم اغلقتها بسرعة قبل أن يخرج ويراها، وأغلقت كذلك خزانته ووضعت الحقائب فوق الأرض وهي تضحك باستمتاع وخبث. لكنها انتفضت
على أثر صوته وهو يسألها: "بتضحكي علي إيه؟ رددت بزعر وصوت منخفض: "بسم الله الرحمن الرحيم.. إيه ياعمران، فزعتني. هو الضحك حرام وأنا معرفش؟! لم يهتم بردها ولم يجيبها، فقد كان يجفف شعره بالمنشفة الصغيرة من قطرات المياه. تنهدت مغلوبة وتقدمت نحوه لتقف أمامه تسأله برقة: "أنت في حاجة مضيقاك؟ طالت نظرته الدقيقة لها ليجيبها بنبرة خشنة: "لو قولتلك آه هتعملي إيه يعني؟ صمتت للحظات قبل أن تبتسم بنعومة وتقول بنظرة لئيمة:
"هعملك جلسة استرخاء تريحك وتنسيك كل حاجة."
رفع حاجبه بتعجب ودهشة من ردها، ولم تمهله اللحظة ليجيب عليها حتى، حيث جذبته من يده وسارت نحو الأريكة لتجعله يجلس فوقها. ثم التفت حولها لتقف خلفه وتمسك برأسه بكل لطف لتعود بها على ظهر الأريكة. رغم حيرته من تصرفاتها، لكنه ترك نفسه لها بسبب فضوله ليعرف ما الذي ستفعله به. ولم يلبث للحظة حتى شعر بأناملها الناعمة وهي فوق جبهته ورأسه تدلكهم بكل رقة واحترافية. أغلق عينيه لا إرادياً عندما انتشرت اللذة في جسده من لمساتها المتمرسة والناعمة فوق رأسه. ضحكت هي عندما رأت منظره وانحنت عليه تهمس
بصوتها الأنثوي الجميل: "إيه رأيك؟ حصلت على الرد منه بصوت يحمل بحة رجولية منيرة ومثيرة: "كملي متوقفيش يدك واصل." ضحكت بأنثوية اخترقت عقله وليس أذنه فقط، ثم استطردت: "عيوني يامعلم."
مال ثغره للجانب في ابتسامة بالكاد تظهر وهو مازال مغمض العينين. ومع مرور الوقت بدأت تسمع صوت تأوهاته المتلذذة بحركات يدها ولمساتها، فتتسع ابتسامتها هي أكثر. وبعد تقريباً عشر دقائق توقفت يديها عندما شعرت بالتعب. ففتح عينيه بخمول من شدة الاسترخاء واللذة التي كانت تغمره للتو، ويتمتم لها مبتسماً: "تسلم يدك." ضحكت وقالت بدلال غير مقصود وهي تغمز: "أي خدمة يامعلم." ثم تابعت وهي تتحرك نحو الفراش:
"أنا هنام شوية قبل الفجر عشان أقدر أكمل اليوم بكرة." لم يجيب واكتفى بنظراته الدقيقة لها مع ابتسامته اللعوب وهو يراها تتسطح فوق الفراش وتبدأ تستسلم لنومها. *** داخل منزل خليل صفوان......
كانت منيرة تقف بالمطبخ تقوم بتحضير شاي لها وكانت في انتظار معرفة أي خبر سواء كان عن الجد أو خلود، لكن جلال لا يجيب على هاتفه. لكن انتبهت كل حواسها فور سماعها لصوت الباب، وبسرعة قادت خطواتها السريعة للخارج. فرأت جلال وهو يجلس فوق مقعد الأريكة ويدفن رأسه بين راحتي كفيه. فأسرعت نحوه وجلست بجواره تسأله في اهتمام: "إيه يا جلال، الحج حمزة وخلود كيفهم؟
رفع رأسه عن كفيه وتنهد الصعداء، ليكتفى بإيماءة رأسه كرد على سؤالها بأنهم بخير، فتنفست هي براحة. دام السكون بينهم لدقائق، كان هو يحاول ترتيب أفكاره وأخذ قسط من الراحة قبل أن يعود للمستشفى. لكن سماعه لمنيرة وهي تقول بعدم تصديق ويلمس نبرة التشفي في صوتها التي جعلت الغضب يتسحوذة مرة أخرى: "أنا مش مصدقة أن خلود عملت إكده.. معقول تتچوز عرفي وتحمل كمان؟ كيف عملتها؟ طلعت ص**ح مش كيف ما كنت مفكراها غلبانة."
ثم ظهرت بسمة السخرية والبحث فوق ثغرها وهي تتبع: "بس آسيا خدت حقها تالت وتالت منها، وطلع چوازها من عمران مش عشان الصلح كيف ما كلنا فاهمين.. أنت ليه مقولتليش الموضوع ده! تحولت نظرات جلال وأصبحت مخيفة، وكأنه وحش يستعد للانقضاض على فريسته. وبـلـحظـة كانت تجده يقبض على شعرها بعنف هاتفاً في نبرة صوت قفزت الرعب في أوصالها:
"متفتحيش خشمك تاني واصل في الموضوع ده.. أنتي النهاردة كنتي خرسة وطرشة، لا شفتي ولا سمعتي حاجة.. اقسم برب العزة لو صنف مخلوق عرف باللي ح**صل في البيت النهاردة وسمعتيه، وبذات على موضوع آسيا، لأكون أوريك النجوم في عز الضهر ومطلقك وراميكي في بيت ناسك.. فاهمة ولا لا!
انهى عبارته الأخيرة بصرخة نفضتها مكانها، فأخذت هي توميء له عدة مرات متتالية بموافقة في خوف من جموحه المرعب الذي تشهده للوهلة الأولى. بينما هو فتركها واستقام واقفاً يتجه نحو الدرج يقصد غرفته هو وفريال بالطابق الثاني. *** هبت فريال واقفة عندما وجدت الباب ينفتح ويظهر جلال من خلفه. فأسرعت نحوه تسأله بقلق: "چلال طمني، چدي حمزة كيفه؟ .. برن عليك من الصبح مبتردش! تنهد بعبوس ووجه مهموم ثم أجابها بخفوت:
"لغاية دلوك زين يافريال الحمدلله." تنهد الراحة بفرحة، ثم تابعته وهو يتجه نحو الفراش ويجلس فوقه ماسحاً على وجهه وهو يتأفف بقلة حيلة. فراحت تجلس بجواره وتلوى فمه بخنق لتسأله على مضض: "وخلود سقطت العيل اللي في بطنها ص**ح؟ اماء لها بالإيجاب ثم تمتم بغضب وغيظ: "كان نفسي أسيب عمي يقتلها وياخد روحها، معرفش إيه اللي خلاني أمنعه." فريال بخنق واشمئزاز: "هي خدت جزائها على اللي عملته، ولسة كمان."
دام صمته للحظات حتى خرج صوته مكتوماً وهو يسألها دون أن يرفع رأسه وينظر لوجهها: "أنتي كنتي عارفة باللي عملته في آسيا؟ ابتسمت فريال باستنكار وردت عليه في قسوة واستياء:
"كنت عارفة، آسيا حكتلي. وحتى لو مكنتش حكتلي أنا كنت مستحيل أصدق الصور.. أنا عارفة أن لا أخويا ولا آسيا يعملوا حاجة إكده.. لكن أنتوا كلكم صدقتوا فيها وظلموتها ورمتوها كأنها ملهاش ناس.. لما چات البيت عندنا كانت بتلبس نقاب أول كام يوم عشان تداري الورم اللي في وشها من كتر ضربك ليها أنت وعمك، وچاتلي تطلب مني مكياچ عشان تحطه لما تنزل ومحدش يلاحظ اللي في وشها."
محدش كان واقف چارها وفي ضهرها وبيحميها غير عمران اللي أنت كنت بتتهمه في قتل أبوك. كان مازال لا يرفع رأسه لها، فقط يستمع لعبارتها وهي تسرد له معاناة شقيقته بسبب ما فعلوه بها، أو ما فعله هو بالأخص. تلألأت العبرات في مقلتيه، وخرج صوته مبحوحًا ممتلئًا بالندم الصادق:
_مكنتش شايف قصادي يافريال، والشيطان أتمكن مني لدرجة أني مبقيتش حاسس أن دي آسيا، ويمكن لغاية اللحظة اللي اعترفت فيها خلود وأنا كنت مش حاسس بحاجة. معرفش كيف هخليها تسامحني، وأرجعها لينا. ابتسمت فريال بمرارة، وردت في ألم: _أنت خسرت أختك، كيف ما خسرتني يا جلال. متنتظرش من آسيا الغفران بعد اللي عملتوه فيها. أنهت عبارتها وهمت بالوقوف، لكنه قبض على رسغها يمنعها من الرحيل، يتطلع إليها بعينيه الدامعة ويهتف لها بعجز وألم:
_أنا تعبان قوي يافريال، أبوس إيدك بلاش تبقي أنتي كمان عليا. الليلة دي على الأقل حتى اقفي چاري، أنا محتاجك. لانت نظراتها ورق قلبها له بعد توسله وحالته المزرية التي تراه فيها، فقد ذكرتها تمامًا بليلة وفاة والده، كان بنفس الضياع والتشتت أيضًا. لوهلة كانت ستضمه لصدرها وتحاول التخفيف عنه، لكن تراجعت بقهر عندما تذكرت ما فعله بها وزواجه وخيانته لها.
جذبت يدها من قبضته ببطء، واكتفت بنظرتها الدامعة والمنكسرة له، قبل أن تتركه وتذهب للحمام. بقي مكانه يحدق في أثرها بقلب ممزق وروح تائهة، ولا إراديًا سالت دموعه الحارقة فوق وجنتيه. بعد مرور دقائق طويلة نسبيًا، خرجت فريال وكانت بطريقها للمطبخ بالأسفل حتى تقوم بتحضير طعام لها بسبب شعورها الشديد بالجوع، لكنها اصطدمت في طريقها بمنيرة التي وقفت وحدقت بها بغل، تهتف: _إيه، استويت زين ولا لأ؟ ابتسمت فريال ببرود،
ثم ردت عليها بلؤم متعمد: _اتعودي من إهنه ورايح أن جلال أول ما يكون مضايق هيجيلي أنا. أنا الوحيدة اللي بقدر أخفف عنه همه. وصدقيني هيكون أريحلك لو تقبلتي فكرة أنه بيعشقني أنا، وأنتي مالكيش أي تلاتين لزمة. التهبت نيران منيرة أكثر، فهي أساسًا مستاءة بالقدر الكافي منذ تهديده لها للتو وانفعاله عليها. ثم التجأ لفريال حتى تزيح عن كتفيه القليل من الهموم.
تقدمت نحو فريال بخطواتها المتربصة، بينما فريال فأخذت تتقهقر للخلف بقلق خشية أن تأذيها هي وطفلها. هتفت منيرة بوعيد وحقد: _متفرحيش قوي، عشان أنا مش هخليكي تقعدي إهنه كتير، وقريب هفرح لما يطلقك وهيبقالي أنا لوحدي. ظلت قدمي فريال في التراجع دون أن تنتبه أن خلفها الدرج، وفجأة أطلقت صرخة مدوية عندما انزلقت قدماها من فوق الدرج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!