الفصل 49 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
20
كلمة
4,769
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

التزمت الصمت بعد عباراتها وأخذت تحدق به منتظرة الرد منه على ما قالته. عيناها تلمع برجاء أن يقبل اعتذارها ويسامحها. لكنه كان جامدًا وهو يتمعنها. حتى رأته يرفع حاجبه ببسمة خفيفة ولهجة جادة: "ريحي النهاردة إهنه يافريال وبكرا روحي لأمك متسبيهاش لحالها اليومين دول." أنهى كلماته الغريبة واستقام واقفًا، ليتركها مكانها تحدق في الفراغ مندهشة من تصرفاته المثيرة للجنون. لكنها وثبت واقفة ولحقت به بسرعة تجذبه من ذراعه بقوة وتهتف:

"طيب ردك على كلامي وصلني وهو إنك مش هتسامحني لكن كمان مش عاوزاني خالص." ابتسم بهدوء وهو يجيبها بكل بساطة: "هو أنا قولتلك إكده.. ده بيتك يافريال." صاحت به منفعلة بعينان دامعة: "أنت مقولتش بس تصرفاتك ونظراتك ليا بتقول إنك معدتش عايزاني ولا بتحبني." تقوست ملامح وجهه للحدة ونظراته تحولت من الهدوء للغضب وهو يجيبها:

"أنتي عارفة زين أنا بحبك كيف ورغم كل اللي بتعمليه مقدرش اكرهك.. يعني لو في حد المفروض يقول الكلام ده فهو أنا لأن كل تصرفاتك بثبت أن أنتي اللي معدش في حب في قلبك ليا.. لو أنا كسرتك مرة يافريال فـ أنتي بتكسريني مليون مرة وبسامحك بس معدتش متحمل عدم ثقتك فيا وأنك في كل موقف بترمي اللوم عليا وتديني ضهرك وتمشي وأنا أفضل وراكي وأحاول انول رضاكي." سالت دموعها الغزيرة فوق وجنتيها لتهتف بصوت مبحوح:

"وأنا مأنكرتش غلطي وبعتذر منك أهو، بس أنت كمان راعي اللي أنا فيه وحط نفسك مكاني." جلال بعصبية: "أنا مش هحط نفسي مكانك يافريال عشان أنا مستحيل أعمل كيف ما بتعملي." أطرقت رأسها أرضًا وانهارت في البكاء بشدة وهي تخرج الكلمات بصعوبة من بين شفتيها المرتجفة:

"على الأقل حس بيا وأن أبويا ميت وغصب عني فكرت إكده وقولتلك الكلام ده.. أنا محتچاك چاري تخدني في حضنك وتطبطب عليا لو مش عشاني عشان ابنك اللي في بطني حتى.. كنت منتظرة تقف چاري في محنتي وتعذرني لكن هملتني لحالي وبدل ما تخفف عني بتزود على وچعي." ابتسم بمرارة وهو يجيبها: "إيه يعني بقيت أنا العفش والغلطان دلوك؟! رمقته بيأس وقالت في صوت عاجز: "لا أنا العفشة ياچلال حقك عليا."

أنهت عباراتها واستدارت تهم بمغادرة الغرفة بأكملها لكنها توقفت بمنتصف الطريق وظهر الألم الشديد على وجهها ثم رفعت كفها تضعه فوق بطنها تصدر تأوهًا عاليًا بألم مميت. أسرع نحوها بفزع فور سماعه لصراخها وراح يلف يحتضنها من الجانب، ذراع فوق بطنها والآخر خلف ظهرها وينظر في وجهها هاتفًا بهلع: "مالك يافريال؟

لم تجيب عليه واستمرت فقط بالتأوه المرتفع. للحظة شعرت نفسها ستفقد طفلها من فرط الألم فتحركت بمساعدته نحو الأريكة تجلس فوقها وهي مازالت تتألم بشدة فقال لها بخوف: "يلا بينا نروح للدكتور." ردت عليه بصوت متألم وهي تهز رأسها بالنفي: "مش قادرة اقف ياچلال والبس." لم ينتظر ثانية وهي واقفًا يتجه نحو الخزانة يجذب ملابسها بسرعة ويعود لها لكي يساعدها في ارتدائها بينما هي فقالت بصوت ضعيف وبكاء شديد:

"ولدي هيچراله حاچة ياچلال أنا خايفة قوي." تجمدت يده الممسكة بملابسها وكان سيشرع في مساعدتها على ارتدائها. بعد عباراتها تسارعت أنفاسه رعبًا ونبضات قلبه أصبحت عنيفة فترك الملابس من يده بسرعة وراح يحتضن بطنها المرتفعة بيده وهو ينحنى عليها يلثم جبهتها متمتمًا: "متقوليش إكده أن شاء الله مفيش حاچة ساعديني بس والبسي يلا عشان نلحق الدكتور بسرعة."

أغلقت عيناها ووضعت يدها فوق يده وعبراتها تستمر في الأنهمار بصمت وثواني قصيرة حتى بدأت تشعر بالألم يزول تدريجيًا بينما هو فهتف لها بصوت مرتعد: "يلا ياحبيبتي البسي." ردت عليه بصوت خافت ومتعب: "الألم خف شوية ياچلال الحمدلله." تنهد الصعداء براحة مرددًا خلفها " الحمدلله " ثم تابع بقلق: "خلينا برضوا نروح للدكتور ونطمن." أمسكت بقبضته التي فوق بطنها وقالت بالنفي وهي مغلقة عيناها بضعف:

"أنا بقيت كويسة الحمدلله.. خليها الصبح اروح أنا دلوك عاوزة ارتاح." طالت نظرته المتفحصة لها يتأكد بعيناه أنها حقًا بخير ولا تحتاج لطبيب الآن. ثم لف ذراعه حولها وجذبها لصدرها وهو يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية ويهتف بصوت مختلف عن طبيعته فقد كان مرتعدًا: "مفيش روحة لبيت أبوكي يافريال، أكيد اللي حُصل ده بسبب عدم اهتمامك بنفسك وكنتي بتتعبي روحك هناك، ولو عاوزة تروحي لأمك هتروحي تاخدي كام ساعة وترچعي."

لم تسمع ما قاله بسبب اهتمامها بالتركيز على دقات قلبه العنيفة أسفل رأسها لتبتسم وهي تهمس برقة: "قلبك بيدق جامد! أجفل نظره الأسفل إليها ليردف مبتسمًا بجدية: "طبيعي ما أنتي شيبتي شعر راسي منظرك خلاني أقول خلاص هتسقطي العيل.. حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده." رفعت رأسها عن صدره وطالعته بحب متمتمة وهي تمسك بيده وتضعها مجددًا فوق بطنها لتتمتم: "هي شكلها متمسكة بالدنيا وبينا كيف ما أمها متمسكة بأبوها."

رفع حاجبه معجبًا بذكاء ردها لقلب الوضع لصالحها وهو يبتسم ليجيب: "أنا مش شايف تمسك أمها بيا واصل هو فين ده!! فغرت شفتيها بصدمة وقالت بعبوس: "كل ده ومش متمسكة بيك.. لو مكنتش بحبك كنا اتطلقنا من زمان قوي وأنا دلوك بعتذر منك على غلطي.. أنا آسفة ياچلال." رأت البسمة تشق طريقها نحو ثغره بعد نطقها لاسمه في النهاية بهذه الطريقة المثيرة. فلمعت عيناها وبسرعة قالت في حماس تسأله: "خلاص سامحتني صُح؟ اخفى بسمته مجددًا وقال بجفاء

مزيف وهو يهز رأسه بالنفي: "لا.. في فرق بين خوفي عليكي أنتي وبتي وحبي ليكم وبين مسامحتي ليكي." زمن شفتيها في حزن وقالت بيأس: "حتى بعد ما شوفتني تعبت كيف من كتر الزعل والضغط.. مش خايف اتعب تاني! رمقها بطرف عيناه وهو يحاول إخفاء بسمته. ثم استقام واقفًا والتف لها لينحني ويحملها بين ذراعيه ويتجه بها نحو الفراش متمتمًا: "لا مش هتتعبي تاني أن شاء الله ياحبيبتي، أنتي بس متضايقيش روحك."

كانت تشيح بوجهها للجانب الآخر بعيدًا عنه من فرط غيظها بينما هو فوضعها فوق الفراش برفق شديد وجذب الغطاء فوقها يدثرها جيدًا وهو ينحنى على رأسها يقبلها بحنو متمتمًا: "أنا اتعلمت الصبر على يدك ودلوك جه دورك تتعلميه شوية مع أن أنا مش قاسي قوي كيفك ومش هقدر اقسى عليكي كتير بس استحملي شوية يافريالي.. يلا تصبحي على خير." تابعه بدهشة وهو يتجه لخارج الغرفة فقالت له بضيق: "رايح وين.. هتهملني لحالي ممكن اتعب تاني! التفت لها

برأسه وقال في خفوت جميل: "لا مش ههملك متقلقيش رايح المكتب تحت اعمل كام حاچة وراچعلك." تنهدت الصعداء بعبوس بعدما انصرف واغلق الباب معه ثم تمددت بجسدها كاملًا فوق الفراش تضع رأسها فوق الوسادة وهي تشرد بعقلها الحزين تتذكر والدها الذي فارقهم. *** بصباح اليوم التالي داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران....

تململت في الفراش بخمول، وفتحت عيناها في النهاية بخنق على أثر صوت زوجها وهو يتحدث في الهاتف. التفتت حولها بحثًا عنه قراته يقف في الشرفة ويتحدث. رفعت كفها لوجهها تمسح فوقه وهي تأفف بنعاس، لكنها حاربت خمولها الغريب واستقامت واقفة من الفراش لتتجه نحوه وتقف خلفه تنتظر انهائه حديثه. وبعد لحظات طويلة نسبيًا انهى الاتصال أخيرًا والتفت لها بجسده ليبتسم بدفء ويتمتم: "صباح الخير ياغزال." بادلته الابتسامة المغرمة وردت:

"صباح النور.. ليه مصحتنيش؟ عمران بنبرة رجولية مميزة: "لقيتك نايمة بعمق ومش حاسة بحاچة مهنش عليا اصحيكي." ظهرت أسنانها من بسمتها العاشقة ثم اقتربت منه وامسكت بياقة جلبابه تهمس: "أنت طالع؟ هز رأسه بالإيجاب ثم قال بلهجة حازمة وقوية: "آه بشار بيقولي أنه عرف حاچة عن منصور هروح اشوفه." انقض قلبها فور سماعها لاسم عمها.. ليس خوفًا عليه ولكن على زوجها فأمسكت بيده بسرعة وقالت في ارتيعاد ملحوظ: "هتعمل إيه؟!

أخذت نفسًا عميقًا واطلقه زفيرًا حارًا قبل أن يمسح فوق يدها الممسكة بخاصته ويطبطب عليها بلطف هاتفًا: "متخافيش محدش فينا مستحمل دم تاني.. وأنا مش هلطخ يدي بالدم.. يعني لو ليا حق هاخده بس من غير دم متخافيش." لمعت وميض عيناها المتيمة به وثغرها انفغر معلنًا عن ابتسامتها العريضة وهي تنحني عليها وترفع جسدها قليلًا على اطرف أصابعها لتصل لقامته الطويلة وتقبل وجنته بنعومة هامسة:

"ربنا يحفظك ليا دايمًا يامعلم.. وميحرمنيش منك واصل." مال ثغره للجانب في بسمة رجولية ساحرة مع شاربه ولحيته الكثيفة ليقترب برأسه منه ويلثم جبهتها ووجنتها بقبلة حميمية وطويلة. تسللت لأنفها رائحته ورائحة العطر الرجولية النفاذة فابتعدت عنه بسرعة وهي تسد أنفها بيدها وتقول باشمئزاز وضيق: "إيه الريحة دي ياعمران! رفع حاجبه باستغراب من نفورها منه لأول مرة وقال بجدية: "مالها ريحتي؟! آسيا بملامح وجه نافرة ومنزعجة:

"مش متحملة ريحتك ولا ريحة البرفان ده قلب معدتي." تضيق عيناه بعدم فهم وهو يسألها بخنق من اشمئزازها منه : "وده من إيه أن شاء الله؟! سكنت للحظة في صمت تام بعد عبارته وقذف بعقلها فكرة أن دورتها الشهرية تأخرت عن معادها هذا الشهر وبالتالي استنتج عقلها السبب، فحدقت بعمران بذهول الذي كان يطالعها بجهل لتضحك بصمت وعدم استيعاب أنها قد تكون بالفعل تحمل طفلهم الآن. عمران بتعجب: "بتضحكي علي إيه؟ اقتربت منه وهي تبتسم باتساع

وتنظر في عيناه بعمق تهمس: "الشهر ده مچاتش." _هي إيه دي؟!! لم تجيب واكتفت بضحكها ونظراتها الثاقبة عليه ليدرك هو بعد تفكير ما تقصده وبعد ثواني أخرى من الفهم لمعت عيناه بنفس اللمعة التي في عيناها ليقول بصدمة: "يعني حامل." زمت شفتيها بجهل وهي مازالت محافظة على بسمتها وتجيبه: "معرفش بس بنسبة كبيرة أيوة."

رأت وميض مختلف في عينيه والسعادة الحقيقية تظهر فوق محياه أخيرًا بعد أيام من الحزن بسبب وفاة والده وبحركة مفاجأة كان يضمها لصدرها وهو يضحك معبرًا عن احتفاله وفرحته لكنها ابتعدت عنه وهي تضحك بخفة وتقول: "استنى لسا متأكدناش." عمران ببساطة وفرحة جميلة: "لا هو أن شاء الله حمل.. ويلا البسي عشان نروح للدكتور ونتأكد." قالت وهي مازالت تضحك بحب على فرحته المميزة: "طيب اعمل الاختبار الأول نشوف نتيچته وبعدين نروح للدكتور."

بسبب لهفته وسعادته قال بعفوية وحماس شديد: "اختبار إيه ده وبيتچاب منين؟! آسيا بدهشة بسيطة وسط ضحكها: "اختبار الحمل ياعمران.. بيتچاب من الصيدلية هيكون منين يعني! هز رأسه بالموافقة وقال وهو يجذب هاتفه ومفاتيح سيارته هاتفًا: "طيب أنا هروح أچيبه وآچي." قبضت على ذراعه توقفه هاتفة برزانة وابتسامة دافئة: "روح لشغلك ومشاوريك وخليها بليل أنت وراچع چيبه معاك." "وبكرا الصبح ابقى اعمله." رمقها بحدة وقال في لهفة تظهر

في صوته الرجولية المميز: "ليه هو أنا لسا هصبر لبكرا.. خير البر عاچله استنيني إهنه متتحركيش من الأوضة لغاية ما ارجع." ضحكت بقوة عليه ولم تستطيع الجدال معه أكثر فتركته يفعل ما يريده وتابعته بنظراتها المغرمة وهو يندفع لخارج الغرفة ويغلق الباب خلفه.

تحركت ودخلت الشرفة تنظر للأسفل تنتظر خروجه من المنزل وفور رؤيتها له وهو يتجه نحو السيارة ابتسمت باتساع وزادت اتساعًا عندما رأته يرفع رأسه للأعلى قبل أن يستقل بالسيارة وينظر لها غامزًا بنظرة أذابتها... *** توقف بلال أمام غرفة والدته وطرق عدة طرقات خفيفة حتى سمع صوتها تسمح للطارق بالدخول ففتح الباب ببطء ليلقي بنظره عليها أولًا قبل الدخول فيجدها فوق المقعد ساكنة تمامًا وتحدق في الفراغ بوجه عابس.

دخل وأغلق الباب خلفه ثم تقدم نحوها ليجذب المقعد الثاني ويجلس أمامها متمتمًا بحنو: "كيفك ياما دلوك." عفاف بصوت مبحوح: "زينة ياولدي الحمدلله." اقترب منها أكثر ورفع يده يمسح فوق شعرها بدفء وهو يسألها: "طيب فطرتي؟ هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه بملامح وجه ذابلة: "لا مليش نفس للوكل." أصدر بلال تأففًا قويًا امتزج بضيقه وحزنه على حال والدته ليقول لها بحزم وعبوس:

"ياما مينفعش اللي بتعمليه في روحك ده أنتي إكده بتضري صحتك.. أبوي مش هيرچع لما تبطلي تاكلي." فور ذكره لسيرة والده انهارت في البكاء الشديد وارتفع صوت نحيبها وسط كلماتها الموجوعة وهي تقول: "اتوشته قوي يا بلال أبوك.. راح وهو زعلان مني.. صدقني حتى لو غلط في حقي واتچوز عليا بس لساتني بحبه ومقدرش اشوف فيه حاچة وحشة بس هو خلاص راح ومعدش وسطينا.. أنا السبب أنا السبب."

لا بلال ذراعيه حولها وضمها لحضنه وهو يقبل رأسها بحب متمتمًا: "ادعيله ياما ربنا يرحمه بعدين محدش السبب في اللي حُصل أبوي غلط لما قتل خليل من البداية وبدأ التار ده." هزت رأسها بالرفض بيت ذراعين ابنها وهي تقول بانهيار شديد وبكاء عنيف: "لا أنا السبب أنا اللي وزيته وخليته يعمل إكده.. يمكن لو مكنتش عملت إكده كان زمانه وسطينا دلوك." غضن بلال حاجبيه بعدم فهم ثم أبعدها عنه ببطء لينظر لها في وجهها بحدة ويسألها:

"أنتي اللي وزتيه كيف يعني ياما؟! ردت بعدم وعي وسط حالتها المزرية ونحيبها القوي: "أنا اللي وزيته على قتل خليل ولعبت في دماغه." ظهر الذهول على قسمات بلال وهو يطالع أمه بعد استيعاب لما سمع للتو منها. جزء منه يكذب أذنيه والجزء الآخر يصدق تعابير وجهها التي تثبت صحة ما تقوله. دام الصمت القاتل بينهم للحظات حتى سمعت صيحة ابنها المنفعلة بها: "إيه اللي بتقوليه ده.. أنتي اللي خلتيه يقتل!

أدركت فداحة ما تفوهت به للتو وأنها فتحت بابًا من أبواب جهنم على نفسها دون أن تدري وربما ستخسر ابنها إن لم تحاول تدارك الموقف فأسرعت تقول لها وسط بكائها: "غلطت ياولدي ومكنتش عارفة أنا كنت بعمل إيه وأبوك ما صدق سمع مني ونفذ أنا كنت بقوله كلام وخلاص ومكنتش متخيلة أنه هيعمل إكده صُح وبعدين ندمت قوي والله." وثب بلال واقفًا وهو يصرخ بها بصوت جهوري وعصبية:

"ندمتي إيه بعد ما خلتيه يقتل الراچل.. قتل روح بريئة ملهاش ذنب بسببك وأهو نهايته كانت القتل برضوا زيه، انا ملحقتش افوق من صدمة موت أبوي ولا أن هو اللي قتله تقوليلي أن أنتي اللي خلتيه يقتله و...... استقامت واقفة بفزع من صراخه وخوف من خسارته فقالت بلهفة وصوت مرتجف: "والله يابلال ندمانة ولو رچع بيا الزمن عمري ما كنت هعمل إكده واصل." ضحك بسخرية وهو يقول بقسوة وغضب:

"رچع بيكي إيه عاد.. ما أنتي خلاص مات اتنين بسببك، أنا مكسوف أنك أمي، ربنا يسامحك دمرتي الكل بسبب شيطانك ده." أنهى عباراته واندفع لخارج الغرفة فأسرعت خلفه تمسك بذراعه لتوقفه وهو تتوسله باكية: "استنى ياولدي أبوس يدك متهملنيش." رمقها باشمئزاز وخزي ثم نفر يدها عن ذراعه بعنف وأكمل طريق للخارج ليرحل ويتركها وسط نوبة حزنها وندمها الشديد.... *** داخل منزل خليل صفوان.......

كانت فريال تقف بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة الإفطار لها ولزوجها بعد انتهائها من تجهيز شطائر أولادها ليذهبوا للدوام المدرسي بها ويتناولوها أثناء فترة الاستراحة. دخلت جليلة المطبخ وحين رأت فريال قالت باستغراب: "بتعملي إيه؟ التفتت لها فريال وقالت بنبرة طبيعية تمامًا دون تذمر: "بعمل الفطار ليا ولچوزي." رفعت جليلة حاجبها بسخرية لتقول في خنق: "وليه متفطروش مع الخلق على السفرة." هنا التفتت لها فريال ورمقتها بقوة تقول ببرود:

"عشان حابة افطر على انفراد مع چوزي في مانع يامرت عمي." وت جليلة فمها بغيظ وهي تتذكر كلمات ابنها لها وأنها ستخسره إذا حاولت تعكير سعادته مع زوجته فردت على فريال مقتضبة: "احمدي ربك على چوزك يارب تعرفي قيمته بس.. لو هسكتلك دلوك فعشان سعادة ولدي وبس وعشان مخسرهوش." ابتسمت فريال بثقة وحملت الصينية فوق يديها وتحركت بجانب جليلة متجهة نحو الباب وهو تقول بجدية: "زين أنك بدأتي تفكري في راحة ولدك وسعادته هو وعياله."

رافقتها جليلة بنظراتها مغتاظة حتى اختفت عن انظارها وغادرت المطبخ بأكمله، صعدت فريال الدرج ببطء وهي تحمل الطعام فوق يديها وعندما وصلت للطابق الثاني أخيرًا، توقفت وهي تلتقط أنفاسها فقد أصبح صعود السلالم أمر مرهق جسديًا لها مع تقدم الحمل وكبر بطنها.

تحركت نحو غرفتهم ودفعت الباب بقدمها فقد تركته مواربًا عندما خرجت، وجدته مازال نائمًا في الفراش بعمق فابتسمت له بحب وتقدمت إليه ثم انحنت ووضعت الطعام على الفراش بجواره وصعدت إليه لتقترب منه وتهمس في أذنه بصوت أنثوي يذهب العقل: "بابا يلا قوم." لم تحصل على ردة فعل منه فعادت تهمس بأنوثة أكثر وهي تبتسم: "بــابــا."

فتح عيناه أخيرًا بخمول وهو يضيق عيناه بتعجب من ذلك الصوت الأنثوي الذي يهمس في أذنه بـ " بابا " لوهلة ظن نفسه يحلم وابنته التي لم تولد بعد هي من تنده عليه هكذا. عندما التفت برأسه للجانب رأى زوجته وهي تبتسم له برقة وتهمس: "صباح الخير ياچلالي." سألها بنظرات تائهة وعدم فهم: "أنتي اللي كنتي بتقولي بابا؟!! ضحكت بخفة وردت وهي تشير لبطنها: "لا هي كانت بتنده عليك عايزاك تقوم عشان نفطر سوا."

انحرف نظره وسقط فوق صينية الطعام الموضوعة بجواره على الفراش فعاد بعيناه لها رافعًا حاجبه بدهشة ليجدها تقول في حنان جميل: "يلا قوم عاد عشان ناكل أنا وبتك چعانينا." ازدادت دهشته أكثر ثم اعتدل في نومته وهب جالسًا ليرفع كفه ويتحسس حرارة جسدها ووجهها متمتمًا بحيرة: "فريال أنتي تعبتي تاني ولا إيه؟! التزمت الصمت ولم تجيبه فقد اكتفت ببسمة ثغرها الساحرة فقط حتى وجدته يكمل بتعجب:

"فطار جاهز وچاي لغاية عندي على السرير وبتصحيني بكل رومانسية وحب.. ده إيه الدلع ده.. ده أنا آخر مرة دلعتيني فيها إكده كانت قبل چواز آسيا." انحنت عليه وقبلته من وجنته بعشق هامسة: "وكل يوم هدلعك إكده كمان ووعد هنرچع كيف الأول وهرچع فريال حبيبتك كيف ما كنت وهتغير ومش هخرج عن طوعك واصل تاني ومش هزعلك مني تاني كمان." رأت الذهول يحتل ملامحه وهو يطالعها بعدم استيعاب حتى قال مبتسمًا بعد برهة من الوقت والتحديق الطويل بها:

"فريال أنتي متأكدة أنك كويسة؟!!!! ضحكت هي رغمًا عنها وقالت بعد أن القت بجسدها عليه تعانقه وتدفن وجهها بين رقبته متمتمة: "اتوحشتك قوي واتوحشت أيامنا مع بعض.. معدتش متحملة مشاكل تاني ياچلال ولا زعل بينا.. كفاية حزني على أبوي مش عاوزة نكون أنا وأنت كمان بعاد عن بعض.. أنا سامحتك وأنت كمان سامحني واوعدك أني هتغير وارچع كيف الأول تاني."

أنفاسها الساخنة التي تلفح بشرته الغليظة ونبرتها الأنثوية الدافئة أذابت ثلوج قلبه. كان ينوي أن يعذبها قليلًا في بعده عنها لكنها هي من تفعل ولا يستطيع الصمود أمامها أكثر، فقلبه العاشق لا يعرف القسوة على حبيبته، وسيرفع راية استسلامه بكل سهولة أمام معذبته. همس لها ببحة رجولية تذيب القلب: "اتوحشتيني قوي يعني! هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم باتساع فقال بعبث ومكر: "طب ما توريني يلا."

فهمت ما يلمح إليه فضحكت بدلال وانحنت عليه وهي تلثم كل جزء تطوله شفتيها من وجهه ورقبته ثم تقول في النهاية بعدما انتهت: "هااا إيه رأيك؟ حدثنا بنظرة لعوب تنبض بالرغبة وهي يعتدل في جلسته ويهم بالانقضاض عليها: "تعالي أقولك رأي وأقولك كمان أنا اتوحشتك قد إيه." وضعت يدها فوق صدره توقفه وهي تضحك برقة وتهتف بفرحة: "استني بس المهم قولي أنت سامحتني خلاص صُح؟ تنهد الصعداء بقلة حيلة وهو يقول مبتسمًا:

"للأسف مش عارف اعمل إيه في قلبي الطيب ده اللي مبيتحملش زعلك ولا فراقك من كتر حبه فيكي.. لكنه أنتي چبارة." ابتسمت له بغنج وهي تهمس بغرام: "ما أنا وعدتك أني هتغير عاد.. بحبك قوي." انحنى ليلثم وجهها بعدة قبلات متفرقة وهو يتمتم بسعادة وحب: "وأنا كمان بحبك ياروح قلبي."

تركت العنان لنفسها لكي تنعم بتلك اللحظات العاطفية التي حرمت منها لشهور، تركت نفسها بين ذراعيه لكي تنسي كل أحزانها والآمها وتعيش فقط السعادة مع زوجها وحبيبها.... *** داخل غرفة عمران وآسيا بمنزل ابراهيم.....

كان يقف عمران أمام باب الحمام بانتظارها حتى تنتهي من إجراء الاختبار، لهفته وفرحته دفعته للوقوف بجوار الباب من فرط عدم صبره، كان يستند بذراعه على الحائط وعيناه عالقة على باب الحمام ينتظر خروجها بفارغ الصبر، وعندما طال انتظاره راح يطرق فوق الباب وهو يهتف: "آسيا!! ردت عليه متنهظة بقلة حيلة وهي تضحك: "لحظة ياعمران استنى."

أصدر زفيرًا حارًا في نفاذ صبر وظل مكانه كما هو يكمل انتظاره لها وبعد لحظات قصيرة أخيرًا انفتح الباب وخرجت وهي ممسكة بالاختبار بيدها فاسرعت نحوه وهو يسألها بتلهف: "هااا طلعت النتيچة؟ رمقته بوجه جامد خالي من التعابير ومدت يدها له بالاختبار تناوله له.. للحظة ظن أن النتيجة سلبية وتسلل اليأس والحزن لقلبه وعندما نظر في الشريط ورأى خطين من اللون الأحمر رفع رأسه لها يسألها بعدم فهم: "إيه معناهم الخطين دول؟

طال صمتها وهي تطالعه بنفس تعابيرها الجامدة حتى انفرجت شفتيها عن ابتسامة عريضة ولمعت عيناها بوميض الفرحة والحماس وراحت تلقي بجسدها عليه وتتعلق في رقبته ضاحكة وهي تهتف: "يعني حامل ياعمران هتبقى بابا قريب."

طال السكون الغريب على عمران ثم أبعدها عنه ببطء وراح ينقل نظره بين الشريط الذي بيده وبينها حتى اتسعت أخيرًا بسمته الرجولية وانحنى عليها يوزع قبلاته على وجهها وبالنهاية يلتقي معها في نقطة الاتصال الغرامية معبرًا عن مشاعره الجيَّاشة وسعادته بطفله الأول الذي سيشرف بعد شهور. عندما فاقت من سيل مشاعره وجدته جالس فوق الفراش وهي تجلس فوق قدميه بحضنه وهو يهمس لها بأحساسيس تشهده منه لأول مرة:

"نستيني كل همومي وحزني بالخبر ده ياغزالي، مهما اعبرلك عن فرحتي مش هعرف أوصف، وأخيرًا ولي العهد هيشرف قريب." ابتسمت وتمتمت بدلال: "هيطلع شبهك أن شاء الله في كل حاچة يامعلم." اقترب منها ليلثم وجنتيها بدفء متمتمًا: "أن شاء الله ياروح المعلم.. المهم احجزي عند دكتور على بليل عشان نروح وتتابعي من الأول وترتاحي ومتعمليش أي حاچة أنا عاوزك تبقي كيف الملوك تفضلي في سريرك مكانك وأنا هوصي أمي تريحك ومتخلكيش تعملي حاچة."

ضحكت بسخرية عند ذكر أمه وقالت برزانة: "لا بلاش أمك ياعمران أنت عارف أنا وهي كيف مع بعض أصلًا وأنا تعبانة ومش حمل مشاكل." هتف بلهجة رجولية حازمة: "مفيش حاچة اسمها بتحبك ولا مبتحبكيش دلوك أنتي حامل في ولدي يعني اللي فات حاچة واللي احنا فيه دلوك حاچة تانيا." احتضنت وجهه بين كفيها وهي تضحك برقة وتهمس:

"أنا كويسة والله دلوك ولما احس نفسي تعبانة هروح اقعد كام يوم في بيت أبوي مع أمي.. يعني بلاش نعمل توتر من مفيش وكمان أمك كتر خيرها أنت عارف وضعها كيف لسا أبوك مكملش أسبوع حتى يعني كفاية نفرحهم بس بالخبر." عادت بسمته لثغره مجددًا وهو يهمس لها بنظرات عاشقة: "ماشي ياغزال اللي تحبيه.. من إهنه ورايح كل طلباتك أوامر."

رمقته بحب وهي تبتسم باتساع وسعادة باهتمامه وغرامه الشديد لها ودون تفكير كانت تنحني عليه مجددًا لكي تنغمس معه في لحظاتهم الخاصة والعاشقة... *** بالأسفل ارتفع صوت رنين الباب فتوجهت عفاف نحوه لكي تفتح وكانت إخلاص تجلس على الأريكة تحدق في الفراغ أمامها شاردًا.. بينما عفاف جذبها للباب اصطدمت بداليا التي كانت تقف بملابس سوداء ومعها ابنتها الصغيرة وعيناها منتفخة من فرط البكاء. حدقتها عفاف بصدمة وسرعان ما تحولت نظراتها

للشراسة وهي تصرخ بها: "أنتي إيه اللي چايبك إهنه؟! ردت داليا بصوت مبحوح وضعيف: "جاية بيت جوزي ياعفاف وبنتي ليها الحق تشوف اخواتها وتكون وسطهم بعد موت أبوها..........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...